.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
تشكَّلت أول مستوطنة آيسلندية في القرن التاسع الميلادي، من مجموعات مهاجرة من النرويج وإسكتلندا. والأساطير المقترنة بهذه المستعمرات الأولى تقول إن مُبرِّر هجرتها كان الفرار إمَّا من المجاعة، أو الثأر، أو الحرب. تلك السمة الدرامية لا تزال في صميم القصة الآيسلندية المُحتفية بقيم التحدّي والمغامرة والصبر على الشظف. ولعلَّ رواية هالدور لاكسنس المعنونة بـ"أناس مستقلون" والمنشورة عام 1934م، هي خير نصّ أدبي يصوّر لنا ذلك الموروث.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
تبدأ مغامرة القادم إلى آيسلندا من مطار كيفلافيك الدولي، الذي يبدو أشبه بمركز تسوّقٍ، ويخلو من بوابات ختم الجوازات للواصلين (إذ يحدث ذلك في الدول الأوروبية التي تتوقف فيها رحلة الترانزيت)؛ وهي إشارةٌ إلى الزائر بأن هذا البلد مضياف، لكنه ليس خاضعًا للصورة النمطية. فرصُ التسوّق موجودة، لكنها ليست وفيرة. والمدن الرئيسة أغلبها على الساحل الجنوبي، وهي متباعدةٌ بمساحاتٍ بكرٍ مفتوحةٍ وقليلة العمران. والآتي إلى هنا يبحث عن مغامرة طبيعية في المقام الأول. أمَّا سياحة المطاعم والكوفي شوب، فلعلَّ دولًا أخرى أولى بها.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
جبال جليد ونوافير تغلي
تحفل الجزيرة الآيسلندية بمعالم طبيعية مميزة، من أبرزها الأنهار الجليدية أو المثالج التي تتّخذ هيئة كتل جبلية، تحفرُ فوق قشرة الأرض ببطء شديد عبر الأحقاب. وتمثّل هذه الجبال فرصًا نادرة لدراسة طبقات الأرض والجو بمكوناتها الصلبة والغازية؛ لأنها تحفظها كالثلاجات. ولأن هذه الأنهار الجليدية الهائلة تتقدّم فوق طبقات بركانية نشطة، فإن تفاعل الصهارة مع الجليد يؤدي إلى صراع مخيف بين جبابرة الطبيعة، تنجم عنه انفجارات هائلة وفيضانات وتشكيلات استثنائية ترسمها الصهارةُ السائلة؛ فإمَّا أن تُذيب الجليدَ أو يُطفئها الجليدُ. وبسبب هذا الصراع يتغيّر شكل التكوينات الجليدية كل بضع سنوات. المتنزهات الجليدية ساحرةٌ بكل المقاييس ومتاحةٌ للسيّاح، وتقصدها أستوديوهات هوليوود لتصوير مشاهد ظهرت في أفلام "حرب النجوم" و"إنترستيلر" ومسلسل "لعبة العروش"؛ إذ أدَّى الرياضي الآيسلندي هافثور بيورنسون دوره المميز في شخصية (الجبل).
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
وبسبب الصِهارة النشطة التي تطفو فوقها الجزيرة الآيسلندية، فإنها تحفل بالعيون الحارة التي استُغلّت بأكثر من طريقة: أولًا هناك الحمامات الكبريتية المعروفة وأشهرها "بلو لاغوون" التي تستمد حرارتها من جوف الأرض وتُعرف بسماتها الاستشفائية والاجتماعية. فطقسُ الاستحمام الحار (الساونا) هو النظير الإسكندنافي لجلسة المقهى؛ إذ يجتمع الناس للدردشة والاسترخاء. هذه الينابيع الجوفية تنزُّ أحيانًا على السطح، وتتفجر نوافير عالية في مناطق جُدّدت كمتنزهاتٍ بيئيةٍ. لكن الاستغلال الأبرز كان تحويل حرارة جوف الأرض إلى مصدر طاقة مستدام يمدّ الدولة الآيسلندية بنسبة 30% من حاجتها إلى الكهرباء. وتُنتج آيسلندا نحو 90% من طاقتها عبر الموارد المتجددة.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
بالإضافة إلى الثروة المائية التي تمنح الطبيعة الإسكندنافية سحرها على مدار العام، من بحيرات وشلالات وأنهار جليديّة، فإن آيسلندا بموقعها القطبي تعِدُ الزائر بظاهرة خاصة، ألا وهي الشفق القطبي؛ إذ يؤدي تفاعل الإشعاع الشمسي مع غازات الأكسجين والنيتروجين في طبقات الجوِّ العليا إلى انبعاثات للطاقة تظهر للعين البشرية مثل تموجاتٍ خضراء وزرقاء وبنفسجية في سماء الليل. وتُعدّ تلك واحدةً من أهم عوامل الجذب السياحي للدول الإسكندنافية عامةً، ولآيسلندا خاصةً؛ إذ لاقت رواجًا عالميًا كبيرًا، لا سيَّما بين سيَّاح جنوب شرق آسيا، وذلك بفضل تأثير شبكات التواصل الاجتماعي.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
“
بلادٌ تعتدّ بالهوية الجمعية، والتماهي مع الطبيعة، وحب الاستكشاف، والعثور على الجمال في أبسط الموجودات. والشفق القطبي أبرز عوامل الجذب السياحي إليها.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
العاصمة الإسكندنافية "ريكيافيك" مدينة أوروبية عصرية مريحة وجميلة. وتتضمن كثيرًا من أسماء المدن الآيسلندية اللاحقة "فيك"، وهي تعني "الخور" أو "الخليج". أمَّا ريكيافيك، فتعني "خليج الضباب". وتجسّد ريكيافيك اليوم السيرة المعاصرة للأمة الآيسلندية الطامحة إلى إثبات هويتها بعد قرونٍ من التبعية للتاجين النرويجي، ثم الدنماركي، وصولًا إلى الاستقلال خلال الحرب العالمية الثانية. ويعتزُّ الآيسلنديون كثيرًا بنضالهم السلمي في سبيل الاستقلال وروح الجماعة التي وسمت تاريخهم منذ برلمان القبائل الذي تشكّل عام 930م؛ ليكون أقدم برلمان مستمر في التاريخ. لذا، تكثر تماثيل الآباء المؤسسين للقومية الآيسلندية في العاصمة وحول مبنى البرلمان الجديد. كما تعجُّ المدينة بالمتاحف، وتحتفي بقيم الفن والانفتاح على الثقافات. ويُعدّ برج الكنيسة أبرز معالمها، وهو أطول مبنى في البلاد.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
كتابة وتصوير: د. أشرف فقيه، كاتب سعودي.