Hero image

آيسلندا.. أرض الجليد والنار

د. أشرف فقيه

مايو 6, 2026

شارك
زارت "عين وعدسة" آيسلندا في فبراير 2026م، وكان الفريق محظوظًا بموسم شتاء مستقر خالٍ من العواصف الثلجية؛ وإلَّا، فإن الشتاء الآيسلندي في ذروته قاسٍ لا يرحم. إذ إن موقع آيسلندا الشمالي النائي وعزلتها وسط البحار العاتية فرضَا عليها مناخًا متطرفًا وعزلة أثّرا في جميع صور الحياة، بما فيها البشر؛ وهو ما أكسب الإرث الإنساني الأيسلندي خصوصيةً ظاهرة حتى يومنا هذا. 
 
تمثّل الجزيرة الآيسلندية حالةً استثنائية على صُعُدٍ عدّةٍ. فجيولوجيًّا هي عبارة عن نتوء بركاني هائل تشكَّل عبر ملايين السنين فوق الشقّ القاريّ في المحيط الأطلسي الفاصل بين الصفيحتين الأمريكية والأوروبية. ومعلومٌ أن هذا الشق هو في حالة حراك دائم. لذا، فإن آيسلندا كانت، وما زالت، ابنة الزلازل والبراكين النشطة التي ثار آخرها في صيف 2025م. ولعلَّ القارئ يذكر ثوران عام 2010م الشهير الذي عطّل غباره الملاحة الجوية فوق 20 دولة أوروبية لأسبوع كامل.


 تشكَّلت أول مستوطنة آيسلندية في القرن التاسع الميلادي، من مجموعات مهاجرة من النرويج وإسكتلندا. والأساطير المقترنة بهذه المستعمرات الأولى تقول إن مُبرِّر هجرتها كان الفرار إمَّا من المجاعة، أو الثأر، أو الحرب. تلك السمة الدرامية لا تزال في صميم القصة الآيسلندية المُحتفية بقيم التحدّي والمغامرة والصبر على الشظف. ولعلَّ رواية هالدور لاكسنس المعنونة بـ"أناس مستقلون" والمنشورة عام 1934م، هي خير نصّ أدبي يصوّر لنا ذلك الموروث.
 
بلد المغامرة المفتوحة

تبدأ مغامرة القادم إلى آيسلندا من مطار كيفلافيك الدولي، الذي يبدو أشبه بمركز تسوّقٍ، ويخلو من بوابات ختم الجوازات للواصلين (إذ يحدث ذلك في الدول الأوروبية التي تتوقف فيها رحلة الترانزيت)؛ وهي إشارةٌ إلى الزائر بأن هذا البلد مضياف، لكنه ليس خاضعًا للصورة النمطية. فرصُ التسوّق موجودة، لكنها ليست وفيرة. والمدن الرئيسة أغلبها على الساحل الجنوبي، وهي متباعدةٌ بمساحاتٍ بكرٍ مفتوحةٍ وقليلة العمران. والآتي إلى هنا يبحث عن مغامرة طبيعية في المقام الأول. أمَّا سياحة المطاعم والكوفي شوب، فلعلَّ دولًا أخرى أولى بها.
 
تُعدّ المساحاتُ المتاخمة للمطار الدولي على امتداد الطريق إلى العاصمة "ريكيافيك"، مسطحةً وخاليةً من الغابات الشجرية. وهذه ملاحظة تثير الاهتمام؛ لأن الغطاء النباتي لنطاق "التندرا" البيئي الذي تنتمي إليه الدول الإسكندنافية معروفٌ تقليديًا بغاباته الصنوبرية الهائلة. لكن آيسلندا تُعدّ استثناءً بسبب أرضيتها البركانية الصخرية، التي لا تمتلك في معظمها طبقةً ترابية عميقة بما يكفي لاحتضان جذور الأشجار الكبيرة. وتزعم الأساطير أن المستعمرين الأوائل من قبائل "الفايكنغ" قطعوا كل الأشجار ليبنوا السفن التي خاضوا بها البحار للغزو واستكشاف المجهول. ويفضّل الآيسلنديون هذه النسخة من الحكاية. إذ يُعتقد أن أول أوروبي وصل إلى القارة الأمريكية كان آيسلنديًا اسمه "ليف إريكسون"، بلغ شمال كندا قبل "كولومبوس" بخمسة قرونٍ. ولا يزال تمثاله المُهدى من الحكومة الأمريكية عام 1930م قائمًا في وسط العاصمة.
 

جبال جليد ونوافير تغلي

تحفل الجزيرة الآيسلندية بمعالم طبيعية مميزة، من أبرزها الأنهار الجليدية أو المثالج التي تتّخذ هيئة كتل جبلية، تحفرُ فوق قشرة الأرض ببطء شديد عبر الأحقاب. وتمثّل هذه الجبال فرصًا نادرة لدراسة طبقات الأرض والجو بمكوناتها الصلبة والغازية؛ لأنها تحفظها كالثلاجات. ولأن هذه الأنهار الجليدية الهائلة تتقدّم فوق طبقات بركانية نشطة، فإن تفاعل الصهارة مع الجليد يؤدي إلى صراع مخيف بين جبابرة الطبيعة، تنجم عنه انفجارات هائلة وفيضانات وتشكيلات استثنائية ترسمها الصهارةُ السائلة؛ فإمَّا أن تُذيب الجليدَ أو يُطفئها الجليدُ. وبسبب هذا الصراع يتغيّر شكل التكوينات الجليدية كل بضع سنوات. المتنزهات الجليدية ساحرةٌ بكل المقاييس ومتاحةٌ للسيّاح، وتقصدها أستوديوهات هوليوود لتصوير مشاهد ظهرت في أفلام "حرب النجوم" و"إنترستيلر" ومسلسل "لعبة العروش"؛ إذ أدَّى الرياضي الآيسلندي هافثور بيورنسون دوره المميز في شخصية (الجبل). 

 من أبرز الملامح الطبيعية في آيسلندا كذلك الشواطئ السوداء، التي اكتسبتْ لونَها من تربتها البركانية. والتضاريس البركانية هنا عمومًا مشابهةٌ لـ"اللابات" و"الحِرار" في غرب الجزيرة العربية. لكن سواحل آيسلندا السوداء، وأشهرها عند بلدة "فيك"، تتميز بتكوينات حجرية بديعة. وتضرب هذا الشاطئ أمواجٌ عاتيةٌ تجعلها غير صالحة للسباحة، ولا حتى للمشي بمحاذاتها معظم أوقات السنة.

وبسبب الصِهارة النشطة التي تطفو فوقها الجزيرة الآيسلندية، فإنها تحفل بالعيون الحارة التي استُغلّت بأكثر من طريقة: أولًا هناك الحمامات الكبريتية المعروفة وأشهرها "بلو لاغوون" التي تستمد حرارتها من جوف الأرض وتُعرف بسماتها الاستشفائية والاجتماعية. فطقسُ الاستحمام الحار (الساونا) هو النظير الإسكندنافي لجلسة المقهى؛ إذ يجتمع الناس للدردشة والاسترخاء. هذه الينابيع الجوفية تنزُّ أحيانًا على السطح، وتتفجر نوافير عالية في مناطق جُدّدت كمتنزهاتٍ بيئيةٍ. لكن الاستغلال الأبرز كان تحويل حرارة جوف الأرض إلى مصدر طاقة مستدام يمدّ الدولة الآيسلندية بنسبة 30% من حاجتها إلى الكهرباء. وتُنتج آيسلندا نحو 90% من طاقتها عبر الموارد المتجددة.
 
اقتصاد الشفق والقدّ

بالإضافة إلى الثروة المائية التي تمنح الطبيعة الإسكندنافية سحرها على مدار العام، من بحيرات وشلالات وأنهار جليديّة، فإن آيسلندا بموقعها القطبي تعِدُ الزائر بظاهرة خاصة، ألا وهي الشفق القطبي؛ إذ يؤدي تفاعل الإشعاع الشمسي مع غازات الأكسجين والنيتروجين في طبقات الجوِّ العليا إلى انبعاثات للطاقة تظهر للعين البشرية مثل تموجاتٍ خضراء وزرقاء وبنفسجية في سماء الليل. وتُعدّ تلك واحدةً من أهم عوامل الجذب السياحي للدول الإسكندنافية عامةً، ولآيسلندا خاصةً؛ إذ لاقت رواجًا عالميًا كبيرًا، لا سيَّما بين سيَّاح جنوب شرق آسيا، وذلك بفضل تأثير شبكات التواصل الاجتماعي.
 
تسهم السياحة بنحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي الآيسلندي. وبالرغم من ارتفاع مستويات الرفاهية فيها عمومًا، بالنظر إلى عدد سكانها الذي لا يتجاوز أربعمائة ألف نسمة، إلا أنها لا تُصنّف ضمن الدول الثرية، بل هي شديدة الفقر بمواردها الطبيعية. والآيسلندي المعاصر متحفظ حدَّ الانطواء، يتجنب البهرجة ويُقّدر البساطة والعملية والروح الجماعية. وهو نمطٌ وُرِث عن الأجداد ورسّخته الظروف. كما أن مناخها وتضاريسها القاسية تتحدّى الزراعة، وهو ما ينعكس على فقر مراعيها وتواضع ثروتها الحيوانية. لكن أحد أشهر مواردها الاقتصادية مصدره البحر، ألا وهو "سمك القدّ" الذي يحظى بمكانةٍ راسخةٍ في التراث والمطبخ الآيسلندي. ويسع الزائر أن يرى إلى اليوم مناشر تجفيف القدّ وفقَ الطريقة القديمة. ومن الطريف أن تلك الطريقة صحية وآمنة، نظرًا لانعدام الذباب والبعوض في آيسلندا، وغياب المفترسات التقليدية كالذئاب والدببة القطبية. ويسع الزائر أيضًا أن يستمتع بأطباق مميزة من خدود رأس القدّ، إضافةً إلى لحم الضأن الذي تنال قطعانه عنايةً خاصةً خلال فصل الشتاء. يحب الآيسلنديون كذلك الكعك والسكاكر لمحتواها الحراري العالي. أمَّا الخضار والفواكه، فهي مستوردة وغالية الثمن. وتُعدّ آيسلندا من الدول ذات كلفة الحياة العالية عمومًا. وقد تأثرت الدولة بشدةٍ بالأزمة المالية العالمية عام 2008م، حتى إنها أعلنت إفلاسها، وهو ما دفعها إلى إجراء مراجعةٍ شاملةٍ لسياستها الاقتصادية.
 

بلادٌ تعتدّ بالهوية الجمعية، والتماهي مع الطبيعة، وحب الاستكشاف، والعثور على الجمال في أبسط الموجودات. والشفق القطبي أبرز عوامل الجذب السياحي إليها.

ريكيافيك خليج الضباب

العاصمة الإسكندنافية "ريكيافيك" مدينة أوروبية عصرية مريحة وجميلة. وتتضمن كثيرًا من أسماء المدن الآيسلندية اللاحقة "فيك"، وهي تعني "الخور" أو "الخليج". أمَّا ريكيافيك، فتعني "خليج الضباب". وتجسّد ريكيافيك اليوم السيرة المعاصرة للأمة الآيسلندية الطامحة إلى إثبات هويتها بعد قرونٍ من التبعية للتاجين النرويجي، ثم الدنماركي، وصولًا إلى الاستقلال خلال الحرب العالمية الثانية. ويعتزُّ الآيسلنديون كثيرًا بنضالهم السلمي في سبيل الاستقلال وروح الجماعة التي وسمت تاريخهم منذ برلمان القبائل الذي تشكّل عام 930م؛ ليكون أقدم برلمان مستمر في التاريخ. لذا، تكثر تماثيل الآباء المؤسسين للقومية الآيسلندية في العاصمة وحول مبنى البرلمان الجديد. كما تعجُّ المدينة بالمتاحف، وتحتفي بقيم الفن والانفتاح على الثقافات. ويُعدّ برج الكنيسة أبرز معالمها، وهو أطول مبنى في البلاد.
 دروب وسط المدينة مهيأة للمشاة بما يحفّها من حوانيت للمنتجات التقليدية والمطاعم والمقاهي وماركات الملابس الشتوية التي تتميز بها البلاد. وغير بعيدٍ عنه يقع متحف التاريخ الطبيعي ومتحف الفن المعاصر الذي حوى معرضًا للفنان الآيسلندي الشهير إيرو (Erró) وقت زيارتنا. أمَّا ممشى الكورنيش، ففرصة بديعة للاستمتاع بمنظر الجبال؛ إذ تلتقي بالبحر على مشهد من البيوت الواطئة الجميلة والبسيطة، التي تكرس فلسفة آيسلندا في الاعتداد بالهوية الجمعية، والتماهي مع الطبيعة، وحب الاستكشاف، والعثور على الجمال في أبسط الموجودات.
 

 

كتابة وتصوير: د. أشرف فقيه، كاتب سعودي.