.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
كثيرًا ما نختبر شعورًا غامضًا لا يمكن تفسيره بسهولة: نفورٌ مفاجئ من شخص لم نعرفه بعدُ، أو إحساسٌ خافت بأن مكانًا ما يسبب الكآبة من دون سبب واضح. هذه اللحظات التي نختزلها عادةً في كلمة "الحَدْس" لا تظهر كفكرة مكتملة، وإنما تتجلى كأثر سابق على التفسير، يتشكَّل في مستوى يصعب القبض عليه لغويًا. وعلى الرغم مما يبدو عليه هذا الشعور من ذاتية واعتباطية، فإن ثقافات عديدة توصي بالإصغاء إليه وعدم تجاهله، كما أن أهميته أصبحت قضية في عصر الرقمنة.
يربط العرب بين الحدس والقلب فيقولون: "قلبي دليلي"، ويقول الأمريكيون مثلًا: "trust your gut" (ثق بما في داخلك)، في حين يقول الفرنسيون: "avoir du flair" (أن يكون لديك حاسة شم). وعلى نحو لافت، لا تبتعد دراسات علم الأعصاب والإدراك كثيرًا عن هذا الحدس الثقافي؛ إذ تشير إلى أن الحدس قد يكون نتاج عمليات معقدة من المعالجة اللاواعية، تتقاطع فيها الخبرات السابقة، والإشارات الجسدية، والتوقعات الضمنية. وبهذا المعنى، لا يُفهم الحدس نقيضًا للعقل، بل هو أحد أشكاله الأولية: معرفة مكثفة وسريعة، تومض قبل أن تُقال.
إذا كان ما نُسمِّيه حدسًا، أي ذلك الأثر الخافت الذي يسبق الفكرة ويعبر الجسد قبل أن يُصاغ قولًا، يتشكَّل، كما تقترح التقاليد الفلسفية، في عمق تجربة متجسّدة يظهر فيها الإدراك للوعي بوصفه إحساسًا فوريًا بالمعرفة؛ فإن التحوُّل الذي تطرحه تقنيات واجهات الدماغ الحاسوبية، كما تطورها مشروعات مثل Neuralink وSynchron، يسعى إلى إعادة ترتيب البنية الإدراكية نفسها. فحين تُترجم الإشارات العصبية إلى أوامر رقمية، ينشأ وسيط جديد بين النية والفعل، وتنبثق إمكانية مقلقة بقدر ما هي مغرية: أن يتحوَّل ما كان يُعاش كحالة إدراكية داخلية مراوغة إلى موضوع للرصد والنمذجة والتكييف الخوارزمي. وعند هذه العتبة، لا تُعيد هذه التقنيات تشكيل ما ندركه ونفعله فحسب، بل تمتد إلى ما كنا نَعُدُّه معرفة تنبع منا في صمت غامض وعصي، كأحد أسرارنا المغرية.
يربط العرب بين الحدس والقلب فيقولون: "قلبي دليلي"، ويقول الأمريكيون مثلًا: "trust your gut" (ثق بما في داخلك)، في حين يقول الفرنسيون: "avoir du flair" (أن يكون لديك حاسة شم). وعلى نحو لافت، لا تبتعد دراسات علم الأعصاب والإدراك كثيرًا عن هذا الحدس الثقافي؛ إذ تشير إلى أن الحدس قد يكون نتاج عمليات معقدة من المعالجة اللاواعية، تتقاطع فيها الخبرات السابقة، والإشارات الجسدية، والتوقعات الضمنية. وبهذا المعنى، لا يُفهم الحدس نقيضًا للعقل، بل هو أحد أشكاله الأولية: معرفة مكثفة وسريعة، تومض قبل أن تُقال.
إذا كان ما نُسمِّيه حدسًا، أي ذلك الأثر الخافت الذي يسبق الفكرة ويعبر الجسد قبل أن يُصاغ قولًا، يتشكَّل، كما تقترح التقاليد الفلسفية، في عمق تجربة متجسّدة يظهر فيها الإدراك للوعي بوصفه إحساسًا فوريًا بالمعرفة؛ فإن التحوُّل الذي تطرحه تقنيات واجهات الدماغ الحاسوبية، كما تطورها مشروعات مثل Neuralink وSynchron، يسعى إلى إعادة ترتيب البنية الإدراكية نفسها. فحين تُترجم الإشارات العصبية إلى أوامر رقمية، ينشأ وسيط جديد بين النية والفعل، وتنبثق إمكانية مقلقة بقدر ما هي مغرية: أن يتحوَّل ما كان يُعاش كحالة إدراكية داخلية مراوغة إلى موضوع للرصد والنمذجة والتكييف الخوارزمي. وعند هذه العتبة، لا تُعيد هذه التقنيات تشكيل ما ندركه ونفعله فحسب، بل تمتد إلى ما كنا نَعُدُّه معرفة تنبع منا في صمت غامض وعصي، كأحد أسرارنا المغرية.
“
في أكثر تعريفاته علميةً، يظلُّ الحدس مرتبطًا بطبقات من التجربة يصعب تعريفها أو اختزالها إلى بيانات، على الرغم من انشغال الفلاسفة وعلماء الأعصاب به.
ما بعد الإنسانية وتوزيع الوعي
وفق هذا التطور في التعامل مع الوعي والإدراك، يتخذ مفهوم "ما بعد الإنسانية" دلالته الكاملة؛ إذ يشير هذا المفهوم إلى أن الإنسان لم يعد ذاتًا مكتفية ومستقلة، بل أصبح نظامًا موزَّعًا عبر شبكات بيولوجية وتقنية يُعاد من خلالها توزيع الوعي وتوسيع دائرته ليشمل طيفًا واسعًا من الكائنات الحية من البكتيريا إلى النباتات والحيوانات، وصولًا إلى الأنظمة التقنية، كما تشير نانسي كاثرين هايلز في مؤلفاتها الكثيرة التي كرَّستها لمشروعها الفكري عن هذا المفهوم. فهي ترى أن الإدراك ظاهرة موزَّعة ومتعددة المستويات، لا مركزية ولا إنسانية بالضرورة. وفي كتابها الأخير "من البكتيريا إلى الذكاء الاصطناعي: مستقبل الإنسان ضمن المنظومات التكافلية اللابشرية"، تطرح هايلز نموذجًا تطلق عليه "الأومفيلت" (العالم المدرك للكائن)، أو بعبارة أخرى: تقترح وجود أشكال إدراك مختلفة جذريًا عن الإدراك البشري، وصولًا إلى مفهوم التجمعات الإدراكية الكبرى التي يمكن من خلالها ربط الإنسان بالتقنية ضمن أنظمةٍ هجينةٍ، قادرةٍ نظريًا على توجيه قُوى مثل الرأسمالية نحو أهداف بيئية أكثر استدامةً.
وفق هذا التطور في التعامل مع الوعي والإدراك، يتخذ مفهوم "ما بعد الإنسانية" دلالته الكاملة؛ إذ يشير هذا المفهوم إلى أن الإنسان لم يعد ذاتًا مكتفية ومستقلة، بل أصبح نظامًا موزَّعًا عبر شبكات بيولوجية وتقنية يُعاد من خلالها توزيع الوعي وتوسيع دائرته ليشمل طيفًا واسعًا من الكائنات الحية من البكتيريا إلى النباتات والحيوانات، وصولًا إلى الأنظمة التقنية، كما تشير نانسي كاثرين هايلز في مؤلفاتها الكثيرة التي كرَّستها لمشروعها الفكري عن هذا المفهوم. فهي ترى أن الإدراك ظاهرة موزَّعة ومتعددة المستويات، لا مركزية ولا إنسانية بالضرورة. وفي كتابها الأخير "من البكتيريا إلى الذكاء الاصطناعي: مستقبل الإنسان ضمن المنظومات التكافلية اللابشرية"، تطرح هايلز نموذجًا تطلق عليه "الأومفيلت" (العالم المدرك للكائن)، أو بعبارة أخرى: تقترح وجود أشكال إدراك مختلفة جذريًا عن الإدراك البشري، وصولًا إلى مفهوم التجمعات الإدراكية الكبرى التي يمكن من خلالها ربط الإنسان بالتقنية ضمن أنظمةٍ هجينةٍ، قادرةٍ نظريًا على توجيه قُوى مثل الرأسمالية نحو أهداف بيئية أكثر استدامةً.
يتعرض الحدس في نموذج هايلز لإعادة توصيف دقيقة؛ إذ ينتقل من كونه معرفةً جُوانيَّة متعلقة بالإنسان والجسد والزمن والخبرة، إلى نمط يمكن، ولو جزئيًا، التقاط إشاراته الأولية، والتنبؤ به، وربَّما توجيهه والتأثير في شروط تشكُّله. غير أن هذا التحول لا ينجز قطيعةً كاملة مع التصورات السابقة بقدر ما يكشف هشاشتها: فالحدس، حتى في أكثر تعريفاته علمية، يظل مرتبطًا بطبقات من التجربة يصعب تعريفها أو اختزالها إلى مجرد بيانات. ويظل الوعي، مع قابليته للتوسُّع خارج حدوده العضوية، مشروطًا في الفلسفة التقليدية بتلك المسافة التأملية التي يتشكَّل فيها المعنى قبل أن يظهر في شكل إشارات أو استجابات. وفي هذا التوتر تحديدًا، بين قابلية الحدس للقياس والترجمة ومقاومته لها، يُطرح أحد أكثر أسئلة الحاضر إلحاحًا: ليس عمَّا إذا كانت الآلة ستفكر مثل البشر، بل عمَّا إذا كان البشر قادرين على الاستمرار في امتلاك هذا الوعي الجواني الفريد.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
وجهات نظر فلسفية
في ضوء هذا التحول، تبدو العودة إلى أعمال موريس ميرلو بونتي وهنري برغسون، وغيرهم من الفلاسفة الذين شغلهم سؤال الوعي والحدس، أشبه بمحاولة لإعادة تثبيت نقطة ارتكاز؛ لا دفاعًا عن "الإنسان القديم"، بل سعيًا نحو تفكيك فكرة إمكانية اختزال الحدس بالكامل إلى رموز وخوارزميات. فمن وجهة نظر ميرلو بونتي، لا يظهر الحدس بوصفه ملَكةً مستقلةَ، بل بوصفه أثرًا مباشرًا لكوننا كائنات متجسّدة في العالم. فنحن، كما يجادل، لا نواجه الواقع أولًا ثم نفسره، بل ننخرط في نسيجه الإدراكي قبل أن نصوغه مفهوميًا. ومن هنا، فإن ما نسمّيه حدسًا ليس إلا لحظة انكشاف أولى لهذا الانخراط: معرفة تنبثق من تماس الجسد مع العالم، ومن إيقاع الحركة والألفة الحسية التي تتشكَّل قبل اللغة.
أمَّا عند برغسون، فإن الحدس أداة إدراك لجوهر الحياة متصل بالديمومة؛ أي بالزمن الداخلي الذي يُعاش ولا يُقاس. فالمعرفة الحدسية لديه هي معرفة مباشرة باطنية تتيح للذات الالتحام بباطن الأشياء والغوص فيها. ويصف برغسون الحدس بأنه تعاطف روحي ينفذ إلى باطن المادة مباشرةً، بعكس العقل الذي يقدّم معرفة خارجية نسبية تشبه الطيران فوق الأشياء. وإذا كان العالم التقني المعاصر يُسرع في تقليص الفواصل الزمنية بين النيَّة والتنفيذ، فإن هذا التسارع لا يهدِّد خاصية البطء التي تميِّز الحدس عند برغسون فحسب، بل تتجاوزه إلى ذلك الزمن الدقيق الذي يتشكَّل فيه الحدس بوصفه خبرةً ممتدةً، وليس مجرد ومضة معزولة. الحدس كما يقدّمه برغسون يقابل السرعة، ويحتاج إلى زمن داخلي كافٍ كي يتكون. وعلى ذلك، فإن كل تسريع قسري لعمليات الإدراك يحمل معه خطرًا خفيًا يتمثّل في اختزال التجربة إلى نتائج بدلًا من السماح لها بأن تتكشف بوصفها عمليةً تمتاز بالديمومة.
في ضوء هذا التحول، تبدو العودة إلى أعمال موريس ميرلو بونتي وهنري برغسون، وغيرهم من الفلاسفة الذين شغلهم سؤال الوعي والحدس، أشبه بمحاولة لإعادة تثبيت نقطة ارتكاز؛ لا دفاعًا عن "الإنسان القديم"، بل سعيًا نحو تفكيك فكرة إمكانية اختزال الحدس بالكامل إلى رموز وخوارزميات. فمن وجهة نظر ميرلو بونتي، لا يظهر الحدس بوصفه ملَكةً مستقلةَ، بل بوصفه أثرًا مباشرًا لكوننا كائنات متجسّدة في العالم. فنحن، كما يجادل، لا نواجه الواقع أولًا ثم نفسره، بل ننخرط في نسيجه الإدراكي قبل أن نصوغه مفهوميًا. ومن هنا، فإن ما نسمّيه حدسًا ليس إلا لحظة انكشاف أولى لهذا الانخراط: معرفة تنبثق من تماس الجسد مع العالم، ومن إيقاع الحركة والألفة الحسية التي تتشكَّل قبل اللغة.
أمَّا عند برغسون، فإن الحدس أداة إدراك لجوهر الحياة متصل بالديمومة؛ أي بالزمن الداخلي الذي يُعاش ولا يُقاس. فالمعرفة الحدسية لديه هي معرفة مباشرة باطنية تتيح للذات الالتحام بباطن الأشياء والغوص فيها. ويصف برغسون الحدس بأنه تعاطف روحي ينفذ إلى باطن المادة مباشرةً، بعكس العقل الذي يقدّم معرفة خارجية نسبية تشبه الطيران فوق الأشياء. وإذا كان العالم التقني المعاصر يُسرع في تقليص الفواصل الزمنية بين النيَّة والتنفيذ، فإن هذا التسارع لا يهدِّد خاصية البطء التي تميِّز الحدس عند برغسون فحسب، بل تتجاوزه إلى ذلك الزمن الدقيق الذي يتشكَّل فيه الحدس بوصفه خبرةً ممتدةً، وليس مجرد ومضة معزولة. الحدس كما يقدّمه برغسون يقابل السرعة، ويحتاج إلى زمن داخلي كافٍ كي يتكون. وعلى ذلك، فإن كل تسريع قسري لعمليات الإدراك يحمل معه خطرًا خفيًا يتمثّل في اختزال التجربة إلى نتائج بدلًا من السماح لها بأن تتكشف بوصفها عمليةً تمتاز بالديمومة.
“
الحدس عملية مُعقَّدة مكتسبة من تراكم الخبرات والمعارف والتجارب الحياتية، يستند بعضها إلى خبرة عميقة فيصيب، في حين ينشأ بعضها الآخر عن التحيزات فيضلل.
الحدس في علم الأعصاب
لم يقتصر الاهتمام بفهم الحدس على الفلاسفة والمنظرين. ففي مجال علم الأعصاب يبرز أنطونيو داماسو الذي يجادل بأن الفكر ينشأ من المشاعر والانفعالات. لذا، فإن "الواسمات الجسدية"، كما يسمِّيها، تشكِّل جزءًا من بنية القرارات الفكرية، وليست مجرد إضافات انفعالية على قرار عقلاني مكتمل. فالجسد، بما يحمله من تاريخ انفعالي وتجريبي، يشارك في ترجيح الخيارات قبل أن يتدخل الوعي التحليلي. وبهذا المعنى يصبح الحدس تجسيدًا لذاكرةٍ حيَّةٍ تعمل عبر الإحساس والإيقاع الداخلي، وتحدث عبر استجابات لا يمكن دائمًا تحويلها إلى خطاب. وإذا كانت تقنيات واجهات الدماغ الحاسوبية تعيد تشكيل العلاقة بين النيَّة والفعل، فإنها تطرح أيضًا سؤالًا حول مصير هذه الذاكرة المتجسّدة: هل يمكن للآلة أن تلتقطها، أم أنها ستبقى تعمل في طبقة يصعب ترميزها بالكامل، حتى وإن أمكن التقاط بعض مظاهرها السطحية؟
أمَّا عالم الأعصاب جويل بيرسون، الذي يدير مختبر "مستقبل العقل" لدراسة كيفية معالجة الدماغ للمعلومات البصرية والتخيل، فيدفع هذا النقاش خطوة أخرى. فالحدس في أبحاثه ليس مفهومًا سحريًا أو غامضًا أو مقابلًا للمنهج العلمي والتحليل، بل عمليات مُعقَّدة مكتسبة من تراكم الخبرات والمعارف والتجارب الحياتية، يستند بعضها إلى خبرة عميقة فيصيب، في حين ينشأ بعضها الآخر عن التحيزات فيضلل. وأجرى بيرسون كثيرًا من التجارب الشهيرة في مساعٍ لقياس الحدس وإمكانية الوثوق به. وما يهم في هذه التجارب هو أن الحدس، حتى حين يمكن ربطه بعمليات عصبية قابلة للدراسة، لا يفقد طابعه الإشكالي؛ فهو يظهر في صورة يقينٍ، في حين يظلُّ مصدره غامضًا. وهذا التوتر بين وضوح الشعور وغموض المصدر هو ما يجعل الحدس مجالًا خصبًا، لكنه يجعله في الوقت نفسه عرضةً لإعادة التشكيل في بيئات مُشبعة بالخوارزميات.
لم يقتصر الاهتمام بفهم الحدس على الفلاسفة والمنظرين. ففي مجال علم الأعصاب يبرز أنطونيو داماسو الذي يجادل بأن الفكر ينشأ من المشاعر والانفعالات. لذا، فإن "الواسمات الجسدية"، كما يسمِّيها، تشكِّل جزءًا من بنية القرارات الفكرية، وليست مجرد إضافات انفعالية على قرار عقلاني مكتمل. فالجسد، بما يحمله من تاريخ انفعالي وتجريبي، يشارك في ترجيح الخيارات قبل أن يتدخل الوعي التحليلي. وبهذا المعنى يصبح الحدس تجسيدًا لذاكرةٍ حيَّةٍ تعمل عبر الإحساس والإيقاع الداخلي، وتحدث عبر استجابات لا يمكن دائمًا تحويلها إلى خطاب. وإذا كانت تقنيات واجهات الدماغ الحاسوبية تعيد تشكيل العلاقة بين النيَّة والفعل، فإنها تطرح أيضًا سؤالًا حول مصير هذه الذاكرة المتجسّدة: هل يمكن للآلة أن تلتقطها، أم أنها ستبقى تعمل في طبقة يصعب ترميزها بالكامل، حتى وإن أمكن التقاط بعض مظاهرها السطحية؟
أمَّا عالم الأعصاب جويل بيرسون، الذي يدير مختبر "مستقبل العقل" لدراسة كيفية معالجة الدماغ للمعلومات البصرية والتخيل، فيدفع هذا النقاش خطوة أخرى. فالحدس في أبحاثه ليس مفهومًا سحريًا أو غامضًا أو مقابلًا للمنهج العلمي والتحليل، بل عمليات مُعقَّدة مكتسبة من تراكم الخبرات والمعارف والتجارب الحياتية، يستند بعضها إلى خبرة عميقة فيصيب، في حين ينشأ بعضها الآخر عن التحيزات فيضلل. وأجرى بيرسون كثيرًا من التجارب الشهيرة في مساعٍ لقياس الحدس وإمكانية الوثوق به. وما يهم في هذه التجارب هو أن الحدس، حتى حين يمكن ربطه بعمليات عصبية قابلة للدراسة، لا يفقد طابعه الإشكالي؛ فهو يظهر في صورة يقينٍ، في حين يظلُّ مصدره غامضًا. وهذا التوتر بين وضوح الشعور وغموض المصدر هو ما يجعل الحدس مجالًا خصبًا، لكنه يجعله في الوقت نفسه عرضةً لإعادة التشكيل في بيئات مُشبعة بالخوارزميات.
مصير الحدس في عصر ما بعد الإنسانية
بين التآكل وإعادة التشكيل
على هذا النحو، لا يبدو الحدس في الأفق ما بعد الإنساني مجرد قدرةٍ ستختفي أو جوهر سيبقى صامدًا، بل مجالًا متحولًا يصعب التنبؤ بمستقبله وفق المعطيات المتوفرة في الوقت الراهن.
ولا يبدو أن السؤال التقني الأعمق هو: إلى أي مدى يمكن قراءة الدماغ أو محاكاة قراراته؟ بل الأهم هو ما يتسلل خلفه بهدوء: أي إعادة تعريف ما نعُدُّه جوانيًّا وبشريًّا. فإذا كان الحدس يمثّل تلك المنطقة التي تتكثّف فيها الخبرة دون اختزال، ويعمل فيها الجسد والزمن والذاكرة معًا قبل أن تتحول إلى لغة، فإن إدخاله ضمن دوائر الرصد والقياس سيعني، إلى جانب توسيع معرفتنا به، تغيير شروط حدوثه. بمعنى أن ما كان يتشكَّل في صمت التجربة قد يبدأ في التشكُّل تحت مراقبة الخوارزمية، وما كان يُختبر بوصفه انكشافًا جوانيًّا قد يُعاد إدراكه بوصفه استجابةً متوقعة وموجهة؛ مما قد يغيِّر موقع الوعي نفسه حين يصبح جزءًا من نظام مراقبة وتحكم أوسع، يتلقى إشاراته من الداخل والخارج معًا. وفي هذا التشابك، يتعرض ذلك التوتر الخلّاق بين ما نعرفه، من دون أن نعرف كيف نعرفه، إلى ضغط غير مسبوق؛ إذ كلما ازدادت قدرتنا على تتبع الأنماط، تقلصت المسافة التي يتشكَّل فيها الغموض المميز للحدس لدى "الإنسان القديم".
هل يمكن إذًا أن نتنبأ بانهيار الحدس الإنساني أو تآكله بفعل الاندماج مع الأدمغة التقنية؟ في حين يتخوَّف متشائمو التقنية من تقلُّص القدرات والمهارات البشرية المرتبطة بالتفكير والعمليات الإدراكية جرَّاء تعاظم أثر البرامج الذكية، يرى مفكرون آخرون أن هذه العمليات، ومنها الحدس، سيُعاد تشكيلها ضمن شروط جديدة، مما قد يضمن مستقبلًا أفضل للإنسان والبيئة. وبينما تبدو هذه الشروط واضحةً في ظاهرها، إلا أنها بلا شكٍّ تحمل خطرًا أدق: أن نفقد الإحساس بحدود ما لا يمكن قوله.
فالإنسان، في أحد تعريفاته الممكنة، هو الكائن الذي يحتفظ دائمًا ببقية غير قابلة للاختزال، وبشيء يتأخر عن التفسير أو يفلت منه قليلًا.
وقد لا يكون التحدي، أخيرًا، في الاختيار بين مقاومة التقنية أو تبنيها، بل في الحفاظ على هذا الفائض الداخلي والغموض بوصفه مساحةً ضرورية يتكون فيها المعنى قبل أن يُترجم. وفي عالم يتّجه بثباتٍ نحو تحويل كل إشارة إلى بيانات، وكل تجربة إلى نمط، يصبح السؤال أقل تقنيةً وأكثر وجوديةً: هل سنفهم عقولنا أكثر، أم سنبقى بحاجة إلى ما لا يمكن فهمه بالكامل كي نظل بشرًا؟ وهو في النهاية ما يجعل الحدس، حتى الآن، آخر أسرارنا.
بين التآكل وإعادة التشكيل
على هذا النحو، لا يبدو الحدس في الأفق ما بعد الإنساني مجرد قدرةٍ ستختفي أو جوهر سيبقى صامدًا، بل مجالًا متحولًا يصعب التنبؤ بمستقبله وفق المعطيات المتوفرة في الوقت الراهن.
ولا يبدو أن السؤال التقني الأعمق هو: إلى أي مدى يمكن قراءة الدماغ أو محاكاة قراراته؟ بل الأهم هو ما يتسلل خلفه بهدوء: أي إعادة تعريف ما نعُدُّه جوانيًّا وبشريًّا. فإذا كان الحدس يمثّل تلك المنطقة التي تتكثّف فيها الخبرة دون اختزال، ويعمل فيها الجسد والزمن والذاكرة معًا قبل أن تتحول إلى لغة، فإن إدخاله ضمن دوائر الرصد والقياس سيعني، إلى جانب توسيع معرفتنا به، تغيير شروط حدوثه. بمعنى أن ما كان يتشكَّل في صمت التجربة قد يبدأ في التشكُّل تحت مراقبة الخوارزمية، وما كان يُختبر بوصفه انكشافًا جوانيًّا قد يُعاد إدراكه بوصفه استجابةً متوقعة وموجهة؛ مما قد يغيِّر موقع الوعي نفسه حين يصبح جزءًا من نظام مراقبة وتحكم أوسع، يتلقى إشاراته من الداخل والخارج معًا. وفي هذا التشابك، يتعرض ذلك التوتر الخلّاق بين ما نعرفه، من دون أن نعرف كيف نعرفه، إلى ضغط غير مسبوق؛ إذ كلما ازدادت قدرتنا على تتبع الأنماط، تقلصت المسافة التي يتشكَّل فيها الغموض المميز للحدس لدى "الإنسان القديم".
هل يمكن إذًا أن نتنبأ بانهيار الحدس الإنساني أو تآكله بفعل الاندماج مع الأدمغة التقنية؟ في حين يتخوَّف متشائمو التقنية من تقلُّص القدرات والمهارات البشرية المرتبطة بالتفكير والعمليات الإدراكية جرَّاء تعاظم أثر البرامج الذكية، يرى مفكرون آخرون أن هذه العمليات، ومنها الحدس، سيُعاد تشكيلها ضمن شروط جديدة، مما قد يضمن مستقبلًا أفضل للإنسان والبيئة. وبينما تبدو هذه الشروط واضحةً في ظاهرها، إلا أنها بلا شكٍّ تحمل خطرًا أدق: أن نفقد الإحساس بحدود ما لا يمكن قوله.
فالإنسان، في أحد تعريفاته الممكنة، هو الكائن الذي يحتفظ دائمًا ببقية غير قابلة للاختزال، وبشيء يتأخر عن التفسير أو يفلت منه قليلًا.
وقد لا يكون التحدي، أخيرًا، في الاختيار بين مقاومة التقنية أو تبنيها، بل في الحفاظ على هذا الفائض الداخلي والغموض بوصفه مساحةً ضرورية يتكون فيها المعنى قبل أن يُترجم. وفي عالم يتّجه بثباتٍ نحو تحويل كل إشارة إلى بيانات، وكل تجربة إلى نمط، يصبح السؤال أقل تقنيةً وأكثر وجوديةً: هل سنفهم عقولنا أكثر، أم سنبقى بحاجة إلى ما لا يمكن فهمه بالكامل كي نظل بشرًا؟ وهو في النهاية ما يجعل الحدس، حتى الآن، آخر أسرارنا.
د. سماهر الضامن: كاتبة سعودية.