
من بين النفايات التي يُنتجها العالم لا يُعاد تدوير إلا جزءٌ يسيرٌ منها، وينتشر الباقي في البيئة ويبقى فيها لفترةٍ طويلةٍ. وبعض هذه النفايات شديد الخطورة، مثل النفايات النووية والمواد الكيميائية. وعلى الرغم من تعدّد الوسائل للتعامل معها، مثل دفنها أو إلقائها في البحر، فإن هذه الحلول ليست مستدامة ولها انعكاساتٌ سلبيةٌ على البيئة.
ومن هنا، ظهرت أفكار غير تقليدية للتخلّص من النفايات، ومن بينها إرسالها إلى خارج كوكب الأرض، أو حتى نحو الشمس. فهل يمكن فعلًا تحقيق ذلك؟ وما الذي يمنعنا من إرسال نفايات الأرض إلى الشمس؟ وهل تتيح التطورات التكنولوجية المستقبلية إمكانية تنفيذ هذه الفكرة؟
تشكّل الشمس 99.8% من كتلة النظام الشمسي، وتصل درجة حرارة لُبّها إلى نحو 15 مليون درجة مئوية، لذلك تبدو وكأنها محرقةٌ كونيّة قادرة على ابتلاع كل ما يُلقى فيها. فهي تُحوّل في كل ثانية كمياتٍ هائلة من المادة إلى طاقة، ولن تُحدث مليارات أطنان النفايات البشرية فرقًا يُذكر في ميزانها الهائل. ولأن أي مادةٍ تقترب من الشمس تتفكك إلى مكوّناتها الأساسية بفعل الحرارة والضغط الشديدين؛ فإن الأمر يوحي بإمكانية التخلّص النهائي من النفايات، ولا سيَّما الخطرة منها، مثل النفايات النووية. إذ تعمل الشمس باستمرارٍ على تحويل المادة إلى طاقة عبر الاندماج النووي. ولذلك، فإن ما يُلقى فيها يُدمَّر دون أن يترك أثرًا يُذكر.
تأخذنا فكرة التخلّص من نفايات الأرض عبر إرسالها إلى خارج الكوكب إلى تخوم الخيال العلمي؛ إذ تبدو حلًّا جذريًّا لمشكلات التلوث، ولا سيَّما النووي والكيميائي. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة ممكنةٌ من الناحية النظرية، فإنها في الواقع تواجه قائمةً من التحديات التقنيّة والاقتصاديّة والبيئيّة، من أبرزها:
مشكلة السرعة المدارية: يدور كوكب الأرض حول الشمس بسرعةٍ مداريّةٍ كبيرة تبلغ نحو 30 كيلومترًا في الثانية. ولإسقاط أي جسم في الشمس لا يكفي توجيهه نحوها، بل يجب أولًا إلغاء هذه السرعة المداريّة تقريبًا. وهذا يعني، على نحو مفاجئ، أن إرسال جسم إلى الشمس أصعب من إرساله إلى خارج النظام الشمسي؛ إذ يتطلب ذلك طاقةً هائلة لتقليل سرعته بدلًا من زيادتها.
التكلفة المالية المرتفعة: يُعدّ إطلاق الصواريخ مكلفًا جدًّا، حتى مع التقدّم الذي أحرزته شركات الفضاء مثل "سبيس إكس"؛ إذ قد تصل تكلفة نقل كيلوغرام واحد إلى الفضاء آلاف الدولارات. وعند التفكير في نقل مليارات الأطنان إلى الشمس عبر آلافِ الرحلات، بل الملايين منها، تتضخم الكلفة إلى مستويات تفوق قدرة الاقتصاد العالمي.
وحتى مع الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، تبقى تكلفة التخلّص من طنٍ واحدٍ من النفايات، وبخاصة النووية، عبر إرسالها إلى الفضاء أعلى بكثيرٍ من تكلفة دفنها في مستودعات جيولوجيّة عميقة. وتشير التقديرات إلى أننا سنحتاج إلى 168 مليون صاروخ من طراز "أريان 5"، لإطلاق نفايات عامٍ واحدٍ إلى الفضاء، بتكلفة 33 كوادريليون دولار (أي 33 مليون مليار دولار).
وحتى لو نجحت شركات الفضاء في خفض تكاليف الإطلاق إلى النصف، وتمكّنت من صنع هذا العدد الهائل من الصواريخ، وهو أمر مستحيل، فلن يستطيع العالم تحمّل هذه الكلفة.
خطر الفشل: تنطوي عمليات إطلاق الصواريخ على أخطار دائمة؛ إذ قد ينفجر الصاروخ في أثناء الإطلاق. وإذا كان محمّلًا بالنفايات، ولا سيَّما النووية منها، فقد يؤدي ذلك إلى كارثة بيئية، نتيجة انتشار مواد مُشعّة أو سامّة في الغلاف الجوي.
وقد شهد التاريخ بالفعل حوادث تتعلق بموادَّ مُشعّة في مهمّات فضائية، مثل مهمّة "كوسموس 954"، التي تسبّبت في تناثر حُطامٍ مُشعٍّ فوق كندا عام 1978م.
لذلك، لا تزال فكرة إرسال نفايات الأرض إلى الشمس حبيسة الخيال العلمي؛ إذ تتطلب تقنيات لم نبلغها بعد. ولتحويل هذه الفكرة إلى الواقع، نحتاج إلى انخفاض كبير في تكاليف الإطلاق، وبنية تحتيّة فضائيّة متطوّرة، وتقنيات دفع متقدّمة.
كما يتطلب ذلك أنظمةً ذكيةً تدير العدد الهائل من الشحنات تلقائيًّا، مع اعتماد واسع على الأتمتة والذكاء الاصطناعي. وربّما تتيح التقنيات المستقبلية تحقيق هذا السيناريو، ومن أبرز هذه التصورات:
1- استخدام المصعد الفضائي؟
قد يتيح المصعدُ الفضائي خفض تكلفة إرسال المواد إلى الفضاء بدرجةٍ كبيرةٍ، من آلاف الدولارات للكيلوغرام إلى بضع دولارات فقط؛ إذ يعمل بالكهرباء التي يمكن الحصول عليها عبر الطاقة الشمسية، ولا يحتاج لحمل كميات وقود هائلة للانطلاق كما في الصواريخ التقليدية. وهذا يجعل إرسال أطنان من النفايات خارج كوكب الأرض أمرًا منطقيًّا من الناحية الاقتصادية؛ لأنه يوفر جزءًا كبيرًا من الطاقة اللازمة للتغلب على جاذبيّة الأرض. (لمزيد من المعلومات انظر: "المصعد الفضائي" القافلة مارس - أبريل 2016م).
2- الدفع الليزري
من الناحية النظرية، يمكن الاستعانة بمصفوفات الليزر عالية الطاقة لتوفير قوة الدفع لحاوية النفايات من الأرض أو المدار باتجاه الشمس. إذ يعمل الليزر على تبخير طبقةٍ رقيقةٍ من المادة، مما يولّد تيارًا من البلازما يدفع حاوية النفايات إلى الأمام.
وتُعدّ هذه الطريقة أكفأ من الصواريخ الكيميائية؛ لأن مصدر الدفع هو طاقة الليزر نفسها، وهذا يعني أن الحمولة تتكون بمعظمها من النفايات تقريبًا.
3- المساعدة الجاذبية
ونظرًا لأن الوقود اللازم لتحقيق تغيير في السرعة بمقدار 30 كيلومترًا في الثانية، كما أسلفنا، يُعدّ باهظًا، لا سيَّما للأحمال الثقيلة من النفايات، فإن المساعدة الجاذبية (Gravity assist) أو ما يُعرف بالمساعدة الكوكبية تُعدّ طريقةً واعدةً لتحقيق ذلك. وتعتمد هذه التقنية على تحليق المركبة الفضائية بالقرب من كوكبٍ ما لتبادل الزخم معه.
ومع أنها تُستخدم غالبًا لزيادة السرعة، كما في مسبارَي "فوياجر"، يمكن استخدامها أيضًا لإبطاء سرعة المركبة. فمثلًا، يمكن التحليق عدّة مراتٍ قرب كوكب الزهرة، حيث تسحب جاذبيته المركبة تدريجيًّا، وهو ما يقلّل من طاقتها المداريّة حول الشمس.
وقد استُخدمت هذه التقنية بالفعل في مهمّة مسبار "باركر سولار بروب"؛ إذ اعتمد على المساعدة الجاذبية لكوكب الزهرة لتقليل سرعته المداريّة والاقتراب من الشمس.
عندما تبلغ حضارةٌ ما المستوى الثاني على مقياس كارداشوف، (انظر: "مقياس كارداشوف" القافلة سبتمبر - أكتوبر 2018م) فإنها تمتلك القدرة على تسخير كامل طاقة نجمها، وعند هذا المستوى قد يصبح إرسال النفايات إلى الشمس خيارًا ممكنًا بفضل وفرة الطاقة والتقنيات المتطورة، مثل أنظمة الدفع على نطاق نجمي، أو مصفوفات الليزر الضخمة.
كما يمكن تخيّل بنية تحتيّة فضائيّة متكاملة لمعالجة النفايات خارج الكوكب؛ إذ تنقل إلى المدار لمعالجتها أو ضغطها أو تحويلها إلى طاقة أو مواد خام بدلًا من إطلاقها مباشرةً من سطح الأرض. وقد تُستخدم تقنيات، مثل الأشرعة المغناطيسية أو مساعدات الجاذبية، لإبطاء الأجسام تدريجيًّا ودفعها نحو الشمس.
ومع ذلك، لا تزال حضارتنا البشرية دون هذا المستوى بكثير، بل لم تبلغ بعد النوع الأول، وهو ما يجعل هذه الفكرةَ أقرب إلى الخيال منها إلى التطبيق العملي. ولذا، فإن التركيز على تحسين إدارة النفايات على الأرض يظلُّ الخيارَ الأجدى والأكثر استدامةً لمواجهة هذه المشكلة المتفاقمة.
