Hero image

جدوى كتب التنمية الأدبية

أكتوبر 20, 2026

شارك
"كيف تُكتب الرواية؟" يسأل غابرييل غارثيا ماركيز السؤال الذي يَعدُّه أشهر الأسئلة التي تُوجَّه إلى الروائيين، ويجدون له في كل مرة إجابةً تناسب مَن طرحه. وهو في الوقت نفسه السؤال الذي يطرحه الكُتّاب على أنفسهم. ويوضح ماركيز طبيعة مَن يَعدُّهم كُتّابًا وهم "الذين يؤمنون بأن الأدب فنٌّ موجّه لتحسين العالم. أما الآخرون الذين يرونه فنًّا لتحسين حساباتهم المصرفية، فلديهم معادلات للكتابة ليست صائبة فحسب، بل يمكن حلها بدقة متناهية وكأنها معادلات رياضية". 

نُشرت مقالة ماركيز التي تحمل السؤال الوارد في المقدمة بترجمة صالح علماني، ضمن مختارات أعدَّها المترجمُ الراحل من مقالات الكاتب، وصدرت في كتابٍ صغير بعنوان المقالة نفسها "كيف تُكتب الرواية؟" عن دار الأهالي بدمشق عام 1988م.

يروي ماركيز عن كاتب شاب ذهب إليه بعمله الثاني بعد ستة أشهر من صدور العمل الأول، وبتهكّمه المعتاد، حكى أن الشاب أطلعه على الطريقة التي تكسب بها دار النشر الجائزة الوطنية؛ فهي تدرس أذواق المحكّمين، وتقرّر المتوسط الذي يرضي أذواقهم جميعًا، ولا يبقى على الدار بعد ذلك إلا أن تجد الكاتب الذي سيكتب الرواية.

وفي مقالة أخرى بعنوان "حسنًا.. فلنتحدث عن الأدب"، ينقل ماركيز عن خورخي لويس بورخيس الملاحظة نفسها على ذلك النوع من الكُتَّاب الشباب، وإن بحدّةٍ أقل؛ إذ قال بورخيس في حوار صحفي إن الشباب يفكرون في النجاح أو الفشل عندما يكتبون، في حين أنه في بداياته لم يكُن يفكر إلا في الكتابة لنفسه.

لا تُفرِّط في خوفكمثلما فعل بورخيس وماركيز، كتب عديدٌ من الأدباء كتبًا تحاول الإجابة عن سؤال "الكيف" في الفن الروائي عبر تأمل الأعمال الكبرى السابقة لعصرهم، ومن بينهم على سبيل المثال، الإيطالي إيتالو كالفينو الذي كتب "ست وصايا للألفية الجديدة"، وميلان كونديرا الذي قدَّم ثلاثية في تأمل الفن الروائي، وهي: "فن الرواية"، و"الوصايا المغدورة"، و"الستارة" لكي يجيب عن سؤال: ما الرواية؟ وما الذي يجب على الكاتب أن يحافظ عليه؟ وكيف يخترق الفن الستارة ليكشف العالم؟ 

لا يتَّسع المقام لذكر كثيرٍ من الروائيين الذين كتبوا عن الفنّ الذي عشقوه بعمقٍ لا بهدف تأهيل متدرّبٍ على الرواية وفق خطوات إجرائية محددة، بل بهدف خلق كاتب مثقف يعرف أبعاد الفن الروائي، ويستهدفون بها نوعًا خاصًّا من روائيي المستقبل، وما من نصيحة مباشرة لديهم في الكتابة إلا ما يُشير إليه ماريو فارجاس يوسا في "رسائل إلى روائي شاب": "لا تكتب إلا إذا كانت الكتابة بالنسبة إليك مسألة حياة أو موت، لا تستطيع أن تعيش من دونها".

وإن كانت هناك من عِبرة مشتركة يُقدّمها الأدباء الكبار للكاتب الحقّ، فهي ضرورة الحفاظ على خوفه من الكتابة؛ لأن كل كتاب هو امتحان جديد، حتى للكُتَّاب المتحقِّقين.
غير أن تحوُّل الأدب من إبداع فردي يُرضي فيه الكاتب حُبَّه للكتابة إلى صناعة فيها ماكينات طباعة تنتظر، ومحررون ومسوّقون يجب أن تمدّهم الصناعة بالأعمال، كان لا بدّ أن تتقهقر كتب ماركيز وكونديرا ويوسا إلى زاوية من المكتبة، لتتقدّم إلى الواجهة الكتب الموجهة إلى الشباب الذين يفكرون في النجاح والفشل، بحسب عبارة بورخيس، والذين يفكرون في حساباتهم المصرفية، بحسب عبارة ماركيز.

دع القلق وابدأ الكتابة!هناك كثيرٌ من الكتب الرائجة في تدليل قرّائه؛ إذ يزاوج بين الإرشاد الأدبي والإرشاد النفسي، ويمكن أن نَعدُّه فرعًا جديدًا من كتب "التنمية الذاتية" المخصصة للحالمين بالكتابة. وكثيرًا ما تستند هذه الكتب على الركائز التي تستخدمها كتب التنمية الذاتية: قصة فشل شخصي مؤلم يعقبها نجاح باهر وثراء يتحقّقان بعد كتابة الكتاب الأول الناجح.

وكثيرًا ما يرتكز الكاتب (الكاتبة في الأغلب) على رحلة إلى اليابان أو الصين أو الهند منحته الصفاء؛ وهي ركيزةٌ تشترك فيها كتب التحفيز على الكتابة مع الروايات الخفيفة على غرار كتاب "طعام.. صلاة.. حب" للأمريكية إليزابيث جيلبرت، وهو مزيج من السيرة والرحلة، وقد يُصنّف ضمن الرواية أحيانًا. يبدو هذا النوع من استعارة الشرق عاطفيًّا وروحيًّا ضربًا من الاستشراق الجديد؛ أي استشراق روحي بدلًا من استشراق الغرائبية الذي وسم قرونًا عدة في الألفية الثانية.

ومن أبرز الكتب التي يصح وصفها بكتب "التنمية الأدبية"، كتاب ناتالي جولدبرج (Writing Down the Bones) المعنون بـ"الكتابة إلى النخاع"، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1986م، وطبقًا لبيانات دار النشر فقد بِيع من الكتاب حتى الآن أكثر من مليون نسخة وتُرجم إلى 19 لغة.

تفيد سيرة الكاتبة أنها مارست التأمل، ثم درست "الزن" في فترة من حياتها، وتتخذه مدخلًا إلى رؤية للكتابة بوصفها ممارسةً من ممارسات التأمل، إذ تقول: "اكتب بوصف الكتابة تمرينًا على الانتباه". وتنصح: "اكتب قبل أن تفكر"، فهي ترى أن الومضة التي يطلقها الذهن في اللحظة الأولى هي أصدق مما سيأتي بعدها، وعلى الكاتب ألا يدع الخوف يُلجمها: "دع يدك تتحرك"، وهذا يعني عدم الالتفات إلى الأخطاء وعلامات الترقيم، وعدم اللجوء للشطب؛ إذ المهم مواجهة النفس من الداخل وصولًا بالكتابة إلى النخاع، وألا يخشى الكاتب كتابة أشياء سيئة.

لا يخلو الكتاب من فائدة، فجولدبرج تنصح بالتعبير عن الملموس مما يمكن أن يخلق خبرة مشتركة مع القارئ عبر التفاصيل الصغيرة": فلا تكتب "طائرًا" بل سمّ نوعه، ولا تكتب "طعامًا" بل صِفْ ما بالطبق، ولا تكتب "سيارة" بل اذكر ماركتها. 

جملة إثر جملةفي كتاب "طائر إثر طائر" (1994م)، تُجدّد آن لاموت نصيحة الكتابة التلقائية خطوةً بعد خطوة من دون التوقّف للتفكير في بناء العمل. صدر كتاب لاموت بالعربية بترجمة إيمان معروف عن دار أثر في عام 2021م، وقد التقطت عنوانها من نصيحة أبيها لشقيقها عندما شكا من واجب مدرسي عن الطيور. وجد الصبي نفسه حائرًا وسط فيض المعلومات عن الطيور؛ فقال له الأب مشجعًا: "طائر إثر طائر" (Bird by Bird). ويتضمن الكتاب عنوانًا فرعيًّا آخر هو: "بعض التعليمات حول الكتابة والحياة".

في دليلها الدافئ والكريم للراغبين في الكتابة الذين يخشون الفشل ويحبون النجاح، تقرر لاموت أن كل من يرغب في الكتابة هو شخصٌ يحمل بداخله كاتبًا يريد أن يتحرّر، ولا يمنعه سوى الخوف؛ فالرغبة دليل الموهبة، والتحرّر من الخوف يُطلقها، والاستمرار يُوصل إلى الجودة، والنشر يعني التحقُّق والنجاح.

أين إذًا سنُخفي الكُتَّاب الذين كرّسوا حياتهم للكتابة ونشروا عشرات الكتب وظلوا بعيدين عن جوهر الكتابة بإصرار بريء، حتى انتهى ما كتبوه إلى النسيان؟
لا يمكن أن يكون حبُّ الكتابة كافيًا لمولد كاتب؛ فالشواهد تقول إن حبّ الكتابة يولد في عددٍ كبير جدًّا من المراهقين بوصفه وسيلةً للبوح في هذه المرحلة الصعبة من العمر، حتى إن بوسعنا عَدَّ الكتابة إحدى علامات البلوغ.

يجمع كتاب "طائر إثر طائر" بين جوانب من سيرة الكاتبة بوصفها كاتبةً تروي تجاربها في الكتابة وفخرها بنجاحها، كما تحكي تجاربها مع الآخرين بوصفها مُدرّبة كتابة؛ ولذلك فالكتاب حَسَنُ المعشر ومسلٍّ للغاية. لكن الكتابة غير العلاج النفسي تمامًا؛ فالطبيب النفسي يختصر على المريض الطريق ويعفيه من آلام الشك في قدراته وفيمن حوله من الناس والظروف، لكن إعفاء الكاتب من لحظات الشك هو تحديدًا ما يضرُّه.

وصفة للكاتب الجسورلا تتعرَّض هذه الكتب لأعمال كتَّاب كبار لتُحلّل مضامينها، بل تنشغل بفضائل الكتابة والطرق التي تساعد الكاتب على مواجهة الصفحة البيضاء فحسب. وهذه بيث كمبتن التي تجعل من الحكمة الشرقية وسيلةً لتحرير الكاتب من الخوف، وقد وضعت هذا المعنى في عنوان الكتاب أساسًا (The Way of Fearless Writer) مع عنوان فرعي يختلف في الطبعة الإنجليزية، التي تُعلن بوضوحٍ عن علاقته بالحكمة الشرقية، في حين يُشير العنوان الفرعي في الطبعة الأمريكية إلى الحكمة الواعية. وقد انحاز الكاتب المترجمُ محمد عبدالنبي إلى الخيار البريطاني، فصدر بعنوان "الطريق لكاتب لا يهاب.. الحكمة الشرقية القديمة لحياة كتابة مزدهرة"؛ إذ صدر الكتاب بالإنجليزية عام 2022م، وصدرت الترجمة العربية في عام 2025م عن دار ديوان.

صفحة التعريف بالكاتبة تتصدّر الكتاب؛ إذ تُقدّمها بصفتها "متخصصة في الدراسات اليابانية ومؤلفة كتب المساعدة الذاتية". وإضافةً إلى ذلك، فقد تُرجمت كتبها إلى 25 لغة. وهذا في الحقيقة جواز مرور موثوق للذين يقرؤون استرشادًا بالرواج، لكن عدد اللغات التي يسافر إليها الكتاب ليس دليل جودة، بل دليل نجاح على الطريقة التي تخالف تصوُّر بورخيس. ففي صفحة الإهداء نقرأ: "هذا الكتاب مُهدى إلى روح الكتابة وإلى كل من يرقص معها".

ليس في الأمر معاناة كالتي يتحدث عنها كاتبٌ كئيب مثل بورخيس، بل الصفحة البيضاء تنتظر الكاتب الجسور، والكاتبة تقدّم له خمسين تمرينًا على الكتابة، تترك له فيها حرية اتباعها بنظام أو بغير نظام، أو بدمج تمرينين معًا. وكل تمرين يطلب من المتدرب بناء مسرح عملي، كإيقاد شمعة وتشغيل موسيقى وإعداد مشروب حقيقي، ثم كتابة المشهد.

ومن أقصر التمارين: "أفرغ جيوبك أو حقيبتك أمامي الآن، وأرني ماذا تحتوي؟ احكِ لي حكاية عن ذلك". وتحكي لحظة عثورها على كتاب "طريق الطاو" المنسوب إلى لاوتسي، وهي لحظة ألهمتها الكتابة.

وبكرمٍ، تُرحِّب كمبتن بالكاتب المقبل قائلة: "من كاتبة إلى زميل، مرحبًا بك، تفضّل بالدخول"، وفي موضع آخر: "إنني أدعوك إلى الذهاب في رحلة مقدّسة برفقتي، رحلة كالطواف على امتداد طريق قديم، إنه الطريق البري البديع للكاتب الذي لا يهاب".

الكتاب رحلة مشوقة، ويذهب النص إلى وجهات عدة، من بينها السيرة وذكريات الكاتبة عن فترة إقامتها في اليابان، وملاحظات عديدة حول المجتمع الياباني، إلى جانب طبعًا موضوع الكتابة ومشكلاتها بأوصافٍ يمكن لمسها؛ إذ تتجلى "حبسة الكاتب" لديها في شكل عقدة تظهر في المعدة أو الكتف أو الظهر. ولا يمكن لمزيد من البحث والتدقيق أن يعيد خيط الإلهام، بل يكون ذلك بالابتعاد عن النص. وهذه نصيحة تتطابق مع ما يفعله الكاتب عادةً، حتى إن لم تنتقل عقدة الكتابة من الصفحة إلى معدته.

فرق توقيتلا تتوقف كُتب "التنمية الأدبية" عند السؤال الذي يظل بلا إجابة: ما السرُّ الغامض للموهبة؟ لكن وجودها يظلُّ ضروريًّا لحياة نشر مزدهرة؛ إذ يستطيع الناشر من خلال أرباحها تمويل كتابٍ آخر أقل رواجًا.
وطالما نتحدث عن صناعة، فلا بدَّ من تلبية احتياجات جميع فئات القرّاء؛ إذ يحظى كتاب التسلية الخفيف إلى جوار كتاب التكوين الأول بالقرّاء والأرباح، في حين يحظى الثاني بالمكانة والاهتمام النقدي.

الأمر واضحٌ في الكثير من الثقافات؛ إذ يستطيع القرّاء التفريق بين النوعين؛ لأن استهلاك الكتب الأعلى مبيعًا لا يقتصر على القرّاء المبتدئين فحسب، بل يُقبل عليها القرّاء الأعلى مستوى في فترات ما قبل النوم أو في المترو، وكثير منهم يتركون الكتاب عندما ينتهون منه لراكب آخر سيحلُّ مكانهم في المقعد. غير أن المختلف في الثقافة العربية هو أن طفرة صناعة النشر حديثةٌ، وأن مسارات الكتب فيها لم تتحدد بصورة واضحة، وأنها تزامنت مع ازدهار وسائل التواصل الاجتماعي التي يشكّل قرّاء الكتب الخفيفة أغلبية مستخدميها، وهذا ما قد يدفع كتب التكوين الأدبي الحقيقية إلى خلف الستار.

عزت القمحاوي: روائي وصحفي.