في شهر أبريل الماضي، اجتاحت حُمّى مايكل جاكسون العالم، تزامنًا مع عرض فِلم "مايكل" للمخرج أنطوان فوكوا، بعد أسابيع من انقسام الجمهور العربي إلى فريقين مختلفين حول فِلم "الست" للمخرج مروان حامد، في تناوله لسيرة المغنية الأسطورية أم كلثوم.
تزامُن الحالتين مصادفةٌ تدعو إلى التأمل؛ فإن كانت أفلام السِيَر شائعةً في السينما الأمريكية، فإن وجودها شديد الندرة في السينما العربية. كما أن كلا العملين يتناول سيرة شخصية فنيّة بلغت من الشهرة ما لم يبلغه أيٌّ من معاصريها.


تكمن المفارقة في العلاقة بين حياة الفنان الواقعية وصورته على الشاشة في أنّ كل واحدةٍ منهما تمثّل النقيض للأخرى في الأصل والصورة.
لم يكُن مايكل جاكسون أكثر نجوم الغناء نجاحًا وشعبية فحسب، بل كان أكثرهم إثارةً للجدل كذلك، بمظهره غير المألوف وصوته شبه الأنثوي، ورحلة التحوُّل الشكلي التي شاهدها العالم تحدث أمامه: فالطفل الأسود ذو الشعر الأجعد والأنف الأفطس غدا رجلًا أبيضَ بالغ الهشاشة ذا ملامح رقيقة، لدرجة شيوع عبارة ساخرة خلال التسعينيات تقول: "أمريكا هي البلد الوحيد الذي يمكن فيه لصبي أسود أن يكبر فيصير امرأةً بيضاء". ثم تلت ذلك اتهاماتٌ بأعمال مشبوهة تتصل بقصره الغرائبي الذي صمّمه في صورة تجسّد أحلام طفولته التي وأدتها شهرته المبكرة.

الحكاية واختياراتهاالمدهش أن قرار صنّاع الفِلمين كان تبني المنهج المُناقض لحياة الفنان؛ ففي "مايكل"، الذي أسهمت عائلة جاكسون في إنتاجه، حيث أدى جعفر جاكسون، ابن أخ مايكل، دور العم. وكان قرار أنطوان فوكوا أن يتفادى الفِلم كل نقاط الخلاف في حياة مايكل، عبر السعي إلى إبراز سنوات نشأته وانطلاقه وصولًا إلى ذروة نجاحه، والتوقُّف قبل المرحلة التي بدأ فيها اللغط حوله، مع التركيز تحديدًا على تأثير والده، جوزيف جاكسون، فيه؛ بشخصيته الانتهازية ورغبته في استغلال مواهب أبنائه لتحقيق أكبر قدر من المكاسب المادية والمعنوية.
وجاء فِلم "الست" على النقيض؛ إذ قرّر مخرجه مروان حامد ومؤلفه أحمد مراد أن يفكّكا الصورة المثالية لأم كلثوم، عبر النظر إلى حياتها من مدخلٍ إنسانيٍّ بحت، يحاول استقراء نقاط القوة والضعف في شخصيتها، فهو لا يُنكر فرادتها الفنية المُدهشة ولا دورها الوطني والاجتماعي، لكنه يُقدّم قراءةً لسيرتها تزعم أن قرارها بأن تكون ذاك الرمز الشاهق الأبدي، كان اختيارًا واعيًا ضحّت مقابله بالقدرة على تكوين علاقة شخصية سويّة مع مَن حولها، حتى مع أقرب الناس إليها. فصار من المستحيل عليها عمليًّا أن تخلع عباءة "الست" لتصير ابنةً أو أختًا أو حبيبة أو زوجة، وكأنها صفقة عقدتها مع القدر لتنال الخلود نظير الوحدة الأبدية، حتى وهي محاطة بملايين المحبين.
ولا يغيب عنصر الوحدة عن حياة مايكل جاكسون أيضًا، بل يُمكن بقليل من الملاحظة أن نرى قدر التشابه بين سيرتي مايكل وأم كلثوم، في كون كليهما طفلًا ذا موهبة استثنائية، اكتشف والده موهبته في عمرٍ مبكّر فقرّر أن يحوّلها إلى مصدرٍ للرزق من دون أن يعلم جو جاكسون أو إبراهيم البلتاجي أنهما يصنعان دون قصد أسطورتين خالدتين، شغلتا القلوب والعقول وعاشتا معنويًّا داخل ذاكرة الملايين. أمَّا فعليًّا، فقد قضى كلاهما حياته وحيدًا داخل قصرٍ منيفٍ، يحاول الزواج وتكوين علاقات طبيعية بلا جدوى؛ فمن ذا الذي يُمكنه أن يكون طرفًا في علاقة عادية، طرفها الثاني أسطورة؟

ملائكة وبشرينطلق "مايكل" من أرضية جماهيرية بالأساس؛ إذ يعلم صنّاعه أنهم يخلقون عملًا احتفاليًّا، دوره تقديم التحية لذكرى فنان مبهر واستغلال الشعبية الجارفة التي لا يزال يحظى بها حول العالم. فهم أدركوا أن فِلمهم سيُشاهَد في معظم البلدان من قِبَل جمهور يرغب في أن يرى مايكل مجددًا على الشاشة، يرقص ويغني ويعيد تنشيط مكانٍ في الذاكرة لم يتمكّن أحد أن يشغله بعده. لذلك كان قرارهم تفادي مواضع الخلاف قرارًا واعيًا بروح تجارية، تنأى عمَّا يختلف حوله الناس لتنغمس فيما يوحدهم: تلك الموهبة الاستثنائية التي لم تعُد صناعة الموسيقى بعدها كما كانت قبلها. وفي ظل النجاح العالمي الذي حقّقه الفِلم يصعب أن نصف تلك الاختيارات بالخطأ.
غير أن الأسباب التي كفلت النجاح الجماهيري هي نفسها ما جعلته على الصعيد الدرامي فِلمًا سطحيًّا، يُبسّط الأمور ويقدّم نسخة تختزل مايكل جاكسون في كونه ذاك الطفل الذي فقد سنوات اللعب من أجل شهرةٍ لم يسعَ لنيلها، فظل متمسكًا بطفولةٍ عدَّها الجميع غرابة أطوار: يجمع الألعاب ويقتني الحيوانات النادرة ويحيط نفسه بالأطفال. تلك القراءة لحياة جاكسون تمتلك في الأغلب قدرًا من الرجاحة، لكن اختزاله فيها يجعله شخصية سلبية، لم يختَر صاحبُها شيئًا بوعي، وظل طوال حياته أسير اختيارات والده، وهو ما يصعب تصديقه كُليًّا عمّن تمكن من تحقيق ما حقّقه مايكل؛ فهي نسخة نرغب في تصديقها لكنها في الأغلب غير حقيقية.

لم يستطِع مايكل في الفِلم أن يتحرّر من أسر طفولته، في حين تمكّنت أم كلثوم بالمقابل في "الستّ" من تجاوز الماضي من أجل خلق أسطورتها الخاصة، التي شكّلت فيها خلفيتها الريفية ومعاناة الطفولة والصبا وقودًا يدفعها، وتفاصيل تُكمل صورتها النموذجية، حتى لو تسبّب ذلك في اتخاذ قرارات مؤلمة على الصعيد الشخصي، أو في إظهارها للبعض بأنها امرأةٌ عملية قاسية القلب. فالفِلم يطرح قراءةً حول رحلة تخلّت فيها البطلة عن "أم كلثوم" كي تصير "الستّ"، وهو طرحٌ إشكاليٌّ بطبيعته، كان من البديهي أن يخلق معارضين لا يشاركون "حامد" و"مراد" الرؤية نفسها، فضلًا عن الجمهور الواسع العاجز بالأساس عن قبول التشكيك في نصاعة تصوّره عن أيقوناته، أو تخيّل أن كوكب الشرق قد عاشت لحظات من الضعف والوحدة والتشكيك فيما سيأتي.
المفارقة هنا أن النجم المثير للجدل يُقدَّم بصورة ملائكية، والنجمة المثالية تُقدَّم لأول مرّة في صورة ضعيفة ممتلئة بالشكوك. وفي الحالتين، ندرك الدوافع الفنية والإنتاجية لصنّاع الأفلام، ونتفهم مآلات الاختيارات وكيف أثّرت في استقبال الجمهور للعمل، بين فِلم يهدف إلى توحيد الكل في حالة احتفائية، وآخر يطرح تلقائيًّا موضوعًا للجدل والاختلاف.

الموسيقى تعبيرًا دراميًّا
إذا كانت الشخصيتان الرئيستان في الفِلمين أسطورتين موسيقيتين، فإن ما سبق كان لا بدّ أن ينعكس على الاختيارات الموسيقية، التي مثّلت في كل حالة انعكاسًا واضحًا لتوجّه الفِلم. راهن "مايكل" على جماهيرية جاكسون ورغبة المشاهدين في استثمار الإيهام السينمائي لتحقيق الرغبة المستحيلة: حضور عرضٍ حيٍّ لملك البوب؛ لذلك كان الالتزام الحرفي بالأداء التاريخي للأغنيات، ومحاولة نقلها كما كانت، صوتًا وصورةً، على الشاشة. فشكّلت الأغنيات هنا أهم مشاهد الفِلم، بل إن كل الدراما التي تدور بين أغنية وأخرى هدفها أن تحملنا إلى تلك اللحظة المرتقبة، التي ينفجر عندها الجمهور صخبًا عندما يشاهد نجمه المفضل يؤدي رقصاته الشهيرة ويغني (Beat It) أو (Billie Jean) أو (Bad). وهي لحظةٌ سُمح فيها بتجاوز قواعد المشاهدة الراسخة، لتتفاخر القاعات بتصوير جمهورها وهو يترك مقاعده ويرقص خلال عرض الفِلم.
على الجانب الآخر، لم يكُن الأداء الغنائي أحد أهداف "الستّ" على الإطلاق؛ إذ يقوم السّرد فيه على افتراض أن الجميع يعلم مدى أسطورية أم كلثوم، سواء لأنه يعرف ذلك بالفعل قبل المشاهدة، أو لأن الفِلم بيّن ذلك منذ مشهد البداية لحفل مسرح أولمبيا الشهير في باريس. لم يرغب مروان حامد في جعل فِلمه فواصلَ حكي تنقل المشاهدين بين أغنيات يستمتعون بها، بل أراد أن تكون الأغنيات تعبيرًا دراميًّا عمّا تعيشه الشخصية في الفِلم؛ لذلك قرّر عدم استخدام الأغنيات الأصلية، والاستعانة بمعالجات حديثة وضعها الموسيقار هشام نزيه لها، وهو قرارٌ أثار مجددًا حفيظة البعض ليتساءلوا: لماذا تكون شخصيتك أهم مغنية عربية فلا تستخدم أغانيها؟ لكنه اختيار يتسق بالتأكيد مع أهداف الفِلم الواضحة لمن يرغب في رؤيتها.
المصادفة وحدَها جعلتنا نعيش ظاهرتي "مايكل" و"الستّ" خلال عام واحد، ليكون بإمكاننا عقد مقارنات منطقية بينهما، والتفكير في مأزق التعامل مع السِّيَر الذاتية لشخصيات تمتلك مثل ذاك الإرث الهائل والأثر الخالد، وكيف يُمكن أن تختلف طرق التعامل مع هذا المأزق وفق أهداف كل عمل فنيّ.
فكلا الفِلمين نجح في تحقيق ما يصبو إليه، وعلى الجمهور أن يختار النموذج الذي يُفضله لفِلم السيرة الذاتية، سواء كان الاحتفاء الراقص بموهبةٍ فريدةٍ لا نودُّ الانشغال عن فنِّها بالتحليل، أو التناول الدرامي الجادّ الذي يتنازل طوعًا عن هدف إرضاء الجميع.
