

أربع ملاحظات لا بدّ منهابدايةً، يجدر بنا الانتباه إلى أربع ملاحظات تأسيسية تتعلّق بموضوع الشهرة وما تغيّر فيها في زمن وسائل التواصل الاجتماعي؛ أولها أن الشهرة أحد المفاهيم الاجتماعية غير المستقرة؛ أي التي لا تحظى بتعريف مُتَّفق عليه. فما معنى الشهرة؟ وما الحد الذي يصير بعده المرء مشهورًا؟ إنها صفة نسبيّة، فثمّة مشهورٌ في بلاده فحسب، ومشهورٌ خارجها، ومشهورٌ فيهما. وهناك مشهورٌ في زمنه، أو بعد زمنه، أو في كليهما. ومشهور في مجال اختصاصه، أو خارجه، أو فيهما، وهكذا. والمراد بلوغه هنا التأكيد على أن الشهرة ليست صفةً ثابتة، وقابلةً للقياس بمعايير محددة.
أما الملاحظة الثانية، فتتمثّل في أهمية التمييز بين الشهرة وصفاتٍ إيجابية تتداخل معها، مثل الجودة والتأثير ونحوهما. فليس كل مشهور يتعامل معه الجمهور على أنه جيد ومؤثر، فقد لا تحجب الشهرة الرداءة، أو للدقة لا تتعارض معها، فيصير المشهور مثالًا متداولًا بصفته تمثيلًا للرداءة، ومحلًّا للتندُّر. وبطبيعة الحال، قد يكون المشهور جيدًا ومؤثرًا، غير أن المقصود هو عزل صفة الشهرة عن غيرها من الصفات.
وثالثة الملاحظات التأسيسية هي أن ثمّة تمييزًا مهمًّا بين المشاهير العابرين زمنيًّا، وهم القادمون من مراحل مثل الصحافة المطبوعة، والإذاعة، والتلفزيون، والمنتديات الافتراضية، الذين تحولوا إلى مشاهير أيضًا على التطبيقات الحديثة، أو بعضها، والمشاهير الجدد الذين انطلقت شهرتهم من هذه التطبيقات الحديثة. وذلك لاختلافين: أولهما تباين الرصيد التاريخي بين المجموعتين، بما يمثّله هذا الرصيد من حمولة تشكّل رافعةً إيجابية، أو ثقلًا سلبيًّا، أو تخلط بينهما. أما الفارق الثاني فيكمن في الخبرة في التعامل مع الشهرة بين المجموعتين؛ فقد مرّت المجموعة الأولى بتجربة الشهرة في صيغة أكثر تقليدية من الصيغة الراهنة، واستطاعت أن تتماشى مع الصيغة المحدّثة بما تشمله من تغييرات، مثل الذوبان التدريجي لهالة النجومية التي كانت تحيط بالمشهور، وتجعله يحرص على تخفيض تكرار ظهوره، وإحاطة نفسه بالغموض.
وأما الملاحظة الأخيرة، فترى أن كثيرًا من المعلقين، ولأسباب متعددة، يميلون إلى إجمال شبكات التواصل الاجتماعي، وكأنها كتلة واحدة، أو مجموعة من الأنابيب لإيصال المحتوى؛ في حين أن تعبير "شبكات التواصل الاجتماعي" مفهوم آخر غير مستقر، فهو يشمل عددًا متباينًا، ومستمرًّا في النمو، من التطبيقات المنتشرة على الشبكات والأجهزة المحمولة. ولكل تطبيق منها صفاته الخاصة، ومالكه المختلف، وجمهوره المستهدف، وتاريخه، وسياقه الثقافي، ثم سمات مشاهيره؛ فمشهور "تيك توك"، على سبيل المثال، ليس بالضرورة قابلًا للشهرة على إكس، وقد تلقى منشورات مستخدمٍ ما اهتمامًا هائلًا على إنستغرام، في حين لا يكاد يهتم أحد بمحتواه المنشور على يوتيوب، وهكذا، مع الإقرار بأن ثمة مشاهير عابرين للتطبيقات. غير أننا يجب ألا نغفل أن التطبيقات الحالية والمستقبلية أشبه بمجموعة من الكواكب المتباينة في فضاء شبكة الإنترنت.

أبرز الصفات الجديدةإن أبرز صفتين للشهرة مع تنامي شبكات التواصل الاجتماعي هما التضخم والاستعراض. لقد تنامت فرص الشيوع والانتشار عبر هذه الشبكات على نحوٍ لا نعرف أنه كان مماثلًا في أي لحظة سابقة. وأصبح بوسع أعداد ضخمة من الناس حول العالم أن يصيروا مشاهير ضمن نطاقات جماهيرية، بإرادتهم أحيانًا، ودونها أحيانًا أخرى. وقد أسهم في هذا النمو الكمي الهائل جملةٌ من العوامل، من أهمها التطورات التقنية المتسارعة، وبزوغ ما يمكن وصفه بـ"سوق المشاهير" الذين اكتسبوا منافع مادية نظير شهرتهم في حدّ ذاتها.
لقد عزّز هذا التضخُّم فرضية الفقاعات، أو غرف الصدى؛ إذ يعيش المرء في محيط من شركاء الاهتمام، والمتفقين مع آرائه والداعمين لها، ومن بينهم مشاهيره. ولذلك ربما يظهر مئات المشاهير، ويختفون، خارج فقاعته من دون أن يعرفهم. وفي الوقت نفسه، فإن هذا التضخم البارز في ارتفاع الطلب على المشاهير يأتي استجابةً لفيضان العرض، لينخرط كثيرٌ من الناس في هذه المهنة، إن صح التعبير، ليشغلوا وظيفة مشهورٍ ولو لأيام أو أسابيع على الأقل.
أما الصفة الثانية، فهي الاستعراض؛ بمعنى أن الشهرة مع نمو شبكات التواصل الاجتماعي عزّزت تسويق الصورة على حساب تسويق الأصل، فصار المهمُّ ما تقول، وما تصوِّر، لا ما تفعل أو ما تملك. وارتبطت الشهرة بما يمكن للمشهور عرضه على الجمهور مهما شاب هذا المعروض شيءٌ من الاختلاق أو التظاهر بخلاف الواقع. وهذا البُعد الاستعراضي هو الباعث الأهم، في رأيي، لأداء المشاهير الصاخب؛ فهم يندفعون إلى أقصى الممكن في آرائهم وقصصهم وصورهم؛ لأن تجارتهم صارت لفت الانتباه. كما سمحت مركزية هذه الصفة بتزايد عدد المشاهير المحتملين؛ لأنهم لا يحتاجون إلى أكثر من الجرأة التي تسمح لهم باستعراض ما يشدّ الانتباه، فدعمت طبيعةُ الاستعراض التضخم.
وإلى ذلك يُضاف أن هاتين الصفتين كانت لهما مقدمات متعددة في الشهرة قبل شبكات التواصل الاجتماعي، ومن أمثلة ذلك مرحلة المنتديات الافتراضية على الإنترنت، وبرامج تلفزيون الواقع، وغيرهما. فليس المراد أن النسخة الأحدث للشهرة اتصفت بهما دون النسخ السابقة، بل أن هاتين الصفتين شكّلتا الملامح الأبرز لهذه النسخة.
خوارزميات تحرس بوابات الشهرة"حارس البوابة" أحد المصطلحات التي صارت تقليدية لدى علماء الاتصال الجماهيري، ويُقصد به كلُّ مَن يملك السماح بظهور المادة الإعلامية، وتحديد مستوى بروزها، ومن ثَمَّ يملك القدرة على حجبها، من داخل المؤسسة الإعلامية أو خارجها. ويسهُل استنتاج الأثر المباشر لقرارات حرّاس البوابة في إحداث الشهرة وتنميتها. هذه السلطة انتقلت مع تنامي شبكات التواصل الاجتماعي إلى الشركات المالكة لمنصات تلك الشبكات، وفي غالب الحالات تحدث عبر إجراءات تقنية مؤتمتة بالكامل، وهو ما يجعل الخوارزميات تقود عمليات حراسة البوابة ذاتيًّا، وتؤثر فيما يتلقاه المتلقي، فتؤدي دورًا رئيسًا في تحديد معنى الشهرة الآن، سواءً بقصدٍ أو من دون قصد.
وكما تأثر المشاهير القدامى بمعايير حرّاس البوابة في الصحافة والإذاعة والتلفزيون، يتأثر مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي بسياسات الشركات المالكة للمنصات وخوارزمياتها، فيوائمون موادّهم المستهدفة للنشر مع تلك السياسات والخوارزميات. ويمكننا ملاحظة ذلك في نمط المواد المطروحة، ومدة المادة المصورة، ومراعاة الملكية الفكرية للموسيقى والأفلام ونحوهما، وتجنّب إثارة مسائل محددة تفاديًا لعصا السياسات، واستخدام تعبيرات مفضّلة طلبًا لجزرة الرواج. لذا، يمكن باطمئنان الإقرار بأن أبواب الشهرة ما زال لها حرّاسها القادرون على التأثير في ترتيب أولويات المتلقي، والمتأثرون بدورهم بالضوابط الحكومية والاعتبارات التجارية.

موظفون لدى السوق وخاضعون لشروطهاتعتمد سوق المشاهير، مثل مختلف الأسواق، على استدامة الطلب من جانب مئات الملايين من المستخدمين الذين لا يكاد يجمع بينهم سوى رغبة متزايدة في الاطلاع والاكتشاف وتبديد الملل. ولذلك صار التجديدُ اللحظي القانونَ الثابت في هذه السوق، وإثارة الانتباه عملتها الرابحة. ومن هنا، فإن مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي مهما بدا استقلالهم، بل مهما توهّم بعضهم ذلك الاستقلال، فهم موظفون لدى السوق، وخاضعون لشروطها، وعاملون على استدامتها، بل يمكن وصفهم بالسلعة بالنسبة إلى المنصات والشركات التي تملكها. وهذا ما يفسّر أن بينهم من يشتري الشهرة عبر دفع المال للمنصة، أو لشراء جمهور وهمي، وهذه بدورها سوق فرعية؛ لأن الشهرة ستدرُّ عليه المال أيضًا، حين يشرع في بيع جمهوره للمعلِن. لذا، ربما يتدخل في اختيار المشهور الفئة المستهدفة بمحتواه، تقاطع استهداف الفئة نفسها من المعلن؛ أي أن بين المشاهير من يستهدف المعلن عبر تركيزه على فئة مستهدفة من الجمهور.
إن هذا التفسير الاقتصادي لدورة سوق المشاهير، كما يشرح لنا تضخم أعداد المشاهير، والبعد الاستعراضي لمحتوياتهم، والحاجة الملحة للتجديد اللحظي، وإثارة الانتباه، يعطينا انطباعًا عن قسوة معنى أن تصير مشهورًا الآن. إذ ستحتاج على المستوى الكمي إلى منح أولوية مطلقة لتدفق الإنتاج على حساب الجودة، وعلى المستوى النوعي إلى العمل تحت ضغط سباقٍ، لا يكاد يتوقف، لإثارة الانتباه مهما دفعت من أثمانٍ وتنازلات. وهي عملية تجري ضمن ظروف قاسية تشمل، إلى جانب القلق الدائم على رأس مال المشهور المتمثّل في أسباب شهرته، التصالح مع وهن الذاكرة الذي يفرض البناء من الصفر في كل مرة، وإجادة التعاطي مع التقلبات العاطفية الحادة قبولًا ورفضًا، والتسامح مع معادلة الدفع من رصيد المساحة الشخصية مقابل تشجيع تنمية القاعدة الجماهيرية، ولو عن طريق التطفُّل. لذا، فإن القول إن الشهرة صارت متاحةً للجميع في شبكات التواصل الاجتماعي ليس أكثر من مجازفة بلاغية؛ إذ إن الشهرة على هذه الشبكات لها ثمنٌ لا يمكن للجميع دفعه. فكل مشهور تخذله قدرته على الإنتاج، أو يعجزه دفع الثمن، تذوب شهرته عاجلًا؛ فالسوق مزدحمةٌ، والإنتاج لا ينقطع، وشهية المتلقي لا حدود لها، والذاكرة متحفزةٌ للإحلال.