
بعد سنوات من الترويج لتقنيات التعلّم الحديثة والاعتماد على أجهزة التابلت والشاشات التفاعلية في الفصول الدراسية، هل يعود طلبة المدارس إلى الورق والأقلام والكتب المطبوعة؟ سؤالٌ يتبادر إلى الذهن في ظل إعلان عدد كبير من الدول الأوروبية عن اعتماد ميزانيات للكتب الورقية والأقلام، إضافةً إلى منع استخدام الهواتف المحمولة في الفصول، فما الذي حدث؟
منذ فجر التاريخ، ارتبطت فكرة المدارس التقليدية بظهور علم الكتابة وحاجة المجتمعات إلى تخريج كوادر تمتلك مهارات خاصة من أهمها القراءة والكتابة والرسم وإجراء العمليات الحسابية. ويتجلّى ذلك المشهد بوضوحٍ في الحضارات القديمة. وفي أواخر القرن الثامن عشر، ظهرت أنماط التعليم الأساسي في عدد من الدول الأوروبية، مثل ألمانيا وبريطانيا، التي فتحت أبوابها للجميع بهدف نشر المعرفة بين مختلف فئات المجتمع، وهو ما استمرّ لعقود وقرون متتالية.
تحوّلات التعليم في عصر التكنولوجيا
مع ابتكار الإنترنت وتطوُّر البرمجيات ووسائل الاتصال، اتخذ التعليم أساليب متنوعة، مثل التعليم عن بُعد، الذي أتاح نقل المعرفة والدروس للطلاب من دون الحاجة إلى الحضور الفعلي إلى المدرسة، أو الوجود في المكان نفسه مع المعلم؛ إذ حلّت محلَّ ذلك الفصولُ الافتراضية والتواصلُ عبر المنصات الرقمية، أو أن يُشاهد الطالبُ محاضراتٍ مُسجَّلة للمُدرِّس، ثم يتواصل معه لاحقًا لطرح الأسئلة عبر البريد الإلكتروني أو الهاتف.
وظهرت نماذج التعلُّم اللاصفية أو التعلُّم غير المتزامن مثل التطبيقات التعليمية التي تتيح للطلبة اكتساب مزيد من المعلومات والتعلّم دون التقيّد بالمناهج أو الفصول وأوقات الدراسة. ولجمع الحُسنيين، ظهر نمط التعليم المدمج الذي يجمع بين التدريس التقليدي في الفصول والتعلُّم عبر المنصات الرقمية.
ومع إتاحة الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية للأطفال في سن مُبكِّرة، حدث تغيُّر كبير في نمط حياة الأطفال الصغار وتعليمهم. وعزّزت دولٌ متقدمة عديدة هذا المسار إيمانًا بأن دمج الأدوات والتطبيقات التكنولوجية في مراحل التعلُّم الأساسية ستعزّز فرص التعلُّم واكتساب المهارات. كما أنها تتوافق مع الرؤية العالمية لجيلَي "زد" و"ألفا" الرقميين منذ الولادة، الذين يعتمدون كثيرًا على الهواتف الذكية والتطبيقات المُعزَّزة بالذكاء الاصطناعي في جميع مناحي الحياة.

دمج التكنولوجيا وغياب الرؤية
وبالنظر إلى تجربة الدول المتقدمة في دمج التكنولوجيا التعليمية، أظهر تقرير دولي بعنوان "السياسات الوطنية وتكنولوجيا التعليم" أن وباء "كوفيد" كان الدافع الرئيس لتسريع وتيرة تبنّي التكنولوجيا التعليمية من دون أن تكون هناك رؤية واضحة للمستهدف من دمج تقنيات تعليمية أو معايير لقياس جدوى إتاحة الأدوات التكنولوجية في المدارس. فعلى سبيل المثال، أظهرت الدراسة وجود تفاوت كبير في البنية التحتية التكنولوجية حتى على مستوى الدول المتقدمة، سواء في إتاحة الأجهزة الرقمية، أو خدمات الإنترنت، أو توافر المدرسين المُدرَّبين على دمج التكنولوجيا في العملية التعليمية.
كما بدا تفاوتُ رؤية الدول حول المستهدف من دمج التكنولوجيا في التعليم: هل لمساعدة المدرس أم استبداله للتغلُّب على نقص الكوادر المُدرَّبة؟ وازداد الأمر تعقيدًا مع التطورات المتلاحقة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي. ففي الوقت الذي كان من المفترض أن يُعتمد عليه في توفير شرح المواد الدراسية وتبسيطها، أصبح الطلاب يستعينون به لحلّ الواجبات وإجراء البحوث، وتلخيص الدروس التي كان يجب أن يُنجزوها بأنفسهم، وهو ما تسبّب في تراجع مهارات الطلبة المعرفية، لدرجة أن تقريرًا حديثًا لمعهد "بروكينز" حذَّر من الاستخدام غير المنضبط للذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس وأخطاره التي تفوق فوائده.

التشتُّت الرقمي
وسط كل هذه التجارب والمراجعات، مثّل التقرير العالمي لرصد التعليم لعام 2023م، الصادر عن منظمة اليونسكو، مراجعةً جديدة لجدوى الوسائل التكنولوجية، ولا سيَّما في مراحل التعليم الأساسية. وقد دعا التقرير، الذي حمل عنوان "التكنولوجيا في مجال التعليم: ما ماهية هذه الأداة؟ ومن يضع شروطها؟"، إلى وضع مصلحة الطلاب في قلب العملية التعليمية، وذلك لضمان أن تكون التكنولوجيا أداةً داعمة للتفاعل البشري وليست بديلةً عنه. وبحسب ما جاء في التقرير، فقد رُصد عددٌ كبير من المشكلات الناتجة عن دمج التكنولوجيا الرقمية والهواتف الذكية في المدارس، أبرزها تشتت انتباه الطلاب وضعف التحصيل. ووفقًا للدراسات التي أُجريت على مستوى 14 دولة حول العالم، تبيّن قطعيًّا أن مجرد وجود الهاتف الذكي بجانب الطالب يؤدي إلى تشتيت انتباهه ويوثر سلبًا في التعلُّم.
تلك الملاحظة دعمتها نتائج تقرير "البرنامج الدولي لتقييم الطلبة" (PISA) لعام 2022م، المتعلق بقياس مهارات الطلاب في سن 15 عامًا في حلّ المعادلات الرياضية، إضافةً إلى قياس مستوى القراءة والكتابة ودرجة الإلمام بالعلوم؛ إذ تبيَّن أن الاستخدام المُفرط للأجهزة الذكية لأغراض الترفيه داخل الصف الدراسي تسبَّب فيما يُعرف بالتشتّت الرقمي. وبحسب الدراسة، فقد تبيّن أن 65% من الطلاب المشاركين في الدراسة من مختلف دول العالم يتشتتون بسبب هواتفهم أو أجهزة زملائهم في أثناء حصص الرياضيات، وهو ما انعكس سلبًا على درجاتهم. ونتيجة لذلك، رصد التقرير انخفاضًا تاريخيًّا وغير مسبوق في الأداء العام للطلاب على مستوى العالم مقارنةً بالتقييمات السابقة، كما انخفض متوسط أداء الطلّاب بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بمقدار15 نقطة في الرياضيات و10 نقاط في القراءة، وهو ما يُعادل تغيُّب الطلاب وعدم تحصيلهم لمناهج نصف عام دراسي كامل تقريبًا.
بعد سنوات الرقمنة، أوروبا تعيد القلم والورق إلى المدارس بعد تحذيرات رصينة من مساوئ الإفراط في الاعتماد على الأجهزة الذكية.
إلى جانب ذلك، أوضحت نتائج التقرير أهمية الدعم والتواصل المباشر بين الطلاب والمعلمين والاختصاصيين النفسيين، سواءً خلال فترة وباء "كوفيد" أو ما بعدها؛ فالمدارس التي حظي طلابها بدعم نفسي قوي من المعلمين وأولياء الأمور أظهرت "مرونة تعليمية" وحافظت على مستواها. في المقابل، رُصِد شعورٌ غالبٌ بين الطلاب المعزولين في فقاعة التكنولوجيا بعدم انتمائهم إلى المدرسة، إضافةً إلى حالة الانعزال والمقارنات المستمرة مع أقرانهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتعرُّض للتنمُّر والجرائم السيبرانية، وهو ما يزيد إحساسهم بالتوتر والاكتئاب.
ذلك الإنذار بأخطار انعزال الطلبة داخل الفقاعة الرقمية، دفع 58% من دول العالم لحظر استخدام الهواتف الذكية بالمدارس، وفقًا لتقرير اليونسكو عام 2026م. كما قرَّرت ست دول أوروبية، وهي: فرنسا والسويد والنرويج والدنمارك وبلجيكا وايطاليا، سحب الأجهزة اللوحية (التابلت) والاستعاضة عنها بالكتب المطبوعة والأقلام والورق. وهذا القرار الذي طُبّق خلال السنوات الثلاث الأخيرة، يراه المسؤولون محاولةً لإنقاذ المهارات المعرفية للطلبة بعد سنوات من الاستخدام المكثّف للشاشات الرقمية في التعليم.
المؤكد أن تلك القرارات التي اتخذتها الدول الصناعية الكبرى جاءت بعد دراسات علمية، أحدثُها دراسةٌ مرجعية نُشرت في دورية (life) عام 2025م بعنوان "علم الأعصاب المسؤول عن الكتابة.. القلم أم الكمبيوتر: من يفوز في المعركة؟"؛ إذ جرت مراجعة نتائج الدراسات السابقة وتقييمها والتوصّل إلى أن الكتابة بالقلم تتفوّق بوضوحٍ على لوحة المفاتيح في تحفيز الدماغ وتعزيز العمليات المعرفية. وبحسب ما ظهر من صور أشعة المخ بالرنين المغناطيسي، فإن الكتابة بالقلم تُسهم في تنشيط شبكة أوسع بكثير من المناطق الدماغية المرتبطة بالتحكم الحركي، والإدراك الحسي، والعمليات المعرفية العليا، بخلاف النقر على لوحة المفاتيح، حيث تتطلب الكتابة بالقلم تنسيقًا دقيقًا وحركات معقدة لتشكيل كل حرف، مقارنةً بالنقر على الكمبيوتر، الذي يعتمد على عملية نقر متكررة وبسيطة. هذا الاختلاف يجعل الكتابة عملية بالغة الأهمية لطلبة المدارس لما تحقّقه من تعزيز للروابط بين الوظائف البصرية والحركية والمعرفية في المخ. كما تُسهم الكتابة في زيادة القدرة على التعلُّم واستدعاء المعلومات، خصوصًا أن الجهد المبذول في تشكيل الحروف يحسّن القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات واستيعابها.
وأوصت الدراسة بضرورة الحرص على الكتابة بالقلم في مراحل التعليم الأساسية؛ إذ ترتبط مهارة الكتابة باليد بتطوير مهارات القراءة والتعرُّف على الحروف بطلاقة. كما أن الارتباط المباشر بين حركة اليد والنتائج البصرية يساعد الأطفال على بناء مسارات عصبية ضرورية لمحو الأمية. وحذَّرت الدراسة من أن الاعتماد المُفرط على الأجهزة الرقمية قد يؤدي إلى تراجع كفاءة المخ في التعلُّم وإلى ضعف التركيز لدى الأجيال الناشئة.
اللافت في الأمر أن الدراسة لم تُلغِ دور التكنولوجيا، بل طرحت حلًّا بديلًا بإدراج الأقلام الرقمية وشاشات التابلت بوصفها أحد البدائل التقنية التي توفر تجربةً تُحاكي الورق والقلم، وهو ما يساعد في الحفاظ على مستوى عالٍ من المشاركة العصبية، مع ضرورة إعطاء الأولوية لتعلُّم الكتابة بالقلم والورق في المدارس، والتفكير في إستراتيجيات هجينة تجمع بين فوائد القلم وكفاءة التكنولوجيا لتحسين النتائج التعليمية والمعرفية. كما يجب النظر إلى التكنولوجيا بوصفها أداةً داعمة وليست بديلةً عن المُدرِّس والتجربة التعليمية؛ فالتكنولوجيا وسيلةٌ وليست غايةً وتُستخدم عند الحاجة وبالقدر المطلوب.