Hero image

فضل العلم على الرياضة

خالد كرم

أكتوبر 19, 2026

7 دقائق

شارك

خلال بطولة العالم الأخيرة لكرة القدم، كان من اللافت عدد المرّات التي لجأ فيها التحكيم إلى كاميرات الفيديو لإلغاء أو تثبيت أهداف موضع شك؛ أهي وليدة تسلّل أم لا؟ ومثل هذا الدور للتقنية في الألعاب الرياضية يُثير موضوعًا أشمل حول دور العلوم، وخصوصًا الطب، في تطوُّر الرياضة برمّتها، بما في ذلك قدرات الرياضيين على استمرار تحطيم الأرقام القياسية في رياضات كثيرة. 

في السادس والعشرين من أبريل عام 2026م، على أسفلت مدينة لندن، فعل الكيني سباستيان ساوي ما ظلّ لعقود أقرب إلى الأسطورة منه إلى الرياضة: أنهى الماراثون في ساعة و59 دقيقة و30 ثانية، ليصبح أول عدّاء يكسر حاجز الساعتين في سباق ماراثون رسمي مستوفٍ لشروط تسجيل الرقم القياسي. وكان الرقم الجديد أسرع بـ65 ثانية من الرقم العالمي السابق، الذي سجّله كلفن كيبتوم في شيكاغو عام 2023م. وعقب "ساوي" مباشرةً، أنهى الإثيوبي يوميف كيجيلتشا السباق في 1:59:41، ليصبح ثاني أسرع عدّاء ماراثون في التاريخ. وكان الكيني إليود كيبتشوغي قد قطع المسافة في 1:59:40 في فيينا عام 2019، لكن الزمن لم يُعتمد رقمًا قياسيًّا؛ إذ تحقّق في محاولة صُممت خصيصًا لكسر حاجز الساعتين، وبظروف لا تستوفي شروط اعتماد الرقم القياسي. ومع ذلك، ظلَّ الإنجاز لحظة فارقة في تاريخ الماراثون. وعلّق كيبتشوغي حينها، في عبارة نقلتها اللجنة الأولمبية الدولية: "نحن فقط في بداية ما هو ممكن". 

 

إليود كيبشوج وسيباستيان ساوي، من أبرز عدّّائي الماراثون.

خمس وستون ثانية: ما الذي تغيّر؟
خمسٌ وستون ثانية ليست رقمًا عاديًّا؛ ففي رياضة تُحسم فيها الأرقام القياسية غالبًا بفوارق صغيرة، يبدو هذا الفارق استثنائيًّا. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس "من ركض أسرع؟"، بل "ما الذي تغيّر؟". فالجسم البشري لم يتطوّر بيولوجيًّا خلال عقدين؛ إذ إن التطوّر لا يعمل بهذه السرعة. إن الذي تغيّر هو ما صار يعرفه العلم عن الجسم، وما أصبحنا قادرين على قياسه، والطريقة التي نجمع بها هذه المعرفة في التدريب، والتغذية، والأدوات، والتعافي. 

من قوة الجسم إلى كفاءة الأداء 
لعقوٍد طويلة، تمحورت فسيولوجيا الجهد البدني حول رقم واحد: الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين (VO₂max)، الذي كان يُنظر إليه بوصفه المقياس النهائي للقدرة. ثم ظهرت المشكلة: حين قاس الباحثون هذا الرقم لدى نخبة العدّائين، وجدوه متقاربًا بينهم؛ فهو يفصل النخبة عن الهُواة، لكنه لا يفصل البطل عن زميله في المجموعة نفسها. 

لذلك انتقل الاهتمام إلى متغيراتٍ أخرى، منها عتبة "اقتصاد الجري": أي كمية الطاقة التي يحتاج إليها العدّاء لقطع مسافة معينة بسرعة محددة. قد يمتلك عدّاءان قدرةً هوائية متقاربة، أي قدرة جسم العدّاء على استخدام الأكسجين لإنتاج الطاقة في أثناء الجري، لكن أحدهما يستهلك طاقةً أقل في كل خطوة. عندئذٍ يصبح السباق، ببساطة، مسألة تقليلٍ للهدر.

ظهر مثالٌ مُبكّر على قوة هذا التفكير في دراسةٍ شملت 39 عدّاءً، قادها عالما الفسيولوجيا، بنجامين ليفين وجيمس ستراي-غندرسن، عام 1997م، ونُشرت في مجلة (Journal of Applied Physiology). عاش بعض هؤلاء العدّائين وتدرّب على ارتفاع 2,500 متر، في حين عاش فريقٌ آخر على الارتفاع نفسه لكنه تدرّب على ارتفاع 1,250 مترًا، وظلت مجموعةٌ ثالثة عند مستوى سطح البحر. وبعد 28 يومًا، حقّقت مجموعة "العيش مرتفعًا والتدريب منخفضًا" تحسّنًا في زمن 5,000 متر بنحو 13.4 ثانية، إلى جانب ارتفاع في (VO₂max) بنحو 5%.

لم يكُن المبدأ الذي عُرف لاحقًا بـ"عِش عاليًا، تدرّب منخفضًا" اكتشافًا لعضلة جديدة، بل كان إعادة ترتيب لعلاقة الرياضي بالهواء الذي يتنفّسه، وهذه الفكرة أقل كلفة وأذكى من أي مكمّل غذائي موجود في الأسواق.

من الوقود إلى التعافي 
ساد الاعتقاد لدى علماء التغذية الرياضية لسنوات طويلة أن الأمعاء تضع سقفًا صارمًا لاستهلاك الكربوهيدرات؛ فوفقًا لمراجعة عالم التغذية الهولندي آسكر يوكندروب في عام 2010م، كان يُعتقد أن الجسم لا يستطيع أكسدة أكثر من نحو غرام واحد من الغلوكوز في الدقيقة؛ أي 60 غرامًا في الساعة، نتيجة تشبّع ناقله المعوي (SGLT1)، وأن ما يتجاوز ذلك قد يسبّب اضطرابات هضمية بدلًا من أن يتحوّل إلى طاقة.

ثم جاء الحلُّ من زاوية غير متوقّعة: فالفركتوز يعبر بناقلٍ مختلف هو (GLUT5). وأظهرت بيانات يوكندروب أن مزج الغلوكوز بالفركتوز يرفع معدّل الأكسدة إلى نحو 1.75 غرام في الدقيقة؛ أي أعلى بنحو 65% من الغلوكوز وحده.

وقد انعكس ذلك على الميدان؛ إذ يقول الدرّاج السلوفيني تادي بوغاتشار، بطل طواف فرنسا: "قبل خمس سنوات، بدا تناول 120 غرامًا من الكربوهيدرات في الساعة أمرًا مستحيلًا". وقد أصبح بعض رياضيي التحمُّل يتدرّبون على تناول 90 إلى 120 غرامًا في الساعة خلال الجهود الطويلة، فيما يُعرف بـ"تدريب الأمعاء"؛ أي تهيئة الجهاز الهضمي لتحمّل كميات أكبر من الكربوهيدرات.
 إضافةً إلى ذلك، خرج التعافي بدوره من دائرة الفولكلور إلى المختبر؛ ففي دراسة أجراها فريق شيري ماه في جامعة ستانفورد ونُشرت في مجلة (Sleep) عام 2011م، طُلب من 11 لاعبًا في فريق كرة السلة الجامعي إطالة نومهم، فزاد نومهم الفعلي بنحو 110 دقائق ليلًا على مدى خمسة إلى سبعة أسابيع، وهو ما أدى إلى انخفاض زمن العدو من 16.2 إلى 15.5 ثانية، وارتفعت دِقّة الرميات الحرة بنسبة 9% والثُلاثيّات بنسبة 9.2%. كما لخّصت "ماه" الفكرة قائلةً: "النوم ليس نهاية اليوم؛ إنه بداية الغد".

 غير أن العلم لا يمنح فقط، بل إنه يأخذ أيضًا؛ فحمّامات الثلج، التي تحوّلت إلى طقس شبه مقدّس في غرف الملابس، خضعت للاختبار. ففي دراسة نشرها ليون روبرتس وزملاؤه في مجلة (The Journal of Physiology) عام 2015م، تابع الباحثون رياضيين على مدى 12 أسبوعًا من تدريب القوة، ووجدوا أن الغمر في الماء البارد بعد التمرين قلّل المكاسب في الكتلة العضلية، مقارنةً بالتعافي النشط، وأثّر في نشاط الخلايا الساتلية والمسارات البنائية. وخلص الباحثون إلى ضرورة إعادة النظر في استخدام الماء البارد وسيلةً روتينيةً للتعافي.

 

جهاز VO2max لتقييم اللياقة القلبية والتنفسية الخاصة بالرياضيين.

من "جين البطل" إلى الوقاية 
مع انهيار كلفة تحليل الجينوم، ظهرت سوق تَعِدُ بكشف "الجين البطل". وقد كشف بيان إجماع نُشر في مجلة (British Journal of Sports Medicine) عام 2015م عن حجمها: تبيع 39 شركة اختبارات جينية رياضية مباشرة للمستهلك؛ إذ كان متغيّر (ACTN3 R577X) يُفحَص لدى 16 شركة من أصل 18 أفصحت عن تلك الاختبارات التي تقدّمها، يلي ذلك متغيّر (ACE I/D) لدى 11 شركة. إن الإغراء واضح: مسحة لعاب واحدة تَعِدُ باختصار سنوات من التجربة والخطأ. 

لكن الأدلة تقول غير ذلك؛ فقد خلص بيان الإجماع نفسه إلى أن "الاختبارات الجينية لا دور لها في اكتشاف المواهب"، وأوصى بعدم إخضاع الأطفال والرياضيين الناشئين لهذه الفحوص التجارية. والسبب بالأرقام: تراوحت نسب الأرجحية لهذه المتغيّرات بين 1.2 و1.35، وهي تأثيراتٌ صغيرة لا تسمح بتحويل نتيجة جينية فردية إلى حكم على الموهبة الرياضية.

 جاء نجاح الطب الرياضي من مكانٍ أقل بريقًا: الوقاية. فقد أجرى نيكولاس فان دايك مراجعةً منهجية شملت 15 دراسة و8,459 رياضيًّا، ونُشرت في المجلة نفسها المذكورة آنفًا عام 2019م، وخلصت إلى أن البرامج التي تتضمّن تمرين "النورديك" لأوتار الركبة، وهو تمرين بسيط لا يحتاج إلى أجهزة، تخفّض خطر الإصابة إلى نحو النصف.

بعد ذلك ظهر التصحيح؛ إذ أعاد الباحث الإيطالي المتخصص في علوم التدريب والطب الرياضي، فرانكو إمبيليتزيري، وزملاؤه، تحليل البيانات نفسها بمنهجية مختلفة، وخلصوا إلى أن الأثر الوقائي يبدو أقل حسمًا مما رُوّج له. وهذه سِمةٌ أساسية في العلم: أن يراجع نتائجه ويختبرها من جديد.

آلاف القياسات لا تعني فهمًا
يخرج لاعب كرة القدم المحترف اليوم إلى التدريب وهو يحمل أجهزةً لتحديد الموقع وقياس التسارع، وعلى معصمه جهازٌ يتتبّع تقلّب معدل ضربات القلب، وأحيانًا لاصقة تقيس الغلوكوز باستمرار. وتنتج الحصة الواحدة آلاف نقاط البيانات. والوعد الذي تكرّره الشركات: توقّع الإصابة قبل وقوعها. 

هنا يقدّم الميدان درسًا أكثر تواضعًا؛ فقد انتشر مؤشر "نسبة الحمل الحاد إلى المزمن" بوصفه أداةً لإدارة خطر الإصابة، وارتبط به رسم بياني شهير يحدّد "منطقة آمنة" يُفترض أن يقلّ فيها خطر الإصابة. لكن ورقة نقدية نشرها إمبيليتزيري وزملاؤه عام 2020م، بيّنت أن المؤشر يرتكز على أسس مفاهيمية وإحصائية هشّة، وأن العلاقة التي يفترضها بين زيادة التدريب والإصابة لم تثبت سببيًّا. وتقدّم الباحثون بطلب لتصحيح الرسم بعد تكرار نشره في الأدبيات العلمية. 

ولم يتوقف الجدل عند هذا الحدّ؛ ففي رسالة نشرها غاريت بولوك وفرانكو إمبيليتزيري وزملاؤهما في مجلة (Sports Medicine – Open) عام 2024م، انتقدوا فيها نماذج تعلّم آلي للتنبؤ بالإصابات في كرة القدم، مشيرين إلى "أخطاء منهجية ومفاهيمية". وكانت مراجعة منهجية سابقة للفريق نفسه، نُشرت في (Sports Medicine) عام 2022، قد طرحت السؤال بوضوحٍ: إلى أي حدٍّ يمكننا حقًّا أن نثق بالتنبؤ بالإصابات الرياضية؟

 الخلاصة ليست أن الأجهزة عديمة الجدوى؛ فهي ممتازةٌ في وصف ما حدث: ضبط الإيقاع، وإدارة حجم التدريب، وجدولة السفر والمباريات، ورصد التراجع قبل أن يلاحظه المدرب. لكن القدرة على القياس ليست هي القدرة على الفهم؛ فالإصابة حدثٌ متعدد العوامل لا يُختزل في نسبة واحدة. وأفضل ما تفعله الخوارزميات حتى الآن هو مساعدة المدرّب على طرح سؤالٍ أدق، لا الإجابة عنه. 

أين ينتهي الرياضي؟
فلنعُد إلى لندن. خلف سباستيان ساوي لم يكُن هناك تدريب شاق فحسب، بل منظومة من المعرفة: معسكرات ارتفاع في وادي الصدع الكبير، وبروتوكول تغذية يُحصى بالغرام، وأدبيات للنوم، وقياسات للأداء. لكن كيجيلتشا، الذي وصل خلفه بإحدى عشرة ثانية، كان يملك منظومة مشابهة.

 العلم لم يصنع البطل، وإنما رفع السقف للجميع، ثم تركهم يتنافسون تحته. لقد قلّص المسافة بين ما يقدر عليه الجسم وما نعرف كيف نُحسّنه: قلّل الهدر، وقصّر زمن التعافي، وساعد على الوقاية من إصابات قد تنهي المسيرة. وفي رياضة تُقاس فيها العَظَمة بأجزاءٍ من الثانية، قد يكون تجميع مكاسب صغيرة كثيرة هو التعريف الدقيق للطفرة. 

خالد كرم: ناقد وصحفي رياضي.