Hero image

هل سنستغني عن الطعام؟

أكتوبر 21, 2026

شارك
لطالما أثارت فكرةُ تحويل البشر إلى كائنات ذاتية التغذية اهتمامَ الأوساط العلمية وخيالهم؛ إذ تُراود البعضَ فكرةُ استغلال الطاقة الشمسية مباشرةً لتغذية الإنسان بها دون الحاجة إلى السلاسل الغذائية التقليدية، في محاكاةٍ لآلية التمثيل الضوئي لدى النباتات والطحالب وبعض أنواع البكتيريا. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة تنتمي اليوم إلى آفاق الخيال العلمي، لا يكفّ الطموح العلمي عن استكشاف إمكانية تحقيقها. فهل يأتي يوم يتحرّر فيه الإنسان من الاعتماد على الغذاء، ويعيش على الضوء وحدَه؟
حتى اليوم، لا يزال الغذاء يُعدُّ شرطًا أساسًا لاستمرار الحياة؛ إذ يمدُّ الجسم بالطاقة لأداء وظائفه، ويوفر العناصر الضرورية للنمو والتطوُّر وبناء الأنسجة وإصلاح التالف منها، فضلًا عن دوره الجوهري في الوقاية من الأمراض. ويتكوَّن الغذاء البشري من ثلاثة أنواع رئيسة: البروتينات والكربوهيدرات والدهون. وتلبية هذه الاحتياجات الحيوية هي ما يدفع العلماء إلى التساؤل: هل يمكن يومًا الاستغناء عن السلسلة الغذائية كلها، والحصول على الطاقة والمواد اللازمة للحياة مباشرةً من الضوء والهواء؟

من الهواء إلى الغذاءأسهم التقدُّم العلمي خلال السنوات الأخيرة في تغيير مفهوم إنتاج الغذاء؛ إذ لم تعُد المختبرات تقتصر على تحسين المحاصيل أو تربية الحيوانات فحسب، بل أصبحت تُطوِّر طرقًا لإنتاج الغذاء من موادّ أولية غير تقليدية. فما كان يُعدُّ قبل سنواتٍ ضربًا من الخيال، مثل اللحوم المستزرعة أو إنتاج الغذاء من الهواء، بدأ يتحوَّل تدريجيًّا إلى تطبيقاتٍ عملية. 

ومن أبرز هذه التوجُّهات إنتاج الأغذية اعتمادًا على ثاني أكسيد الكربون بوصفه مادةً أوليّة. ففي هذه التقنية يُحتجز الغاز، ثم يُحوَّل إلى مركّباتٍ كيميائية تستطيع كائناتٌ دقيقة استقلابها لإنتاج بروتينات ودهون ومركّبات غذائية أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام تصنيع الغذاء دون الاعتماد المباشر على الزراعة التقليدية.

لم يعُد هذا التوجُّه حبيس المختبرات، بل بدأ يتجسَّد في نماذج تطبيقية واعدة. فقد نجح باحثون في تطوير تقنياتٍ لإنتاج دهون غذائية من دون زراعةٍ أو تربية حيوانات، مُستلهمين تفاعلاتٍ كيميائيةً تحدث طبيعيًّا قرب الفتحات الحرارية المائية في أعماق المحيطات. وفي اتجاهٍ آخر، يعمل فريقٌ من العلماء على إنتاج بروتين صالح للأكل بتنمية كائناتٍ دقيقة تتغذّى على ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين، مستخدمةً الكهرباء مصدرًا للطاقة.  وقد أظهرت الدراسات أن هذا البروتين يحتوي جميع الأحماض الأمينية الأساسية التي يحتاج إليها جسم الإنسان، وتقترب قيمته الغذائية من البروتينات الحيوانية. 

وتؤكد هذه الإنجازات أن إنتاج الغذاء لم يعُد حكرًا على الحقول والمراعي، بل أصبح ممكنًا بوسائل غير تقليدية. غير أن السؤال الأجرأ يظلُّ مطروحًا: هل يأتي يومٌ يتحرَّر فيه الإنسان من الاعتماد على الغذاء، ويستمد حاجته من الطاقة مباشرةً كما تفعل النباتات؟

 

عندما يُصبح الإنسان نباتًايمثّل هذا السيناريو التخيُّلي، القائم على إكساب الإنسانِ القدرةَ على التغذية الذاتية أحد أكثر التصوُّرات جرأةً في الخيال العلمي البيولوجي. ولن يقتصر التغيير على طريقة حصول الإنسان على الطاقة فحسب، بل سيمتد إلى مكانته في السلسلة الغذائية؛ إذ يتحوَّل من كائنٍ مستهلك يتغذَّى على الكائنات الأخرى من أجل البقاء، إلى كائنٍ ذاتي التغذية يستمد طاقته من الشمس مثل النباتات.

لكن تحقيق هذا السيناريو يصطدم بعقباتٍ بيولوجية جوهرية. فالإنسان كائنٌ مرتفع الاستهلاك للطاقة؛ إذ يتحرك باستمرار، ويحافظ على درجة حرارة ثابتة، ويملك دماغًا يستهلك وحدَه نحو 20% من طاقة الجسم، على خلاف النباتات التي هي كائناتٌ ساكنة معدَّل استهلاكها للطاقة منخفضٌ جدًّا. لذلك، فإن عملية البناء الضوئي لن تكون فعَّالة عند تطبيقها على البشر. ولكي يغطي الإنسان احتياجاته اليومية عبر البناء الضوئي، لن تكفيه بشرته الحالية، وسيحتاج إلى جِلْدٍ ذي مساحة تعادل تقريبًا مساحة ملعب تنس.

لتجاوز هذا القيد، قد يتطلّب الأمر إعادة هندسة الجسم البشري جذريًّا. فبدلًا من الاكتفاء بمساحة الجلد الحالية، قد يحتاج الإنسان إلى تراكيب حيوية إضافية تزيد المساحة المُعرَّضة للضوء، أو إلى تطوير بلاستيدات (تراكيب خلوية متخصصة توجد في خلايا النباتات والطحالب) خضراء اصطناعية أكفأ بكثيرٍ من نظيراتها الطبيعية. وربَّما تتمكن تقنيات الهندسة الوراثية والنانو الحيوية مستقبلًا من تصميم أنظمةٍ تستفيد من نطاق أوسع من الإشعاع الشمسي لرفع كفاءة إنتاج الطاقة الكيميائية داخل الخلايا.

 

نهاية الجوع أم نهاية المائدة؟إذا أصبح الإنسان ذاتيَّ التغذية، كما يتخيّل البعض، فلن يقتصر التغيير على طريقة حصوله على الطاقة فقط، بل سيمتد ليشمل بنية الحضارة نفسها. فالتخلُّص من الحاجة اليومية إلى إنتاج الطعام ونقله وإعداده، سيُحرِّر جزءًا كبيرًا من الوقت والموارد، ويُعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وأنماط الحياة. وقد يُسهم ذلك أيضًا في الحدّ من المجاعة وسوء التغذية وبعض الأمراض المرتبطة بالغذاء.

سيُحدث هذا التحوُّل تغيراتٍ اقتصادية عميقة. فالتراجع الكبير في الحاجة إلى الزراعة وسلاسل الإمداد الغذائي وصناعة المطاعم سيُعيد توزيع الموارد البشرية والمالية على قطاعات أخرى، مثل التعليم والبحث العلمي واستكشاف الفضاء. وفي الرحلات الفضائية البعيدة، قد يخفِّف الاستغناء عن نقل الغذاء وإنتاجه على متن المركبات الكثيرَ من القيود اللوجستية، وهو ما يوسِّع آفاق الاستكشاف البشري للفضاء. وفي هذا السيناريو، لن يعود الطعام ضرورةً بيولوجية، بل خيارًا ثقافيًّا أو شكلًا من أشكال الترف.

لكن التحوُّل إلى عصر ما بعد الطعام، لا يتوقف عند حدود الاقتصاد، بل سيمتد إلى الثقافة أيضًا. فالغذاء لم يكُن يومًا مجرد سعراتٍ حرارية، بل وعاءً للذاكرة الجمعية، ومرآةً للهوية الثقافية للشعوب وتاريخها. وتُعدُّ المطابخ التقليدية والعادات المرتبطة بالمائدة جزءًا من التراث الثقافي غير المادي الذي تتوارثه المجتمعات جيلًا بعد جيل. ومن ثَمَّ، فإن تراجع مكانة الطعام في حياة الإنسان قد يعني انحسار أحد أكثر أشكال التعبير الثقافي رسوخًا.

أمَّا على المستوى الاجتماعي، فقد يكون غياب المائدة أحد أعمق التحوُّلات التي يشهدها المجتمع. فالجلوس إلى المائدة ليس مجرد وسيلةٍ لتناول الطعام، بل هو طقسٌ اجتماعي يعزِّز الألفة، ويقوِّي الروابط الأسرية، ويفسح المجال للحوار وتبادل الخبرات. كما أن كثيرًا من المناسبات، من الولائم العائلية إلى حفلات الزفاف واللقاءات الدبلوماسية واجتماعات العمل، تدور حول الطعام بوصفه وسيلةً للتقارب لا غايةً في ذاته. وإذا انتفت الحاجة البيولوجية إلى الغذاء، فقد تضطر المجتمعات إلى ابتكار طقوسٍ جديدة تحلُّ محل الدور الذي تؤديه المائدة اليوم في جمع الناس. ولعلَّ أكبر ما قد نفتقده في عالمٍ كهذا ليس الطعام نفسه، بل ما كان يصنعه من لقاءاتٍ وذكريات.

ومع كل هذه التحوُّلات، يبرز سؤالٌ يتجاوز الاقتصاد والبيئة والثقافة: هل سيظل الإنسان هو الإنسان إذا تحرَّر من حاجته إلى الطعام؟

فمنذ فجر التاريخ، شكّل البحث عن الغذاء أحد أهم المحركات التي دفعت البشر إلى الزراعة والاستقرار والتجارة والاكتشاف. وإذا انتفت هذه الحاجة، فلن يتغير أسلوب الحياة فحسب، بل قد تتغير نظرتنا إلى العمل والوفرة والعلاقات مع الكائنات الحية، وربَّما إلى معنى البقاء نفسه.
وعلى الصعيد البيئي، قد يؤدي تراجع الاعتماد على الزراعة التقليدية وتربية الماشية إلى خفض جزءٍ من الانبعاثات المرتبطة بإنتاج الغذاء، وإتاحة الفرصة لاستعادة بعض الأراضي الزراعية والرعوية لصالح النُّظُم البيئية الطبيعية. وقد يُسهم ذلك في تعزيز التنوُّع الحيوي وزيادة قدرة النُّظُم البيئية على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، وإن كان حجم هذه الآثار سيعتمد على كيفية إدارة هذا التحوُّل.

ما الذي يبقى من الإنسان؟إذا أصبح الإنسان يومًا ذاتيَّ التغذية، فقد يتراجع كثيرٌ من الصراعات المرتبطة بتوفير الغذاء، وتصبح العلاقة مع الكائنات الحية أقل اعتمادًا على الافتراس والاستغلال. وعندما تنتفي ندرة الطاقة اللازمة للبقاء، قد يتغير كثيرٌ من الدوافع التي وجّهت السلوك البشري عبر التاريخ، وهو ما يفتح المجال أمام مجتمعاتٍ تكرّس قدرًا أكبر من وقتها ومواردها للإبداع والبحث والاستكشاف. لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء التنافس أو الصراع؛ فمصادرهما تتجاوز الغذاء إلى عوامل اقتصادية وسياسية وثقافية أخرى. 

بين الخيال والواقع
لا يزال تحوُّل الإنسان إلى كائنٍ ذاتيِّ التغذية بعيدًا عن الإمكانات العلمية الحالية؛ إذ يتطلب تغييراتٍ جذريّة في بنية الجسم ووظائفه، تتجاوز كثيرًا مجرد إضافة آلية شبيهة بالتمثيل الضوئي. كما أن تحقيق مثل هذا السيناريو يستلزم فهمًا أعمق للجينوم البشري، وتطوير تقنيات للهندسة الوراثية لا تزال خارج حدود ما هو متاح اليوم.


ومع ذلك، فإن قيمة هذه الفكرة لا تكمن في احتمال تحقُّقها القريب، بل في قدرتها على توسيع حدود الخيال العلمي وإلهام أسئلةٍ جديدةٍ حول مستقبل الإنسان. فالأفكار التي تبدو اليوم بعيدةً قد تصبح غدًا مُنطلقًا لابتكاراتٍ تغيّر طرائق إنتاج الغذاء والطاقة، حتى وإن لم تجعل الإنسان يعيش على الضوء يومًا.

حسن الخاطر: كاتب خيال علمي.

 

  • علوم

يشكِّل تأمين الغذاء في المستقبل قضية تؤرِّق حكومات العالَم والعلماء على حدٍّ سواء. فخلال القرن العشرين ازداد عدد سكان الأرض أربعة أضعاف، وتشير التقديرات إلى أن العدد سوف يصل إلى عشرة مليارات إنسان بحلول عام 2050م.

نوفمبر – ديسمبر | 2020

حسن الخاطر

نوفمبر 22, 2020