Hero image

ماذا لو اختفى النحل؟

نوفمبر– ديسمبر | 2026

أكتوبر 29, 2026

شارك

تؤدي النحلة، على صغر حجمها، وظيفةً بيئية هائلة تتمثّل في التلقيح، وهو إحدى العمليات الأساسية التي تسمح لكثيرٍ من النباتات بإنتاج الثمار والبذور والتكاثر؛ لأن اختفاء النحل لن يعني فقدان العسل والشمع فقط، بل سيكشف مدى ارتباط الإنسان بالطبيعة وبالكائنات الصغيرة التي تعمل من حولنا بصمت.

وتشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن نحو 75% من أنواع المحاصيل الغذائية تعتمد، بدرجات مختلفة، على المُلقِّحات الحيوانية، كما تؤثر المُلقِّحات في نحو 35% من الإنتاج الزراعي العالمي من حيث الحجم.

لن يختفي الغذاء.. ولكن التوازن سيختلّ
وحين نتساءل عمّا سيحصل إذا اختفى النحل، فربما تكون الإجابة الأكثر شيوعًا: أننا لن نجد طعامًا. لكن هذه الإجابة، على الرغم من أنها تعكس أهمية النحل، فهي ليست دقيقةً علميًّا.

فلن تختفي المحاصيل إذا اختفى النحل؛ فهناك نباتاتٌ تعتمد على الرياح في نقل حبوب اللقاح، وهناك نباتاتٌ تعتمد على التلقيح الذاتي أو على وسائل أخرى. كما أن النحل ليس المُلقِّح الوحيد في الطبيعة؛ إذ هناك الفراشات والعث والخنافس والذباب وبعض الدبابير والطيور والخفافيش وغيرها من الكائنات التي تشارك في تلقيح النباتات. وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن تنوُّع المُلقِّحات يزيد من استقرار عملية التلقيح؛ لأن الأنواع المختلفة تختلف في سلوكها وقدرتها على العمل تحت ظروف بيئية ومناخية مختلفة. وتضم مجموعة النحل وحدها أكثر من 25 ألف نوع معروف، معظمها من النحل البري وليس نحل العسل الذي يربيه الإنسان. 

ومع ذلك، فإن اختفاء نحل العسل سيشكّل فقدانًا مهمًّا لأحد الملقحات الرئيسة، وقد تكون آثاره أكبر في بعض المحاصيل والمناطق من غيرها. أما إذا تصوّرنا سيناريو أشمل تختفي فيه النحلات والملقحات الحيوانية الأخرى، فإن التأثير حينئذٍ سيكون أعمق وأوسع.

 

الزهرة التي لن تتحوّل إلى ثمرة
لكي نفهم أهمية النحلة، علينا أن نتابع رحلة عملها من الزهرة إلى المائدة.
تدخل النحلة إلى زهرة بحثًا عن الرحيق وحبوب اللقاح، وفي أثناء زيارتها تلتصق حبوب اللقاح بجسمها وشعيراتها، ثم تنقلها معها عندما تزور زهرة أخرى. وعندما تصل حبوب اللقاح إلى الجزء المناسب من الزهرة، تبدأ سلسلة من العمليات التي تساعد النبات على إتمام الإخصاب وتكوين البذور أو الثمار، بحسب نوع النبات. وهنا تكمن المفارقة: النحلة لا تذهب إلى الزهرة لكي تنتج لنا الغذاء، بل إنها في أثناء بحثها عن غذائها تساعد النبات على إنتاج الغذاء لنا. إنها علاقة متبادلة نشأت عبر ملايين السنين بين النباتات والملقحات. فإذا انخفضت أعداد الملقحات، يمكن أن تتأثر كفاءة التلقيح، وقد ينعكس ذلك على إنتاج بعض المحاصيل من حيث عدد الثمار وحجمها وجودتها.

ولهذا تؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن التلقيح يرتبط بإنتاج مجموعة واسعة من المحاصيل، ومنها الفواكه والخضراوات والمكسرات والبذور ومحاصيل الأعلاف. 

أيمكن للإنسان أن يحلَّ محلّ النحل؟
هنا يظهر سؤالٌ آخر أكثر تعقيدًا: إذا اختفى النحل، ألا يستطيع الإنسان إجراء عملية التلقيح يدويًّا؟
يمكن فعل ذلك في بعض الحالات، لكنه ليس بديلًا بسيطًا أو اقتصاديًّا على نطاق واسع. ففي بعض المحاصيل والمزارع، يمكن استخدام التلقيح اليدوي أو وسائل ميكانيكية أو إدارة خلايا نحل داخل المزارع لتحسين التلقيح. لكن تخيّل محاولة تلقيح ملايين أو مليارات الأزهار يدويًّا! سيحتاج الأمر إلى أعداد ضخمة من العمال، ووقت طويل، وتكاليف مرتفعة، فضلًا عن استحالة تطبيقه عمليًّا في معظم البيئات الطبيعية.

وهنا تظهر إحدى أهم ميزات الطبيعة: الخدمات التي تُقدِّمها الكائنات الحيّة مجانًا وبكفاءة هائلة. فالنحلة لا تحتاج إلى مصنع أو وقود أو شبكة كهرباء لكي تنتقل من زهرة إلى أخرى؛ فهي جزءٌ من منظومة طبيعية تعمل باستمرار.
وفي تقرير لمنظمة (IPBES)، وهي هيئة دولية تتابع السياسات الحكومية بشأن التنوُّع البيئي، جاء أن قيمة الإنتاج الزراعي السنوي المرتبط مباشرةً بالمُلقِّحات عالميًّا تُراوح بين 235 و577 مليار دولار أمريكي، وفقًا لتقديرات عام 2015م، وهو رقمٌ يوضّح البعد الاقتصادي لخدمات التلقيح. 

 
ماذا سيحدث للطبيعة؟
النحل ليس مجرد عامل زراعي يعمل داخل الحقول، بل هو جزءٌ من شبكة بيئية واسعة؛ إذ تحتاج النباتات إلى المُلقِّحات، وتحتاج الملقّحات إلى النباتات للحصول على الرحيق وحبوب اللقاح، في حين تعتمد كائناتٌ أخرى على النباتات للحصول على الغذاء والمأوى. وهكذا تتكوّن شبكة مترابطة:
نباتات ← مُلقِّحات ← ثمار وبذور ← حشرات وطيور وحيوانات ← نظم بيئية متكاملة.

وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن أكثر من 80% من النباتات البرية المزهرة تعتمد على التلقيح الحيواني، وأن المُلقِّحات تُسهم في المحافظة على التنوُّع الحيوي واستدامة النظم البيئية. 

النحل في مواجهة الحرارة والمبيدات وفقدان الموائل
لكن السؤال الأهم قد لا يكون: ماذا لو اختفى النحل؟ بل: ماذا نفعل حتى لا نصل إلى هذه المرحلة؟
ثمّة مجموعةٌ من الضغوط تواجه النحل والملقحات، من بينها فقدان الموائل وتجزؤها، والزراعة المكثفة، والاستخدام غير الرشيد للمبيدات، والآفات، والأمراض، والتغيّرات المناخية، وارتفاع درجات الحرارة، وتغيّر توقيت الإزهار. وهنا تصبح حماية النحل جزءًا من حماية البيئة الزراعية نفسها. فالمزارع الذي يحافظ على النباتات المزهرة، ويرشّد استخدام المبيدات، ويوفّر مصادر للماء والغذاء، ويسعى إلى الإدارة المتكاملة للآفات، لا يحمي النحل فقط، بل يُسهم في بناء نظام زراعي أكثر توازنًا.

 

ماذا يستطيع الفرد أن يفعل؟
قد يعتقد الإنسان أن قضيةً عالمية بهذا الحجم لا علاقة له بها، لكن حماية المُلقِّحات تبدأ أحيانًا من مساحة صغيرة جدًّا.
يمكن للفرد أن يزرع نباتات مزهرة مناسبة للبيئة المحلية، ويحافظ على النباتات التي تزورها النحلات، ويتجنّب الاستخدام غير الضروري للمبيدات. ويمكن للمدارس والجامعات أن تنشئ حدائق تعليمية للنباتات المزهرة. ويمكن للمزارع أن يخطط لاستخدام المبيدات بطريقةٍ تقلّل تعرُّض النحل لها، ويراعي توقيت المعاملات الزراعية بما يقلّل تأثيرها في المُلقِّحات. أما الباحثون، فدورهم يتجاوز دراسة النحل نفسه إلى دراسة العلاقة بين النحل والنبات والمناخ والزراعة والأمراض والتنوُّع الحيوي.

وماذا لو لم ننتبه؟ 
سيظهر الخطر الحقيقي أبطأ وأهدأ: انخفاضٌ تدريجيّ في أعداد المُلقِّحات، ثم تراجعٌ في كفاءة التلقيح في بعض المناطق والمحاصيل، وارتفاع في تكاليف الإنتاج، وتغيُّر في التنوُّع النباتي والغذائي. وهذا النوع من التغيّرات قد يكون أقل إثارة للانتباه من اختفاء مفاجئ، لكنه مهم علميًّا وبيئيًّا.
فالأنظمة البيئية لا تعمل مثل مفتاح كهربائي؛ إذ لا تنتقل ببساطة من "تشغيل" إلى "إيقاف"، بل تتغيّر تدريجيًّا عندما نفقد أحد مكوناتها.

النحلة الصغيرة.. رسالة كبيرة
في نهاية المطاف، ربما يكون سؤال "ماذا لو اختفى النحل؟" سؤالًا عن النحل، لكنه في الحقيقة سؤال عن الإنسان أيضًا. فهل يمكننا أن نواصل إنتاج الغذاء من دون المحافظة على الكائنات التي تساعد النباتات على التكاثر؟ 
النحلة لا تعرف الحدود بين مزرعة وأخرى، ولا تميّز بين محصول تجاريّ ونبات برّي، بل إنها تتحرك وفقًا لاحتياجاتها الطبيعية، لكنها في أثناء ذلك تُقدِّم خدمةً بيئية يستفيد منها الإنسان والحيوان والنبات. 
وعندما نرى نحلةً تحطُّ على زهرة، قد يبدو المشهد عاديًّا جدًّا. لكن وراء هذا المشهد البسيط توجد سلسلةٌ من العلاقات تمتد من الزهرة إلى الثمرة، ومن الثمرة إلى الغذاء، ومن الغذاء إلى الإنسان.
ولهذا، فإن المحافظة على النحل ليست مجرد محافظة على حشرة، بل هي محافظةٌ على وظيفة بيئية، وجزءٌ من التنوُّع الحيوي، وموردٌ اقتصادي، وأحد مكونات منظومة الغذاء.

 

أ. د. سعد القحطاني: المشرف على وحدة أبحاث النحل بكلية العلوم الزراعية والأغذية في جامعة الملك فيصل.
تصوير: محمد آل ابن الشيخ، (أرشيف أرامكو).