Hero image

كوبا

سبتمبر – أكتوبر | 2026

سبتمبر 3, 2026

شارك
تُثير كوبا، منذ اللحظة الأولى، انطباعًا بصريًّا يكاد ينفصل عن إيقاع العصر الحديث، وكأنها نافذة على زمن آخر ما زال قائمًا. السيارات الكلاسيكية التي تعود إلى منتصف القرن العشرين، والعمارة ذات الطابع الإسباني التي تتراءى بألوانها الباهتة المُشبعة بآثار الزمن، والناس الذين يعيشون وفق إيقاعٍ هادئ يتدفَّق بسلاسة كتدفُّق نهرٍ هادئ يعانق ضفافه؛ جميعها عناصر شكّلت مشهدًا يبدو أقرب إلى فِلمٍ قديم منه إلى واقعٍ معاصر، وأسهمت في إضفاء خصوصية بصرية ساحرة كانت الدافع لزيارة هذه البلاد واستكشاف أسرارها عن قرب.
استغرقت الرحلة من مدينة الدمام إلى العاصمة الكوبية هافانا، مرورًا بأمستردام، نحو تسع عشرة ساعة. فكان هذا الامتداد الزمني الطويل بين نقطتين جغرافيتين متباعدتين أشبه بفاصل بين عالمَين مختلفين زمنيًّا ومكانيًّا.

وهناك، كانت إقامتنا وفقًا لنظام يُعرف محليًّا باسم "كازا بارتيكلار"، وهو نظام إقامة يتيح للزائر العيش مع عائلة كوبية داخل منزلها. وتتميّز هذه المنازل بعلامة زرقاء توضع على الواجهة للإعلان عن إمكانية استقبال الضيوف فيها. وقد أسهم هذا النمط في تأمين ضيافة دافئة تتداخل مع بساطة الحياة اليومية، بعيدًا عن الفنادق السياحية التجارية، وهو ما يكشف أسرار المجتمع الكوبي وواقعه بصدقٍ نادر.

هافانا القديمة: ذاكرة المكان
في هافانا القديمة، تكمن ملامح كوبا الأكثر رسوخًا؛ الأزقة الضيقة، والمباني التاريخية، والواجهات المتآكلة بفعل الزمن، كلها تشكّل نسيجًا عمرانيًّا يحافظ على طابعه منذ عقود.

أمَّا السيارات ذات الطرازات القديمة، فهي من أبرز العناصر الجمالية لهافانا؛ وهي نتيجةٌ مباشرة للظروف السياسية والاقتصادية التي تعيشها كوبا، وأبرزها الحصار الذي فُرض على البلاد منذ ستينيات القرن الماضي، وما تبعه من حدٍّ في القدرة على الاستيراد. وقد دفعت هذه الظروف السكان إلى الحفاظ على هذه المركبات وإصلاحها بوسائل محلية، وهو ما أدى إلى انتشار مهارات ميكانيكية واسعة. ومع مرور الوقت، تحوَّلت هذه السيارات من ضرورة عملية إلى عنصر جذب سياحي، تمنح الزائر تجربةً فريدة تعيده إلى زمن مختلف.

كما انعكس النظام الاقتصادي والحياتي لكوبا على تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ يرى الزائر مواطنين في العاصمة التي تضم نحو مليون ونصف المليون نسمة، يقفون في طوابير أمام المخابز والمتاجر للحصول على حصصهم من المواد الأساسية، مستخدمين بطاقات تموينية تنظّم عملية التوزيع. ويجسّد هذا المشهد تبعات نظامٍ اقتصادي قائم على الإدارة المركزية؛ إذ تتدخل الدولة في توزيع الاحتياجات الأساسية في محاولة لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية.
 
نبض فني مميز
ولكن على الرغم من القيود الاقتصادية، تنبض كوبا بحيوية فنيّة لا تُضاهى؛ إذ تتسلل الموسيقى إلى كل زاوية من الشوارع والساحات والمنازل، لتصبح أكثر من مجرد وسيلة للترفيه، بل شريان الحياة اليومية الذي يطرد الهموم ويوقظ الفرح، فيرقص الناس في أي ساعة كأن الضغوط لم تكُن. وهذا التناقض الساحر بين صعوبات الواقع وخفة الروح يشكّل أبرز ملامح الشخصية الكوبية.

أمَّا ما يتعلق بالفنون بوجهٍ عام، فقد حظيت بعد الثورة الكوبية عام 1959م، بدعمٍ واضحٍ من الدولة، وكان "الباليه" من أبرز هذه الفنون؛ إذ أُنشئت دار الباليه الوطني في عام 1959م، وانتشرت المعاهد والمدارس المتخصصة في تعليمه، وأولى الشعب الكوبي اهتمامًا كبيرًا بتدريب الأطفال وتعليمهم هذا الفن الراقي، وأصبح طموح الكثيرين أن يكونوا راقصين محترفين لأسباب عدة، منها السفر إلى الخارج، وربَّما فرصة للعمل والاستقرار في دولة أخرى. 

كما برزت كوبا في مجال الملاكمة، لدرجة أن هناك ما يُعرف بالأسلوب الكوبي، وحققت نجاحات كبيرة على المستوى الأولمبي، ولا سيَّما في فئة الهواة. ويمكن للزائر مشاهدة أعداد كبيرة من الأطفال وهم يتدربون على الملاكمة في الشوارع والأزقة. 
 
السيجار: صناعة وهوية
يُعدُّ السيجار الكوبي من أشهر المنتجات التي ارتبطت باسم البلاد عالميًّا. وتعتمد صناعته على مزيجٍ من العوامل الطبيعية والبشرية؛ إذ توفر التربة والمناخ بيئةً مثالية لزراعة التبغ، في حين تُضفي المهارة اليدوية قيمةً إضافية على المنتج النهائي. وتمرُّ هذه الصناعة بمراحل عديدة دقيقة، تبدأ بقطف الأوراق، ثم تجفيفها، فمرحلة التخمير التي تمنحها نكهتها الخاصة، وصولًا إلى لفها يدويًّا، وهو ما يتطلب خبرةً عالية.

أمَّا أبرز مكانٍ يمكن للزائر فيه أن يقترب من تفاصيل صناعة السيجار، ويرى كيف تتحوّل أوراق التبغ من نبات بسيط إلى منتج عالمي، في عملية تجمع بين الطبيعة والحرفة، فهو في مدينة فيناليس، الواقعة على بعد نحو ثلاث ساعات من هافانا، وتُعدُّ من أبرز مناطق زراعة التبغ في كوبا، وتتميز بطبيعتها الخضراء الكثيفة التي تمتد على مساحات واسعة، وتمنحها طابعًا أقرب إلى الغابات الاستوائية.
 

ترينيداد: مدينة مفتوحة على الحياةمن جهة أخرى، تُعدُّ مدينة ترينيداد، المدينة التي تأسّست في القرن السادس عشر، نموذجًا آخر من المدن الكوبية التي حافظت على طابعها التاريخي؛ إذ تتميز بشوارعها المرصوفة بالحجارة، وبيوتها الملونة، ونوافذها المفتوحة.

ويعكس هذا الانفتاح المعماري نمط حياة اجتماعيًّا قائمًا على التواصل؛ إذ تبدو الحياة اليومية مكشوفة للعين، وكأن المدينة برمَّتها تعيش في فضاء مشترك. ويُضاف إلى سحرها شواطئها الجميلة ومطبخها المعتمد على المأكولات البحرية، بأسعارٍ متواضعة تجعل المتعة في متناول الجميع. 

ومن بين شوارع ترينيداد المفتوحة، كما في مدن أخرى، تلوح الرموز الكوبية كصور حيّة في المشهد العام. فتُحيي الذاكرة الكوبية رموزها بقوة لا تُضاهى، حتى إن الطبيب الأرجنتيني تشي جيفارا، الذي تحوّل إلى أيقونة عالمية، يتفوق في حضوره على فيديل كاسترو نفسه؛ إذ تنبض صوره في كل ركن: على الجدران والشوارع والسيارات والمحال، وصولًا إلى وشومٍ تُطبع على أكتاف المتحمسين؛ ليصبح نبضًا بصريًّا يتجاوز حدود التاريخ، متجسّدًا في الهوية الثقافية والمرئية للبلاد.

 
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image

 

نموذج معقد لتداخل التاريخ والسياسة والاقتصاد في تشكيل الحياة اليومية، والعزلة الطويلة أسهمت في الحفاظ على خصوصية ثقافية وبصرية نادرة.

بين العزلة والانفتاح
تقدّم كوبا نموذجًا معقدًا لتداخل التاريخ والسياسة والاقتصاد في تشكيل الحياة اليومية. فقد فرض الحصار عزلة طويلة، تركت آثارها على مختلف جوانب الحياة، لكن هذا الواقع نفسه أسهم في الحفاظ على خصوصية ثقافية وبصرية نادرة.


ومع انفتاح البلاد تدريجيًّا على السياحة، أصبح هذا الإرث مصدر جذب عالمي، يتيح للزائرين تجربةً فريدة تجمع بين الماضي والحاضر، وتدعو إلى التأمل في علاقة الإنسان بزمانه ومكانه.


كتابة وتصوير: هشام الحميد.