
رافقت الأحلام الإنسان منذ أقدم العصور، فعدّتها الحضارات القديمة رسائل تحمل دلالاتٍ غيبيةً أو نبوءات، في حين رآها الفلاسفة نافذةً على النفس. ومع تطوُّر العلوم، انتقل الاهتمام بالأحلام من التفسير الرمزي إلى دراسة نشاط الدماغ في أثناء النوم، فأصبحت موضوعًا رئيسًا في علم الأعصاب وعلم النفس المعرفي. وخلال العقد الأخير، ظهر مفهوم "هندسة الأحلام" الذي يهدف إلى التأثير في محتوى الأحلام باستخدام محفزات حسيّة في أثناء النوم، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة للتعلُّم والعلاج، لكنه يُثير في الوقت نفسه أسئلة أخلاقية حول خصوصية العقل البشري.
كيف فهمت الحضارات القديمة الأحلام؟تُشير الدراسات الحديثة إلى أن الدماغ يظل نشطًا في أثناء الحلم؛ إذ تنشط مناطق مرتبطة بالذاكرة والانفعال، في حين ينخفض نشاط مناطق التفكير المنطقي، وهو ما يفسّر الطبيعة الغريبة للأحلام. ويرى الباحثون أن الأحلام تُسهم في ترسيخ الذاكرة، وإعادة تنظيم الخبرات اليومية، وتنظيم المشاعر، وربّما تعزيز الإبداع وحل المشكلات. قبل أن تصبح الأحلام موضوعًا لعلم الأعصاب، حاولت الحضارات القديمة فهمها في ضوء معتقداتها وثقافاتها؛ فرأت فيها رسائل من العالم الغيبي، أو نبوءات، أو نافذة على النفس.
وبعد أن شكّلت الأحلام مادةً دسمةً لعلم النفس طوال القرن العشرين، ها هي في القرن الواحد والعشرين تصبح موضوع دراسات علمية واختبارات تحاول التخلّل فيها، بحيث يمكن توجيهها نظريًّا على الأقل.
ماذا يحدث في الدماغ عندما نحلم؟
ينظر علم الأعصاب الحديث إلى الأحلام بوصفها نتاجًا لنشاطٍ عصبي معقّد يحدث في أثناء النوم، ولا سيَّما خلال مرحلة نوم حركة العين السريعة، وهي المرحلة التي يكون فيها الدماغ في حالة نشاط مرتفعة تشبه إلى حدّ بعيد نشاطه في أثناء اليقظة، في حين تكون العضلات الإرادية في حالة ارتخاء شبه كامل. وقد أظهرت الدراسات أن اللوزة الدماغية المسؤولة عن معالجة الانفعالات، والحُصين المسؤول عن الذاكرة، يزداد نشاطهما في أثناء الأحلام، في حين ينخفض نشاط القشرة الجبهية المرتبطة بالتفكير المنطقي واتخاذ القرار، وهو ما يفسّر الطبيعة العاطفية وغير المنطقية التي تتسم بها كثير من الأحلام.
وتُشير دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي وتخطيط كهربية الدماغ إلى أن الدماغ يستمر في أثناء النوم في معالجة المعلومات المكتسبة خلال اليقظة، وإعادة تنظيم الذكريات وربطها بالخبرات السابقة، فيما يُعرف بـعملية "تثبيت الذاكرة". لذلك يرى كثيرٌ من علماء الأعصاب أن الأحلام ليست مجرد صور عشوائية، بل تمثّل انعكاسًا لعمليات معرفية وعصبية قد تُسهم في التعلُّم وتنظيم المشاعر ومعالجة الخبرات اليومية.
هندسة الأحلام مجالٌ يسعى إلى التأثير في بعض عناصر الحلم باستخدام محفّزات حسيّة، مثل الأصوات أو الروائح أو الكلمات، التي تُقدَّم في مراحل محدَّدة من النوم.
من تفسير الأحلام إلى هندستهامن أبرز الاتجاهات البحثية الحديثة ما يُعرف بـ"هندسة الأحلام "، وهو مجال يسعى إلى التأثير في بعض عناصر الحلم باستخدام محفّزات حسيّة، مثل الأصوات أو الروائح أو الكلمات، التي تُقدَّم في مراحل محدَّدة من النوم. ويعتمد هذا النهج على تقنية "إعادة التنشيط المستهدف للذاكرة"، التي تُعيد تقديم إشارات ارتبطت سابقًا بعملية تعلُّمٍ بهدف تعزيز تثبيت الذاكرة. وقد أظهرت بعض الدراسات تحسنًا محدودًا في التعلّم والاحتفاظ بالمعلومات، إلا أن نتائجها لا تزال تختلف باختلاف نوع المهمة وظروف النوم.
يُعدُّ هذا المجال من أحدث الاتجاهات البحثية في علوم النوم، وقد أسهمت أجهزة الاستشعار القابلة للارتداء، إلى جانب الذكاء الاصطناعي والتقنيات الأخرى، في تعزيز هذا التوجه البحثي، وهو ما أتاح للباحثين دراسة العلاقة بين نشاط الدماغ ومحتوى الأحلام بدقةٍ أكبر. كما يدرس الباحثون إمكانية استخدام هذه التقنيات في علاج الكوابيس واضطراب ما بعد الصدمة، إلا أن هذه التطبيقات لا تزال في مراحل البحث السريري ولم تصبح جزءًا من الممارسة الطبية المعتادة.
المناطق الدماغية المسؤولة عن الانفعالات والذاكرة تنشط في أثناء الحلم، في حين ينخفض نشاط المناطق المسؤولة عن المنطق والرقابة، فتبدو الأحداث غير مترابطة وغريبة.
الأحلام بين الطب والتقنيةمن أبرز الإنجازات في هذا المجال تجربة أجراها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)؛ إذ طُوّر جهازٌ يُعرف باسم (Dormio) لمراقبة المرحلة الانتقالية بين اليقظة والنوم. ويعتمد الجهاز على تتبع المؤشرات الفسيولوجية للمستخدم، ثم تقديم كلماتٍ أو إشارات صوتية قصيرة في أثناء بداية النوم، وهو ما يزيد من احتمالية دمج تلك الكلمات في الأحلام. وقد أظهرت النتائج أن المشاركين غالبًا ما أبلغوا عن أحلام تضمَّنت الموضوعات التي قُدِّمت لهم قبل بداية النوم أو في أثنائه، وهو ما وفّر دليلًا تجريبيًّا على إمكانية التأثير المحدود في محتوى الأحلام من دون التحكُّم الكامل فيها. وتُعدُّ هذه النتائج خطوةً مهمة نحو فهم العلاقة بين الذاكرة والأحلام، لكنها لا تعني القدرة على "برمجة" الأحلام أو التحكُّم الكامل في مجرياتها.
كما أسهمت دراسات "الحلم الواعي" في تطوير هذا المجال؛ إذ يستطيع بعض الأشخاص إدراك أنهم يحلمون، والتأثير جزئيًّا في مجريات الحلم. وقد بيّنت تجارب مخبرية أن تقديم إشارات ضوئية أو صوتية خفيفة خلال مرحلة حركة العين السريعة قد يزيد احتمال حدوث الحلم الواعي لدى بعض المشاركين. ويُدرس هذا النوع من الأحلام حاليًّا بوصفه وسيلةً محتملة للمساعدة في علاج الكوابيس المتكررة، واضطراب ما بعد الصدمة، وتحسين المهارات الحركية من خلال التدريب الذهني في أثناء النوم، إلا أن فعاليته العلاجية لا تزال تحتاج إلى مزيد من الدراسات واسعة النطاق.
وفي السنوات الأخيرة، أدى استخدام تقنيات التعلُّم الآلي والذكاء الاصطناعي إلى تحقيق تقدُّمٍ في تحليل أنماط النشاط العصبي المرتبطة بالأحلام. فقد استطاع بعض الباحثين بناء نماذج تتنبأ، بدرجةٍ محدودةٍ، بفئات عامة من الصور أو الأشياء التي قد تظهر في الأحلام اعتمادًا على أنماط نشاط الدماغ المسجلة في أثناء النوم أو عند الاستيقاظ مباشرة. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه النماذج لا تقرأ الأفكار أو الأحلام قراءةً مباشرة، وإنما تستنتج احتمالات إحصائية مستندة إلى بيانات تجريبية، ولا تزال بعيدةً عن إعادة بناء محتوى الأحلام بدقةٍ كاملة.
هل تبقى الأحلام آخر مساحة خاصة؟
على الرغم من الإمكانات العلمية الواعدة لهندسة الأحلام، لا يزال هذا المجال يواجه تحدّيات علمية وأخلاقية مهمة. فمن الناحية العلمية، تختلف الأحلام بين الأفراد، كما أن تأثير التدخلات الحسيّة ليس ثابتًا أو قابلًا للتكرار لدى الجميع. ومن الناحية الأخلاقية، تُثير محاولات التأثير في الأحلام أسئلةً تتعلق بخصوصية الخبرة الذهنية، وحدود استخدام هذه التقنيات في المجالات العلاجية أو التجارية، مع التأكيد على عدم إساءة استخدام التقنيات للتأثير في الأفكار أو السلوك وضرورة الحصول على موافقة مستنيرة من المشاركين في الدراسات.
ولذلك، تؤكد الهيئات العلمية أن هندسة الأحلام لا تزال مجالًا بحثيًّا ناشئًا، وأن نتائجها الحالية تُشير إلى إمكانية التأثير المحدود في بعض عناصر الأحلام، وليس إلى التحكُّم الكامل فيها أو تصميمها وفق رغبة الباحث، بما يحفظ حق الإنسان في خصوصية خبراته الذهنية، حتى إن ذلك يستدعي وضع أطر قانونية وأخلاقية تسبق الانتشار الواسع لهذه التقنيات.
وعلى الرغم من هذا التقدُّم الكبير، لا يزال علماء الأعصاب يؤكدون أن الوظيفة النهائية للأحلام لم تُحسم بصورة قاطعة، وأن النظريات الحالية تمثّل تفسيرات مدعومة بأدلة تجريبية، لكنها لا تقدّم تفسيرًا واحدًا شاملًا لجميع أنواع الأحلام. وتُشير الأدبيات العلمية إلى أن فهم الأحلام يتطلب تكامل علوم الأعصاب وعلم النفس المعرفي والذكاء الاصطناعي، وأن النتائج الحالية واعدة لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيدٍ من الدراسات الطولية والتجارب السريرية لفهم حدود هذه التقنيات وآثارها بعيدة المدى.
ختامًا، تكشف رحلة الأحلام كيف انتقلت من عالم الأساطير والتأويل إلى مختبرات علم الأعصاب، ومن مجرد موضوعٍ للتفسير إلى مجالٍ للتجريب العلمي. ومع أن هندسة الأحلام قد تفتح آفاقًا جديدة في العلاج والتعلُّم والإبداع، فإن نجاحها المستقبلي يعتمد على توازن دقيق بين الابتكار العلمي واحترام خصوصية الإنسان. وستظل الأحلام، على الأرجح، واحدةً من أكثر الظواهر الإنسانية إثارةً للدهشة والبحث.
د.ندى الأحمدي: كاتبة وأكاديمية.
