
يمثّل بيع بعض الأعمال الفنية حدثًا يستقطب اهتمام كثير من المختصين وغيرهم؛ إذ يكفي عرض اللوحة أو العمل وتقييمه ماديًّا وإعلان المبالغ الخيالية التي بيعت به ليصبح مصدر حديثٍ وجدل في الوسط الفني والنقدي أو الاقتصادي والاستثماري، لا سيَّما إذا ما لامس الغموض والتعتيم على المشتري. وهذا ما يُثير تساؤلات عن مدى ارتباط الفن بالمال والسوق، وكيف تحوّل الفن من رؤًى تعبيرية إنسانية إلى صفقاتٍ استثمارية أدخلته في منظومة البيع والشراء.
أثار عمل الفنان موريزيو كاتيلان المعروف باسم "كوميديان" أو "الموزة المعلّقة" جدلًا واسعًا في الأوساط الفنية والثقافية منذ عرضه في عام 2019م، وبيعه بمبلغ 120 ألف دولار. فقد تمثّل هذا العمل في موزة حقيقية ثُبّتت على الجدار بشريط لاصق؛ وهي فكرة بدت في ظاهرها بسيطةً ساخرة، لكنها تحوَّلت سريعًا إلى واحدة من أكثر الأعمال تداولًا ونقاشًا في العالم. ولم يكُن الجدل مرتبطًا بالشكل البصري للعمل فحسب، بل بما أثاره من أسئلة عميقة حول طبيعة الفن، وعلاقته بالسوق، وهيمنة "الترند" ووسائل الإعلام.
ينتمي هذا العمل إلى الفن المفاهيمي، وهو اتجاه فني يجعل الفكرة في مرتبة أعلى من المادة أو المهارة التقنية. فالموزة ليست العنصر الأساس في العمل؛ لأنها قابلة للتلف والاستبدال، بل إن القيمة الحقيقية تكمن في الفكرة التي اقترحها الفنان، وفي الإطار المؤسسي والإعلامي الذي منحها صفة "العمل الفني". فقد عبّر هذا العمل عن العلاقة المُعقدة بين الفن ومنطق السوق في المرحلة المعاصرة، وهو ما دفع كثيرين إلى عدّه دليلًا على أن المعايير الجمالية التقليدية لم تعُد تحكم سوق الفن، بل أصبحت خاضعةً لمنطق الشهرة والضجة الإعلامية والمضاربة الاستثمارية. وهكذا لم تعُد قيمة العمل نابعة من جماله أو من الجهد التقني المبذول فيه، بل من قدرة الفنان والمؤسسات الثقافية على خلق حدث إعلامي يلفت الانتباه ويُثير الجدل. وفي هذا السياق، بدا العمل وكأنه يسخر من سوق الفن نفسها؛ إذ يوحي بأن أي شيء يمكن أن يصبح ذا قيمة خيالية إذا ما أُحيط بالدعاية المناسبة.

العمل المفاهيمي Comedian، للفنان ماوريتسيو كاتيلان، 2019م.
المنجز الفني قيمة أم سلعة؟
عندما بيعت لوحة الفنان الأمريكي جاكسون بولوك (Number 17A) في عام 2016م بما يقارب 200 مليون دولار في صفقة خاصة، كان ذلك تأكيدًا واضحًا على أن الفن قد دخل مرحلة جديدة؛ أصبح فيها العمل الفني شبيهًا بالأسهم الكبرى أو الأصول الاستثمارية النادرة. وقد أُعيد بيع هذه اللوحة مؤخرًا في مزاد علني في دار كريستيز بمبلغ 181 مليون دولار؛ لتصبح أغلى لوحةٍ تُباع في مزاد علني لجاكسون بولوك.
وفي السنوات الأخيرة، استمرت المزادات العالمية في تسجيل أرقام قياسية مذهلة؛ إذ بيعت أعمالٌ لفنانين مثل بيكاسو وباسكيا وأندي وارهول بعشرات ومئات الملايين من الدولارات، وهو ما أثار أسئلةً بحثية حول هذه الأسعار: أكانت تعكس فعلًا القيمة الحقيقية لهذه الأعمال؟ أم أنها نتيجة شبكة معقدة من العلاقات بين رأس المال والدعاية والمؤسسات الثقافية؟
الجواب الواضح أن سوق الفن لا تعمل دائمًا وفق معايير الإبداع وحدَها. فهناك فنانون كبار لم يبيعوا في حياتهم سوى عددٍ محدودٍ من الأعمال، لكن التاريخ أنصفهم لاحقًا، في حين عرف فنانون آخرون شهرةً سريعة بفعل الإعلام والمزادات من دون أن يتركوا أثرًا حقيقيًّا في تطور الفن.
إن التفعيل الأساس لفكرة البيع والشراء هو السعر. فالتخمين هو الذي يحدّد القيمة ويستفزّ المقتني، سواءً أكان شغوفًا بالقطعة الفنية، أم ممن يفكرون في استثمارها للسنوات المقبلة؛ لأن الأعمال الفنية تخضع لعدة عناصر تكميلية بعد الإنجاز، فعامل الزمن يضاعف قيمتها في التعامل مع السعر والإثارة والقصة التي ارتبطت بها.

لوحة Number 17A، للفنان الأمريكي جاكسون بولوك، 1948م.
إن القيمة الفنية تُبنى عبر الزمن، من خلال تأثير الفنان في الحساسية البصرية والوعي الجمالي، وقدرته على فتح آفاق جديدة للرؤية والتعبير. أمَّا القيمة السوقية، فقد ترتفع سريعًا بفعل المضاربة أو الندرة أو الاستثمار الثقافي. ولذا، فإن السوق قد تصنع "نجومية"، لكنها لا تستطيع دائمًا صناعة "الخلود الفني"، على الرغم من أن الباحثين قد يطرحون قيمة الفنان من خلال أسعار لوحاته.
فقد شهد الفن التشكيلي خلال القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين تحولاتٍ عميقة مسَّت بنيته الجمالية ووظيفته الثقافية وموقعه داخل المجتمع والاقتصاد. فلم يعُد يُنظر إلى العمل الفني بوصفه منجزًا رمزيًّا وجماليًّا فقط، بل أصبح جزءًا من منظومة اقتصادية عالمية تتداخل فيها المؤسسات المالية، ودور المزادات، والإعلام، والنقد، والاستثمار الثقافي. ومن هنا، برزت إشكالية العلاقة بين القيمة الفنية والقيمة السوقية، بوصفها واحدةً من أكثر القضايا تعقيدًا في تاريخ الفن المعاصر.
إن تَتبُّع تاريخ سوق الفن يبيّن أن قيمة البيع والشراء في الفن لا تتطابق دائمًا مع القيمة الفنية. فالسوق تحكمها اعتباراتٌ متعددة تتجاوز البعد الجمالي الخالص، من بينها الدعاية، وندرة الأعمال، وشبكات العرض، والمتاحف، وسياسات المزادات العالمية، إضافةً إلى حضور الفنان داخل المؤسسات الثقافية والإعلامية، والضجة التي يحدثها بتجربته. ولهذا، فقد ترتفع أسعار أعمال فنان معيّن بفعل الاستثمار الرمزي والإعلامي من دون أن يكون تأثيره الفني موازيًا لهذا الارتفاع.
مبدعون أهملتهم سوق الفن
في المقابل، يكشف تاريخ الفن عن تجارب لفنانين لم يحظوا بشهرة في السوق خلال حياتهم، لكنهم احتلوا لاحقًا مكانة مركزية في الذاكرة الفنية العالمية، مثل فان غوخ الذي صار مثلًا يُضرب على تناقض القيمة الفنية مع منطق السوق. فهذا الفنان الفذ لم يلقَ أي تقديرٍ من تجّار الفن في عصره، لكنه أصبح لاحقًا أحد أهم رموز الحداثة التشكيلية. ويؤكد هذا المثال أن الحكم الجمالي لا يُحسم بالضرورة داخل السوق، بل يتشكَّل عبر الزمن والنقد والتأثير الحضاري، وحتى مأساة الفنان ومعاناته تصبح عنصرًا تسويقيًّا دافعًا ومُضخِّمًا لسعر العمل.
إن العلاقة بين الفن والسوق ليست ظاهرة حديثة بالكامل، لكنها أخذت أبعادًا أكثر تعقيدًا مع تطور الرأسمالية الحديثة؛ فالفن في الحضارات القديمة كان مرتبطًا بالمعبد والسلطة والطقوس الدينية، ولم يكُن الفنان يمتلك موقع "النجم" بالمعنى المعاصر. ولكن مع عصر النهضة الأوروبية، بدأت تتشكل صورة الفنان الفرد صاحب الرؤية الخاصة، وبدأ العمل الفني يدخل تدريجيًّا في دائرة الاقتناء الخاصة والرعاية الأرستقراطية. ومع صعود البرجوازية الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، توسَّعت السوق الفنية وأصبح الفن جزءًا من الاقتصاد الثقافي، ثم جاءت الحداثة الفنية لتُعيد تعريف العمل التشكيلي بوصفه مساحةً للتجريب والتمرد على القواعد الأكاديمية. غير أن هذا التحرر الجمالي ترافق لاحقًا مع اندماج الفن في شبكات السوق العالمية، ولا سيَّما بعد الحرب العالمية الثانية وصعود الولايات المتحدة الأمريكية لتغدو مركزًا ثقافيًّا عالميًّا.

لوحة ”صورة ذاتية“ 1889م، للفنان فنسنت فان غوخ.
دُورُ المزاد العلني صارت الناقد الحَكم
تؤدي دُور المزادات العلنية الكبرى، مثل كريستيز وسوثبيز، دورًا محوريًّا في تحويل الفن وتشكيل القيمة برؤًى جديدة أدخلته في النشاط الاستثماري العالمي، فلم تعُد قيمة اللوحة تُحدَّد من خلال معاييرها الذاتية فقط، بل أيضًا من خلال تاريخ اقتنائها، وهوية مالكيها، وحجم التغطية الإعلامية المصاحبة لها. وهكذا انتقل مركز الثقل من "جوهر العمل الفني" إلى "الصورة في السوق".
وقد أدّى هذا التحوُّل إلى تراجعٍ تدريجي لدور النقد الفني التقليدي، ففي النصف الأول من القرن العشرين، كان الناقد يؤدي دورًا في تشكيل الذائقة العامة وتحديد مكانة الفنانين داخل المشهد الثقافي. وكانت الصحافة الثقافية والمجلات المتخصصة فضاءاتٍ مؤثرة في توجيه النقاش الجمالي والفكري، وكان الناقد محرّكَ الفن ويُحسب له ألف حساب في نبش التيارات الفنية ورصدها ومباركة التجدد الفني والفكري. غير أن نهاية القرن العشرين شهدت انتقال السلطة الرمزية من النقد إلى السوق والإعلام والدعاية البصرية.
ومع تراجع الصحافة الثقافية الورقية في القرن الحادي والعشرين، تراجع النقد المتخصص لصالح أشكالٍ سريعةٍ من الترويج الرقمي، ترتكز على الصورة المختزلة والانفعال اللحظي. وأصبح حضور الفنان داخل المنصات الإعلامية ووسائل التواصل جزءًا من صناعة القيمة التسويقية، في حين تقلّصت المساحات النقدية القادرة على إنتاج قراءة معرفية عميقة للعمل الفني؛ تغيِّر المشهد العام وتؤثِّر في بقية مناطق العالم.

أوليفر باركر، خلال إدارة مزاد الفن المعاصر المسائي، دار سوذبيز، أكتوبر 2019م.
الحال عربيًّا
بالعودة إلى بدايات الفن التشكيلي العربي الحديث على سبيل المثال، لم تعرف الدول العربية في بدايات القرن العشرين سوقَ فنٍّ بالمعنى الحديث، بل كان اقتناء اللوحات الأجنبية جزءًا من مظاهر الوجاهة الاجتماعية لدى الطبقات الميسورة. وكانت الأعمال الأوروبية تُعدُّ رمزًا للرقي والانفتاح، في حين كان الفنان العربي لا يزال يبحث عن الاعتراف بوجوده.
لقد دخل الفنان العربي هذا المجال من باب التحدي الحضاري والثقافي؛ فالفن التشكيلي الحديث لم يكُن جزءًا أصيلًا من البنية الاجتماعية التقليدية، بل جاء مع الاحتكاك بالغرب، ومع البعثات الفنية، والمعاهد الأكاديمية، والتحولات الفكرية الكبرى التي عرفتها الدول العربية في القرن العشرين.
ومن هنا، نشأت أزمة الهوية الفنية العربية التي بدورها طرحت تساؤلها: هل يكون الفنان العربي امتدادًا للمدارس الأوروبية؟ أم يعود إلى التراث والزخرفة والخط العربي؟ أم يحاول خلق حداثةٍ خاصة به؟
كانت القاهرة من أوائل المراكز العربية التي احتضنت هذا التحوُّل، ثم ظهرت بغداد وبيروت والمغرب العربي بوصفها مراكز فاعلةً في تشكيل الحداثة التشكيلية العربية. وفي تلك المرحلة، أدى النقد الثقافي والصحافة الفنية دورًا محوريًّا في صناعة المكانة الفنية للفنانين. كان الناقد يملك سلطةً رمزية حقيقية، وكانت المقالة النقدية قادرةً على فتح الطريق أمام تجربة فنية جديدة.
“
لم تعد القيمة التجارية للوحة نابعة من مضمونها وإبداع صانعها، بل من قدرة الفنان والمؤسسات الثقافية على خلق حدث إعلامي يلفت الانتباه.
لكن مع نهاية القرن العشرين، تغيرت موازين القوى. فسوق الفن العالمية أخذت تتحكم تدريجيًّا في تحديد القيمة. وفي الدول العربية، بدا هذا التحوُّل أكثر حدةً مع تراجع الصحافة الثقافية الورقية وضعف المجلات المتخصصة، مقابل صعود الإعلام السريع ووسائل التواصل الاجتماعي. وهكذا أصبح الفنان يُقاس أحيانًا بعدد متابعيه أو بحضوره الإعلامي أكثر ممّا يُقاس بعمق تجربته الفنية.
إن الأزمة الأساسية التي يطرحها الفن المعاصر لا تتمثّل في ارتفاع الأسعار فحسب، بل في طبيعة العلاقة بين الجمال والاستهلاك. فحين يصبح العمل الفني خاضعًا بالكامل لمنطق السوق، يواجه الفن خطر التحوُّل إلى سلعةٍ تفقد تدريجيًّا أبعادها الإنسانية والرمزية.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال السوق في بعدها السلبي فقط؛ لأنها وفّرت للفنانين إمكانات الانتشار والاعتراف والدعم المادي، وأسهمت في تحويل الفن إلى قطاعٍ ثقافي عالمي واسع التأثير، وسمحت لتجارب فنية من مختلف المناطق بالظهور والانتشار مثل الفنون العربية والإفريقية والآسيوية. غير أن الإشكال يظهر عندما تصبح القيمة السوقية بديلًا عن القيمة الجمالية، وحين يُختزل الحكم على الفن في الأرقام القياسية للمزادات.
إن التاريخ الفني يبيّن أن الأعمال التي بقيت في الذاكرة الإنسانية ليست دائمًا الأغلى ثمنًا، بل الأقدر على التعبير عن القلق الإنساني وتحولات الوعي والجمال. فالقيمة الحقيقية للفن تُقاس بالقدرة على تجاوز الزمن والدخول في الذاكرة الحضارية للإنسان.
يوسف الحربي: كاتب ومستشار ثقافي وإبداعي.
المقالة الصوتية: عزة العجلان