
تتجاوز الموسيقى التصويرية في العمل السينمائي والدرامي وظيفتها التقليدية بوصفها عنصرًا زخرفيًّا أو مجرد إضافة إلى الصورة، كما ذهب ميشيل شيون، لتتبوّأ مكانة الشّريك الجوهري في صناعة المعنى. فالعلاقة بين المرئي والمسموع ليست أحادية الاتجاه، بل هي جدلية ديناميكية تُسهم في بلورة الرؤية الفنية للمخرج وتوجيه مسار التلقي. وهناك وظائف متعددة للموسيقى التصويرية تتناولها النظريات الحديثة وتفسر آليات عملها، وتحلّل جدلية العلاقة بين الخيارات الموسيقية، سواء أكانت مُؤلَّفة خصوصًا لأجل الفِلم أو المسلسل أم جاهزة تُستخدم لغايات مُعيّنة في العمل الفني، بحيث تُسهم في البنية السردية للعمل.
سمح التصوير السينمائي في مراحل متتالية باستيعاب تطوّرات متعاقبة في مجال علاقة الصورة بالصوت، ثمّ بالموسيقى، حتى بلغ السينمائي المعاصر ما بلغه اليوم من أشكال باهرة في العرض والإبداع.
وإن كان المجال لا يتسع هنا لعرض هذه المراحل بدءًا من قصّة "رهان الحصان" مع المصوّر الإنجليزي "إدوارد مويبريدج" (1830م - 1904م) وصولًا إلى جهود الأخويْن لومير الفرنسيين؛ أوغست (1862م - 1954م) ولويس (1864م - 1948م)، اللّذين بفضلهما أُعلن يوم 28 ديسمبر من عام 1895م، يومًا رسميًّا لميلاد السينما؛ فإنه لا يسعنا المرور على أوائل عشرينيات القرن العشرين من دون التوقف أمام تلك الفترة. فخلالها بدأ يتبلور المشهد الموسيقي السينمائي مع الأفلام الصامتة بتوظيف أوركسترا أو عازف منفرد على البيانو للتعبير الموسيقي عن المشاهد السينمائية المصوّرة عبر مقطوعات معلومة من الرصيد الكلاسيكي، ثمّ مع بدايات عهد السينما الناطقة والتمكّن من اقتحام عالم التسجيل في الموسيقى، بعد عهدٍ كان يُنظر فيه إلى الموسيقى السينمائية على أنها موسيقى ذات طابعٍ سيمفونيٍّ ومكانيٍّ مُعَدٍّ لينتشر في الفضاء الصوتي للقاعة.
والحقُّ أن هذا رأيٌ كان يأخذ به المؤلف إيغور سترافينسكي (1882م - 1971م)، الذي كان يفكّر في عمل موسيقي يمكن أن يعيش حياةً مستقلة خارج الفِلم (مفهوم "الكيان الهندسي المستقل"). غير أن هذا التصور للموسيقى السينمائية لم يكُن ليتناغم مع آراء مؤلفين موسيقيين آخرين وتوجهاتهم، من أمثال: دميتري شوستاكوفيتش (1906م - 1957م)، وماكس شتاينر الملقب بأبي الموسيقى التصويرية في هوليوود (1888م - 1971م)، وألفرد نيومان (1900م - 1970م) الحاصل على تسع جوائز أوسكار في مسيرته، وهم الذين يدعمون فكرة أن تكون للفِلم موسيقى خاصة به تعبّر عنه وعن شخصياته وأحداثه.

فِلم M الصادر عام 1931م، أحد أبرز روائع السينما التشويقية، من إخراج فريتز لانغ.
من النظرة التزيينية إلى المقاربة المعرفية
شهدت الدراسات السينمائية والموسيقية تطوراتٍ نوعية في فهم علاقة الصوت بالصورة، انتقلت بمقتضاها من النظرة التزيينية إلى المقاربات المعرفية العميقة. ويأتي أنموذج "التوافق - الارتباط" للباحثة الكندية أنابيل كوهين في طليعة هذه التطورات؛ إذ يفترض الأنموذج الذي تقترحه وجودَ معالجات معرفية معقدة تدمج بين الخصائص الفيزيائية للمثيرات الصوتية، والخبرة المختزنة للمتلقي، أو بشكل أبسط هو أنموذج:
- يفسّر كيفية معالجة الدماغ للموسيقى والصورة معًا.
- يشرح قدرة الموسيقى على تغيير معنى المشهد تمامًا، أو كيف يؤثر التوافق (أو التناقض) بين الموسيقى والصورة في ذاكرة المشاهد وتركيزه وتفسيره للقصة.
ومن جهة أخرى، تشير الباحثة أغنيشكا تشيسلاك (2019م) إلى دور هذه العمليات في تنظيم المعلومات السردية ضمن ما يُسمى "السرد العامل" داخل ذهن المشاهد.
النسيج الصوتي: بين الموسيقى والصمت
لا تُختزل الموسيقى التصويرية في المقطوعات اللحنية فحسب، بل تشمل نسيجًا صوتيًّا متكاملًا. ويرى ليسكومب وتولشينسكي أن من الضروري توسيع تعريف الموسيقى التصويرية ليشمل الحوار والمؤثرات الصوتية والصمت؛ إذ تتفاعل هذه العناصر لتشكّل كُلًّا موسيقيًّا متناغمًا. ويُعدُّ الصّمت هنا خيارًا دراميًّا لا يقل أهمية عن الصوت؛ فغياب الموسيقى قادر على خلق توتر درامي أو إبراز واقعية المشهد. وقد أثبتت الدراسات التجريبية، مثل دراسة "أَنساني" وآخرين، أن نوعية الموسيقى المصاحبة (سواء كانت قلقةً أم حزينة) تُغيّر تفسير المُشاهِد للشخصيات جذريًّا، وأنها تؤثر في حركة العين وانتباه المشاهد للتفاصيل البصرية، وهو مما يجعل الخيار الصوتي توجيهًا معرفيًّا بالدرجة الأولى.

من اليمين: جان ميشال جار، إيه. آر. رحمن، هانس زيمر، وفريتز لانغ.
“
لم تعد الموسيقى التصويرية المعاصرة مجرد رديف جمالي، بل هي ”مهندس للمعنى“ وشريك استراتيجي في البناء السردي.
تصنيف الموسيقى السردية
تُصنف الموسيقى سينمائيًّا من وجهة نظر تقليدية بناءً على مصدرها السردي إلى: "موسيقى باطنية" مصدرها يأتي من داخل عالم القصة، و"موسيقى غير باطنية" يسمعها المشاهد وحدَه. غير أن هذا التمييز ليس مطلقًا؛ ففي فِلم "إم" (M) لفريتز لانغ، يتحوّل الصفير من صوت مصدره شخصية في الفِلم إلى عنصر غامض يبدو وكأنه يأتي من خارج السّرد، مضيفًا طابعًا ميتافيزيقيًّا. وهذا التداخل يمنح الموسيقى "فاعلية" تتجاوز مرافقة الصورة إلى التداخل في بنية العالم المتخيل.
جدلية التأليف والاستعارة الموسيقية
يُراوح خيار المخرج بالتنسيق مع المُؤلِّف الموسيقي بين التأليف الخاص واللجوء إلى المقطوعات الجاهزة. وتُعدُّ الموسيقى المؤلفة خصوصًا للفِلم، كما في فِلم "الرسالة"؛ إذ دمج الموسيقي موريس جار (1924م - 2009م) الآلات الشرقية مع الأوركسترا الغربية، وكان ذلك خيارًا أمثل لخدمة الانفعالات الدقيقة وتحديد الهويات الثقافية والروحية عبر تقنية "الليتوموتيف" التي كان للمؤلف الألماني ريتشارد فاغنر الفضل في تطويرها عبر مسرحياته الأوبرالية. ثم وُظِّفت سينمائيًّا مع ماكس شتاينر في فِلم "كينغ كونغ" (King Kong) في عام 1933م، وأيضًا في الفِلم الشهير "حرب النجوم" (Star Wars) للمؤلف الموسيقي المعروف جون ويليامز.
في المقابل، تتميز الموسيقى الجاهزة بحملها ثقلًا تاريخيًّا وثقافيًّا مسبقًا. ويبرر المخرجون اللجوء إليها بدوافع عديدة، من أهمها "مصادقة الحقبة" الزمنية لأحداث الفِلم وقصتها، وخلق نوع الحنين الذي من شأنه أن يُدخل المشاهد في حالة جذب لسياق تاريخي برمَّته. ونذكر في هذا السياق، على سبيل المثال، فِلم "أماديوس" (Amadeus) للمخرج ميلوش فورمان المعروض عام 1984م، الذي يحكي قصة فولفغانغ موزارت. هذا الفِلم عُدَّ تجسيدًا آخر للاستماع التناصي؛ إذ استخدم المخرج شذرات موسيقية من تأليف موزارت نفسه، وهو ما خلق حوارًا بين الموسيقى والصورة.
ومن دوافع استخدام الموسيقى الجاهزة هناك أيضًا تحقيق "الاستماع التناصي" (Intertextual Listening)؛ إذ نلحظ في توظيف مقطوعة شهيرة، مثل "أداجيو الوتريات" للمؤلف الأمريكي صامويل باربر، في فِلم "فصيلة" (Platoon) للمخرج أوليفر ستون عام 1986م، أنه يستحضر التاريخ والسياق الثقافي للقطعة إلى قلب الفِلم، مضيفًا إليه أبعادًا مأساوية متعالية.

فِلم ”الرسالة“، 1976م، للمخرج مصطفى العقاد.
التفاعل الإبداعي بين المخرج والمؤلف
إن العلاقة بين المخرج والمؤلف الموسيقي علاقة تكاملية بامتياز، وسنكتفي في هذا الصّدد بالتحدّث عن أنموذج "فِلم الرسالة"؛ إذ كان لحوار المخرج مصطفى العقاد والمؤلف الموسيقي موريس جار، دور حاسم في بلورة الهوية الصوتية للعمل التي تعطي انطباعًا مؤثرًا وحادًّا في النسختين العربية والإنجليزية على حدّ السّواء، وهو ما يجعل الخطاب الموسيقي مسيطرًا حتى على الخطاب اللغوي للمشاهد مهما كانت ثقافته. (خاصّةً أن الإنجليزية لغة عالميّة تتيح عرض الفِلم على المستوى العالمي).
وبينما تشير الباحثة الأمريكية كلوديا غوربمان إلى ضرورة أن تكون الموسيقى "غير مسموعة" كي لا تشتت الانتباه في السينما الكلاسيكية، فإن الأعمال الحديثة كسرت هذه القاعدة، محوّلة الموسيقى إلى عنصر بنيوي رئيسٍ يخضع لرؤية المخرج الفنيّة.
نماذج تحليلية تطبيقية (أوروبية وآسيوية)
تتجلى التطبيقات العملية للنظريات السابقة في نماذج سينمائية عالمية حائزة جوائز، نذكر منها فِلم "ثلاثة ألوان: أزرق" (Three Colors: Blue) للمخرج كريستوف كيشلوفسكي، الذي عُرض في عام 1993م، وكتب موسيقاه المؤلف الموسيقي البولندي زبيغنيف بريسنر. وقد تجاوزت الموسيقى في هذا الفِلم وظيفة الخلفية لتصبح "فاعلًا دراميًّا" يتداخل مع "السرد العامل" للبطلة، وتحولت من قوة مُعيقة للذاكرة إلى قوة محرّرة. وفِلم "مليونير متشرد" (Slumdog Millionaire) للمخرج داني بويل، الذي عُرض عام 2008م. وقد وضع موسيقاه المؤلف الموسيقي الهندي "إيه. آر. رحمن" المعروف بتفرده في دمج الموسيقى الكلاسيكية الهندية مع الموسيقى الإلكترونية والعالمية. وقد عملت الموسيقى في هذا الفِلم بوصفها بنيةً للطاقة السردية؛ إذ خلق التزامن بين "بنية النبرة" الموسيقية و"المونتاج السّريع" للمقاطع المصوّرة حالةً من "الانغماس، وهو ما حال دون انفصال المشاهد عن السرد المعقّد. وتجدر الإشارة إلى أن المؤلف الموسيقي في هذا الفِلم حصل على جائزتي أوسكار عن العمل نفسه؛ واحدة عن الموسيقى التصويرية، والأخرى عن أغنية (Jai Ho).



ولا بدَّ من التنويه بتجربة المؤلف هانس زيمر، وهو أحد أبرز المؤلفين العالميين الذين ساروا وفق منهج ينطلق من هذه المبادئ، غير أن تجربته سرعان ما اتخذت لنفسها مسارًا إبداعيًّا يحمل بصمته الشخصية؛ إذ تحوّل المُؤلِّف الموسيقي إلى "مهندس للبيئات الصوتية"، مستخدمًا الصوت سلعةً سرديَّةً تتجاوز الإطار الجمالي. حتى إنه في فِلم "بين النجوم" (Interstellar)، كانت الموسيقى عنده "متعالية"، بمعنى أنها تأتي من خارج الإطار البشري لتعبر عن فيزياء الكون، في حين كانت في فِلمه الثاني "كثيب" (Dune) نابعةً من البيئة والثقافة الخيالية. هذا التطور يعكس تحولًا في السينما المعاصرة نحو "النظام الصوتي الكلي"؛ إذ يكتمل السرد الفني عبر تكامل عميق بين المكوّنات البصرية والسمعية.
فبوجهٍ عامِ، لم تعُد الموسيقى التصويرية المعاصرة مجرد رديف جمالي، بل هي "مهندس للمعنى" وشريك إستراتيجي في البناء السردي. ومن خلال النظريات المعرفية والنماذج التطبيقية، يتضح أن الموسيقى تملك القدرة على توجيه الإدراك، وتفعيل الذاكرة، وصناعة الهوية الفِلمية. ويتجلى هذا التحول بوضوح في أعمال كبار السينمائيين ممن ألّفوا أعمالًا خاصّة بأفلامهم، أو استعانوا بألحان جاهزة من الذاكرة الكلاسيكية.
د.فراس الطرابلسي: أستاذ موسيقى تونسي.
المقال الصوتي: محمد مكاوي