Hero image

المدن الإسفنجية

سبتمبر – أكتوبر | 2026

أغسطس 18, 2026

شارك

وفق بيانات نشرها البنك الدولي مطلع عام 2026م، يعيش نحو 600 مليون من سكان المدن في مناطق معرّضة لخطر الفيضانات كل عام. وهو رقم يؤكّد أن الفيضانات لم تعُد أحداثًا موسمية عابرة؛ إذ إن تغيُّر المناخ يفاقم اضطراب دورة المياه، ويزيد شدة الأمطار الغزيرة في مناطق عديدة. وأمام مناخ أشد تقلبًا وأقل قابلية للتوقع، لم تعُد معالجة الكارثة بعد وقوعها كافيةً؛ إذ بات على المدن أن تُعيد التفكير في طريقة بنائها وإدارة مياهها، وأن تنتقل من ترميم الأضرار إلى تصميم مساحات قادرة على التكيف مع التحولات الجديدة.

على مدى العقود الماضية، بُنيت المدن على مبدأ إخراج مياه الأمطار بأقصى سرعة ممكنة، كأنها عنصر طارئ ينبغي إبعاده عن المجال الحضري. غير أن الفيضانات المتكررة ومواسم الجفاف الطويلة كشفت مفارقة واضحة: تطرد المدينة الماء حين يتوافر، ثم تبحث عنه حين يندر. وأمام هذا الواقع، بدأ سؤال جديد يفرض نفسه في العمارة والتخطيط: ماذا لو توقفت المدينة عن مقاومة المطر، وتعلمت كيف تستقبله؟ من هنا، برز مفهوم "المدينة الإسفنجية"، في محاولةٍ لبناء علاقة مختلفة مع الماء. فكيف يمكن أن تستعيد الأرض مسامها داخل العمران؟ وكيف تصبح الشوارع والحدائق والأسطح جزءًا من هذه المنظومة؟ وهل يقتصر الأمر على تقنيات جديدة، أم يعكس تحوّلًا أعمق في علاقة المدينة بالطبيعة؟

 

حين فقدت المدينة مسامها
خلافًا لما يتخيله البعض، لا تبدأ الفيضانات الحضرية عند هطول المطر، وإنما قبل ذلك بسنواتٍ، حين يتمدد العمران، وتُعبّد الأرض، وتختفي المجاري الطبيعية تحت الطرق والمباني. ومع هذا التوسُّع، تغيَّرت طبيعة السطح الذي يستقبل المطر، فأصبح الماء الذي كان يتسرّب إلى التربة أو تحتفظ به النباتات والأراضي الرطبة، يواجه مساحات متصلة من الإسفلت والخرسانة والزجاج.

فالأسطح غير المُنفِذة، مثل الطرق ومواقف السيارات والأسقف، تقلّل تسرّب المياه إلى باطن الأرض، وتزيد حجم الجريان السطحي وسرعته؛ لذلك يتجمع المطر خلال وقت قصير فوق السطوح، ثم يندفع نحو الشوارع والمناطق المنخفضة وشبكات الصرف.

وتظهر هشاشة هذا النظام حين تتجاوز كثافة الأمطار قدرة الشبكات على الاستيعاب، فتمتلئ الأنابيب، وقد ترتد إلى الشوارع، ولا سيَّما في المدن ذات الشبكات القديمة أو التي توسَّع عمرانها أسرع من تطوير بنيتها التحتية.

sponge city in Oman

نظام الأفلاج للري في قرية بركة الموز الأثرية، سلطنة عُمان.

مدينة بقلب إسفنجة
ارتبط شيوع مصطلح "المدينة الإسفنجية" بأعمال المعماري الصيني المتخصص في تنسيق المواقع كونغجيان يو، الذي دعا منذ مطلع الألفية إلى استعادة قدرة الأرض على الاحتفاظ بالماء، مستلهمًا البرك والمصاطب الزراعية والأراضي الرطبة التي استعانت بها المجتمعات القديمة للتعامل مع مواسم الفيضان والجفاف. 

وخلافًا للصورة الشائعة، لا تعني المدينة الإسفنجية مجرد الإكثار من الحدائق والأشجار، بل إعادة توزيع مهمة استقبال المطر على كامل المجال الحضري. فتتشارك التربة والأسقف والساحات والحدائق والأرصفة في امتصاص المياه وإبطاء حركتها، إلى جانب شبكة الصرف التقليدية. وتعتمد هذه المنظومة على الأراضي الرطبة، وحدائق المطر، والأسطح الخضراء، والأرصفة المُنفِذة، والمنخفضات المزروعة، والبرك والمجاري الطبيعية.

عند هطول المطر، يتسرّب جزءٌ من المياه إلى التربة، ويُحتجز جزء آخر داخل الحدائق والأحواض، ثم يُخزّن أو يُطلق تدريجيًّا. وبهذا لا تصل المياه كلها إلى الأنابيب في اللحظة نفسها، فتتراجع ذروة الجريان ويصبح بالإمكان استخدام جزءٍ منها في الري أو تنظيف الشوارع. ولا تلغي هذه المقاربة القنوات والمنشآت التقليدية، بل تدمجها مع البنية الخضراء والزرقاء ضمن نظام أكثر مرونة.

لا تقتصر المدينة الإسفنجية على تقديم طريقة جديدة لتصريف المطر، بل تُعيد تعريف المدينة بوصفها نظامًا يتكيف مع الطبيعة.

للتكيّف مع تغيّر المناخ
من أبرز مفارقات تغيّر المناخ أن تهطل خلال ساعات قليلة كميات من المطر تعجز الشوارع وشبكات الصرف عن استيعابها، ثم تعاني المدينة نفسها، بعد فترة قصيرة، الجفاف ونقص المياه، فتغرق حين يأتي الماء، ثم تبحث عنه حين يغيب.

ومن هنا، اكتسبت المدن الإسفنجية أهميتها بوصفها إستراتيجية للتكيّف؛ إذ تحتفظ بجزءٍ من مياه العواصف داخل المدينة وتؤخّر وصول الباقي إلى شبكات الصرف، فتنخفض ذروة الجريان، وتتيح استخدام المياه لاحقًا في الري وتنظيف الشوارع، أو لدعم الرطوبة، وتغذية التربة والمياه الجوفية حيث تسمح الظروف. 

وتتجاوز فائدة هذه الرطوبة مواجهة الجفاف؛ إذ تُسهم التربة المحتفظة بالماء والغطاء النباتي في تبريد الهواء وتبريد حرارة الأسطح، كما توفر موائل للكائنات الحية، بما يعزّز التنوّع الحيوي والتوازن البيئي.

 

من السيطرة إلى التعايش
تكشف المدينة الإسفنجية تحوّلًا عميقًا يتجاوز تقنيات تصريف المطر، ويمس الفكرة التي ارتكزت عليها المدينة الحديثة. فقد نُظر طويلًا إلى المجال الحضري بوصفه نظامًا ثابتًا ومحكمًا، ينبغي أن يظل جافًا وقابلًا للسيطرة. لذلك، عُدَّ الماء عنصرًا وافدًا يهدد هذا النظام، فسُرِّعت عملية تصريفه، في تجسيدٍ لتصوُّرٍ يرى أن التقدّم يعني إخضاع الأرض وجعلها أكثر استقرارًا وقابلية للتوقُّع.

في المقابل، ترى فلسفة المدينة الإسفنجية أن المدينة جزءٌ من دورة الماء، لا كتلة منفصلة عنها. فهي تقبل تغيُّر المطر والأرض والفصول، ليتحوَّل التصميم من محاولة فرض الثبات إلى القدرة على استيعاب التحول.

من هذا المُنطلق، لا تقتصر المدينة الإسفنجية على تقديم طريقة جديدة لتصريف المطر فحسب، بل تُعيد تعريف المدينة بوصفها نظامًا يتكيف مع الطبيعة. فمرونتها لا تأتي من بناء الحواجز، بل من منحِ الماء مساحةً وزمنًا، يسمحان للمدينة أن تتعامل معه من دون أن تغرق.

sponge city Wuhan city

المدن الاسفنجية: مدينة ووهان، حين تصبح ضفة النهر إسفنجة.

تحوّل المدينة الإسفنجية إلى سياسة عمرانية 
ليست المدينة الإسفنجية وصفة جاهزة؛ إذ تختلف تطبيقاتها باختلاف المناخ والتربة والعمران، ويسهل إدماجها في المدن الجديدة، في حين يتطلب تطبيقها في المدن القائمة تدخلات تدريجية ترتبط بتجديد الشوارع والحدائق والمرافق.

وتُعدُّ ووهان الصينية من أوضح الأمثلة على انتقال الفكرة إلى سياسة واسعة، فالمدينة تقع على سهل فيضي عند التقاء نهري اليانغتسي وهان، وتُعرف بكثرة أنهارها وبحيراتها. وقد أدى التوسع العمراني السريع وتغطية مساحات متزايدة من الأرض إلى تفاقم الفيضانات وتجمُّع المياه وتلوثها، فتحوّلت الوفرة المائية التي أسهمت تاريخيًّا في نمو المدينة إلى مصدر متكرر للخطر. لذلك، اختيرت ووهان عام 2015م ضمن المدن الإسفنجية التجريبية للبرنامج الوطني، وأطلقت مئات المشروعات التي أعادت إدماج الحدائق والقنوات والبحيرات في إدارة مياه المطر بالمدينة.

وقد بلغت كلفة البرنامج نحو 15 مليار يوان، لكنه وفَّر، وفق موجز أعدّه باحثون من جامعة ليدز، قرابة أربعة مليارات يوان مقارنةً بتوسيع شبكات التصريف التقليدية، فضلًا عن خفض الحرارة، وتحسين جودة الهواء، ودعم التنوّع الحيوي، ورفع جودة الفضاءات العامة.

ولم يبقَ هذا النهج محصورًا في الصين؛ إذ تبنته مدنٌ أوروبية ضمن سياسات التكيّف مع المناخ. فبعد العاصفة العنيفة التي ضربت كوبنهاغن عام 2011م، وضعت المدينة خطةً طويلة المدى تجمع بين شوارع توجه المياه، وحدائق تحتجزها، وأنفاق تستوعب الفائض في المناطق الكثيفة، في مشروعٍ يتطلب سنواتٍ من التنفيذ وتعاونًا بين البلدية وشركات المياه والسكان. وفي روتردام، تحوّلت ساحة "بنتهمبلين" إلى فضاء متعدد الوظائف، تُستخدم للرياضة والجلوس في الأيام الجافة، ثم تستقبل عند العواصف نحو 1.7 مليون لتر من مياه الأمطار قبل تصريفها تدريجيًّا. وتؤكد التجربتان أن التكيف لا يحتاج دائمًا إلى منشآت منفصلة؛ إذ يمكن أن يصبح الشارع والحديقة والساحة أجزاءً فاعلة من منظومة حماية المدينة.

أمَّا في مدننا العربية، فلم تتحوّل مبادئ المدينة الإسفنجية بعد إلى سياسة حضرية متكاملة، ولا يزال التعامل مع المطر قائمًا في الغالب على تصريفه السريع بعد سقوطه. ومع ذلك، قد يبدأ التغيير الكبير بإعادة مسامّ صغيرة إلى مدينةٍ أغلقتها الخرسانة، من دون انتظار مشروعات ضخمة. ويمكن أن تبدأ الخطوة الأولى من رصيف منفذ، أو ساحة تحتجز الماء، أو حديقة مطرية، أو سطح مزروع، أو مجرى طبيعي يُستعاد بدلًا من دفنه.

تختلف تطبيقات المدينة الإسفنجية باختلاف المناخ والتربة والعمران، ولا تلغي قنوات التصريف التقليدية، وإنما تدمجها مع البنية الخضراء والزرقاء.

هل تستطيع المدن أن تتعلم من الإسفنجة؟
إن درس المدينة الإسفنجية أوسع من مجرد إدارة مياه المطر، وقيمتها الحقيقية لا تُقاس بعدد الحدائق أو الأرصفة المُنفّذة. إنها تدعو المدينة إلى العودة إلى أصلٍ طالما حاولت نسيانه: الأرض التي تمتص، والنبات الذي يحتفظ بالرطوبة، والمجرى الذي يحتاج إلى مساحة، والفصل الذي يتغير من دون أن يستأذن الخرسانة. وهذه العودة ليست تراجعًا عن الحداثة، بل تصحيح لمسارها؛ فالتقدّم لا يعني ابتعاد المدينة عن الطبيعة، وإنما قدرتها على العيش داخل قوانينها.

ولعلّ المفارقة تكمن في أن مدننا لا تبدأ من الصفر. فالمدينة العربية التقليدية، وإن لم تكُن إسفنجية بالمفهوم المعاصر، نشأت في كثيرٍ من الأحيان على معرفة دقيقة بحركة الماء وندرته؛ إذ حملت "الخطارات" الماء إلى البساتين والنخيل، ووزّعته الأفلاج عبر الأرض، وربطت المدن بين العيون والقنوات والخزانات والحدائق، ولم تكُن الطبيعة خلفيةً صامتة للعمران، بل كانت شرطًا في بنائه واستمراره.

بهذا، لا نحتاج اليوم إلى استنساخ تلك الأشكال القديمة، بل إلى استعادة حكمتها: أن نقرأ الأرض قبل أن نغطيها، وأن نترك للماء مساراته ومساحته، وأن تُبنى المدينة من داخل دورته، لا فوقها. وربّما يكون هذا هو الدرس الأعمق للإسفنجة: إذ إن مستقبل المدينة يبدأ من استعادة معرفة قديمة بكيفية العيش مع الطبيعة.

 

علاء حليفي: معماري وروائي.