Hero image

رهان الحوسبة الكمّية

سبتمبر – أكتوبر | 2026

أغسطس 27, 2026

شارك
في مكانٍ ما، وربّما الآن، تُسرَق بياناتٌ مشفّرة لا لفكّها اليوم، بل لتُحفظ حتى يحين وقتها؛ لأن الحاسوب الكمّي إذا نضج يومًا، فستُصبح تلك الملفات المخزّنة مكشوفةً وسيُكسر تشفيرها. ليس هذا افتراضًا نظريًّا، ففي عام 2024م، أصدر المعهدُ الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية، معاييرَ تشفير ما بعد الكمّ. وهو أمرٌ وحدَه كافٍ لأن تتوقف وتقرأ قبل أي حديثٍ عن الطب أو الاقتصاد أو الآفاق المستقبلية.


ثمّة تقنياتٌ تنمو في الخلفية بصمتٍ قبل أن يلتفت إليها أحد. وثمّة تقنياتٌ تُضخَّم حتى تفقد معناها قبل أن تُولد. الحوسبة الكمّية تعـاني كلا المصيرَين في آنٍ واحدٍ: يكتب عنها المتحمّسون وكأنها ستحلُّ كل مشكلة بشرية، في حين يتجاهلها الحذرون ظنًّا أنها ضجَّةٌ أكاديمية. كِلا الفريقين مخطئ، والحقيقة تقع في المنتصف.

الحاسوب التقليدي يرتكز على وحدة بسيطة: "بت" إمّا أن يكون صفرًا وإمّا واحدًا. كل صورة ورسالة وفيديو ونموذج ذكاء اصطناعي، مهما بدا معقّدًا، يتحول في النهاية إلى سلاسل طويلة من هذه الوحدات. أمَّا الحاسوب الكمّي، فيستخدم وحدة مختلفة تُسمى "كيوبت". والكيوبت لا يتصرّف بوصفه زرًّا كهربائيًا مغلقًا أو مفتوحًا، وإنما يمكن أن يوجد في حالة مركّبة بين الصفر والواحد إلى أن يُقاس. كما يمكن لكيوبتَيْن أو أكثر أن يرتبطا في علاقة تُعرف بالتشابك، بحيث لا يعود وصف كل واحدٍ منهما كاملًا بمعزلٍ عن الآخر. هذه المبادئ مثل التراكب والتشابك والتداخل، هي ما تجعل الحوسبة الكمّية مختلفة جذريًّا عن الحوسبة التقليدية.

لكن من الضروري تجنّب الفكرة الشائعة والخاطئة: الحاسوب الكمّي لن يكون أسرع في كل شيء؛ إذ لن يجعل كتابة الرسائل أسرع، ولا مشاهدة الأفلام أوضح، ولا التطبيقات اليومية أكثر سلاسةً لمجرد أنها تمرُّ عبر كيوبتات. قوة هذا الحاسوب تظهر في فئة محددة من المسائل، مثل محاكاة الجزيئات والمواد، وتحسين الأنظمة ذات الاحتمالات الكثيرة، وإجراء بعض الحسابات الرياضية المرتبطة بالتشفير. ولهذا، فالسؤال الصحيح ليس: هل يحلُّ الحاسوب الكمّي محلَّ الحاسوب التقليدي؟ بل: ما المسائل التي ستصبح ممكنة عندما نملك أداةً تفكّر بطريقة أقرب إلى العالم الذرّي نفسه؟
 
لماذا يعجز الحاسوب التقليدي؟
لنفترض أن الباحثين يسعون خلف دواءٍ جديدٍ، فهم بحاجةٍ إلى فهم كيفية تفاعل كل جُزيء داخل بيئة معقّدة: بروتينات، وإلكترونات، وروابط كيميائية، وطاقة، واحتمالات، وحركة مستمرة. الحاسوب التقليدي يستطيع أن يحاكي جزءًا كبيرًا من هذا العالم بمهارة، وقد ساعد بالفعل في تطوير صناعة الأدوية. لكنه كلما حاول أن يحاكي نظامًا كمّيًا أكبر، تضاعف حجم الحسابات بسرعة كبيرة جدًّا. فإضافة ذرات أو إلكترونات قليلة لا تزيد العمل قليلًا، بل قد تفتح فضاءً كاملًا من الاحتمالات.

لهذا، يلجأ العلماء إلى التقريب: يختصرون، وينتقون، ويبنون نماذج، ويستعينون بالذكاء الاصطناعي، في حين تظل بعض المسائل عصيّة، ولا سيَّما عندما تكون التفاعلات الإلكترونية الدقيقة هي لبّ السؤال. هنا تبدو الحوسبة الكمّية واعدةً، لا لأنها تجرّب كل شيء في الوقت نفسه، بل لأنها تستخدم التراكب والتداخل لتوجيه الاحتمالات نحو الإجابات المفيدة، وفقًا لخوارزميات صُمّمت لهذا النوع من التعقيد. وتُشير مراجعات علمية حديثة إلى أن إدماج الحوسبة الكمّية في اكتشاف الأدوية قد يساعد مستقبلًا في محاكاة الجزيئات، وتحسين بعض مراحل التطوير الدوائي.

من هذا المنطلق، ليست الحوسبة الكمّية منافسةً للذكاء الاصطناعي أو للحواسيب العملاقة، بل قد تصبح شريكًا لها. فالصورة الأقرب إلى الواقع ليست جهازًا كمّيًّا منفردًا يُجيب عن كل شيء، بل هي منظومة هجينة: حاسوب تقليدي قوي، وخوارزميات ذكاء اصطناعي، ومعالج كمّي يتدخل في أجزاء محددة من المسألة عندما يعجز النهج التقليدي عن حلها.

من المختبر إلى الأمن والاقتصاد
لم تعُد الحوسبة الكمّية شأنًا أكاديميًّا محضًا. فالدول والشركات لا تستثمر فيها حُبًّا في الفيزياء وحدها، بل لأنها ترى فيها بنيةً تحتية محتملة للقوة الاقتصادية والأمنية. يُقدّر تقرير ماكينزي لعام 2025م أن تقنيات الكمّ، ومن ضمنها الحوسبة والاتصالات والاستشعار، قد تصل إيراداتها عالميًّا إلى نحو 97 مليار دولار بحلول عام 2035م، مع توقُّع أن تستحوذ الحوسبة الكمّية على النصيب الأكبر من ذلك. ويربط التقرير فرص التأثير المبكر بقطاعاتٍ مثل: الكيمياء، وعلوم الحياة، والتمويل والتنقّل.

غير أن الاقتصاد ليس سوى نصف القصة. أمَّا النصف الآخر فيتعلق بالأمن. العالم الرقمي الذي نعيش فيه قائم على التشفير: حين نرسل رسالة، أو ندخل إلى حساب بنكي، أو تَحتفظ شركة ببيانات عملائها، فإن التشفير هو الحارس الصامت في الخلفية. وتعتمد كثيرٌ من أنظمة التشفير الحالية على مسائل رياضية يصعب على الحواسيب التقليدية حلّها في زمنٍ معقول. لكن حاسوبًا كمّيًّا كبيرًا ومستقرًّا قد يهدّد بعض هذه الأنظمة في المستقبل.
هنا تظهر خطورة الانتظار؛ فعدم الاستعداد للكمّ ليس موقفًا محايدًا. من ينتظر حتى تنضج التقنية تمامًا قد يكتشف أنه تأخر في بناء الكفاءات، وتحديث البنية الأمنية، وفهم الاستخدامات الصناعية، وتأسيس الشراكات. في التقنيات العميقة، لا يكفي أن تشتري الجهاز، بل عليك أن تكون قد بنيت البيئة الحاضنة وأعدَدْتَ العقول التي تعرف كيف تستخدمه.
 

سباق عالمي لم يُحسم بعدلهذا، بدأت الدول الكبرى تتعامل مع الكمّ بوصفه ملفًّا إستراتيجيًّا. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، جاءت المبادرة الوطنية الكمّية لتنسيق جهود البحث والتطوير في مجالات المعلومات الكمّية. وفي أوروبا، أُطلقت المبادرة الأوروبية الرائدة لتقنيات الكمّ بميزانية متوقعة تبلغ مليار يورو على مدى عشر سنوات، بهدف وضع أوروبا في مقدمة ما تُسميه "الثورة الكمّية الثانية". وفي المملكة المتحدة، يجمع البرنامج الوطني لتقنيات الكمّ بين الحكومة والجامعات والصناعة ضمن شراكة تتجاوز قيمتها مليار جنيه إسترليني.

هذا التعدّد مهم؛ لأنه يذكّرنا بأن السباق لم يُحسم بعد. لا أحد يعرف بنحوٍ نهائي أي تقنية ستقود المرحلة المقبلة: الذرات المتعادلة، أم الأيونات المحصورة، أم الدارات فائقة التوصيل، أم الفوتونات، أم غيرها. ولا أحد يعرف أي نموذج أعمال سيصمد: بيع الأجهزة، أم إتاحتها عبر السحابة، أم بناء منصات هجينة، أم خدمات متخصصة للصناعة. لذلك، فإن العقلانية هنا ليست في الانبهار، ولا في التشكيك المطلق، بل في بناء قدرة مرنة على التعلّم والتجريب والاختبار.

التجربة السعودية
وعن تجربة المملكة العربية السعودية، نشر المنتدى الاقتصادي العالمي في أبريل 2026م تقريرًا عن تطبيق مخطط الاقتصاد الكمّي، مشيرًا إلى أن السعودية أصبحت أول دولة تبدأ بإعداد هذا المخطط على نطاقٍ وطني. وتبرز أهمية هذه التجربة في أنها لا تحصر الجاهزية الكمّية في التقدُّم التقني وحدَه، بل تربطها بالاتساق المؤسسي، والالتزام الإستراتيجي، وإدماج الحوكمة مبكِّرًا. وذلك لأن الحوسبة الكمّية تمسُّ قطاعات تقع في قلب التحوّل الوطني المنشود في مجالات الطاقة، والمواد المتقدمة، والأمن السيبراني، والخدمات اللوجستية، والصحة، والمدن الذكية. وتزخر السعودية بمميزات حقيقية مثل: المكامن، وسلاسل الإمداد، وشبكات الطاقة، والبنية الرقمية، والتحديات الصناعية.

ويُذكر أن المملكة شهدت خطوةً لافتة مع أرامكو وباسكال، إذ أُعلن عن إطلاق أول حاسوب كمّي في السعودية وأول منصة تجارية للحوسبة الكمّية تُقدّم خدمةً في الشرق الأوسط. وتصف أرامكو المنصة بأنها مُخصّصة لتسريع التطبيقات الصناعية واستكشاف استخدامات الكمّ في الطاقة والمواد والتحديات التشغيلية.

من هنا، يمكن أن تقوم المقاربة السعودية على أربعة مسارات متوازية: الأول هو التعليم، ببناء جيل يجمع الفيزياء والهندسة وعلوم الحاسب والرياضيات والأمن السيبراني. والثاني هو الاستخدامات الصناعية، بحيث تُختار مسائل محددة من الطاقة والمواد واللوجستيات والصحة وتُخضع للاختبار. والثالث هو الأمن الكمّي، خصوصًا الانتقال المبكر إلى التشفير ما بعد الكمّي. والرابع هو الوعي العام؛ لأن التقنية التي لا يفهم المجتمع معناها تبقى حبيسة المختبر، في حين تحتاج التقنيات العميقة إلى ثقةٍ وصبرٍ.

من المعرفة إلى القدرة 
لعلّ أجمل ما في الحوسبة الكمّية أنها تعيدنا إلى سؤالٍ قديم: كيف تتحوّل المعرفة المجرّدة إلى قوة حضارية؟ في القرن العشرين، بدأت ميكانيكا الكمّ نظريةً غامضة عن الذرات والضوء، ثم خرجت منها أشباه الموصلات والليزر والرنين المغناطيسي، وتقنيات لا يكاد يخلو منها بيت أو مستشفى أو مصنع. واليوم، تقف البشرية أمام موجة ثانية: استخدام الظواهر الكمّية نفسها في الحساب والاتصال والاستشعار.

قد يستغرق الطريق سنواتٍ، وقد تتأخر بعض الوعود، وقد نكتشف أن بعض التطبيقات التي نستبشر بها اليوم أبعد ممّا نتصوّر. لكن الاتجاه العام واضح، وهو أن الحوسبة الكمّية لم تعُد هامشًا علميًّا، بل لغة جديدة للقوة التقنية.

وفي النهاية، لا ينبغي أن ننظر إلى الحاسوب الكمّي بوصفه آلةً خارقة ستحلُّ كل مشكلاتنا. فهو أداةٌ صعبة ومكلفة، لكنها قد تغيّر طريقة اكتشاف المواد، وتصميم الأدوية، وتأمين البيانات، وتحسين الأنظمة المعقدة. ومن الحكمة أن نستعدَّ لها قبل أن تصبح ضرورة. فبعض التقنيات تمنح المتأخر فرصةً للحاق، وبعضها لا تعطيك الفرصة نفسها. والحوسبة الكمّية تبدو، أكثر فأكثر، من النوع الثاني. لذلك، ليس الرهان الكمّي رهانًا على جهازٍ فقط، بل رهان على الاستعداد: على بناء العقول قبل شراء الآلات، وحماية البيانات قبل اكتمال الخطر، وتحويل الفضول العلمي إلى قدرة وطنية. فالتقنيات الكبرى لا تنتظر من يفهمها بعد اكتمالها؛ إنها تكافئ من بدأ مبكِّرًا في تعلّم لغتها.

 

محمد الصيعري: استشاري تقني، ورئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للحوسبة الكمية.