
تضجّ الحياة بالأصوات المختلفة؛ فحتى في أكثر الأماكن عزلةً، يظل هناك صفيرٌ للرياح أو طنينٌ خفيّ أو زقزقةٌ لعصفور هنا وهناك تقطع الصمت، وهذا ما دفع البشر عبر آلاف السنين إلى البحث عن ملاذاتٍ في بيئاتهم المحيطة يسودها السلام والهدوء. ومع تزايد مصادر الأصوات وتنوُّعها في الحياة المعاصرة، وما كشفته الدراسات عن آثارها، أصبح الهدوء قيمةً، وللحصول عليه ثمنٌ.
تمتد جذور رغبتنا في الهدوء إلى وعينا الفطري؛ فلا عجب أن كلمة "ضجيج" باللغة الإنكليزية (Noise) مشتقة من اللاتينية (Nausea) التي تعني "الغثيان"، تمامًا كما تُشتق كلمة "الضجيج" في اللغة العربية من الجذر (ض ج ج) الذي يعبّر عن صياح الفزع، وهو ما يربط الصوت في وجداننا بكل ما يبعث على الكدر والاضطراب. وهذا النفور ليس مجرد شعورٍ عابر، بل يتجسّد في استجاباتٍ فسيولوجية واضحة.
فقد أثبتت الدراسات أن التعرُّض المستمر للضوضاء يرتبط بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، وزيادة مستويات الكوليسترول، ومشكلات السمع، فضلًا عن ضعف الاستيعاب القرائي وضعف الذاكرة طويل الأمد لدى الأطفال.

لوحة ”رجل يتأمل المشهد الطبيعي“ للفنان الألماني كاسبار دافيد فريدريش (1774م - 1840م).
الضوضاء بوصفها اعتداءً حسّيًّا تطفليًّا
إن ما يجعل الضوضاء أشد أشكال الاعتداء الحسِّي تطفلًا هو طبيعتها المراوغة. فبينما يمكننا إغلاق أعيننا عن مشهدٍ مقزّز أو لفظ طعامٍ لا نستسيغه، يظلّ الصوت حاضرًا يحاصرنا من كل اتجاهٍ، متسلّلًا إلى ثنايا العقل ليشتته. فلم تكُن غواية حوريّات البحر الأسطورية (السيرينات) للبطل "أوليس" في أوديسة هوميروس إلا شِراكًا نُسجت من نغم، ولا عذاب القاتل في قصة "القلب الواشي" لإدغار آلان بو إلا نبضاتٍ وهمية تتردَّد على مسمعه بلا انقطاع. فالضوضاء هي "أشد أشكال المقاطعة تطفلًا"، كما وصفها الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور بأنها: "ليست مجرد مقاطعةٍ عابرة، بل هي تشتيتٌ وتخريب للفكر نفسه".
المعركة الأزلية ضد تطفُّل الضجيج
تعود أولى المحاولات التشريعية لضبط الصخب إلى نحو عام 60 قبل الميلاد؛ حين أصدر مجلس مدينة "سيباريس" (المستعمرة اليونانية القديمة) أول قانون في التاريخ لتنظيم الضوضاء، فنُفي بموجبه الخزّافون وصانعو الصفيح والحرفيون للعيش والعمل خارج أسوار المدينة لحماية سكينتها من صخب صناعاتهم. وذهب ذلك القانون إلى أبعد من ذلك؛ إذ حظر تربية الديكة في المناطق السكنية. ولم تمضِ سوى عقودٍ معدودة حتى لحقت روما بهذا الركب التشريعي؛ إذ أصدر يوليوس قيصر مرسومًا يمنع عربات الجرِّ من السير في شوارع الضواحي قبل الساعة العاشرة صباحًا، في محاولة ٍمبكرة وتاريخية لفرض الهدوء على فوضى الإمبراطورية وصخبها.
لاحقًا، تبنّى القانون الإنجليزي فكرة مكافحة "الإزعاج العام" في عهد الملك هنري الثاني. وفي عام 1378م، سُجّلت أول شكوى ضوضاء في التاريخ؛ إذ عبّر بعض السكّان عن استيائهم من الأصوات الصاخبة الصادرة عن ورشة حدّادٍ محليٍّ يصنع الدروع. ومع تسارع وتيرة التوسع الحضري، ازدادت الآلات وحركة المرور وصخب الحياة الليلية، ومعها ازدادت الحاجة إلى تقنين أصوات المدن الآخذة في النمو.

لوحة ”القراءة“ للفنانة الفرنسية بيرت موريسو (1841م - 1895م).
في الحضارة الإسلامية
لم تكُن الحضارة الإسلامية بمعزلٍ عن هذا الهمّ الإنسانيّ المشترك، بل قاربت المسألة من منظور أشمل يدمج التشريع بالخُلُق. ففي مدونات الفقه والتراث نجد حسًّا رفيعًا بـجماليات الصوت وكراهية الضجيج؛ إذ وضع الفقهاء أحكامًا دقيقة تمنع الإضرار بالجيران بالصوت الصاخب في الأسواق والأحياء السكنية تحت قاعدة "لا ضرر ولا ضرار". وبات تعبير "أدب الجوار" يشمل كفّ الأذى السمعي، تماشيًا مع الآية الكريمة: "وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ" (سورة لقمان: الآية 19).
مكافحة الضجيج في القرن العشرين
استمر الكفاح ضد الضجيج طوال القرن العشرين في جميع أنحاء العالم. ففي مدينة نيويورك، أسّست الناشطة جوليا بارنيت رايس جمعية "قمع الضوضاء غير الضرورية" للتخلُّص مما وصفته بـ"أحد أكبر الآفات التي تنغص حياة المدينة". وبالفعل، استعانت الجمعية بأعضائها الأكثر ثراءً ونفوذًا سياسيًّا، بوصفهم أوراقَ ضغط، وكان الكاتب الشهير "مارك توين" متحدثًا باسمها؛ لتنادي بفرض "مناطق هادئة" حول المستشفيات والمدارس، مع معاقبة المخالفين بالغرامة أو السجن.
وبعد عقودٍ، بدأت الحكومات تتعامل مع الضوضاء على أنها شكلٌ من أشكال التلوث البيئي. ففي عام 1971م، سَيّرت إدارة حماية البيئة في مدينة نيويورك حافلةً مجهزة بأدوات لقياس الضوضاء، كُتب عليها بخطٍ عريضٍ: "الضوضاء البغيضة تجعلك متوترًا وسيئ المزاج". وأصبح إطلاق بوق السيّارة من دون داعٍ مخالفة يعاقب عليها القانون، وحُظرت المذيعات في مترو الأنفاق، وتحدد رنين جرس شاحنات الآيس كريم بـ10 ثوانٍ فقط كل 10 دقائق.
“
من قطاع البناء إلى قطاع السفر، صارت الشركات تعرف أن الهدوء ميزة تنافسية واعدة، فتعدَّدت ابتكاراتها، ولكل ابتكارٍ ثمن إضافي.
عندما يصبح الهدوء من ذهب
ولكن على الرغم من سن القوانين وإطلاق الحملات العامة المناهضة للضوضاء منذ قرون، لم يزدد عالمنا إلا صخبًا وضجيجًا. فالأعمدة الهيكلية للتلوُّث السمعي، مثل الطرق السريعة ومسارات الطيران ومراكز الصناعات الثقيلة، وصولًا إلى الأزيز المستمر لخوادم البنية التحتية الرقمية ومراكزها، بقيتْ خارج حسابات التخطيط العمراني وتصاميم المدن إلى حدٍّ بعيد. وأدهى من ذلك، أن تشريعات مكافحة الضوضاء وتطبيقها انطوت تاريخيًّا على عدم المساواة؛ إذ ركّزت على تقييد الأنشطة السلوكية للأحياء ذات الدخل المنخفض، بدلًا من معالجة الجذور الهيكلية وتفكيك البنية التحتية الصاخبة التي تخترق تلك المناطق تحديدًا.
إن العيش في عالمٍ يزداد صخبًا، سواء أكان ذلك ماديًّا في البيئات الحضرية والصناعية، أم ذهنيًّا من خلال الوابل المتواصل للتكنولوجيا ووسائل الإعلام، قد حوّل الهدوء من هِبَةٍ طبيعية إلى ترفٍ وسلعة فاخرة. وفي عصرنا الراهن، لم نعُد ننشد الهدوء لراحتنا فحسب، بل غدونا مستعدين لشرائه بشتى الطرق؛ بدءًا من التقنيات العازلة للصوت، وصولًا إلى ملاذات العزلة النائية، ليصبح الهدوءُ الرفاهيةَ الأسمى وربّما الأغلى في القرن الحادي والعشرين. وإذا كنّا نحن في ثقافتنا العربية نقول: "إن الصمت من ذهب"، فيمكننا في هذا المجال أن نضيف أن الهدوء بات من ذهب أيضًا.
ولكن، لماذا أصبح الهدوء سلعةً تُباع وتُشترى؟ يبدو هذا في جانبٍ منه امتدادًا لنزعة معاصرة تحثّ على العودة إلى الأساسيات وتضع مفهوم "النقاء والخلو من الشوائب" في صدارة الأولويات. فمثلما نبحث اليوم عن أطعمةٍ خاليةٍ من الملوثات لضمان سلامتها، ويدعو خبراء التقنية إلى "الديتوكس الرقمي" للتحرّر من عبودية الشاشات، أصبح "الغيابُ والخلُوُّ من الشوائب" علامةً تجارية رائجة بحدّ ذاتها. ويكفي أن نتأمل رفوف المتاجر لنرى كيف تُسوّق المنتجات بناءً على ما تفتقده لا ما تحتوي عليه؛ بدءًا من الزيوت الخالية من الكوليسترول والحلويات الخالية من السكر، مرورًا بالطماطم غير المعدلة وراثيًّا، وصولًا إلى الشوفان الخالي من الغلوتين. وضمن هذا المنطق الاستهلاكي الجديد، أصبح الهدوء ببساطةٍ هو "المنتج الخالي من الضجيج".
وفي هذا السياق، فإن بيع الهدوء وشرائه يُمثّلان الذروة في سعينا للتخلُّص من إرهاق الحياة الحديثة. ووفقًا للباحث جوناثان ستيرن، مؤلِّف كتاب "الماضي المسموع"، فقد أصبح الهدوء أشبه باستعارة مجازية "لحالة مثالية طوباوية، تمامًا مثل صندوق البريد الفارغ من الرسائل".

لوحة ”غرفة في نيويورك“ للفنان الأمريكي إدوارد هوير (1882م - 1967م).
ثورة "الديسيبل" وهندسة الفراغ السمعي
بيْدَ أن هذه الرغبة المحمومة في التحرّر من التلوُّث السمعي لم تكُن لتتحقق لولا منعطف تاريخي شهده عام 1929م؛ حين اعتُمد "الديسيبل" وحدةَ قياسٍ معياريةٍ للصوت، وهو ما مكّن العلماء والمبتكرين من رصد مستويات الضوضاء بدقةٍ فائقة. وسُرعان ما التقط قطاع التصنيع الاستهلاكي هذا الكشف العلمي؛ إذ أدركت الشركات أن الهدوء ميزة تنافسية واعدة يمكن استثمارها وتسويقها. فشهد أوائل القرن العشرين ظهور الستائر الكاتمة للصوت، والأرضيات اللينة الممتصة للارتدادات، وفتحات التهوية العازلة للضجيج، بل إن الأمر بلغ ذروته من الغرابة حين ابتُكرت خوذةٌ خشبية مُبطَّنة بالفلين سُمّيت "المِعزل"، صُمّمت بفتحات ضيقة للعينين وزُوّدت بخزان أكسجين، لتعزل مرتديها تمامًا عن محيطه الخارجي.
ولم يتوقف هذا السباق التجاري على الابتكارات المبكرة، بل امتد ليتغلغل في تفاصيل حياتنا اليومية الحديثة، وبدأ يصوغ ملامح منازلنا محوِّلًا إيّاها إلى "محميات ضد الضجيج". ففي الهندسة المعمارية والتصميم الداخلي اليوم، غدا الهدوءُ المعيارَ الأول للفخامة والعلامة الفارقة للرفاهية التي تُدفع لأجلها مبالغ طائلة؛ بدءًا من النوافذ ثلاثية الطبقات العازلة للصوت، وصولًا إلى مواد البناء الممتصة للذبذبات.
“
هناك سباق إلى تطوير الأجهزة ذات التشغيل الصامت، ويتجلَّى ذلك في الأجهزة الكهربائية، حيث ندفع الثمن الفعلي لقاء صمتها أكثر من أدائها.
من جهة أخرى، أصبحت كبرى الشركات العالمية تستثمر ملايين الدولارات في تشييد غرف هندسية معقدة وشديدة العزل تُعرف بـ"الغرف الخالية من الصدى" (Anechoic Chambers)؛ لا غاية لها سوى هندسة فراغ سمعي مصنّع، وتجريد الآلات المنزلية من أي أنين ميكانيكي قد يعكّر صفو البيوت. وأكثر ما يتجلّى ذلك في سوق الأجهزة الكهربائية؛ إذ أصبحنا ندفع الثمن الفعلي لقاء "الصمت" أكثر من الأداء. فبينما يمكننا اقتناء مكيف هواء تقليدي بتكلفة مالية متوسطة، نضطر إلى دفع أضعاف هذا المبلغ لقاء طرازٍ متطوّرٍ يمتاز بخاصية "التشغيل الصامت". وينطبق الأمر نفسه على خلّاطات المطبخ وأجهزة إعداد القهوة؛ إذ تُباع النسخ المزودة بتقنيات كتم الصوت وعزل المحركات بأسعارٍ أعلى مقارنةً بالنسخ العادية.
وفي سياق متصل، وبالنسبة إلى المسافرين الذين يواجهون صخب المطارات وهدير محطات القطارات يوميًّا، فقد أنجب السعي وراء السكينة قطاعًا صناعيًّا متكاملًا مُكرَّسًا لابتكار أدوات العزلة الشخصية وتطويرها. ومع ظهور سماعات إلغاء الضوضاء النشطة (ANC) في الأسواق التجارية مطلع الألفية الثالثة، حدثت قفزةٌ نوعية في تكنولوجيا الصوتيات؛ إذ لم تعُد هذه الأجهزة مجرد أداةٍ تقنية عابرة، بل غدت رفيقًا أساسًا لا غنى عنه لكل من ينشد التركيز أو الراحة في أثناء الترحال.
أمَّا للراغبين في الذهاب إلى ما هو أبعد من مجرد استخدام سماعات الرأس، فقد نجحت صناعة السياحة والسفر في إعادة تعريف "العزلة" بأنها أحد أرقى مسارات الاستجمام والاستشفاء الحديث. وفي هذا السياق، برزت "منتجعات الصمت" بوصفها وجهاتٍ استشفائية متخصصة، تُقدّم السكينة والابتعاد عن التلوث السمعي في تجربةٍ علاجية متكاملة. وقد دفع هذا الشغفُ بالهدوء الكثيرَ من المسافرين والمهتمين إلى الاعتماد على أدوات وخرائط رقمية متخصصة لتعقُّب أهدأ البقاع داخل المدن الكبرى، والاستعانة بتطبيقات تفاعلية متطورة مثل(Stereopublic)، للاستدلال على "جيوب الصمت" الحضرية والحدائق المخفية التي تتوارى خلف صخب الشوارع.
وفي الدول العربية، تجسَّد هذا السعي نحو السكينة في نموٍّ ملحوظٍ لـ"السياحة التأملية" وسياحة الاسترخاء؛ إذ يشدُّ الباحثون عن السلام الداخلي رحالَهم إلى منتجعاتٍ نائية مُصمَّمة بأساليب بيئية في قلب الطبيعة، مثل واحة سيوة المصرية وصحاري العلا السعودية؛ إذ توفر هذه الوجهات فرصةً استثنائية لعيش تجربة الصمت الأسطوري للصحراء تحت قبة السماء المرصعة بالنجوم، والتحرّر التام من سطوة الهواتف والشاشات الرقمية التي باتت تستبيح طمأنينة حياتنا اليومية.
في نهاية المطاف، يُبرز هذا التوزيع غير المتكافئ للهدوء اليوم فجوةً اجتماعية واقتصادية صارخة. فالأثرياء قادرون على دفع ثمن هروبهم من الصخب، في حين تظل المجتمعات ذات الدخل المنخفض عرضة، بشكل غير متناسب، للمخاطر الجسدية والنفسية للتلوُّث السمعي؛ إذ يعيش أفرادها بالقرب من الطرق السريعة والمطارات والمراكز الصناعية دون أن يملكوا سبيلًا ماديًّا للمواجهة أو الخلاص.

لوحة ”داخلية مع امرأة تعزف البيانو“ للفنان الدنماركي فيلهلم هامرشوي (1864م - 1916م).
ومن غير المُرجَّح أن نعود يومًا إلى عالمٍ هادئ بحق. فالتكنولوجيا ستستمر في إنتاج المزيد من التشويش الحسيّ، وستواصل الحياة المعاصرة إحاطتنا بصخبها المتواصل. وفي هذه الحلقة المفرغة، لم يعُد الهدوء حالةً طبيعية من حالات الطبيعة؛ بل أصبح سلعةً مُصنَّعة يتهافت عليها الجميع، وترفًا نادرًا صُمّم خصوصًا لمن يملك القدرة على دفع ثمن السلام والسكينة.
مهى قمر الدين: كاتبة لبنانية.
تعليق الصورة في أعلى الصفحة: لوحة ”انعكاسات“ للفنان الدنماركي كارل هولسويه (1863م - 1935م).