
في إحدى مشاهد رواية "عالم جديد شجاع" ترى "لينينا" عجوزًا لأول مرة، فتتساءل مندهشة "ماذا أصابه"؟ ليرد عليها "برنارد" بكل ثقة: "الهرم". فترد "لينينا" متعجبة: "كثيرون قد هرموا لكن لا أحد هكذا"، فيرد "برنارد": "ذلك لأننا لا نسمح لهم أن يكونوا كذلك، فنحن نحفظهم من الأمراض".
حضارتنا الحالية لا تختلف عن الحضارة المُتخيَّلة في رواية هكسلي، فنحن أيضا نسعى إلى إبقاء الإنسان صحيحًا؛ نُحصّنه باللقاحات، ونطارده بالنصائح الطبية. لقد تحولت الصحة إلى مشروعٍ إداريٍّ له منظماته، والفيتامينات جزء من هذا المشروع.
الفيتامينات مركبات عضوية يحتاج إليها جسم الإنسان؛ فهي تشارك في إنتاج الطاقة، والمحافظة على الجهاز العصبي، ودعم المناعة، إضافةً إلى دورها في تنظيم عديدٍ من التفاعلات الكيميائية داخل الجسم. والجسم لا يستطيع تصنيع معظمها، لذلك يعتمد على الغذاء للحصول عليها. يوجد ثلاثة عشر فيتامينًا أساسيًّا، وهي تنقسم إلى مجموعتين: فيتامينات ذائبة في الدهون، وهي مجموعة في كلمة "داكه"، وتسعة فيتامينات ذائبة في الماء، تشمل فيتامين سي ومجموعة فيتامين ب.
يوجد فيتامين أ في المصادر الحيوانية بصورة الريتينول، وفي الأغذية النباتية على هيئة كاروتينات، أشهرها بيتا كاروتين. ويسهم في صحة الإبصار وسلامة الأغشية المخاطية. وخلافًا للصورة الشائعة، فإن الجزر ليس أغنى مصادره؛ فالكبد يتفوّق عليه بفارق كبير. ويؤدي نقصه إلى مشكلات مثل العَشَى الليلي، بينما قد يؤدي الإفراط المزمن في أخذه إلى الصداع والغثيان، وقد تكون الجرعات العالية أثناء الحمل ضارة بالجنين. وهذه من المفارقات في التغذية: الشيء الذي يضر غيابه قد يضر أيضًا حضوره المبالغ فيه.
أما فيتامين د فيوجد على صورتين أيضا: (د 2)، و(د 3). ويستطيع الجلد تصنيع فيتامين (د 3) عند التعرُّض للأشعة فوق البنفسجية من ضوء الشمس أو الضوء الصناعي. وتتمثّل وظيفته الأشهر في دعم تمعدن العظام. وقد يؤدي نقصه الشديد إلى الكساح عند الأطفال ولين العظام عند البالغين، أما التسمم منه فينتج غالبًا عن الإفراط في تناول المكملات وليس بسبب التعرض الطبيعي للشمس.
ويؤدي فيتامين ك دورًا أساسيًّا في تخثر الدم، ويوجد بكثرة في الخضروات الورقية مثل السبانخ والبروكلي، ولم يوضع حدٌّ معتمدٌ رسميًّا لأعلى تركيز له بسبب محدودية الأدلة الدالة على السمية، ولكن يوصى بحدٍّ يوميٍّ لا يتجاوز 120 مايكرو جرام.
أما فيتامين هـ فيعمل مضادًّا للأكسدة ويساعد على حماية الأغشية الخلوية من الأضرار الناتجة عن التأكسد والجذور الحرة.
ويُعدّ فيتامين سي أشهر الفيتامينات في المخيلة الشعبية، حتى صار البرتقال رمزًا له (مع أن الجوافة تتفوّق عليها بفارق واضح في محتواها منه). يسهم فيتامين سي في تصنيع الكولاجين، لذلك يرتبط بصحة الجلد والأنسجة والتئام الجروح. وقد يؤدي نقصه الشديد إلى مرض الإسقربوط، بينما قد تسبب جرعاته المرتفعة باضطرابات هضمية، وقد تؤدي إلى تشكّل حصوات الكلى.
أما مجموعة فيتامين ب فتضم ثمانية فيتامينات، وتزداد أهمية أحدها، (فيتامين ب 9) "الفولات"، في الحمل، لأنه ضروري لتصنيع الحمض النووي وانقسام الخلايا. كما يشارك (ب 12) في وظائف الجهاز العصبي وتكوين خلايا الدم. لذلك يوصى بتناوله الدائم لمرضى السكري.
هل التغذية وحدها كافية ؟
من الناحية النظرية، يستطيع النظام الغذائي المتنوّع والمتوازن توفير معظم الفيتامينات. لكن الواقع أن الجميع لا يحصلون على احتياجاتهم اليومية عن طريق الغذاء. خصوصًا وأن هذه الفيتامينات توجد طبيعيًّا في المنتجات الحيوانية، لذلك يحتاج الأشخاص الذين يتبعون نظاما نباتيًّا صارمًا إلى مصدرٍ من الأغذية المدعمة أو المكملات. وتزداد احتمالية النقص أيضًا في حالات سوء التغذية، والحميات المُقيَّدة، وسوء الامتصاص، وجراحات السمنة، والحمل.
كما أن الجسم لن يمتص الفيتامين الموجودة في الغذاء بالكامل؛ فالتوافر الحيوي يتأثر بالشكل الكيميائي للفيتامين، وتركيب الوجبة، وطريقة تحضير الطعام، والحالة الصحية للفرد. مثلًا، تتحسّن عملية امتصاص الفيتامينات أ، د، هـ، ك عند تناولها ضمن وجبة تحتوي على الدهون، لأنها فيتامينات ذائبة فيها. بينما يمكن أن تؤدي الحرارة والغلي، إلى فقد جزءٍ من بعض الفيتامينات الذائبة في الماء.
في النهاية، الفيتامينات ليست حبّاتٍ سحرية، وليست هامشًا في صحة الإنسان. نحن نحتاج إليها بجرعات صغيرة قد تُضاف في الأغذية كي نؤخّر الضعف ما أمكن. ولعل هذا هو وجه الشبه بين عالمنا وعالم هكسلي.
د. فهد المرشدي: أستاذ علم السموم البيئية والكيميائية المساعد.