
فن الكوراك في كازاخستان
يناير 4, 2026
تم نشر هذه المقالة بالشراكة مع AramcoWorld
من داخل استوديو يطل على سفوح سلسلة جبال زايليسكي ألاتاو بالقرب من مدينة ألماتي في كازاخستان، تعمل ثلاث نساء بهدوء على قطعتهن الفنية؛ بطانية مصنوعة بطريقة الكوراك، وهي الحرفة التراثية الكازاخية لفن حياكة الرُّقَع القماشية. وهؤلاء العاملات تدرّبن على يد خبيرة في فن الكوراك ومؤسسة مدرسةٍ مخصصة لإعادة إحياء هذا الفن.
تُخرج غولميرا أوليخان قطعة تلو الأخرى من الكوراك -وهي قِطَع من لُحف كانت موجودة في كل منزل تقريبًا في البلاد- مما يستدعي الإشادة بالنساء اللواتي صنعنها من أقمشة نادرة انتقلت على امتداد مسارات القوافل القديمة على طريق الحرير، وكانت هذه القطع زينةً للمنزل وجزءًا من مهر المرأة، وعلاوة على ذلك فإنها تحمل قيمة رمزية؛ إذ كانت تُتّخذ وسيلةً للحماية.
ومع رؤية الضرر الذي أحدثه مرورُ الوقت والعولمة على هذا الفن، تحاول أوليخان الآن إحياء فن الكوراك شيئًا فشيئًا – الذي يتضمن حياكة قطع من الأقمشة الصغيرة معًا بطريقة منظمة لتشكيل قطعة واحدة. ويتماشى هذا العمل مع الطلب العالمي المتزايد على الأقمشة المصنوعة يدويًّا، مما شجعها على إعادة ابتكار هذا الفن خارج إطار النقوش الكازاخية.

تدير أوليخان (ذات القميص الأحمر) مدرسة وورشة لطالباتها في ألماتي، كازاخستان.
عناصر الكوراك في الثقافة الكازاخية
صحيح أن فن حياكة الرقع القماشية موجود في جميع أنحاء العالم، إلا أن الكازاخيين يعدونه شكلًا من أشكال فنونهم الزخرفية. ويُستخدم فن الكوراك في صنع البطانيات والوسائد والسجاد والملابس.
وقد قضت أوليخان سنوات في دراسة الأنماط التقليدية الموجودة في مجموعات المتاحف، والصور الفوتوغرافية القديمة، والرسوم التاريخية، والآن تطبق تلك الأنماط في فنها.
وتقول أوليخان، مشيرة إلى قطعة مربعة تشبه البئر: "هذا هو الشي-كورَاك، القطعة الكازاخية". وتجد الجميع في أنحاء العالم يعدونها ابتكارًا من صنعهم، لأنها قطعة أساسية. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى بساطتها وسهولة فهمها. وفي اللغة الكازاخية تأتي من كلمة شي (shi)، وتعني "رقيقًا"، أما الروس فيسمونها "بئرًا".
“
مع رسائل رمزية منسوجة في التصميم، تحمل كل قطعة من الكوراك جزءًا من قصة الحرفي وأفكاره وأمنياته.

فن الكوراك يعتمد على قطع ذات أنماط هندسية مستقيمة ودقيقة.
تقول أوليخان: "قديمًا، كان الناس يصنعون التومار على شكل مثلثات ويضعون بداخلها آيات قرآنية، مثل آية الكرسي، أو سور أخرى من القرآن الكريم. بالطبع، في الوقت الحالي عندما نخيط، لا نضع آيات من القرآن الكريم داخل القماش. لكن بشكل رمزي، لا نزال نسميها تومار، أي تعويذة".
ويشيع في المهور تقديم بطانيات الكوراك مع رسائل رمزية منسوجة في تصميمها.
تحمل إحدى هذه البطانيات التمنيات بالبركة للعائلة: نمط شجرة الحياة للدلالة على الازدهار، والمُعيّن للخصوبة، والمثلثات للقوة الروحية والجسدية، والأنماط المستوحاة من الحيوانات والطبيعة مثل كوشكار-مويز (قرون الكبش) لتمثيل الذكورة؛ إذ إن كل قطعة من الكوراك تحمل جزءًا من قصة الحِرَفي وأفكاره وأمنياته.
تقول مايرا رمضانوفا، إحدى طالبات أوليخان: "كل قطعة من أعمالي ليست مجرد بطانية فقط، بل تحمل تاريخ عائلتي منسوجًا بدفءِ يديّ، وإلهام العظماء من الأساتذة، ودعم أحبائي".

مجموعة متنوعة من أنماط الكوراك تُستخدم في البطانيات وديكور المنزل وغيرها.
وتشاطرها أوليخان الانطباع ذاته قائلة: "حين أخيط، أقول: أنا أخيط دعواتي في هذا القماش؛ ليبارك الله الشخص أو العائلة التي ستحصل على هذا اللحاف".
بالإضافة إلى النماذج الخاصة التي تبتكرها أوليخان، فهي أيضًا تدمج زخارف مستوحاة من ثقافات حول العالم، فقد انتشر فن حياكة الرقع القماشية حتى وصل اليابان وأوروبا والولايات المتحدة.
تشرح أوليخان قائلة: "يُعَد اليابانيون من أبرز الخبراء في فن الكوراك، وتتميز طريقتهم بالتفاصيل اليدوية الدقيقة التي تعكس لمسة يابانية مميزة، وألوانًا ناعمة وأصيلة. وفي المقابل، تكون الأقمشة الروسية مشرقةً وريفية، وممتلئة بالنقاط والزهور. أما التصاميم القيرغيزية فتستخدم ألوانًا مثل الأسود والأبيض والأحمر الجريئة، والزوايا الحادة، وأنماطًا صغيرة من الكوراك. أما الأسلوب الأمريكي الكلاسيكي، فيتميز باستخدام القطع الكبيرة والأنماط المتكررة، مما يضفي شعورًا بالترتيب والبساطة".

أنماط الكوراك منسوجة في الحياة اليومية في ألماتي، على جدران محطات المترو وأرضياتها.
تاريخ صناعة النسيج في كازاخستان
وفقاً للفنانة والباحثة في مجال النسيج، أزهر ألتينساقا، تشير الاكتشافات الأثرية لبقايا الأقمشة والإبر المصنوعة من العظام إلى أن تقاليد صناعة النسيج كانت موجودة في جميع أنحاء كازاخستان منذ حضارة البوتاي في الألفية الرابعة قبل الميلاد. ومع ذلك، فإن قطع الكوراك التي بقيت عبر الزمن تعود في الغالب إلى القرون: الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين.
ومنذ ذلك الحين، فقد الكازاخيون 60% إلى 70% من حرفهم التقليدية، كما تقول ألتينساقا، وتشير إلى أن من الأسباب الرئيسة لذلك الاستعمار الروسي، ولاحقًا السوفيتي، إلى جانب الانتقال من حياة الترحال إلى حياة الاستقرار، وتغير الأذواق تحت التأثير الأجنبي.
تقول ألتينساقا: "حتى قبل الثورة الروسية، بدأت ماكينات الخياطة والأقمشة المصنّعة في المصانع وأصباغ الأنيلين والعديد من البضائع الأخرى بالوصول إلى سوق كازاخستان، وجاء الجزء الأكبر منها من روسيا. كل هذه الأشياء كانت عصرية وملوَّنة. وبدأ الناس يشترون أكثر وينتجون أقل بأنفسهم".
خلال السنوات العشر الماضية، لاحظت ألتينساقا إعادة إحياء الفنون التقليدية، بما في ذلك الكوراك، مع ظهور المزيد من الحرفيين "الذين ينتجون قطعًا حديثة باستخدام أساليب تقليدية، أو العكس، أي ينتجون قطعًا تقليدية باستخدام طرق حديثة".
“
المنسوجات الكازاخية تعود إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد، ولكن قطع الكوراك التي بقيت عبر الزمن تعود في الغالب للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

لوحة "كوب سوز بوك سوز" للفنان مونار أبدوخروف، المعروضة في معرض أسبان.

مكتبة تبيع الأطلس الإثنوغرافي للزخارف الكازاخية للعالم إيرلي أوسبانولي.
استخدام فن حياكة الرقع القماشية علاجًا
تجلس أوليخان في الاستديو الخاص بها، خلف مكتب مغطى ببطانيات ملونة زاهية، وتصف كيف تحاول استعادة قيمة فن حياكة الرقع القماشية التقليدي مجددًا.
تقول أوليخان: "مهمتي، قبل كل شيء، دراسة القطع، ثم إعادة تجميعها بطريقة الكوراك، ثم نقل هذه المعرفة لأكبر عدد ممكن من الناس".
لقد كانت لها مسيرة مهنية ناجحة في مجال الأعمال المالية، ولكن بعد خسارةٍ شخصية، أدركت أوليخان أن التوتر قد أثَّر في صحتها. وبمجرد أن تخلت عن وظيفتها، أصبح فن حياكة الرقع القماشية شكلًا من أشكال التأمل عندها. "اتضح أن الكوراك هو نوع من العلاج. وقد أدركتُ ذلك لاحقًا". وتقول: " أصبحت شخصًا آخر عما كنت عليه سابقًا".

طالبة تحمل لحافًا مصنوعًا من الكوراك.
تجد خيّاطة تعمل في عزلة نفسها بين الفن والحرفة. تقول أوليخان: "عندما يخيط شخص ما قطعة الكوراك، يكون بمفرده مع نفسه دون أن يشتت أحد انتباهه، وتراه مُنظَّمًا فيما يفعل، محاولًا خياطة قطع متساوية". "ويتعلم خلال ذلك التعامل مع ظروف حياته وتنظيمها".
افتتحت أوليخان مدرسة تُعلّم النساء فن الكوراك، بما في ذلك النساء من المجتمعات المحرومة في كازاخستان، حيث تُعلَّم الزخارف (الموروثة من الأم إلى الابنة عبر الأجيال) للنساء المعاصرات الحريصات على تعلم عمل جداتهن.
“
قررت أن أواصل الحفاظ على هذه التقاليد القيّمة ونقلها للأجيال القادمة، فهي تحمل قيمة عزيزة على قلب كل كازاخي.
مايرا رمضانوفا
تأثير الكوراك في تصميم المجوهرات الحديثة
أدى الطلب المتزايد على المنتجات اليدوية إلى زيادة موازية في عدد الحرفيين الذين يستكشفون المواد والتقنيات التقليدية. حتى مانشوك يسداولت، وهي حرفية كازاخية متخصصة في استخدام تقنية الكوراك يدويًّا، تساهم بدورها في تصميم المجوهرات.


بائعو الكوراك كوربي في سوق أرلان في ألماتي: مراتب النوم واللحف المصنوعة بفن حياكة الرقع التقليدي وغيرها من السلع.
كانت يسداولت تُدرّس الاقتصاد في الجامعات، لكن عندما أخذت إجازة الأمومة، أرادت يسداولت المساهمة مع العائلة دون التزام بدوام كامل. لذلك حولت اهتماماتها قبل عقد من الزمن إلى مسيرة مهنية تعيد رسم ملامح ما يمكن أن يمثله الكوراك.
تقول يسداولت: "نحن الكازاخيين، جميعنا نحب الذهب والفضة. ولكني أدركت لاحقًا أن جمهوري هنّ فتيات جريئات وطموحات، لا يخشين أن يظهرن بالشكل الذي يردنه أو الإنفاق أكثر من العادة على ما يستهويهن.
تحتوي التعويذات ومشابك الزينة والأساور القماشية التي تصنعها يسداولت على ألوان زاهية. وتخيطها غالبًا على شكل البئر، إلا أنها مع ذلك تبدو كأنها زهرة متفتحة أو عين.
“
كل أمة لها زخارفها الخاصة ... ولكن يبدو أن جوهرنا واحد.
مانشوك يسداولت

ترى يسداولت إن الكوراك يعبر تعبيرًا مثاليًّا عن فكرة صنع منتجات جميلة من موارد محدودة.
وتقول: "في زمن طريق الحرير ... كان القماش يُعد ثروة وكنزًا وفخامة حقيقية". بل حتى الملابس التقليدية مثل القمصان الروسية أو الكوينوك القيرغيزية (القمصان التقليدية) تدل على أن النساء كنَّ يستفدن من كل جزء من القماش. وتضيف: "كان إهدار القماش من الخطايا".
تقول يسداولت "يشكل الإنتاج الصناعي الضخم حاليًّا تهديدًا لحرفتنا. فمن المفترض أن يُصنع الكوراك على يد حرفيين مهرة، يدركون أنه تقليديًّا كان يُصنع من بقايا الأقمشة، وليس من القماش الأحمر أو الأصفر أو الأزرق الجديد الذي يُشترى من المتاجر ويُقص فقط من أجل ذلك".
في عام 2024م انتقلت يسداولت إلى بالو ألتو في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة مع عائلتها، حيث شعرت في البداية بالضياع في البيئة الجديدة، ولكن الطبيعة المريحة لخياطة الكوراك اليدوية رفعت معنوياتها.

استوديو أوليخان يطل على سفوح سلسلة جبال زايلييسكي ألاتاو في كازاخستان.
تقول يسداولت:"كنت أفعل الشيء الوحيد الذي أتقنه، وساعدني ذلك على تجاوز تلك الفترة. الآن، أريد الاستمرار في إقامة الورش هنا، أو ربما محاولة البيع في الأسواق المحلية. لن أستسلم. أريد أن أنمو هنا أيضًا فنانةً وحرفية".
الكوراك عبر القارات
وجدت يسداولت، بحكم عيشها في مجتمع متعدد الثقافات في الولايات المتحدة، أن فن الكوراك أكثر ارتباطًا بالواقع المعاصر، إذ يجمع بين أبعاد من ثقافات مختلفة. كل قطعة قماش تحمل قصتها الخاصة، وعندما تُجمَع معًا، يظهر شيء جميل وفريد من نوعه.
تقول يسداولت: "في الواقع، أرى هذه التقنيات في كل دولة، وهو أمر لافت. كل دولة لديها زخارف مشابهة، ربما مع بعض الاختلافات أو التفاصيل المختلفة. ولكن يبدو أن جوهرنا واحد".
“
سيحمل أطفالنا رؤيتهم الخاصة للعالم، ويبتكرون طرقًا جديدة لدمج الكوراك في عالمهم.
غولميرا أوليخان
تشاطر أوليخان يسداولت الرأي بشأن رؤيتها للوحدة القائمة على ركيزة مشتركة، إذ ترى أن كل كوراك يعكس استمرارية التراث المشترك من كل حدبٍ وصوب.
وتقول أوليخان: "يجب أن نعلّم الأجيال القادمة الركائز الأساس للكوراك، وسيحمل أطفالنا رؤيتهم الخاصة للعالم ويبتكرون طرقًا جديدة لدمج الكوراك في عالمهم، مرتقين بالتقليد إلى آفاق جديدة. ولكن كل ذلك يبدأ من الجذور المشتركة التي نتقاسمها جميعًا".
بقلم: أيبارشين أحمدقالي
وعدسة: دانيل عثمانوف