
في مارس 2023م، وبعد أشهر قليلة من انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي بين الناس، ظهرت رسالة مفتوحة أثارت جدلًا عالميًّا وقّع عليها آلاف الباحثين والمتخصصين والشخصيات المعروفة في قطاع التقنية.
حيث طالبت الرسالة مختبرات الذكاء الاصطناعي أم توقف تدريب الأنظمة الأكثر قوة من GPT-4 مدة ستة أشهر، إلى أن تتوافر إجراءات أمان وحوكمة أكثر وضوحًا.
لكن الرسالة، خلافًا لما اختصرته بعض العناوين الإعلامية، لم تطالب بإيقاف الذكاء الاصطناعي كله، ولا بمنع البحث العلمي فيه. كان الطلب أكثر تحديدًا: التوقّف مؤقتًا عن سباق تطوير الأنظمة الأكثر قوة، حتى يستطيع المجتمع فهم المخاطر ووضع الضوابط المناسبة (Future of Life Institute).
ومنذ ذلك الوقت لم يهدأ النقاش. هل أصبح الذكاء الاصطناعي فعلًا بتلك الخطورة التي تستحق إيقاف تطويره؟ وهل هذه المخاوف مبنية على فهمٍ حقيقي للتقنية، أم أن جزءًا منها يشبه المخاوف التي رافقت تقنيات كثيرة عندما ظهرت للمرة الأولى؟ والأهم: هل يمكن أصلًا إيقاف تطور الذكاء الاصطناعي؟
عندما تصبح التقنية أكبر من قدرتنا على السيطرة عليهاالخوف من التقنية ليس جديدًا. عندما ينظر الإنسان إلى تاريخ التكنولوجيا، يجد أن التقنيات التي غيرت حياته لم تكُن دائمًا آمنة أو بمنأى عن الكوارث. ولعل الطاقة النووية من أوضح الأمثلة، فهي واحدة من أكثر التقنيات قدرة على إنتاج الطاقة، وأسهمت في توفير الكهرباء لملايين البشر، كما أسهم العلم النووي نفسه في تطبيقات طبية وصناعية كثيرة. لكن العالم ما زال يتذكر صباح 26 أبريل 1986م، عندما خرج المفاعل الرابع في محطة تشيرنوبل النووية عن السيطرة في أثناء اختبار أُجري على أحد أنظمة الأمان، فانفجر مُطلِقًا كمياتٍ كبيرة من المواد المشعة، وأصبحت حادثة تشيرنوبل واحدة من أسوأ الكوارث في تاريخ الطاقة النووية. وتشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن الكارثة لم تكُن نتيجة عامل واحد، بل ارتبطت بعيوب في تصميم المفاعل، إضافة إلى أخطاء في التشغيل والإجراءات.
لكن العالم لم يقرر بعد تشيرنوبل إيقاف الفيزياء النووية. كانت الاستجابة مختلفة: دراسة ما حدث، وتغيير معايير السلامة، وتحسين تصميم المفاعلات، وتعزيز الرقابة والتعاون الدولي. هذه نقطة مهمة في النقاش الدائر اليوم حول الذكاء الاصطناعي: عندما تظهر مخاطر تقنية جديدة، هل يكون الحل في إيقاف التقنية؟ أم في تعلم كيفية استخدامها بأمان؟
الوجه الآخر للذكاء الاصطناعي
من السهل الحديث عن مخاطر الذكاء الاصطناعي، لكن الصورة تصبح ناقصة إذا أغفلنا ما يمكن أن تقدمه هذه التقنية للإنسان. وقد قدمت جائحة كورونا مثالًا مهمًّا؛ عندما ظهر فيروس كورونا عام 2019م، وجد العالم نفسه أمام فيروس جديد، وكانت الحاجة ملحة إلى إيجاد علاجات محتملة على وجه السرعة. إذ أنه في الظروف التقليدية، قد يتطلب البحث بين آلاف الأدوية والمركَّبات ودراسة علاقاتها البيولوجية وقتًا طويلًا. هنا استخدمت شركة (BenevolentAI) نظامًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي وشبكة معرفية ضخمة للبحث عن أدوية موجودة أصلًا يمكن إعادة استخدامها ضد المرض. وقاد هذا العمل إلى تحديد دواء (Baricitinib)، الذي يُستخدم في علاج التهاب المفاصل الروماتويدي، بوصفه مرشحًا محتملاً لعلاج حالات كورونا.
نُشرت الفرضية العلمية في مجلة (The Lancet) في فبراير 2020م، ثم أُخضع الدواء إلى التجارب السريرية، حيث أظهرت دراسات لاحقة فائدته لبعض المرضى. وأصبحت هذه الحالة واحدةً من الحالات المعروفة التي ساعد فيها الذكاء الاصطناعي على تسريع عملية اكتشاف مُرشَّح دوائي مناسب وإعادة توظيفه لمشكلة صحية جديدة.
لم يخترع الذكاءُ الاصطناعي الدواء، ولم يستبدل العلماءَ أو الأطباءَ أو التجاربَ السريرية. لكنه استطاع أن يبحث في مساحة هائلة من المعرفة والعلاقات العلمية بسرعة تساعد الباحثين على الوصول إلى فرضية تستحق الاختبار.
وهذا ربما يقدم صورةً أكثر واقعية للذكاء الاصطناعي: ليس آلةً سحرية تنقذ البشرية وحدها، ولا وحشًا تقنيًّا سيقضي عليها وحده. إنه أداةٌ شديدة القوة، وما تفعله هذه القوة يعتمد إلى حدٍّ بعيد على الطريقة التي نستخدمها بها.
ربما تكون السكين من أبسط الأمثلة على هذه الفكرة. حيث يمكن للجرَّاح أن يستخدمها لإنقاذ حياة المرضى، والطاهي لإعداد وجبة شهية، ويمكن أن يستخدمها شخصٌ ما لإيذاء شخصٍ آخر. السكين نفسها لم تتغير، ما تغير هو المستخدم، والهدف، والظروف، والقواعد المحيطة باستخدامها. والذكاء الاصطناعي وإن كان أكثر تعقيدًا بكثير، فإنه يحمل الفكرة نفسها: كل تقنية قوية لها وجه نافع ووجه يمكن إساءة استخدامه. إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد طبيبًا في اكتشاف نمط بين آلاف الصور الطبية، ويمكنه في الوقت نفسه أن ينتج صورةً مزيفة لشخص لم يقُل أو يفعل ما يظهر فيها. وقد يساعد طالبًا على فهم فكرةٍ صعبة، لكنه يمكن أن يُنجز له واجبًا كاملًا من دون أن يتعلم شيئًا. يمكن أن يساعد المؤسسات على اكتشاف الاحتيال، ويمكن أن يستخدمه المحتالون أنفسهم لابتكار خدعٍ أكثر إقناعًا. لهذا، فإن السؤال ليس "هل للذكاء الاصطناعي جانب مظلم؟"، بالطبع له جانب مظلم، لكن السؤال "ماذا سنفعل تجاهه؟".
عندما تظهر مخاطر تقنية جديدة، هل يكون الحل في إيقاف التقنية؟ أم في تعلم كيفية استخدامها بأمان؟
قد يبدو أحيانًا أن شركات التقنية تطور الذكاء الاصطناعي بينما يقف بقية العالم يتابع السباق من الخارج. لكن الواقع مختلف. في سبتمبر 2024م، تبنّت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الميثاق الرقمي العالمي، الذي وضع إطارًا للتعاون الدولي في التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي. ومن بين ما دعا إليه الميثاق إنشاء آليات دولية تساعد على فهم فرص الذكاء الاصطناعي ومخاطره، وتوسيع الحوار العالمي حول كيفية حوكمته. وفي أغسطس 2025م، أنشأت الجمعيةُ العامة للأمم المتحدة الهيئةَ العلمية الدولية المستقلة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي. والهدف من ذلك ليس وقف الابتكار، بل توفير تقييم علمي مستقل للمخاطر والفرص، وإتاحة مساحةٍ للدول والباحثين وقطاع الصناعة والمجتمع المدني للمشاركة في النقاش حول مستقبل التقنية.
وهذه ربما هي الاستجابة الأكثر واقعية: ليس تجاهل المخاطر، وليس إيقاف العلم، بل بناء قواعد تجعل قدرتنا على إدارة التقنية تتقدم بالتوازي مع قدرتنا على تطويرها.
هل تستطيع دولة واحدة إيقاف هذا السباق؟
هناك مشكلة أخرى في فكرة "إيقاف الذكاء الاصطناعي". الذكاء الاصطناعي لم يعُد مشروعًا أمريكيًّا فقط. صحيح أن الولايات المتحدة ما زالت مركزًا رئيسًا لتطوير النماذج المتقدمة والاستثمار فيها، لكن الصين أصبحت منافسًا قويًّا لها، وهناك تطوير متزايد في أوروبا ودول أخرى، إضافةً إلى نماذج ومشروعات تظهر في الشرق الأوسط وآسيا وأمريكا اللاتينية.
ويشير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد إلى أن الولايات المتحدة ما زالت تتقدم في عدد النماذج البارزة، في حين تُقلِّص الصين بسرعة الفجوةَ في الأداء، كما أن تطوير النماذج أصبح أكثر انتشارًا على المستوى العالمي.
وهنا تظهر المعضلة: فحتى لو قرَّرت مجموعة من الشركات الأمريكية الإبطاء من الوتيرة المتسارعة لتطوير الذكاء الاصطناعي، فما الذي سيجعل المختبرات في الدول الأخرى تفعل الشيء نفسه؟ وماذا عن النماذج المفتوحة التي يستطيع آلاف الباحثين والمطورين استخدامها وتعديلها؟ لقد تجاوز الذكاء الاصطناعي المرحلة التي يمكن فيها لطرف واحد أن يوقف مسار تطوره؛ إذ أصبح علمًا وصناعةً وسباقًا اقتصاديًّا وإستراتيجيًّا في الوق نفسه. لهذا ليس السؤال: كيف نوقف الذكاء الاصطناعي؟ بل كيف يُمكن توجيهه؟
يخبرنا التاريخ بأن أي محاولة لإيقاف تقنية نافعة وقابلة للانتشار عالميًّا هي محاولة غير مجدية على الأرجح.
ولكن التاريخ يخبرنا شيئًا آخر أيضًا: السماح للتقنية أن تتقدم من دون ضوابط قد يكون مكلفًا. إذن ما نحتاج إليه في الواقع هو أن نستمر في البحث والتطوير، ولكن مع المزيد من الاختبارات والشفافية.
أن نستفيد من الذكاء الاصطناعي في الطب والتعليم والصناعة والبحث العلمي، ولكن مع وضع قواعد تحمي الإنسان وتحفظ حقوقه.
أن ندعم الجهود العالمية التي تحاول تسخير قوة الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان، وفي الوقت نفسه الحد من إساءة استخدامه. وأن نرفع وعي المجتمع بهذه التقنية؛ لأن الحوكمة لا تبدأ فقط في مختبرات الشركات أو اجتماعات الأمم المتحدة، بل تبدأ أيضًا من الإنسان الذي يعرف متى يُمكن له أن يثق بالتقنية، ومتى يشك في نتائجها، ومتى يقرّر ألّا يستخدمها أصلًا. لكن هذا يقود إلى سؤال أصعب: إذا كنّا لن نوقف تطور الذكاء الاصطناعي، وإذا كانت قدراته ستدخل تدريجيًّا إلى التعليم، والطب، والعمل، والإعلام، وتفاصيل حياتنا اليومية، فممَّ نخاف تحديدًا؟ وهل كل خوف من الذكاء الاصطناعي مبرر؟