Hero image

الانثروبولوجيا السعودية.. الغائب والعائد من جديد

د. مسفر بن علي القحطاني

مارس 12, 2026

4 دقائق

شارك

في اليوم العاشر من مارس 2026م، وافق مجلس الوزراء على تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية. وهذا حدثٌ مهمٌّ في مسيرة التقدُّم المعرفي الذي تشهده مؤسساتنا الثقافية، ونقلةٌ نوعية في رصد الظواهر الإنسانية ودراستها وتتبع جذورها ومتغيراتها. وأمام هذا التأسيس الجديد للمعهد الملكي أضع بين يدي القارئ هذه الرؤى، أُجمِلها في المسائل الآتية:

أولًا: تمتلك السعودية مخزونًا متراكمًا وثريًّا من المعارف والثقافات والحضارات الممتدة منذ آلاف السنين حتى اليوم، ولا تزال تتفاعل وتُحدث آثارًا هائلة في إنسان الجزيرة العربية، مُسهِمةً في تشكُّلات تديّنه وعاداته ومهنته وتجارته وأشعاره وأساطيره وفنونه. هذه التفاعلات والمتغيرات المحفورة في أعماق الزمان والمكان داخل هذا الإنسان، كانت تنتظر من يزيح غبار السنين عنها، ويكتشف كنوزها ويحلّل وينبّش ويبحث عن أصولها الكاشفة عن حقيقة إنسان السعودية ومجتمعها. والحقيقة أننا تأخرنا كثيرًا، ولكن أن نعود من الباب الصحيح، حتى لو تأخرنا، خيرٌ من أن نبقى في غفلة التاريخ، أو نعود قفزًا من النوافذ. وفي ظني أن إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا قد حقَّق هذه العودة الصحيحة، ولا تزال الآمال معلّقة على عمله ومنتجاته المعرفية.

ثانيًا: من الطبيعي أن تُولي أقسامُ عِلم الاجتماع واللغة والآثار في جامعاتنا عنايةً خاصةً بالأنثروبولوجيا، وكان من المفترض أيضًا أن تتولى الجامعات إنشاء هذا التخصُّص المُهمِّ، ولكن لاعتبارات كثيرة غير علمية دُفن هذا التخصص، وبقي مدفونًا مع كنوزه عقودًا طويلة. ومع ذلك، تألَّقت في سماء هذا "العِلم الأناسي" نجومٌ سعوديةٌ، من أمثال الدكتور سعد الصويان، والدكتور أبو بكر باقادر، والدكتورة ثريا التركي، وغيرهم من الزملاء والزميلات؛ أسهموا في دراسات علمية راقية، كانوا فيها المرجع المستحق لفهم البداوة والصحراء والشعر والأساطير السعودية، وفهم تحولات المجتمع والأسرة وتطور المدينة وغيرها. وسببُ قدرتهم على بحث تلك الموضوعات، هو أنهم المكوِّن الرئيس في تلك المجتمعات والمعجونين فيها؛ فهمًا وإحاطةً ووعيًا فرديًّا وجمعيًّا. ومع الأسف أن الجامعات السعودية كانت العربة الأخيرة من هذا القطار المعرفي الثقيل بمنتجات قديمة وكثيرة وباهظة، مع قلقٍ متجددٍ من أي صوت يدرس الإنسان السعودي. ولعلَّ هذا المعهد الملكي الجديد ينفخُ روحًا جديدةً من البحث الحرّ والحفر العميق في مكونات هذا الإنسان العريق.

ثالثًا: في زياراتي لبعض الجامعات والمراكز البحثية الغربية وغيرها كنت أُفاجأ بعدد كبير من الباحثين المهتمين بالشأن السعودي وبأدق تفاصيله، وهم الذين يبعدون عنَّا آلاف الأميال، ونشؤوا في بيئة مختلفة المعطيات والثقافة عن بيئتنا. ومع ذلك، قادهم شغف البحث وإغراء الدعم للخوض في تجربة معقدة وقضاء سنوات عديدة في بحث تلك الحفريات والظواهر. أذكرُ في 2008م، أنني زرتُ قسم الدراسات الإسلامية في جامعة "لايدن" بهولندا، فقابلتُ أستاذَ لغوياتٍ قضى عشرين عامًا في الربع الخالي مع قبائل "المهرة" يدرس ثقافتَهم وتعلّمَ  لغتهم وألّف كتابًا حولهم. وتعجَّبتُ مرةً من باحث ألماني يدرس الإنسان في جِدَّة خلال فترة ما قبل الحكم السعودي، وآخر قرَّر أن يبحث أصول التصوُّف في الحجاز وتأثيره في الفرد والمجتمع، وغيرهم آلاف من الباحثين الغربيين والشرقيين الذين قضوا سنواتٍ في دراسة تراثنا وآثارنا وطبائعنا ولغاتنا وعاداتنا، مُتحدِّين كل الظروف والصعوبات. وعلى الرغم من أهمية ما كتبوا، وبعيدًا عن دوافعهم، تُعدُّ تلك الدراسات لبناتٍ مهمَّةً يجب أن يهتم المعهد الجديد بجمعها وأرشفتها وتحليلها ونقدها، فلا غنى عنها في معرفة إنسان الجزيرة العربية الموغل في الأسرار.

رابعًا: أعتقد أن من أهم ما يقوم به المعهد وتُعلَّق عليه الآمال، توثيق المعارف والمرويات الشفهية التي اشتغلت عليها مؤسسات متعددة، مثل دارة الملك عبدالعزيز ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية ووزارة الحرس الوطني وبعض الكراسي البحثية، أو كانت مشروعًا لجمع التاريخ والأنساب والشعر الشفهي مما تولَّاه بعض الباحثين، مثل الدكتور سعد الصويان، والدكتور عبداللطيف الحميد، والأستاذ محمد القشعمي، والأستاذ عبدالكريم الجهيمان، وغيرهم. فهذه المبادرات الرصينة والمُهمَّة تحتاج اليوم إلى إعادة جمعها في مكان واحد وفق منهجية علمية ورقمية في الفهرسة والأرشفة؛ ليتيسر الوصول إليها، وتحويلها إلى مشاريع علمية تدرس الإنسان السعودي وتحافظ على هويته وفق سردية نعرفها ونابعة من موروثنا المحفوظ، وليست وفق رؤى وإسقاطات أجنبية، يحمل بعضها كثيرًا من المغالطات التي لا تخفى على البصير بمجتمعنا السعودي، وليس هناك ملجأ لهذه الأمنية سوى المعهد الملكي الجديد.

وأخيرًا، أجد أننا حمَّلنا المعهد الملكي الجديد كثيرًا من آمالنا ورغباتنا، ويحق لنا ذلك؛ فالمعهد تأسَّس في عهد التمكين والرؤية المستقبلية التي يرعاها سمو ولي العهد، فآمال اليوم في هذا العهد المَكين هي حقائق الغد بإذن الله. وستُفتح الأبواب قريبًا بكنوز عظيمة تحويها هذه الأرض المباركة، ونتعرَّف فيها إلى إنسان هذا الوطن بكل ما يحمله من نسبٍ عميقٍ مُوغلٍ في الحضارات والثقافات البشرية.

 

 

مسفر بن علي القحطاني: أكاديمي وكاتب سعودي.
الصورة الرئيسة للمقالة: منطقة حمى في نجران، تصوير إبراهيم سرحان.