
الانثروبولوجيا السعودية.. الغائب والعائد من جديد
في يوم 10 مارس 2026م وافق مجلس الوزراء على تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية. وهذا حدث هام في مسيرة التقدم المعرفي الذي تشهده مؤسساتنا الثقافية، ونقلة نوعية في رصد الظواهر الإنسانية ودراستها وتتبع جذورها ومتغيراتها. وأمام هذا التأسيس الجديد للمعهد الملكي أضع بين يدي القارئ هذه الرؤى أجملها في المسائل التالية:
أولًا: تمتلك السعودية مخزونًا متراكمًا وثريًّا من المعارف والثقافات والحضارات الممتدة منذ آلاف السنين حتى اليوم، ولا تزال تتفاعل وتُحدث آثارًا هائلة في إنسان الجزيرة العربية، وأسهمت في تشكلات تديّنه وعاداته ومهنته وتجاراته وأشعاره وأساطيره وفنونه. هذه التفاعلات والمتغيرات المحفورة في أعماق الزمان والمكان داخل هذا الإنسان، كانت تنتظر من يزيح غبار السنين عنها، ويكتشف كنوزها ويحلّل وينبّش ويبحث عن أصولها الكاشفة عن حقيقة إنسان السعودية ومجتمعها. الحقيقة أننا تأخرنا كثيرًا، ولكن أن نعود من الباب الصحيح، حتى لو تأخرنا، خيرٌ من أن نبقى في غفلة التاريخ، أو نعود قفزًا من النوافذ. وفي ظني أن إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا قد حقَّق هذه العودة الصحيحة، ولا تزال الآمال معلّقة على عمله ومنتجاته المعرفية.
ثانيًا: من الطبيعي في تخصص علم الاجتماع واللغة والآثار في جامعاتنا أن تكون لهم عناية خاصة بالأنثروبولوجيا، وكان من المفترض أيضًا أن تتولى الجامعات إنشاء هذا التخصص الهام، ولكن لاعتبارات كثيرة غير علمية، دُفن هذا التخصص، وبقي مدفونًا مع كنوزه عقودًا طويلة. ومع ذلك تألقت في سماء هذا العلم الأناسي نجوم سعودية، مثل الدكتور سعد الصويان، والدكتور أبو بكر باقادر، والدكتورة ثريا التركي، وغيرهم من الزملاء والزميلات، أسهموا في دراسات علمية راقية، كانوا فيها المرجع المستحق لفهم البداوة والصحراء والشعر والأساطير السعودية، وفهم تحولات المجتمع والأسرة وتطور المدينة وغيرها، وسبب كونهم الأقدر في بحث تلك الموضوعات؛ لأنهم المكوِّن الرئيس في تلك المجتمعات والمعجونين فيها؛ فهمًا وإحاطةً ووعيًا فرديًّا وجمعيًّا. وللأسف أن الجامعات السعودية كانت العربة الأخيرة من هذا القطار المعرفي الثقيل بمنتجات قديمة وكثيرة وباهضة، مع قلقٍ متجددٍ من أي صوت يدرس الإنسان السعودي، ولعل هذا المعهد الملكي الجديد أن ينفخ روحًا جديدة من البحث الحرّ والحفر العميق في مكونات هذا الإنسان العريق.
ثالثًا: في زياراتي لبعض الجامعات والمراكز البحثية الغربية وغيرها كنت أُفاجأ بعدد كبير من الباحثين المهتمين بالشأن السعودي، وفي أدق تفاصيله، وهم الذين يبعدون عنا آلاف الأميال، ونشأوا في بيئة مختلفة المعطيات والثقافة عن بيئتنا، ومع ذلك قادهم شغف البحث وإغراء الدعم للخوض في تجربة معقدة وقضاء سنوات عديدة في بحث تلك الحفريات والظواهر. أذكر في 2008م زرت قسم الدراسات الإسلامية في جامعة لايدن بهولندا، فقابلت أستاذ لغويات قضى عشرين عامًا في الربع الخالي مع قبائل المهرة يدرس ثقافتهم وتعلم لغتهم وألّف كتابًا حولهم، وتعجبت مرة من باحث ألماني يدرس الإنسان في جدة خلال فترة ما قبل الحكم السعودي، وآخر قرَّر أن يبحث أصول التصوف في الحجاز وتأثيره بالفرد والمجتمع، وغيرهم آلاف من الباحثين الغربيين والشرقين الذين قضوا سنوات في دراسة تراثنا وآثارنا وطبائعنا ولغاتنا وعاداتنا متحدين كل الظروف والصعوبات. ورغم أهمية ما كتبوا، وبعيدًا عن دوافعهم، تُعدّ تلك الدراسات لبنات مهمة يجب أن يهتم المعهد الجديد بجمعها وأرشفتها وتحليلها ونقدها، فلا غنى عنها في معرفة إنسان الجزيرة العربية الموغل في الأسرار.
رابعا: أعتقد أن من أهم ما يقوم به المعهد وتُعلَّق عليه الآمال، توثيق المعارف والمرويات الشفهية التي اشتغلت عليها مؤسسات متعددة مثل دارة الملك عبدالعزيز، ومركز الملك فيصل، ووزارة الحرس الوطني، وبعض الكراسي البحثية، أو كانت مشروعًا لجمع التاريخ والنسب والشعر الشفهي قام به بعض الباحثين مثل الدكتور سعد الصويان، والدكتور عبداللطيف الحميد، والأستاذ محمد القشعمي، والأستاذ عبدالكريم الجهيمان، وغيرهم. فهذه المبادرات الرصينة والهامة تحتاج اليوم إلى إعادة جمعها في مكان واحد وفق منهجية علمية ورقمية في الفهرسة والأرشفة، ليتيسر الوصول إليها، وتحويلها إلى مشاريع علمية تدرس الإنسان السعودي وتحافظ على هويته وفق سردية نعرفها ونابعة من موروثنا المحفوظ، وليست وفق رؤى أجنبية وإسقاطات نفعية، تحمل الكثير من مغالطات لا تخفى على البصير بمجتمعنا السعودي، وليس هناك ملجأ لهذه الأمنية سوى المعهد الملكي الجديد.
وأخيرًا.. أجد أننا حمّلنا المعهد الملكي الجديد بالكثير من آمالنا ورغباتنا، ويحق لنا ذلك؛ فالمعهد تأسس في عهد التمكين والرؤية البعيدة التي يرعاها سمو ولي العهد حفظه الله، فآمال اليوم في هذا العهد المَكين هي حقائق الغد بإذن الله. وستُفتح الأبواب قريبًا بكنوز عظيمة تحويها هذه الأرض المباركة ونتعرف فيها على إنسان هذا الوطن بكل ما يحمله من نسب عميق موغل في الحضارات والثقافات البشرية.
مسفر بن علي القحطاني: أكاديمي وكاتب سعودي.
الصورة الرئيسة للمقالة: منطقة حمى في نجران، تصوير إبراهيم سرحان.