Hero image

2027م عام الماء

عبدالله بن إبراهيم الرخيص

سبتمبر 9, 2026

شارك

للماء سيرة حضارية تسبق الدولة والمدينة، فقبل أن يسنَّ الإنسانُ الدساتير، سنّ عند البئر حق السقيا، وقبل أن يرسم الحدود، رسمت الواحةُ وآبارها دائرة الجماعة. كانت الساقية عقدًا اجتماعيًّا، وكانت قناطر الماء والتُّرع هندسةً وعدالةً معًا، وكان ماء السبيل إعلانًا أخلاقيًا بأن للغريب حقًا في الحياة لا تُسقطه غربة ولا تنفيه قطيعة

وقد نشأت حول الماء قواعد التعاون، ومواقيت الزراعة، ومراسيم سُقيا الإبل، وتجذَّرت في دروب المياه بواعثُ المروءة ومعاني الكرم، ومنه اشتُقت مفردات الغوث والرواء والخصب والجدب.

تيماء بعد هطول الأمطار (2023م). مصدر الصورة: الصور السعودية، واس.

رأى طاليس في الماء مبدأ الموجودات، ورأى غاستون باشلار فيه مادةً للخيال والحلم، غير أن أهل الصحراء لم يحتاجوا إلى الفلسفة كي يدركوا أن البئر ليست حفرةً في الأرض، بل هي مركزٌ للزمن الاجتماعي وذاكرةٌ للمكان.

وتكشف حفريات الجزيرة العربية عن موجات متعاقبة من التوسع البشري على مدى مئات الآلاف من السنين، ارتبطت بفترات مناخية رطبة ملأت أجزاءً من الصحراء بالبحيرات والمراعي. لقد رسم الماء طرق الإنسان قبل أن ترسمها الخرائط؛ إذ كان المطر قوةً جغرافيةً تقود الهجرات، وتؤسّس العمران، وتُحدِّد أين تقوم القرى وأين تنطفئ

جاءت الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ بصياغةٍ بلغت من الإيجاز كفايته، ومن الشمول إحاطته؛ فالماء ليس شيئًا من أشياء العالم فحسب، بل هو الشرط الذي أتاح للعالم، بفضل الله، أن يكون حيًّا. فيه تذوب المواد، وتنتقل المغذيات، وتحدث التفاعلات التي تعمل بها الإنزيمات، وتتخلص الخلايا من سمومها، ويحافظ الجسم على اعتداله الحراري

وليس الماء في جسم الإنسان مجرد سائل يملأ الأنسجة، بل هو لغة الدم والدمع والعرق، والمسرح الخفي الذي تتبادل فيه الخلايا إشارات الحياة، وتحافظ به الأعضاء على توازنها، وتستعيد الصحة قدرتها على مقاومة الوهن والمرض.

وحين اكتشف العالم الأمريكي بيتر أغري قنوات "الأكوابوري" التي تنظّم عبور الماء عبر أغشية الخلايا، ونال عن ذلك جائزة نوبل في الكيمياء عام 2003م، بدا الأمر كأن المجهر عثر داخل كل خلية على أبواب بالغة الدقة، لا تُفتح إلا للنبع

بل إن بلّورات الزركون، التي يعود عمر بعضها إلى نحو 4.4 مليارات سنة، تحمل قرائن على وجود ماء سائل في زمن مُبكّر من تاريخ كوكبنا؛ فكأن الأرض بدأت كتابة سيرتها الأولى بحبر من ماء، قبل أن تظهر عليها الأشجار والطيور والإنسان.

وكلما تقدَّم العلم في كشف أسرار الماء، اتسعت مساحة الدهشة. ففي مارس 2026م، نشرت مجلة (Science) دراسةً جريئة استطاع من خلالها فريقٌ دولي أن يدخل تجريبيًّا المنطقة التي يسميها الفيزيائيون "الأرض المحرمة"، وهي منطقة تقع بين السائل والجليد، حيث يتجمد الماء بسرعة تفوق قدرة الأجهزة التقليدية على رصده

وقد أظهرت دلائل، باستخدام نبضات ليزر فائقة السرعة وأشعة سينية شديدة الدقة، وجود شكلين سائلين للماء تحت ظروف قصوى، يختلفان في الكثافة، ثم يفقدان القدرة على التمايز عند نقطة حرجة. ولا يعني ذلك أن ماء الشرب ينقسم في حياتنا اليومية إلى سائلين، لكنه يفسر بعض غرائبه، ويذكّرنا بأن أكثر المواد ألفةً قد تكون أقلها انكشافًا.

من هذا العمق العلمي والإنساني يكتسب قرار مجلس الوزراء السعودي بتسمية عام 2027م بـ"عام الماء" دلالته الحقيقية. فالتسمية ليست مجرّد زينة في التقويم، ولا موسمًا عابرًا للفعاليات فحسب، بل هي إعلانٌ وطني بأن قطرة الماء في المملكة تساوي عمرانًا وصحة وغذاء وطاقة وسيادة. 

ويمكن لهذا العام أن يصبح مختبرًا وطنيًّا تتوحّد فيه المبادرات، وتتسارع البحوث والاستثمارات، وينتقل فيه ترشيد الاستهلاك من مجرّد خطاب وعظي إلى تصميم ذكي للمدن والمزارع والمصانع، وإلى ثقافة مرئية في المدرسة والمسجد والمنزل والمائدة.

وقد مهّدت "رؤية السعودية 2030" للإقرار الرسمي السعودي الصادر على أرفع مستوى لهذه التسمية عبر إعادة بناء التفكير في قطاع المياه من خلال إستراتيجية وطنية تنظر إلى الماء بوصفه دورةً متكاملة تبدأ من المصدر، وتمرّ بالتحلية والنقل والتخزين والتوزيع، وتنتهي بالمعالجة وإعادة الاستخدام وإدارة الطلب.

هطول الأمطار في منطقة القصيم (2025م). مصدر الصورة: الصورة السعودية، واس.

ونتيجةً لهذه الإستراتيجية، تكشف المؤشرات عن تحوُّل مهم؛ إذ انخفض استهلاك المياه الجوفية غير المتجددة، واتسعت قدرات التحلية، وتقدَّمت مشروعات المعالجة وإعادة الاستخدام والعدادات الذكية وآليات كشف التسرب. غير أن الإنجاز لا يلغي التحدي؛ فالتحلية تحتاج إلى الطاقة وسلامة السواحل، والمياه العميقة في باطن الأرض لا يعوّضها موسم مطير، وتغيُّر المناخ يؤدي إلى ارتفاع في درجات الحرارة وزيادة التبخُّر وتطرُّف الأمطار.

وتتجاوز المملكة اليوم مرحلة تأمين الماء إلى بناء صناعة وطنية متكاملة له؛ إذ تستهدف الهيئة السعودية للمياه نقل المعرفة، وتوطين نصف السلع المائية بحلول عام 2030م، وتحويل المملكة من مستورد صافٍ إلى مُصدِّر للتقنيات خلال أقل من عقد.

وقد نشأت منظومةٌ تضم عشرات جهات الإنتاج ومئات وحدات التحلية وشبكات تمتد آلاف الكيلومترات، وشرعت المصانع الوطنية في تصدير أغشية التناضح العكسي وأجهزة استرداد الطاقة إلى الأسواق العالمية

وهذا التحوُّل لا يُسهم في صنع معدَّات فحسب، بل يبني خبرةً هندسية وسيادة تقنية واقتصادًا معرفيًا؛ فالماء الذي تحمله الأنابيب إلى المدن، أصبح يحمل معه الصناعة السعودية من الحاجة إلى الابتكار، ومن الاكتفاء بالخدمة إلى رحابة المنافسة العالمية.

المياه الجوفية ليست دخلًا جاريًا، وإنما رأس مال سيادي تراكم في باطن الأرض عبر آلاف السنين. وتجارب العالم تثبت أن هبوط مَناسيبها ليس قدَرًا لا يُرد؛ إذ يمكن إبطاؤه بترشيد الاستهلاك وبالتنظيم المتدرج للضخ، والرصد المستمر، وتغذية الخزانات، والاستفادة من المياه السطحية والسيول والسدود، متى توفرت البيانات، ووضَحت المسؤوليات، واستقامت الحوكمة.

كثبان رملية في محمية عروق بني معارض، (2025م).

حقول زراعية في منطقة تبوك شمال غربي السعودية، (2026م). مصدر الصور: واس.

وتسكن أعقَد أسئلة الماء في رغيف الخبز؛ فالزراعة تستأثر بمعظم السحوبات العالمية من المياه العذبة، وكل حبة قمح وثمرة تمر وقطعة لحم تحمل تاريخًا مائيًّا خفيًّا.

لذلك لا يعني الأمن الغذائي أن تزرع الدولة الجافة أشدَّ المحاصيل عطشًا، ولا أن تُسلّم غذاءها كله للخارج، بل أن تبني محفظة متوازنة تجمع الإنتاج المحلي الإستراتيجي عالي الكفاءة، والزراعة المحمية، والأصناف المقاومة للجفاف والملوحة، والمياه المتجددة، والمخزون المرن، والواردات المتنوعة، والاستثمار الخارجي المسؤول، وسلاسل الإمداد التي تحدّ من الفاقد.
 فالمعيار الأذكى ليس حجم المحصول في الهكتار وحده، بل قيمته الغذائية والاقتصادية والاجتماعية لكل متر مكعب.
وفي هذا الصدد، طوّر باحثون في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) ابتكارات كانت تبدو، إلى وقت قريب، من الخيال العلمي، مثل تطوير مواد تستخدم الملح لجذب بخار الماء، ثم تحرّره بفعل حرارة الشمس. 

وللماء وجه صحي يتجاوز استخدامه في الشرب والنظافة إلى إنتاج المعرفة وحماية المجتمع. فقد أثبتت دراسات مراقبة مياه الصرف قدرتها على التقاط إشارات الأمراض والتحوّلات الوبائية قبل ظهورها الكامل في المستشفيات.

وفي تجربة واسعة بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، أدى تحليل مياه الصرف إلى اكتشاف تحوّلات فيروسية قبل الرصد السريري بأيام، وكشف انتقالات خفيّة لم تظهر في الفحوصات التقليدية. وهكذا تحوَّلت شبكة الصرف الصحي من نفايات صامتة إلى "خزعة سكانية" مجهولة الهوية، ومن نهاية الطريق الصحي إلى بدايته؛ تشخص الأمراض والبكتيريا والفيروسات على مستوى الأحياء والمدن.

ويمكن للمملكة أن تصل مرافق المياه بالمختبرات ومنظومة الصحة العامة والذكاء الاصطناعي. ومن هنا، لا تكون كفاءة المياه قضية هندسية مجرَّدة، بل سياسة صحية واجتماعية، فما ننفقه على سلامة القطرة الواحدة، نوفِّر أضعافه في سبيل علاج الأمراض وحماية جودة الحياة.

والماء، فوق ذلك، شأنٌ من شؤون الأمن الوطني؛ فتحلية البحر تُحرّر البلاد جزئيًّا من تقلّبات هطول الأمطار، لكنها تربط الإمداد بالساحل والطاقة والمآخذ البحرية والأنابيب والأنظمة الرقمية. ومن ثَمَّ، تصبح حماية المحطات، وتنويع مواقعها وتقنياتها، وزيادة التخزين، وتأمين قطع الغيار، وبناء الطاقة الاحتياطية، وحماية الأنظمة السيبرانية، والتدريب على استعادة الخدمة، عناصر أصيلة في منظومة الدفاع والمرونة الوطنية. كما أن أمن الغذاء المستورد جزءٌ من أمن الماء؛ لأن تعطُّل ميناء أو مضيق قد يحجب عن البلاد كميات هائلة من "الماء الافتراضي" الكامن في الحبوب والسلع الغذائية.

ويبلغ "عام الماء" معناه حين تتحوّل الثقافة المائية من حملة قصيرة إلى ممارسةمُستدامة، تدخل في كود البناء والمناهج والمشتريات الحكومية، وتصبح المساجد والمدارس والجامعات والمزارع والمصانع نماذج مرئية للكفاءة وإعادة الاستخدام. فالطفل جديرٌ بأن يعرف أن الصنبور ليس بداية الماء، بل آخر حلقة في رحلة طويلة تبدأ من البحر والشمس والطاقة وصولًا إلى المختبر والأنبوب والعمل البشري. وأن القطرة التي تُهدَر في لحظةٍ، تحمِل في ذاكرتها مالًا وجهدًا وعلمًا وطنيًّا.

لقد علَّمتنا الصحراء أن الندرة تستطيع أن تنجب الحكمة، وعلَّمنا العلم أن المألوف قد يخفي أعظم الأسرار، وعلَّمتنا التجربة السعودية أن الإرادة والرؤية قادرتان، بعون الله، على حمل البحر إلى المدن. غير أن الامتحان المُقبل ليس في إنتاج المزيد، بل في أن نجعل كل قطرة أطول عمرًا، وكل شبكة أكثر مرونة، وكل محصول أعلى كفاءة، وكل قرار أقرب إلى الحكمة والعدالة والاستدامة. عندئذٍ لا يكون عام 2027م مجرَّد عام عابرٍ يأتي وينقضي، بل بداية عهد تتصالح فيه التنمية مع الصحراء، ويصبح أعظم معاني الوفرة أن نصنع من الماء القليل حياة كثيرة، وصحة أوفر، وأمنًا أبعد، ومستقبلًا أجمل وأقل جفافًا.


عبدالله بن إبراهيم الرخيص: كاتب سعودي، عضو مجلس التنمية الدولية في جامعة هارفارد.