Hero image

كأس العالم.. ملتقى الشعوب وثقافاتها

قيس عبداللطيف

يونيو 8, 2026

شارك
كل أربعة أعوام، يتغيّر لبضعة أسابيع سير عجلة الحياة المعتاد، في المقاهي، أو صالات الجلوس العائلية، أو الساحات العامة؛ إذ تتركّز أبصار البشر من كلّ أنحاء العالم في اتجاه واحد، وتأخذ الفوارق بالتلاشي، فلا يهم إن كنت تتابع ضمن حشدٍ في أحدِ أزقة ساو باولو، أو مقهى في جدة، أو شاشة عملاقة أقيمت في ساحة عامة بإشبيلية، لأن الساحات والمدرجات تتحول إلى مسرحٍ كبير يعرض قصةً إنسانية تحمل الكثير من معاني الوحدة والتنوع. مسرح يذكرنا بأننا، وبالرغم من كل اختلافاتنا، نشترك في الشغف والانفعالات نفسيهما.
مرّت الأيام سريعًا منذ آخر بطولة كأس عالم، لنعيش الآن اللحظات الأخيرة قبل إطلاق صافرة بداية أولى مباريات بطولة كأس العالم 2026م، التي ستقام للمرّة الأولى في ثلاث دول؛ الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ستتجه أنظار العالم لمتابعة المنافسة الأغلى ثمنًا والموعد الأهم على روزنامة كرة القدم، التي ينتظرها الناس ولا تأتي إلّا كل أربعة أعوام.

ما السّر الكامن خلف هذه البطولة؟ ولماذا تَحصل على كلِّ هذا الاهتمام؟ وكيف تمكّنت من تملُّك القيمة التي تجعلها تتجاوز الحدود المعروفة لكرة القدم لتصير كارنفالًا ثقافيًّا واجتماعيًّا عالميًّا؟ هل يتعلّق الأمر بالمباريات؟ أم الأهداف؟ أم الكأس المميّزة التي ترفعها أيدي لاعبي الفريق الفائز؟ أم هناك شيء أكبر يقف خلف هذا كله؟ ليست هذه بالأسئلة السهلة، لأنه سواءً كنت مهتمًّا بكرة القدم أم لم تكُن، فإن أصداء كأس العالم ستصل إليك، وربما سيكون لها شيءٌ من التأثير فيك. يقول الصحفي الرياضي ومؤرخ كرة القدم، سايمون كوبر، في كتابه "حمى كأس العالم": "كرة القدم ليست كرة قدمٍ وحسب، وتزداد حقيقة هذه العبارة في كأس العالم، ففي الواقع هناك أعدادٌ كبيرة من الناس تحبّ كأس العالم دون أن تعبأ بكرة القدمِ عمومًا".
حمّى كأس العالم: عن القيمة العُليا للبطولة الأغلى
ملاعبُ كرة القدم والشاشات التي تنقل المباريات، تحوّلت مع مرور الزمن إلى ملاذاتٍ تقدّم للإنسان الحديث بعض المشاعر التي فقدها في صخب الحياة السريعة التي يعيشها وزحامها. إن شغفنا بمتابعة الأحداث الرياضية الكبرى التي يقف كأس العالم على رأسها، ينبع في جوهره من القدرة الكامنة التي تملكها هذه المناسبات على تبديد شعورنا بالعزلة؛ إذ نجد ما يتيح لنا الانتماء، لنكون جزءًا من جماعة عالمية، وبانطلاق فعاليات كأس العالم يبدو العالم المحيط بنا أقل فوضوية وأكثر تنوّعًا بسبب تولّد حالة من التركيز والانتباه الجماعي نحو هدف واحد. ويصلنا هذا الشعور حتى إن كنّا نتابع البطولة من خلال شاشات التلفاز؛ فنحن وإن كنّا نتلقّى منتجًا استهلاكيًّا، نشعر بأننا نشارك في حدثٍ ضخم وتجربة جماعية تذوب فيها الفوارق الطبقية والاجتماعية، وهذا بفضل معرفتنا بأن العالم كله يشاهد الحدث نفسه، ونحن جميعًا شركاء في هذه المشاهدة.

ومن الجانب الآخر، يحاول عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرغر فهم سر الارتباط الجمهور العالمي ببطولة كأس العالم، في دراسته "كرة القدم كطقسٍ وزاوية نظرٍ للعالم"، إذ يقول: "يكمن سحر كرة القدم في قدرتها الفذة على تجسيد القيم الأساسية التي تشكّل المجتمعات الحديثة. إن هذه الرياضة تحتفي بالجدارة، والأداء، والمنافسة، والعمل الجماعي، وتكافئ الموهبة والاجتهاد، مع الاعتراف بوضوح في الوقت ذاته بأدوار الحظ والنصيب التي هي بالمثل تؤثر في حياة الإنسان". ولأن كأس العالم هو أعلى هرم كرة القدم، فكل الأفكار فيه تجيء مُضخَّمة ومضاعفة، ليصير حدثًا تشكّله الدراما الإنسانية، ويشعر مشاهدوه من أرض الملعب أو من خلف الشاشات أنهم جزءٌ منها، سواءً كان على مستوى الانتماء الجمعي، أو من خلال رؤية تفاصيل الحياة التي يعيشها المشاهد متجسدة أمامه.


 

تستضيف الولايات المتحدة، والمكسيك، وكندا بطولة كأس العالم 2026 بشكل مشترك

البلدان المضيفة للبطولة: محطات التحول والتواصل الثقافي
استضافة كأس العالم إنجاز رياضي ضخم، ومحطة تاريخية تساهم في الهوية الثقافية للبلد المضيف وتفتح نوافذ غير مسبوقة للتواصل مع العالم. ويؤكد الباحث سنيد المري ومجموعة من الأكاديميين المتخصصين في دراسة علمية نُشرت في دورية "بالتيكا" (Baltica) بعنوان "كأس العالم كحافز للتغيير الثقافي"، أن البطولة تمتلك تأثيرًا ثقافيًّا يمتد إلى ما هو أبعد من الإنجاز الرياضي، حيث تُحدث تحوّلات جوهرية في البُنى الاجتماعية والمؤسسية للدول المضيفة، وتساهم في تعزيز مسارات التطور الحضري والاجتماعي مع الحفاظ على القيم المحلية الأصيلة. وتشير الدراسة إلى أن هذه الأحداث الضخمة تساهم إسهامًا ملحوظًا في زيادة انخراط الشباب في الأنشطة الرياضية، وتعزّز الترابط الثقافي والمجتمعي.
تاريخ البطولة الحديث حافل بالعديد من النماذج المشرقة لهذا التحول الإيجابي؛ ففي عام 2002م، عندما استضافت كوريا الجنوبية واليابان البطولةـ نجد أن كلا البلدين قدّم نموذجًا فريدًا للمصالحة الإقليمية والدبلوماسية والثقافية؛ حيث أُقيم في مراسم حفل الافتتاح عرضٌ ثقافي موحَّد مثّل نقلةً نوعية وتجاوزًا للحدود التقليدية لتحقيق تعاون ثنائي غير مسبوق.
وفي نسخة عام 2006م، استثمرت ألمانيا الحدث بصورة إستراتيجية لإعادة صياغة سرديتها الوطنية وصورتها الدولية من خلال برامج ثقافية مثل مبادرة "ممشى الأفكار"، التي صوّرت ألمانيا الحديثة أمةً متطورة تحتفي بإسهاماتها في الإبداع الثقافي والعلمي، محققة تقدمًا ثقافيًّا بالغ التأثير.
أما في جنوب إفريقيا 2010م، فقد شكّلت البطولة نهضةً ثقافية حقيقية في حقبة ما بعد الفصل العنصري، موفرة فرصةً لإبراز تطور البلاد ومقدمةً للعالم رموزًا ثقافية محلية، مثل آلة "الفوفوزيلا"، التي تجاوزت جذورها الجغرافية لتصبح أيقونة عالمية ثابتة للاحتفال الرياضي. وفي البرازيل 2014م، تجلّى الارتباط العميق والمتجذِّر بين ثقافة المجتمع وكرة القدم، حيث حفّزت البطولة مشاريع الاندماج المجتمعي، وبرامج تطوير مهارات الشباب، مؤكدة على دور الرياضة بوصفها منصةً للارتقاء بالوعي والتماسك المجتمعي.

وقد تُوّجت هذه السلسلة من النجاحات الثقافية باستضافة دولة قطر للبطولة عام 2022م، ممثلةً نقطة تحول في كونها أول دولة في منطقة الشرق الأوسط تنال هذا الشرف. يشير الباحث سنيد المري وزملاؤه إلى أن هذه النسخة قدمت نموذجًا مبتكرًا للموازنة الدقيقة بين الحفاظ على التراث الثقافي ومعايير الاندماج العالمي، مع تصحيح للمفاهيم الخاطئة عن الثقافة العربية والإسلامية. وقد تجلّى هذا الدمج المتناغم بوضوح في تصميم البنية التحتية، مثل ملعب "البيت" الذي استوحى تصميمه من الخيمة، ليمثل توليفة معمارية رائعة بين التراث الأصيل والابتكار المعاصر، مقدمًا رسالة ترحيب مستمدة من عمق الثقافة المحلية.
طاقة الريادة والابتكار: أرامكو السعودية و(FIFA)

مع اقتراب انطلاق صافرة بطولة كأس العالم 2026م، تتشكّل ملامح جديدة للتجربة الإنسانية التي ترافق هذا الحدث العالمي المنتظر. المدرجات التي تجمع الجماهير والشاشات التي يتسمَّر من خلفها المشاهدين من كل قارات العالم تتطلّب اليوم رؤية مبتكرة تواكب هذا الشغف الهائل وتحوله إلى أثرٍ مُمتد. هنا، تبرز الشراكة الإستراتيجية بين أرامكو والاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، التي دُشنت بتوقيع اتفاقية في أبريل من العام 2024م لتضيف أبعادًا حيوية تعزز من تواصل الشعوب واندماجها. متخذة من قطاع الطاقة والابتكار محورًا لها.
وتأتي هذه الشراكة الإستراتيجية بوصفها امتدادًا طبيعيًّا لعلاقة أرامكو السعودية بالرياضة عمومًا وكرة القدم على وجه الخصوص. فمنذ الأربعينيات الميلادية، وعلى الملاعب الترابية التي نشأت في الظهران، بدأ موظفو الشركة الأوائل ممارسة كرة القدم للترويح عن أنفسهم، وهو ما أدى بحلول عام 1948م إلى تشكيل أول دوريات كرة القدم في المنطقة الشرقية وأرست تقاليد المنافسة المنظمة. هذا المسار التاريخي يوضح كيف كانت الرياضة في نظر أرامكو أداة فاعلة لخلق مجتمعات متجانسة ووسيلة لتطوير المواهب، وهو توجه استمر جزءًا ثابتًا من الهيكل الاجتماعي والتاريخي للشركة مع تأسيس "شعلة الشرقية"، أول نادٍ لكرة القدم النسائية عام 2006م.

يتجلى دور الشراكة الإستراتيجية بين أرامكو السعودية و(FIFA) في مساعي إثراء تجربة المشجعين حول العالم، إذ تعزز أثر كرة القدم إلى مساحة مشتركة تذيب الفوارق بين المتابعين، عبر أدوات تقنية تهدف لتعميق فهم المشجع لمجريات اللعب، باستخدام البيانات الرقمية لتقديم أنظمة تحليلية لتقييم أداء اللاعبين، وتوفير منصات تفاعلية تتيح للجمهور المشاركة في قراءة مخرجات المباريات واختيار التشكيلات المثالية. وبالتوازي مع هذا البعد التقني، تبرز مبادرات الاستدامة، كإنشاء ملاعب من مواد بلاستيكية معاد تدويرها في مناطق المشجعين حول العالم، ما يضيف بعدًا لتجربة المونديال. وتظل رعاية جائزة أفضل لاعب شاب في البطولة وسيلة لتوثيق لحظات بروز المواهب الجديدة، وربط الأجيال الصاعدة بذاكرة كأس العالم.

المملكة 2034: فصل جديد في كتاب كأس العالم
إن مسيرة التطور التي قطعها كأس العالم منذ انطلاق البطولة في العام 1930م، ستجد وجهتها المرتقبة في قلب الجزيرة العربية. فمع إعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) فوز المملكة المملكة العربية السعودية بحق استضافة كأس العالم 2034م، صار العالم يترقّب نسخةً ستكون علامة فارقة في البطولة. وهي استضافة تمثل تتويجًا لجهود المملكة في التحول الوطني عبر رؤية 2030.
ستكون نسخة 2034 فرصةً مثالية لدمج تاريخ المملكة العريق وثقافاتها المتعددة والممتدة مع أحدث ما توصلت إليه التقنيات في بناء الملاعب الذكية والمستدامة، لتقديم تجربة فريدة، يكتب فيها المونديال فصلًا جديدًا من فصول الترابط بين الشعوب من حول العالم.

كأس العالم: الحكاية التي نشارك جميعًا في كتابتها
إن كأس العالم، بانتصاراته ولحظاته الخالدة، يقدم لنا دليلًا حيًّا ومتجددًا على أن البشر قادرون، بكل سهولة، على الاجتماع حول لغة مشتركة. وحينما نتأمل هذه المسيرة الطويلة للبطولة، ندرك أنها نجحت في تأسيس منصة نادرة للحوار الإنساني، وتقريب المسافات بين الشعوب، والاحتفاء بالهويات الثقافية المتنوعة دون طمسها. ومع كل نسخة جديدة، تتجدَّد الآمال، وتُكتب قصص مذهلة تؤكد أن الساحرة المستديرة ستظل، لسنواتٍ طويلة قادمة، الموعد الأصدق الذي تجتمع فيه البشرية لترنو نحو مستقبل يعمّه السلام والوحدة، ولترى نفسها في أبهى وأصدق صورها.



قيس عبداللطيف: كاتب سوداني.

تصميم: مصطفى علوان.

رحلة تبدأ من المستطيل الأخضر، لتكشف كيف يغزو المونديال عوالم الأدب والسينما والسياسة والاقتصاد عبر محاور متنوعة.