Hero image

ركلات الترجيح

فريق القافلة

يونيو 7, 2026

شارك
تحتشد في مباريات كأس العالم لكرة القدم هنيهات من الحماسة والفرح والترقب والخيبة والأمل والتوتّر والانفراج، وكل أنواع المشاعر التي يمكن تخيلها. لكن لحظات الذروة في التوتر تختص بالثواني والدقائق التي تنفَّذ فيها ركلات الترجيح عند تعادل الفريقين. فما سر هذا الرعب والتوتر الشديد؟ ولماذا تختلف هذه الثواني والدقائق المعدودة عن 120 دقيقة يخوض فيها الفريقان أشد تنافس لتسجيل الأهداف؟
يضع اللاعب الكرة بهدوءٍ على نقطة التسديد، التي لا تبعد سوى بضعة أمتار قبالة مرمى فسيح يقف في وسطه حارس المرمى الخصم، يكتم الجميع أنفاسهم؛ لاعبو الفريقين في الملعب، والمتفرجون في المدرّجات، والمشاهدون، أمام شاشات التلفزة في العالم، ويسألون وهم يرون كم هي المسافة قريبة، وكم يبدو الحارس محدود القدرة على صد الكرة عن أمتار عن يمينه، وأمتار أخرى عن يساره: هل يمكن الإخفاق في التسجيل؟ يبدو الأمر مستحيلًا! قد نظن التسجيل سهلًا، ومع ذلك يُخفق أعظم أبطال كرة القدم في تسجيل ركلات الترجيح. لماذا؟

اللاعب البرازيلي نيمار يستعد لتنفيذ ركلة جزاء خلال مباراة دور الـ16 في كأس العالم 2014 بين البرازيل وتشيلي في استاد مينيراو.

صعوبة الركلات

في الدرجة الأولى كانت الهزيمة التي أنزلها الألمان بالبرازيل 7-1 هي الحدث الأبرز في مونديال 2014م، الذي سيطر على فكر المليارات من المتفرجين في العالم. لكن الجماهير التي أذهلتها هذه "المجزرة"، لم تفُتها في اليوم التالي الموقعة التي خسرتها هولندا أمام الأرجنتين في المباراة نصف النهائية بركلات الترجيح 4-2، بعد مباراة تكافأ فيها مستوى الفريقين، من دون أن يسجّلا أي هدف.
وقد أدهش مدير الفريق الهولندي الفني، لويس فان غال، قرّاء الصحف في صبيحة اليوم الثالث، حين كشف أن اثنين من لاعبي الفريق رفضا أن يتقدما لتسديد ركلة الترجيح الأولى. وقد شرح فان غال، ببساطة، شيئًا من أسباب هذا الرفض، حين قال: "إن الركلة الأولى دائمًا ما تكون صعبة، والخسارة بركلات الترجيح هي أسوأ سيناريو كنت أتوقعه. على الأقل كنا متساوين معهم في المباراة، إن لم نكن الأفضل، إنه أمر مخيّب للآمال".
 
فإذا كانت ركلة الترجيح الأولى صعبة كما قال فان غال، فالحقيقة أن كل ركلات الترجيح صعبة نفسيًّا، لا الأولى فقط. وهذا السيناريو سيّئ في كل حال، ما دام يتيح، في أحيان كثيرة، للفريق الأضعف أن يكسب المباراة "من غير وجه حق" كما قد يرى الكثير.
لكن، فلننظر في أمر هذين اللاعبين اللذين رفضا تسديد الركلة الأولى لهولندا. لماذا يرضى اللاعب أن يلعب مباراة كاملة في الأدوار الحساسة في النصف النهائي، أو النهائي، في بطولة العالم، ويتحمّل مسؤولية اللعب 120 دقيقة، ثم يرفض تحمّل مسؤولية تسديد الركلة الترجيحية الأولى التي يقل وقتها عن ثوانٍ معدودة؟

 
 

لاعب منتخب الأوروغواي كافاني بعد تسجيله هدف ركلة جزاء خلال مباراة المجموعة الرابعة في كأس العالم 2014 بين أوروغواي وكوستاريكا في ملعب كاستيلاؤو.

مسؤولية فردية في لعبة جماعية
السبب بسيط، فقد قيل إن لعبة كرة القدم لعبةٌ جماعية، ينبغي أن يفكر فيها للاعبون تفكيرًا بعيدًا عن الأنانيّة وحب الظهور بمظهر البطل الأوحد. وكذلك، كثيرًا ما قيل، لا سيّما في تصريحات اللاّعبين أنفسهم، إن الربح والخسارة مسألة جماعية، فلا يتحمّل لاعبٌ وحده مسؤولية الخسارة، مثلما أنه لا يحظى منفردًا بشرف الربح. بل إن دائرة مسؤولية الخسارة وشرف الانتصار، تتوسّع دومًا لتشمل المدرّب وفريق عمله. ولذا يستقيل المدير الفني بعد كل خسارة مذلّة، أو يقطف هذا المدير الفني أكاليل الغار، والعقود السخيّة، حين يسجل فريقه انتصارًا مدويًا.
ومن أوضح النماذج التي تبيّن ضرورة تحمّل المسؤولية كفريق، حين يكون لاعبان من الفريق نفسه على همّة تسجيل هدف، فيجد اللاعب الذي يحوز الكرة أن رفيقه في وضعٍ أفضل للتسجيل. عندها يتقرر ما إذا كان أنانيًّا، أو صاحب تفكير جماعي في اللعب، إذا أصرّ على أن يحاول بنفسه التسجيل، رغم ضعف فرصته، أو تنازل عن الكرة لزميله الذي يحظى بفرصة أفضل.
هذا صحيح! المسؤولية جماعية في متن المباراة، لكنه لا يعود صحيحًا في ركلات الترجيح. وهنا يكمن سبب رعب اللاعبين. ففي هذه الركلات، لا يعود اللاعبون جميعًا في المواجهة. ولا يعود ثمة تعاون ممكن، بل تصبح المواجهة بين مسدّد الكرة وحارس المرمى وحدهما. وإذا كانت مسؤولية الركلات الخمس تقع على خمسة لاعبين بالمداورة، فإن مسؤولية حارس المرمى مضاعفة بخمسة، لأنه يقف منفردًا في مواجهة لاعبي الخصم الخمسة، واحدًا بعد الآخر.
 
في هذه اللحظات العصيبة قبل التسديد، ماذا يمكن أن يدور في رأس حارس المرمى واللاعب الخصم المتقدم للتسديد؟ لا شك في أن أهم ما يفكران به، هو: إلى أي وجهة ستُسَدَّد الكرة، إلى يمين الحارس أم يساره، أم إلى الوسط. ولعل الحارس يُمعن النظر في اللاعب الخصم وهو يتقدّم نحو الكرة، ليستكشف من حركة ذلك اللاعب نيته في توجيه ركلته: إلى اليسار أم اليمين. وبناءً على ذلك يقفز الحارس محاولًا صد الكرة. لكنه في كثير من الحالات يقفز في الاتجاه المخالف لمسار الكرة. فلقد أثبتت دراسات، أن كلا اللاعبين المتواجهين، الحارس وخصمه، يقرران سلفًا الوجهة المنشودة أو المتوقعة، ولا تغيّر حركةُ اللاعب المتقدم نحو الكرة قرارَ حارس المرمى، ولا الوقت يتسع للاعب لتغيير وجهة ركلته وفقًا لقفزة الحارس. المسألة في معظم الحالات مسألة حظ إذًا. ونسبة البراعة فيها لا تضمن النجاح في التسديد. لذلك يشعر كثير من الناس أن الفوز بركلات الترجيح، غير عادل، أو أقل عدلًا من الفوز في دقائق المباراة نفسها. غير أن الاضطرار إلى حسم النتيجة هو الذي كان وراء فكرة اعتماد ركلات الترجيح.

أين سيسدد؟

صد ركلة الجزاء من أصعب المهام التي يواجهها حارس المرمى، فنظرًا إلى المسافة القصيرة التي تفصل مسدّد الكرة عن المرمى، فالوقت لا يكاد يتسع لرد فعلٍ سليم. لذلك يعمد حراس المرمى، اتكالًا على الحظ، إلى التحرك قبل أن تُسدَّد الكرة. وعليهم أن يتوقّعوا ما أمكنهم، إلى أين ستُسدَّد. ويقرر بعض حراس المرمى، وهم كثر، أن يرموا بأنفسهم في اتجاه اختاروه قبل الركلة بأجزاء من الثانية، لعلهم يحظون بالتوفيق في الوقت المناسب. ويحاول آخرون أن يستنتجوا من حركة الخصم اتجاه ركلته. وفي المقابل كان مسدّدو الكرة يخادعون الحراس، فيتجهون صوب الكرة ثم يتوقفون، ريثما يرون في أي اتجاه رمى الحارس بجسمه، ليسددوا في الاتجاه الآخر. لكن هذا النوع من الخداع صار محظورًا. إحصائيًّا، أفضل الفرص تحظى بها الركلات في الوسط، لأنه المكان الذي أخلاه الحارس بقفزته إلى اليمين أو اليسار. لكن خطر هذه التسديدة، أنها في أحيان تطيح فوق العارضة.

في أجزاء الثانية التي بين صفارة الحكم والركلة، يحاول الحراس أن يترجموا أسلوب تحرّك الخصم، للتكهن بوجهة ركلته. فإذا تكهنوا تكهنًا صحيحًا، فحظهم في صد الكرة كبير.
ومن الحوادث الشهيرة في هذا الشأن أن هلموت دوكادام، حارس مرمى ستيوا بوخارست، صدَّ رقمًا قياسيًّا هو 4 ركلات للاعبي فريق برشلونة، في نهائي كأس أوروبا سنة 1986م. إذ رمى نفسه 3 مرات إلى اليمين، ومرة إلى اليسار، فصد الكرة في جميعها، وضمن لفريقه الفوز.
 
حارس المرمى جوليـو سيسار من البرازيل أثناء ركلات الجزاء في مباراة دور الـ16 لكأس العالم 2014 بين البرازيل وتشيلي في استاد مينييراو. لا استخدام في البرازيل.

حارس المرمى البرازيلي جوليـو سيسار أثناء ركلات الجزاء في مباراة دور الـ16 لكأس العالم 2014 بين البرازيل وتشيلي في استاد مينييراو.

قبل ركلات الترجيح
 كيف كان يتقرَّر مَنْ الفريق الرابح حين يتعادل الفريقان، قبل اعتماد التمديد نصف ساعة، ثم قبل اعتماد أسلوب الركلات؟

كان لا بد من إعادة المباراة، أو قذف العملة المعدنية، أو سحب القرعة، إذا تعادل الفريقان. ولكن نظام الركلات اعتُمد بصيغ مختلفة، في عديد من الدورات الرياضية المحلية في الماضي، مثل كأس يوغوسلافيا سنة 1952م، كذلك في كأس إيطاليا في موسم 1958-1959م، وكأس الشبيبة السويسرية في موسم 1959-1960م، ثم أخذت تنتشر الفكرة وتُعتمَد حتى في بعض الدورات الدولية. ولكن ظلّ خيار إعادة المباراة عند التعادل معتمدًا في كثير من الحالات.
أما في الدورات الكبرى والدولية، كانت إعادة المباراة أمرًا متعذرًا، لأن في الدورة مواعيد معينة سلفًا للمباريات، ولم يكُن ممكنًا تأجيل كل الجدول الزمني، بسبب مباراة انتهت بالتعادل، فكانوا يلجؤون إلى قذف النقود، أو سحب القرعة. ففي دورة بطولة أوروبا لكرة القدم التي نُظّمت سنة 1968م، فازت إيطاليا في المباراة نصف النهائية على الاتحاد السوفيتي بسحب القرعة بعد تعادلهما.

كيف اعتُمدت ركلات الترجيح؟في أغسطس سنة 1969م، نشرت مجلة الاتحاد الدولي لكرة القدم، الفيفا، رسالة تقترح صيغة لركلات الترجيح، بدل سحب القرعة. وأخذ العضو الماليزي في لجنة الحكّام، كو إيوي تيك، يقود الجهود للموافقة على الاقتراح. وقد نوقش الأمر في 20 فبراير 1970م، في إطار لجنة عمل شكّلها مجلس جمعية كرة القدم الدولية (IFAB)، واقترحت اللجنة قبول الفكرة. وأُقرّت الفكرة في الاجتماع السنوي العام، الذي عقده المجلس في 27 يونيو 1970م. هذه هي القصة الرسمية، لكن وكالة الأنباء الألمانية (DPA) تلقَّت في 2006م اعتراضًا من الحكم السابق كارل فالد، يقول فيه إنه هو الذي كان اقترح ذلك أولًا سنة 1970م، على جمعية كرة القدم البافارية.

 

ميشال بلاتيني

ركلة بلاتيني
كان أول اللاعبين الذين فشلوا في تسديد ركلة ترجيح في تاريخ كرة القدم الرسمي هو دنيس لو، في مباراة جرت عام 1970م بين هل سيتي ومانشستر يونايتد، في مباريات كأس الاتحاد الإنجليزي.
على أن أشهر حادثة إخفاق في تسديد ركلة ترجيح قد حدثت في بطولة العالم لكرة القدم، في المكسيك سنة 1986م. لم يكُن اللاعب المخفق عاديًّا، فهو ميشال بلاتيني.
كان بلاتيني يومئذٍ نجم فرنسا وأوروبا بلا منازع في كرة القدم. لكنه في تلك المباراة التي كانت مع البرازيل في الدور النصف النهائي لبطولة العالم، لم يكُن في أحسن أحواله؛ فقد كان يشكو من آلام، ونزل إلى الميدان بفضل إبرة مسكّن. سجّل بلاتيني هدف التعادل لفرنسا، بعدما كان كاريكا قد سجّل هدف السبق للبرازيل. وهكذا انتهت المباراة وتمديدها بالتعادل بين الفريقين. فذهبا إلى ركلات الترجيح، فحبس الجمهور والمتفرجون في العالم عندئذٍ أنفاسهم حين تقدم بلاتيني ليسدد، وإذا به يطيح الكرة فوق المرمى. غير أن فرنسا عادت وكسبت في الركلات 4-3. ولا يسع المرء إلا أن يتصوّر ما كان ليحدث له، لو أنه كان السبب في خسارة بلاده في يوم عيده، حيث وافق يوم المباراة، 21 يونيو، يوم ميلاده الواحد والثلاثين.
 

 

التوتر في التسديد
الآلام التي كان يعانيها بلاتيني في الواقع، لا تسوّغ فشله في التسديد، فكم من نجم فشل وهو في أحسن حال. بل إن الحدس العام لدى الجمهور، بعد عددٍ من حوادث الفشل هذه، استبطن نوعًا من الإحساس بأن النجوم البارزين في اللعبة هم أكثر اللاعبين إضاعةً لركلات الترجيح. والسببُ الدعاية والإعلام، والحديث عن عبقرية هذا النجم أو ذاك، والاعتماد عليه في فوز فريق بلاده، كل هذا يضع عبئًا إضافيًّا على كاهل اللاعب، حتى إذا حانت لحظة الحسم، وتوقفت دقّات الساعة ونبضات القلوب بين النجاح والفشل، استبد به الرعب وتوترت أعصابه على أشد ما يكون.
لكن هذا ليس قانونًا قاطعًا بالتأكيد، فثمة حرّاس مرمى (والحارس أشد توترًا وحملًا للمسؤولية كما يُفترض) كانوا سببًا لربح فريقهم، لا بصدّ تسديدات الخصم فقط، بل بالتسديد الناجح أيضًا. ففي سنة 2004م، في المباراة الربع النهائية لكأس الاتحاد الأوروبي، صد حارس مرمى البرتغال ريكاردو ركلةَ اللاعب الإنجليزي داريوس فاسيل، ثم سدد الركلة الحاسمة في المرمى الإنجليزي. وقد فعل الشيء نفسه حارس المرمى خوسيه لويس شيلافرت، الذي اشتُهر بأنه حارس المرمى الذي يسجل الأهداف أيضًا، إذ إن في سجله 41 هدفًا سجّلها في مرمى الخصوم.

 
 

إحصاءات

في ركلات الجزاء، في متن المباراة، إذا صد الحارس الكرة ثم أفلتت من يديه، يمكن للاعبي الخصم معاودة تسديد الكرة. وفي معظم الحالات يكون الحارس في وضع لا يسمح له بصدها مرة ثانية. ولذا يشيع اعتقاد أن ركلة الجزاء هي بمنزلة هدف مؤكد؛ ذلك أنه يصعب كثيرًا صد ركلات الجزاء. أما في ركلات الترجيح، بعد التعادل، فلا يُسمح للاعب إلا بركلة أولى. ولذا، فإن الإخفاق في التسجيل هو أكثر حدوثًا في ركلات الجزاء في متن المباراة.
في موسم "البريميير ليغ" الإنجليزية لكرة القدم، 2005-2006م، أمكن تسجيل 57 هدفًا من ركلات الجزاء، أي إن 30% من الركلات تقريبًا كان نصيبها الإخفاق.

وقد تخصص أستاذ جامعي ألماني في دراسة إحصاءات ركلات الجزاء في مباريات "البوندسليغا" طوال 16 سنة، فوجد أن 76% من ركلات الجزاء سُجِلت خلال هذه السنوات، وأن 99% من الركلات التي سُجّلت هي تلك التي وُجِّهت إلى الأعلى في وسط المرمى.
في تاريخ اللاعب الإيطالي الشهير روبرتو باجيو، حدث مرتين أن سدد الكرة في أعلى وسط المرمى، فاصطدمت الكرة بالعارضة من أسفلها، ونزلت إلى خط المرمى، قبل أن تدخله.
 

روبرتو باجيو بعد أن أضاع ركلة الترجيح.

ركلة باجيو
لعل أشهر ركلات الترجيح في تاريخ كأس العالم هي تلك التي أهدرها الإيطالي روبرتو باجيو في نهائي 1994م بين إيطاليا والبرازيل. وبعد انتهاء المباراة بالتعادل السلبي، احتكم الفريقان إلى ركلات الترجيح.
كان باجيو نجم إيطاليا الأول وصاحب الدور الأبرز في بلوغ النهائي. وحين تقدّم لتنفيذ الركلة الأخيرة، كانت بلاده بحاجة إلى التسجيل للبقاء في المنافسة. لكن الكرة ارتفعت فوق العارضة، لتنطلق الاحتفالات البرازيلية.
وأصبحت صورة باجيو واقفًا وحيدًا ورأسه مطأطئ واحدة من أكثر الصور تعبيرًا عن قسوة ركلات الترجيح، حين يتحمل اللاعب وحده عبء الخسارة في لعبة جماعية.
 
 

مشجعة تبكي بعد ضياع ركلة الجزاء وفرصة تأهل المنتخب الغاني. (مصدر الصورة FIFA)

غانا والأوروغواي
شهد ربع نهائي كأس العالم 2010م بين غانا والأوروغواي واحدة من أكثر اللحظات درامية في تاريخ البطولة. ففي الثواني الأخيرة من الوقت الإضافي، أبعد لويس سواريز الكرة بيديه من على خط المرمى، فطُرد واحتُسبت ركلة جزاء لغانا.

بدا التأهل الغاني وشيكًا، لكن أسامواه جيان سدد الكرة في العارضة وسط ذهول الجماهير. وبعد دقائق قليلة، انتقل الفريقان إلى ركلات الترجيح.

وهكذا تحولت غانا من فريق يفصله هدف عن صناعة التاريخ إلى فريق يصارع لاستعادة توازنه النفسي، فيما نجحت الأوروغواي في التأهل إلى نصف النهائي.

 

 
تقليد وطني!
يرى المتخصصون في الصحافة الرياضية أن تسجيل الأهداف بركلات الترجيح، ليس من صفات أهم اللاعبين. بل إن غير يورديت، من كلية الدراسات الرياضية في النروج، يرى أن النجوم من اللاعبين هم أميل إلى الفشل في هذا من اللاعبين العاديين. فاللعبة هذه لعبة أعصاب، لا سيما في الثواني التي يستغرقها خروج اللاعب من مكان تجمع فريقه، وسيره هنيهات عصيبة باتجاه المرمى، ثم وضعه الكرة، وتبادل النظرات مع حارس مرمى الخصم وانتظار صفارة الحكم. الأمور تبدو بسيطة، لكن المسألة أشبه بـ "الاحتضار". لذا فالركلات ليست اختبارًا في القوة الرياضية، بقدر ما هي اختبار لقوة الأعصاب. فإذا كان المتفرج الجالس في مقعده، ربما على الطرف الآخر من الكرة الأرضية، يقترب من الانهيار لشدة توتره في انتظار الركلة، فكيف الحال عند اللاعب نفسه؟
 

حارس منتخب كوريا الجنوبية يتصدى لركلة لاعب المنتخب السعودي عبدالرحمن غريب، ليغادر بعدها المنتخب السعودي البطولة. (مصدر الصورة FIFA)

الأخضر وركلات الترجيح
على الرغم من أن المنتخب السعودي لم يخض أي ركلات ترجيح في تاريخ مشاركاته بكأس العالم، فإنه يمتلك سجلًّا لافتًا في البطولات القارية والإقليمية. وكانت أولى تجاربه في نصف نهائي كأس آسيا 1984م أمام إيران، حين حسم المواجهة بنتيجة 6-5 بركلات الترجيح، قبل أن يواصل طريقه نحو لقبه الآسيوي الأول. وبعد أربع سنوات، تُوّج بلقبه الثاني في كأس آسيا 1988م إثر فوزه على كوريا الجنوبية 4-3 بركلات الترجيح في المباراة النهائية. وفي كأس آسيا 1996م، تجاوز إيران مجددًا في نصف النهائي بنتيجة 4-3 بركلات الترجيح، ثم حسم المباراة النهائية أمام الإمارات المضيفة بنتيجة 4-2، ليحرز لقبه القاري الثالث. كما حضرت ركلات الترجيح في كأس الخليج 2009م، حين فاز المنتخب السعودي على قطر في نصف النهائي بنتيجة 6-5 بعد التعادل 1-1، قبل أن يخسر المباراة النهائية أمام المنتخب العُماني بنتيجة 6-5 بركلات الترجيح بعد التعادل السلبي. وظل "الأخضر" محافظًا على سجله الخالي من الهزائم في ركلات الترجيح بكأس آسيا حتى نسخة 2023م، عندما خسر أمام كوريا الجنوبية في دور الـ16 تحت قيادة المدرب الإيطالي روبرتو مانشيني، بعد تعادل المنتخبين 1-1 وانتهاء الركلات بنتيجة 4-2 لمصلحة المنتخب الكوري. وشهدت تلك المباراة جدلًا واسعًا بعدما غادر مانشيني منطقة الملعب قبل تنفيذ الركلة الكورية الأخيرة الحاسمة، في مشهد أثار انتقادات إعلامية وجماهيرية واسعة. وبذلك خاض المنتخب السعودي سبع مواجهات رسمية حُسمت بركلات الترجيح، فاز في خمس منها وخسر اثنتين.
 

منظر جوي لمشجعي الأرجنتين السعداء وهم يحتفلون مع المنتخب الوطني بعد فوزهم في آخر مباراة كرة قدم في كأس العالم قطر 2022 في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، 20 ديسمبر 2022م. المباراة التي انتهت بفوز الارجنتين بركلات الترجيح ضد المنتخب الفرنسي.

ركلات ترجيح في أرقام

في نهائي كأس العالم سنة 1994م، في باسادينا، كاليفورنيا، تعادلت البرازيل وإيطاليا، بلا أهداف في المباراة والوقت الإضافي، ثم كسبت البرازيل بركلات الترجيح 3-2، وفازت بكأس العالم.
في نهائي كأس العالم سنة 2006م، تعادلت إيطاليا وفرنسا في المباراة والوقت الإضافي 1-1، ثم فازت إيطاليا بركلات الترجيح 5-3 وفازت بكأس العالم.
في كأس العالم 2022م في قطر، فازت الأرجنتين بركلات الترجيح على فرنسا (4-2)، حيث تصدى الحارس الأرجنتيني إيميليانو مارتينيز لركة الفرنسي كينغسلي كومان (لاعب نادي النصر السعودي حاليًّا)، وأهدر أوريلين شواميني الركلة الثالثة التي مرت بجانب القائم.

أصحاب الرقم القياسي في فشل ركلات الترجيح هم البرازيليون. فقد فشلوا في التسديد 4 مرات متتالية، في كوبا أميركا، في الأرجنتين، 20 يوليو 2011م، فربحت الباراغوي 2-0، وتأهلت للمباراة النصف النهائية.
الرقم القياسي في عدد الركلات حتى الحسم في مباراة واحدة هو 30 ركلة، احتاج إليها فريقا بروكنهيرست وأندوفر تاون الإنجليزيان في كأس هامشير سينيور في 9 أكتوبر 2013م، حتى ربح الأول 15-14.
 

رحلة تبدأ من المستطيل الأخضر، لتكشف كيف يغزو المونديال عوالم الأدب والسينما والسياسة والاقتصاد