
تُعد مشاركة المنتخب السعودي في نهائيات كأس العالم 2026م هي السابعة في مجموع مشاركاته في هذه البطولة، يتزامن مع هذه المشاركة مضي قرنٍ بتمامه على دخول كرة القدم إلى المملكة العربية السعودية. وذلك عندما جاء بها حجّاجٌ ماليزيون وإندونيسيّون إلى مكة المكرمة عام 1926م، ومن هناك بدأ كل شيء.
وبعدها بسنوات تأسست أندية الاتحاد، والأهلي، والاتفاق، والشباب، والوحدة، والنصر، والهلال. وفي العام 1955م تأسَّس الاتحاد السعودي لكرة القدم، وبعد عام انضوى رسميًّا تحت مظلة الفيفا، الجهة العالمية الكبرى المنظِّمة لكرة القدم وسائر بطولاتها وقوانينها.
ومنذ ذلك الحين بقي المنتخب السعودي لعقودٍ خاليًا من الألقاب، مُصنّفًا على المستويات الخليجية والعربية والقارية والدولية في مواقع متدنية، لا تشبه شغف السعوديين بكرة القدم، ولا طموح المشتغلين في الحقل الرياضي، حتى جاء العام 1984م، الذي تغيرت فيه القصة بالكامل. فالمنتخب الذي كان يتلقّى الهزائم ويغادر المنافسات، دخل التاريخ من باب القارّة، مطيحًا بالجميع، وآخرهم "الطقم الصيني"، بحسب التعبير الشهير للمعلق الرياضي علي داود، ومنتزعًا لقبه الأول "كأس آسيا 84"، بقيادة المدرب الوطني، خليل الزياني، وفريق ضمّ نخبة من نجوم اللعبة آنذاك، صانعًا واحدًا من أنصع أشكال الحداثة الرمزية في وجهها الرياضي، لتتوالى الإنجازات الكبيرة بعدها على مدى عشر سنوات مثّلت العقد الذهبي الخلّاب. وما انهمر كالسيل الهادر ليجتاح القارة مرتين متتاليتين، سيبلغ ذروته بالوصول الأول إلى مونديال كأس العالم 1994م على الأراضي الأمريكية، ومن أول مشاركة يذهب للدور الثاني، وكاد يذهب لما هو أبعد!
لعلّ تلك العشرية الذهبية، بنجومها اللمّاعة، كانت مراوح للحماسة الاجتماعية وبعض ظواهرها؛ الملاعب الترابية تملأ القرى والبوادي والجبال والسهول والأحياء، ووجدانٌ شعبّيٌ مشتركٌ جديد يتشكل، ألهبته وعبّرت عنه أغنياتٍ خالدة، صارت أقرب إلى نفوس الناس بوصفها أغانٍ عاطفية أكثر منها رياضية، مثل "خضر الفنايل" لمحمد عبده، و"يا ناس الأخضر لا لعب" لطلال مداح، و"الله الله يا منتخبنا" لطلال سلامة، و"جاكم الإعصار" لعبادي الجوهر. وتحوّلت المدرجات والمسارح والفضاءات العامة باختلافها إلى ما يشبه الطقوس الجماهيرية البهيجة، ولو تأملت في أسماء مواليد تلك الحقبة في طول البلاد وعرضها لوجدت أن الكثير الكثير يحملون اسم ماجد، وصالح، ويوسف.. إلخ، اختار آباؤهم تلك "السموّة" من قبيل التيمن.
وبعدها بسنوات تأسست أندية الاتحاد، والأهلي، والاتفاق، والشباب، والوحدة، والنصر، والهلال. وفي العام 1955م تأسَّس الاتحاد السعودي لكرة القدم، وبعد عام انضوى رسميًّا تحت مظلة الفيفا، الجهة العالمية الكبرى المنظِّمة لكرة القدم وسائر بطولاتها وقوانينها.
ومنذ ذلك الحين بقي المنتخب السعودي لعقودٍ خاليًا من الألقاب، مُصنّفًا على المستويات الخليجية والعربية والقارية والدولية في مواقع متدنية، لا تشبه شغف السعوديين بكرة القدم، ولا طموح المشتغلين في الحقل الرياضي، حتى جاء العام 1984م، الذي تغيرت فيه القصة بالكامل. فالمنتخب الذي كان يتلقّى الهزائم ويغادر المنافسات، دخل التاريخ من باب القارّة، مطيحًا بالجميع، وآخرهم "الطقم الصيني"، بحسب التعبير الشهير للمعلق الرياضي علي داود، ومنتزعًا لقبه الأول "كأس آسيا 84"، بقيادة المدرب الوطني، خليل الزياني، وفريق ضمّ نخبة من نجوم اللعبة آنذاك، صانعًا واحدًا من أنصع أشكال الحداثة الرمزية في وجهها الرياضي، لتتوالى الإنجازات الكبيرة بعدها على مدى عشر سنوات مثّلت العقد الذهبي الخلّاب. وما انهمر كالسيل الهادر ليجتاح القارة مرتين متتاليتين، سيبلغ ذروته بالوصول الأول إلى مونديال كأس العالم 1994م على الأراضي الأمريكية، ومن أول مشاركة يذهب للدور الثاني، وكاد يذهب لما هو أبعد!
لعلّ تلك العشرية الذهبية، بنجومها اللمّاعة، كانت مراوح للحماسة الاجتماعية وبعض ظواهرها؛ الملاعب الترابية تملأ القرى والبوادي والجبال والسهول والأحياء، ووجدانٌ شعبّيٌ مشتركٌ جديد يتشكل، ألهبته وعبّرت عنه أغنياتٍ خالدة، صارت أقرب إلى نفوس الناس بوصفها أغانٍ عاطفية أكثر منها رياضية، مثل "خضر الفنايل" لمحمد عبده، و"يا ناس الأخضر لا لعب" لطلال مداح، و"الله الله يا منتخبنا" لطلال سلامة، و"جاكم الإعصار" لعبادي الجوهر. وتحوّلت المدرجات والمسارح والفضاءات العامة باختلافها إلى ما يشبه الطقوس الجماهيرية البهيجة، ولو تأملت في أسماء مواليد تلك الحقبة في طول البلاد وعرضها لوجدت أن الكثير الكثير يحملون اسم ماجد، وصالح، ويوسف.. إلخ، اختار آباؤهم تلك "السموّة" من قبيل التيمن.

تم حظر هذا المحتوى
تحتاج إلى إعطاء الإذن.
مرّت اثنان وثلاثون عامًا من تلك اللحظة العبقرية، وها هو المنتخب السعودي يعود مجددًا لأمريكا، مُحمَّلًا بذاكرة شعبية ملأى بالمجد والاعتزاز، ومزدحمة بأدق التفاصيل من نوستالجيا عارمة، ولا نعرف إن كان هذا يمثل دافعًا أو عبئًا لأبناء هذا الجيل من لاعبي المنتخب، أو ربما كلا الأمرين معًا!
وبكل الأحوال؛ إنه شيءٌ مما تفعله كرة القدم، وأبهاها دومًا "كأس العالم"، هذا العيد البشري الدائر كل أربع سنوات، الشيء الوحيد الذي تترقبه شعوب الكوكب كافة، ودونما كلالة؛ تتابع، تنحاز، تهتف، تفرح، تأسى، تخرج عن أطوارها، وتسجل لحظات التاريخ والذاكرة، وتكتظّ بيوتها ومقاهيها والساحات والشوارع بالناس لشهرٍ كامل، وهذه المرة لأربعين يومًا!
سنشاهد في السعودية هذه النسخة من المونديال وعيوننا على ثلاثة أشياء؛ على التنظيم، وقد فازت السعودية فوزًا كاسحًا بملف تنظيم كأس العالم 2034م، أي على بعد أقل من ثماني سنوات من اليوم؛ وعلى المنتخب السعودي، الذي نأمل أن يفعل شيئًا، بالرغم من الأوضاع والظروف الصعبة، والمخيبة أحيانًا، التي رافقت مشوار تأهله، إلى جانب القرعة التي وضعته في مجموعة عاصفة. إنما من يدري! قد يحدث شيءٌ ما، خارج كل توقع، وطالما كانت المفاجآت المدوية جزءٌ أصيلٌ من طبيعة كرة القدم، وبعض حلاوتها، وبالأخص في السجل الحافل بها من تاريخ المونديالات؛ وأخيرًا سيكون النظر على ما ستنجزه الشركة السعودية "أرامكو"، الراعي والشريك الرسمي للفيفا في هذه النسخة. وهذا منجزٌ كبير ويستحق الحفاوة، فكأس العالم إلى جانب طاقاته الاقتصادية والإعلانية كان، وما زال، مجالًا للقوى الثقافية الناعمة، ونافذةً مفتوحة الرحابة على صورة البلدان والمجتمعات. والسعودية اليوم تفعل هذا وتحرص عليه وتمارسه، بشكلٍ محترم وأخّاذ، وفي مختلف المستويات والجهات. كل هذا يجيء في سياق التحوّلات الهائلة والعظيمة، منذ بدأت رؤية المملكة 2030.
وبكل الأحوال؛ إنه شيءٌ مما تفعله كرة القدم، وأبهاها دومًا "كأس العالم"، هذا العيد البشري الدائر كل أربع سنوات، الشيء الوحيد الذي تترقبه شعوب الكوكب كافة، ودونما كلالة؛ تتابع، تنحاز، تهتف، تفرح، تأسى، تخرج عن أطوارها، وتسجل لحظات التاريخ والذاكرة، وتكتظّ بيوتها ومقاهيها والساحات والشوارع بالناس لشهرٍ كامل، وهذه المرة لأربعين يومًا!
سنشاهد في السعودية هذه النسخة من المونديال وعيوننا على ثلاثة أشياء؛ على التنظيم، وقد فازت السعودية فوزًا كاسحًا بملف تنظيم كأس العالم 2034م، أي على بعد أقل من ثماني سنوات من اليوم؛ وعلى المنتخب السعودي، الذي نأمل أن يفعل شيئًا، بالرغم من الأوضاع والظروف الصعبة، والمخيبة أحيانًا، التي رافقت مشوار تأهله، إلى جانب القرعة التي وضعته في مجموعة عاصفة. إنما من يدري! قد يحدث شيءٌ ما، خارج كل توقع، وطالما كانت المفاجآت المدوية جزءٌ أصيلٌ من طبيعة كرة القدم، وبعض حلاوتها، وبالأخص في السجل الحافل بها من تاريخ المونديالات؛ وأخيرًا سيكون النظر على ما ستنجزه الشركة السعودية "أرامكو"، الراعي والشريك الرسمي للفيفا في هذه النسخة. وهذا منجزٌ كبير ويستحق الحفاوة، فكأس العالم إلى جانب طاقاته الاقتصادية والإعلانية كان، وما زال، مجالًا للقوى الثقافية الناعمة، ونافذةً مفتوحة الرحابة على صورة البلدان والمجتمعات. والسعودية اليوم تفعل هذا وتحرص عليه وتمارسه، بشكلٍ محترم وأخّاذ، وفي مختلف المستويات والجهات. كل هذا يجيء في سياق التحوّلات الهائلة والعظيمة، منذ بدأت رؤية المملكة 2030.
عبدالله ثابت: شاعر وروائي سعودي.