Hero image

الذكاء الاصطناعي وتآكل اللغة

د. فارس القنيعير

فبراير 3, 2026

شارك

تسارَع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مُختلف مجالات العمل الإنساني، بما فيها الكتابة، المُنجز الإنساني الأكبر منذ فجر التاريخ. فبعد أن كانت الكتابة إبداعًا إنسانيًّا خالصًا، صارت النماذج اللغوية تُكرِّس أساليب الكتابة بمختلف أنواعها؛ من المراسلات اليومية، إلى الكتابة الإبداعية والأدبية والمُترجمة. فكيف تُنتَج هذه النصوص وعلى أي أساس تختار أسلوبها اللغوي؟ وإذا ما تكلمنا عن النصوص العربية تحديدًا، فهل هناك جهة تراجع ما تنتجه هذه البرمجيات من نصوص وتتأكد من سلامتها وجودتها؟

وإذا كان الجميع متأثرًا بالنماذج اللغوية المُولَّدة، إما باستخدامها مباشرةً، أو بالتعرُّض لها يوميًّا، فهل لنا أن نخشى من أن تواجه الكتابة الإنسانية الأصيلة خطر الاندثار؟ ألا يُقال إن الكاتبَ نِتاجُ ما يَقرأ؟! والحال هكذا ولم يمضِ إلا أقل من عقد واحد على إتاحة تطبيقات الذكاء الاصطناعي اللغوية للعامة، فكيف سيَؤُول الحال بعد عدّة عقود وهو آخذٌ في تطوُّرٍ متسارع لا يمكن التنبؤ به؟

تطرح "القافلة" هذه القضية على المتخصص في الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة، الدكتور فارس القنيعير، والمترجم محمد السعيد، والروائية أمل الفاران.

 

 

 

كيف يولّد الذكاء الاصطناعي النصوص باللغة العربية؟

 

د. فارس القنيعير

 

اللغة هي نافذة العقول ووسيلة التواصل والتعبير عمّا يدور في دواخلنا. ومع تطور اللغة تطوَّرت الكتابة ووسائلها وأدواتها. فكانت بداياتها تهدف إلى تقييد المعاملات التجارية وحركة الأموال، ثم اتسع استخدامها تدريجًا لتشمل المراسلات والكتب التي حملت تاريخ الأمم وثقافاتها عبر آلاف السنين. وقد حفظت كتابات العلماء والحكماء والأدباء والشعراء أرقى تجليات الوعي الإنساني.

 

ومع الرقمنة، انتقلت الكتابة من الورق إلى الشاشة، وصار من اليسير تدوين الأفكار ونشرها خلال ثوانٍ لتصل إلى أقاصي العالم. ثم جاءت النقلة الأحدث حين دخل الذكاء الاصطناعي المشهد. فصار ينسج المحتوى ويترجمه ويلخصه ويستخلص جوهره بآليات مؤتمتة بالكامل، وأصبح في وسع أيٍّ منّا أن يضغط زرًّا فيتولّد أمامه نصٌّ كامل في ثوانٍ معدودة، قد يلتبس على قارئه إن كان كاتبه إنسانًا أو خوارزميةً حاسوبية.
من هنا، يصبح من المهم فهم كيفية إنتاج هذه النصوص، لا بدافع الفضول فحسب، بل لفهم العوامل التي تشكّل أسلوبها، وصياغتها، ومواطن قوتها، وحدودها.

 
كيف تنسج الآلة النصوص؟

شهد الذكاء الاصطناعي خلال العقود الماضية تحوّلًا متسارعًا في قدرته على التعامل مع اللغة البشرية. ولفهم هذا التحوّل، ينبغي أولًا الإلمام بموجزٍ عن تاريخ توليد النصوص بالآلة وتطوّره، ثم استيعاب آلية توليد الآلة لنصوصٍ متّسقة.
فقبل ظهور الخوارزميات الحالية لتوليد النصوص، اعتمد الذكاء الاصطناعي على نماذج لغوية إحصائية كلاسيكية مثل نماذج ماركوف، التي تحسب احتمالات الانتقال من كلمة إلى أخرى من خلال التدرّب على نصوص ضخمة. وعلى محدوديتها، كانت قادرة على توليد نصوص بسيطة ومقبولة وفق المعايير في حينها.

ثم جاءت مرحلة الشبكات العصبية التكرارية (RNN)، وتحديدًا نماذج (LSTM) و(GRU)، التي منحت الخوارزميات قدرةً أكبر على تذكّر السياق. ومع ذلك، كانت محدودية هذه النماذج في فهم العلاقات الطويلة بين أجزاء الجملة الواحدة أو الفقرة تمثّل تحديًا. هذه النماذج تنتج كلمات وجملًا، لكنها غير قادرة على بناء فقرات طويلة أو متعددة ومترابطة تحافظ على الاتساق الدلالي طويل المدى.

يمثّل عام 2017م نقطةً محورية. ففي ورقة "Attention Is All You Need"، قدّم فريق من غوغل معمارية "المحوّل"، وهي تطوير لخوارزميات الشبكات العصبية في الذكاء الاصطناعي، معتمدين على مبدأ "الانتباه الذاتي". وأتاح ذلك تدريب نماذج قادرة على توليد جُمل كاملة ومتسقة، كما أتاح تحديد الكلمات المترابطة. وبهذا، أصبح بالإمكان تدريب نماذج لغوية أضخم وأقدر على فهم السياق واستيعاب العلاقات البعيدة، وهو ما مهَّد لمرحلة جديدة في توليد النصوص، مكَّنت من امتلاك قدرات أوسع من السابق في مهام الكتابة، مثل التلخيص والترجمة وإعادة الصياغة وكتابة فقرات كاملة متماسكة. وبعد ذلك، ظهرت تباعًا نماذج متزايدة في الحجم والقدرة، أبرزها نموذج (GPT-3) عام 2020م، بعدد معاملات 175 مليارًا، الذي بُني عليه لاحقًا عام 2022م النموذج الأشهر (ChatGPT).
 
كيف تُدرَّب النماذج لتنتج نصوصًا متسقة؟

في البداية، يُدرَّب النموذج على مليارات الكلمات المأخوذة من مصادر مختلفة بعد أن تُعالج البيانات وتُنظَّف آليًّا ويُزال منها أي تكرار. ويرتكز تَعلُّم النموذج هنا على مهمة بسيطة في ظاهرها، وهي التنبؤ بالكلمة التالية. فتشكّل عملية التدريب هذه، التي تتكرَّر ملايين المرات، ما يشبه حدسًا إحصائيًّا باللغة، يسمح للنموذج في مراحل لاحقة بتكوين جملٍ مُتَّسقة.

في أثناء التدريب، تَستخدم النماذج اللغوية الضخمة آلية الانتباه الذاتي، التي تقيِّم العلاقة بين كل كلمة في الجملة وبين سائر الكلمات الأخرى في وقتٍ واحد. بهذه الآلية، يستطيع النموذج أن يفهم التراكيب والعلاقات والروابط البعيدة والأنماط الدلالية بصورة تتفوَّق كثيرًا على النماذج التقليدية.

بعد أن يكتسب النموذج حسًّا لغويًّا عامًّا، يخضع لمرحلة تدريبٍ ثانية تُعرف بـ"المواءمة" (Alignment)؛ إذ تخضع آلاف المُخرجات لتقييم بَشري، وتُرتَّب الإجابات بحسب جودتها. وتُستخدم هذه التفضيلات البشرية في تدريب إضافي عبر تقنيَّاتٍ مثل التَّعلم المُعزَّز من "التغذية البشرية الراجعة"؛ لتصبح مُخرجات النموذج أقرب إلى أسلوب البشر وأكثر اتِّساقًا ووضوحًا وأقل عُرضةً للوقوع في الأخطاء أو الأساليب غير الملائمة. وهذا بالضبط ما جرى في نموذج (ChatGPT) وكثير من النماذج اللاحقة من جهات متعددة.
 
ماذا يعني هذا؟

يعني أن النص الذي يولّده الذكاء الاصطناعي اليوم ليس ناتجًا عن قواعد لغوية صريحة، ولا عن فهمٍ عميق بالمعنى الإنساني، بل عن إحصاءات هائلة استخلصها من التدرّب على بيانات مكوَّنة من مليارات الكلمات، وعن محاذاة بشرية صقلت سلوكه اللغوي، وعن بُنية تقنية تمكّنه من ربط أجزاء النص بعضها ببعض.

معظم المستخدمين يطلبون مهام تعليمية أو مهنية، مثل: التلخيص، والشرح، والصياغة الرسمية، وهو ما يعزِّز الأسلوب المحايد ويقلِّل حضور الأساليب الأدبية أو العاطفية.

عوامل الميل الأسلوبي للنماذج

تُفضِّل النماذج اللغوية أسلوبًا على آخر ليس لامتلاكها ذائقة أدبية، بل لأنها تُعيد إنتاج أكثر الأنماط حضورًا في البيانات التي دُرّبت عليها. فإذا كانت المدوّنة (corpora) العربية التي دُرّبت عليها قائمة أساسًا على الصحافة والمحتوى الإخباري والنصوص الرسمية، فمن الطبيعي أن يطغى الأسلوب الفصيح المعياري على غيره، في حين يظهر الأدب والحوار باللهجة العامية بتمثيل محدود. وفي المقابل، حين تُدرَّب بعض النماذج على مجموعات بيانات ذات طابع اجتماعي أو لهجات محلية، يزداد حضور الأساليب العامية الدارجة في نصوصها.
ويبرز كذلك تأثير مرحلة "المواءمة"، حيث يُقيِّم البشر آلاف المخرجات، ويفضلون غالبًا النصوص الواضحة والمتماسكة البعيدة عن الغموض أو الأساليب غير المألوفة. وعندما ينعكس هذا النهج على العربية، يميل النموذج إلى الأسلوب الفصيح المحايد.

يمتد هذا الأثر إلى طبيعة الأوامر العربية الشائعة. فمعظم المستخدمين يطلبون مهام تعليمية أو مهنية، مثل: التلخيص والشرح والصياغة الرسمية، وهو ما يعزِّز الأسلوب المحايد ويقلِّل حضور الأساليب الأدبية أو العاطفية. وهنا يظهر عامل إضافي بالغ الأهمية، وهو سياق السؤال نفسه. فالنموذج يتأثر بالأمر، ويستنتج النبرة والأسلوب من كيفية صياغته، ومن طبيعة التفاصيل ونوعية الأمثلة المذكورة فيه. فإذا جاء الأمر رسميًّا، كُتب بأسلوب رسمي، وإذا جاء أدبيًّا أو ذا لهجة معيَّنة حاول محاكاة هذا الأسلوب في أثناء توليده النص. فالسياق هنا هو إشارةٌ توجيهية لا تقل أثرًا عن البيانات الأصلية.
أما فيما يخص مصادر البيانات التي تُدرَّب عليها النماذج العربية، فإلى جانب المدونات العربية المتاحة التي يغلب عليها المحتوى الصحفي والكتب والمدونات، تعتمد النماذج الحديثة على كميات كبيرة من البيانات المُستخلَصة من زحف الويب (Web Crawling) العربي بعد تنظيفها ومعالجتها، وتشمل المقالات والمدونات والمنتديات ومحتوى منصات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، تظل المؤلفات الورقية والأبحاث المحمية أقل تمثيلًا بسبب القيود القانونية أو عدم رقمنتها. وفي المقابل، تعتمد النماذج التجارية الكبرى مزيجًا مشابهًا من المصادر، إضافة إلى مدخلات المقيِّمين، وإن كان جزء منه غير مُعلَن بالكامل.
 

النماذج العامة المُعدّة لعدة لغات، أكثر من مراجعة مخرجاتِ لغاتٍ محددة كالعربية، تترك القارئ العربي أمام نصوص ذات مستوى متفاوت، من دون معيار موثوق يحكم على سلامتها.

مراجعة النصوص العربية المُولّدة

لا توجد حتى الآن جهة عربية معتمدة، أو حتى عالمية، تتولى مراجعة جودة النصوص العربية المُولَّدة. إذ تخضع مراجعة النماذج المغلقة أو المفتوحة لمعايير الجهات المطوِّرة لها، سواء أكانت مراكز أبحاث أو شركات. وتعتمد النماذج العالمية على مراجعِين يعمل معظمهم على بيانات إنجليزية، وهذا ما يجعل جودة العربية متفاوتة. وفي النماذج مفتوحة المصدر، ينصبُّ التركيز على بناء نماذج عامة لعدة لغات، أكثر من مراجعة مخرجاتِ لغاتٍ محددة كالعربية، ما يترك القارئ العربي أمام نصوص ذات مستوى متفاوت، من دون معيار موثوق يحكم على سلامتها.
 
بين زخم الآلة وندرة الصوت الإنساني

أصبح من الواضح أن الذكاء الاصطناعي صار شريكًا بالفعل في عالم الكتابة؛ فهو ينسج النصوص بسرعة واتّساق، ويوسِّع إمكانات التعبير والترجمة والتلخيص. غير أن هذه الغزارة لا تعني بالضرورة اتّساع الكتابة بمعناها الإنساني، فالحرف الذي لم يمر بتجربة ذاتٍ كاتبة مُشبَعة بالمشاعر والخبرة يظل، مهما بدا مُحكَمًا، خاليًا من الأثر الشخصي والبصمة التي لا يستطيع غير الإنسان أن يمنحها. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل ما تتيحه هذه النماذج من مساعدة الكتَّاب وتوسيع أفق الترجمة وفتح أبواب الكتابة والإبداع.

يبقى التحدي الحقيقي في الكتابة العربية قائمًا على شقين:
تقنيًّا: ويتمثّل في الحاجة إلى بناء نماذج أكثر تجذّرًا في العربية، ببيانات أدق وأشمل، وأساليب متنوعة أكثر، وبأطر تقييم ومراجعة قادرة على ضمان جودة المخرجات.
وثقافيًّا: في ضرورة الحفاظ على الكتابة البشرية بوصفها ممارسة واعية، لا استجابةً آلية تُنتج جُملًا متقنة، ولكن بلا روح.
 

 

لَنْ تُترجِمَ لغتي

محمد السعيد

 

 قد يتساءل المرء عن دوره، ولا سيما مع اطِّراد هيمنة تقنيات الذكاء الاصطناعي وشيوع تطبيقاتها في مختلف حقول الحياة، ولا يلقى إجابةً تُعينه على فهم ما يجري في كثيرٍ من الأحيان. هذه التقنيات بعينها ما هي إلا نماذج لغوية كبرى، تعالِجُ اللغات البشرية لفظًا ومعنى، وتربطها بمثيلاتها في شبكةٍ واحدة من العُصَيبات الرقمية الهائلة. تدلُّ المفرَدةُ على مفردةٍ أخرى ارتبطت بها في مجاميع البيانات وأحواضها، فتتناسل الكلمات وتَلِدُ ما ائتلفَ من سياقاتٍ في اللغة نفسها، وتُربطُ المعاني بمعانٍ أخرى تفوقُ الحاجة. ولكن ماذا يُقال حين تُسلَّم الكلمة، التي وُلِدت في ثقافةٍ احتضنتها وربَّتها ووهَبَتها معنى إثرَ آخر، إلى تقنيةٍ لا تفرِّق؛ تقنيةٍ لا تُحسن سوى الصمت في لغاتٍ تعجُّ بالأصوات والحياة؟
 إن أكبرَ التحديات التي تواجه ترجمةَ الآلة اليوم، وفقًا لما يراه الباحث عز الدين غازي، يكمن في الغموضُ الدلالي؛ إذ يغيبُ عن الآلة فهمُ المفردات المُركَّبة، الناشئة في ظلِّ ثقافةٍ بعينها. قد يجري لفظٌ مُركَّبٌ على الألسن لا تُدرك الآلةُ حيثياته وأنّى جاء، وقد يتّفق أن يقع هذا اللفظُ ضمن حساسيةٍ ثقافية عصيَّة على الترجمة أساسًا. إنَّ مسألة الترجمة الإنسانية لم تطرأ حديثًا؛ إذ طُرِحَت سابقًا مع الترجمةِ الآلية باستعمال الأدوات المُساعِدة للمترجم (CAT)، التي تحفظ ذاكرةَ ألفاظٍ تقابليَّة بين لغتين وأكثر، ولكنَّها لم تترجِم نيابة عنه، فللمترجِمِ حقُّ اصطفاء كلمةٍ دون أخرى. والمترجم إنسانٌ له أهواءٌ وأحاسيس، والترجمة الإنسانية تستوجب معرفةً وخبراتٍ واسعة، بما فيها الخبرات المَعيشة التي تدخل في صلب العملية الإبداعية وتقوِّمُها.

 والترجمة الإنسانية وليدةُ الثقافة التي أنشأت النص الأصل، الذي وُلِد من خبراتٍ إنسانية لها تاريخٌ عريق مثل الشعر والأدب، وهما خيرُ مثالٍ للقيمة المهمة للترجمة الإنسانية. يرى الشاعر عزرا باوند صعوبة ترجمة الانفعالات غير المنطوقة التي يفيض بها الشعر والأدب عامَّةً، وهي انفعالات لا يُحِسُّ بها إلا إنسانٌ يمكنه تفكيكها والسعي في اصطياد معانيها نظرًا إلى المشترَك البشري، فهل يُعقل لآلةٍ ولّادةٍ للكلمات أن تدركها وتسبرَ أعماقها؟ ولا تُضاهي ترجمةُ ذكاءٍ اصطناعي ترجمةَ إنسانٍ في السياقات الدقيقة مثل الطب والقانون؛ فالآلة لا تفرّق بين نظرة لغةٍ وأخرى إلى العالم، ولا بين دلالاتهما المعجمية والصرفية، ولا تستوعب التباينات الثقافية بين لغتَين تختلفان اختلافَ الليل والنهار، ولا سيَّما إذا كان النصُّ الأصل يجري في سياقٍ قانوني، كما خَلُصَ إليه الباحثان أحمد مناوس ويوسف سحاري. فإذا سلبتَ الإنسان ممارسةً يَعقلُ بها ويرى الآخر ويتعرّف عليه، فإنك تسلِبه جزءًا من آدميَّته وحقيقته.
 

الآلة تترجِم ما يسعه مخزونها الرقمي، لكنها لا تقدر أن تنشئ روابط بين فكرتين متباعدتين. وإنْ حدث، فالآلة تخفق في نقل المعنى والأسلوب، ووجود المترجم الإنساني سيبقى ضروريًا.

ما الفرق بين نصٍّ يترجمه الذكاء الاصطناعي ونصٍّ آخر مترجم إنسانيًّا؟

يتجلّى هذا الفرق حينما يحملُ النص دلالاتٍ غامضةً تتطلَّب فهمًا لطبيعة ثقافة النص الأصل. فالآلةَ تترجِم ما يسعه مخزونها الرقمي؛ إذ لا تقدر أن تنشئ روابط بين فكرتين متباعدتين. وإنْ حدث، فالآلة تخفق في نقل المعنى والأسلوب. فعلى سبيل المثال، تجد الآلة صعوبةً في نقل التباينات بين ثقافةٍ وأخرى؛ لأنَّ التباين نفسه لا تدركه الآلة، فتترجمه بمعانيه المعجميَّة المرتبطة في مخازن بياناتها. وفي هذا الصدد، يرى عز الدين غازي أن ثمّة نقصًا هائلًا في المعجم الآلي، وقد يتحصَّل أن تُترجِم الآلة كلمةً بمقابلٍ ثقافي أو بمفردةٍ دالَّة أو بمفرداتٍ وصفية، ولكن الترجمة قد لا تحظى بمقابلٍ في اللغة الهدف (وهي اللغة التي يُترجم إليها)، فربما تمحو أثر اللغة الأصل وتفنِّده، وربما تتحاشى الترجمةَ الحرفية، وقد تترجِمُ أحيانًا بناءً على ترجماتٍ وروابط مضلِّلة، وقد تفتقد الموضوعية وتُؤْثِرُ أسلوبًا على آخر.
 
 إن الترجمة الإنسانية، وإن كانت تصيب وتُخطئ، تقوِّم الخطأ، بل ربما تكشفنا على أفقٍ ترجميٍّ جديد، مثلما فعلَ ابن المقفع من المتقدمين في ترجمته لـ"كليلة ودِمنة"، ومثلما فعلَ بسّام حجار من المتأخرين في قراءةٍ كشفَت جوهرَ أدبيات الأشواق في "معجم الأشواق". والقصدُ أنَّ اللغةَ الهدف قد تترجم اللغةَ الهدفَ نفسها إلى مستوى دلالي أو تداولي آخر، إنْ أخذنا الترجمةَ بمعناها الواسع، ويمكنُ استحداث ألفاظ طارئة لا تقدرُ الآلةُ على أن تحلمَ بها يومًا. والمترجم الإنسانُ وحدَه القادرُ على إبداع أساليبَ لغويةٍ جديدة. فمَن يقرأ كتاب "المواقف" للنفَّري، يرى استعماله الفريد للغة العربية، ومن يقرأ "رحلات غوليفر" للإيرلندي جوناثِن سويفت يرى قدرته على ضخِّ المعنى إلى اللغة الإنجليزية. وهذان مثالان على الإبداع البشري الذي لا تدركه آلةٌ في الكتابة، فضلًا عن الترجمة. والحقول المعرفية كثيرة، وقد تكون طارئة في ظلِّ التسارع المعرفي الذي نراه كل يوم، وبعضُها حسّاس. وقَد درَسَت الباحثة جانغ فان في فروقاتِ الترجمة الآلية والإنسانية في نقلِ الطرائف من لغةٍ إلى أخرى، ووجدت أن الترجمة الآليةَ السمع-بصرية تفتقر إلى حسِّ الطُّرفة وسلامة البُنية، وتحمل ضَعفًا في إيصالِ مضامين الثقافة المكنونة في ثنايا النص الأصل.

من محاسن الترجمة الآلية توفيرها الوقت والجهد والمال، ولكن ما زالت هناك حاجةٌ إلى المترجمين لتحسين مُخرَجَات تقنيات الذكاء الاصطناعي وترويضها وضمِّها إلى سير عملهم؛ لتساعدهم في إنجاز ترجماتهم.

هل سيختفي المترجم في المستقبل؟ 

أصدرت شركة مايكروسوفت بحثًا توقَّعت فيه انخفاضًا كبيرًا في مهنة الترجمة، والترجمة الفورية، وقد استعملت تقنيتها التوليدية "كوبايلوت" في رصد أسئلة المستخدمين وحَصْرها وتصنيفها على محرك البحث "بينغ"، ثم أحصَتْ احتياجاتهم ورتَّبَتها، فظهرت الترجمةُ والترجمةُ الفورية على رأس القائمة.
لعله من محاسن الترجمة الآلية توفيرها الوقت والجهد والمال، ولكن ما زالت هناك حاجةٌ إلى المترجمين لتحسين مُخرَجَات تقنيات الذكاء الاصطناعي وترويضها وضمِّها إلى سيرِ عملهم؛ لتساعدهم في إنجاز ترجماتهم. ولكن لا ينبغي للمترجم أن يُسلِّم أمره لهذه التقنيات، وعليه أن يتذكَّر أساس عملها الذي يعيد إنتاج ما قد قِيل وما قد تُرجم. 
 

إن وجود العنصر البشري في عمليَّة الترجمة ضروري، ولن تستقيم ترجمةٌ آليَّة من دونه. يقول المترجِم بيتر قسطنطين: "ما الذي تحاول أن تقلِّده الآلة؟ أيكونُ تغريبًا حَسَنًا ذكيًّا أم توطينًا بديعًا؟ أم تجعل من تشيخوف وكأنه قد كتب في لندن قبل عشر دقائق؟". إن العنصر البشري هو الضامن الوحيد القادر على مواجهة التحديات الطارئة في الترجمة. فقد يستعين المترجم بالذكاء الاصطناعي في بحثه، لا أن يُترجِمَ عنه أو يستبدله استبدالًا تامًّا، ولا سيَّما في السياقات والمعارِف الحديثة والمتسارعة. ومسكُ الختام ما قاله الباحث عبدالحق الزموري في حفل جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي: "تصبح عمليةُ الترجمة بحثَ المترجِم عن جزءٍ منه في المترجَم له، بحثٌ عن المشترَك الإنساني الذي تفرع عنه الاختلاف والتعدد والألسن، وهذه المهمة يستحيل على الآلة حتى مواكبتها مهما بلغت سرعتها ومراكمتها وقوتها"، وإن الإنسان كلّما ترجمَ فهو في الحقيقة "يترجم الآخرَ فيه، وبالنهاية يترجم نفسَه".

 


 

فرانكنشتاين يخنق اللغة

أمل الفاران 

 أخبرني صديق في نقاش معه: "عصر الأساطير، وإن كان قد انتهى، أرى في رواية ماري شيلي (فرانكنشتاين) ما يجعلها بحق أسطورة العصر الحديث". وقد استشهد في حديثه بتوارد الاستحضار الدائم لحكايتها في مختلف الفنون: القصة، والرواية، والشعر، والمسرح، والفنون التشكيلة، منذ صدورها نحو 1812م وحتى اليوم. وتعقيبًا على حديثه، فإني أُرجعُ السبب إلى النبوءة التي أطلقَتها الرواية.


 فالرواية جسَّدت بشخصياتها الرمزية مخاوف إنسان العصر من حداثته وما بعدها؛ صراع العلم والطبيعة الذي نعيشه منذ ثلاثة قرون. لقد أحْكَم البشر قبضتهم على العالم، وقضوا على كل وحوشه، فلم يعودوا يخشون إلا ابتكارًا قد ينزعهم عن عرش الوجود؛ كائنًا يُخلخل أنظمتهم الاجتماعية والسياسية، ويسرق وظائفهم، ويزيل الأمان الاقتصادي لطبقاتهم العاملة، أو أن يصل إلى ما هو أبعد، فيطور إرادة السيطرة ويفني البشر. أليست هذه هي كوابيسنا المعاصرة؟!
يتناسب حجم المخاوف عكسيًّا مع تمدُّن المجتمع. ففي حين تتنازع قِوى العالم الأول على توظيف قدرات هذه المنتجات لرفاهيتها وغلبتها، تتلمَّس المجتمعات النامية خيوط المؤامرة فيما يُلقى إليها من أدوات. ولعلَّنا نتذكر كيف هتف العالم الغربي لثورة الإنترنت التي ستنشر أضواء الحرية والديموقراطية في كل أنحاء العالم، بينما تحدث العالم الثالث عن الغزو الفكري!

 
تطبيقات الذكاء الاصطناعي هي اليوم "تسونامي مبهج" يجتاحنا ويتغلغل بيننا. وعلى عكس المنتجات الحديثة الأخرى، لم ينتظرنا لنرحِّب به أو نغلق الباب في وجهه. لم يدخل علينا كسابقيه؛ منتجًا نقرّر دفع المال للحصول عليه وتخصيص حيز له في منازلنا ومكاتبنا. هذا الجديد، وقبل أن نعي وجوده، تسلَّل بسرعة إلى عوالمنا. غفونا وانتبهنا له في هواتفنا الذكية، وأنظمة سياراتنا الحديثة، وساعات أيدينا، وبرامج المؤسسات التي نعمل بها أو نستفيد من خدماتها، وهو ما سهّل الكثير من العمليات وسرّعها.

الذكاء الاصطناعي يوسّع سيطرته اليوم، ويضيّق على اللغة المكتوبة والمنطوقة ويخنقها. وتآكل اللغة يستشري مع ما تسرقه الصورة و"الميم،" وحتى الرموز التعبيرية "الإيموجي" من مساحاتها.

تضييق حدود اللغة

هناك من يقول إن الذكاء الاصطناعي قد جثم أخيرًا مثل نسرٍ قريبٍ من وادي عبقر! ولا منطق الآن في اللجوء لأسلوب شَعبوي يبشّر بانهيار الأدب نتيجة دخول هذا الثرثار النشيط. ومع ذلك، فالأمر لا يخلو من مخاوف ينبغي الحديث عنها. 
يقول فتجنشتاين: "حدود لغتي هي حدود عالمي"؛ ومن ثَمَّ، فالمجتمعات القوية هي مجتمعات ذات لغات حيَّة فَتيَّة، تتوسّع وتستوعب المحسوس والمُجرَّد. وقد تولّى التعليم دائمًا مهمة الحفاظ على هذه الحدود. أما توسيعها، فلا يحسنه مجالٌ مثل الإبداع الكتابي الذي يفجِّر اللغة. فالإبداع اللغوي يعيد ترتيب الوجود بضبط السردية دائمًا. ومع كل حاجة حياتية، يُنظِّم المفردات نَظمًا جديدًا ليصنع ظِلالًا مُتفرِّدةً مدهشةً، رغم أن مادتها الأصلية قديمة.
أما اليوم، فبكبسة زر يوسّع الذكاء الاصطناعي سيطرته، ويضيّق على اللغة المكتوبة والمنطوقة ويخنقها. فتآكل اللغة يستشري مع ما تسرقه الصورة و"الميم"، وحتى الرموز التعبيرية "الإيموجي" من مساحاتها، وقد يتفاقم هذا التآكل في اللغة بسبب هذه المنتجات التي تسهِّل إقصاءها وتغري به.

من ناحية أخرى، نحن نتواصل اليوم مع أدوات الذكاء الاصطناعي بالصوت بدلًا من الكتابة، ونطرح أسئلة غير واضحة ومتسرِّعة، وهو لا يطلب منّا، كما يفعل الآباء والمعلمون، أن نعيد صياغتها بنحوٍ مفهوم، بل يطمئننا بأنها أسئلة ذكية، ويقدم لنا إجابات ترضي غرورنا. لم نعُد بحاجة لمستوى تعليم معين لنحصل على معلومات متدفِّقة تعزِّز أوهام المعرفة. 
إضافة إلى ذلك، هذه "الذكاءات"، ولأهداف تجارية بحتة، توجّه طاقاتنا توجيهًا خفيًّا يُبعِد الكتابة عن صيغها الإبداعية الحميمة المتفردة الذاتية صوبَ كتابةٍ عملية وظيفية توليدية، تدجّننا لنصبح نُسخًا متطابقة. وقد بتنا نسمع كل يوم شكاوى مؤسسات التعليم من تزايد اعتمادِ الطلابِ على الذكاء الاصطناعي في فروضهم الدراسية.
 
تفشّي الرداءة

بالعودة إلى التعامل الغربي، السبّاق دائمًا في الخير والشر، يبدو أن عددًا يتزايد من الروايات والقصص قد كُتبت فعلًا في الفترة الأخيرة باعتماد كبير على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ويأتي "شات جي بي تي" في الصدارة، ثم بعض المنصات الأكثر تخصصًا. ولعل من السهل تخيُّل ما قد تنتجه هذه البرامج من أعمال: كتب بأغلفة صقيلة، وعناوين رنّانة، وتسويق كبير. أما المُخرَجات، فهي على شاكلة (penny novel) في تدنّي قيمتها ومضمونها.
عربيًّا، لا تزال الريبة مسيطرة إلى اليوم. ومن يعلن اعتماده على هذه الذكاءات أو يكتشف الآخرون أنه فعل، سيُنتزع من طاولة الجدارة كفِطرٍ سام ويُنبذ. وغير بعيدةٍ عنّا النمائم عن صحفيين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في كتابة مراجعاتهم النقدية أو تغذية محتوى حساباتهم في وسائل التواصل. ولا ننسَ الاستقبال البارد الذي حظيَ به الكتاب الوحيد الذي أعلنت صاحبته أنها كتبته بالتعاون مع ذكاءٍ اصطناعي! إن شبح السرقات الأدبية ما زال مُخيِّمًا فوق رؤوسنا، ويشحذ أسنَّة مواهبنا، وهذا جيد.
 
ربما يكون مغريًا للبعض أن يَعدَ برنامجٌ ذكيٌّ بأنه سيصنع نيابة عن الكاتب حواراتٍ بين شخصيات روايته، ويحافظ على منطق الشخصية ويظهر مستوى تعليمها في اختياراتها اللفظية، وأن يضبط إيقاع العمل بحيث يحدد النقطة التي يجب أن ينتفض فيها البطل ويثور، ومتى ينضج ومتى يسقط. قد يشعر كاتب أن عبئًا ثقيلًا أُزيح عن عاتقه، وكلنا جرّب الإنهاك النفسي والجسدي في رحلة الكتابة. فما المانع من تسليم مهمة واحدة لمن يَعدُ بأنه لن يغفل عنها كما قد يغفل الكاتب؟ علمًا بأن البرنامج الذكي قد وفّى وعده! ولكن هل ستبقى متعة كتابة النص كما هي؟ لا أظن. خصوصًا أن هذا الجهد سيضرب في الصميم مصداقيةَ نسبة عملٍ إلى الكاتب! ولا حاجة لفتح ملف حق الملكية الفكرية هنا، فهو عريض متشعب.

الأمر الآخر، لو خَلَت الرواية من أي عيبٍ منطقي ظاهر في أحداثها أو شخصياتها، فهل هذا جيد؟ لا أظن أيضًا. فالروايات العظيمة، عظيمةٌ لا بكمالها، بل بهفواتها الصغيرة التي نسامح كُتَّابها عليها تقديرًا لأصالة العمل وجودته العامة. ولنتذكر أن الصرامة عدوٌّ آخر للإبداع.

ما يجب أن نخشاه على المدى القصير هو تفشي الرداءة واعتمادها معيارًا في التلقي، فهي ستُضعِف النخب القارئة برجمها رواياتٍ مليئة بشخصيات مصقولة، وأحداث مُركَّبة، وعوالمَ مبهرجة تُغشي أنظارهم. ستتآكل مهارات القرَّاء الصبورين، أبناء النصوص الذين يدخلونها متسلِّحين بكل حواسهم، ومخيلتهم حاضرة ليشيِّدوا فيها ما شيَّده الكاتب بلغته، ولينفخوا في أبطالها من أرواحهم، وليُحبُّوها ويبغضوها ويحاكموها. وفي عالمٍ مستوياتُ القراءة فيه ضعيفةٌ أساسًا، قد يُحبَط الكتّاب الجيدون، الذين لا ينالون من حاجتهم للتقدير والتواصل حدها الأدنى.

الآلة بلا تجربة حياتية ولا خيال أصيل، لن تخلق للبشر ما ينير أرواحهم ويغذي مشاعرهم، وما زالت بعيدة عن مقاربة مستوى الابتكار البشري ولا مَنفذ لها إلى سِرِّه؛ لأننا لم ننجح في معرفة هذا السر.

الباقيات الصالحات

لن تزيحنا برامج الذكاء الاصطناعي عن سُدَّة الإبداع كُرهًا. فحتى مع تسارع عمليات برامج الذكاء الاصطناعي التحليلية، لم تزِد قدرتها على إعادة تدوير ما تُغذَّى به من مدخلات أنتجها البشر سابقًا. وليس هذا لب الأدب ولا جذوة الإبداع.
الآلة بلا تجربة حياتية ولا خيال أصيل، لن تخلق للبشر ما ينير أرواحهم ويغذي مشاعرهم. الآلة ما زالت بعيدة عن مقاربة مستوى الابتكار البشري ولا مَنفذ لها إلى سِرِّه؛ لأننا ببساطة لم ننجح في معرفته. وإلا لكنّا أرضعناها إياه كما علمناها كيف تحلل وتفكك وتركب الجمل والصور والأصوات مثلنا.

ربما لا يتمرَّد الذكاء الاصطناعي على صانعيه كما تنبَّأت الروايات المتشائمة والأفلام، لكننا ببساطة قد نهلك وهو مقيم؛ إذ يبدو أننا نجحنا أخيرًا في ابتكار ما لا يفنى. قد ينقذنا هوسنا بالسيطرة على خطر انقلابه. ربما سنظل نُخضعه، كما نفعل مع كل ما تحت أيدينا، فلا يتعدى حدود إرادتنا، ثم بعد أن نفنى، تظل (Siri) وحفيداتها يرهفن السمع بانتظار أوامرنا لتلبيتها. ربما يبقى جِنّ عصرنا الحالي عمرًا بعدنا، ولا ينتبه أننا قد غادرنا حتى تأكل دابة الأرض بطارياتهم.
 

 د. فارس القنيعير: مستشار البحث والابتكار في "هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية"

محمد السعيد: مترجم سعودي

أمل الفاران: روائية سعودية