Hero image

العدالة الثقافية

فريق القافلة

مايو 10, 2026

شارك
من ضمن ما تُعرَّف به "الثقافة" أنها مجموع ما ينتجه ويستهلكه ويتبناه المجتمع من معارف وفنون وأفكار ومعتقدات وأنماط سلوك، وبهذا فهي عصب المجتمعات وركيزة بقائها وتنميتها، وهو ما يستدعي أسئلةً جوهرية عن كيفية ضمان وصول الثقافة بطريقة عادلة إلى كل مكوّنات المجتمع، مما بات يُعرف بمصطلح "العدالة الثقافية" الذي نشأ في بداية السبعينيات في إطار توسيع مفهوم العدالة خارج إطار الحقوق الاقتصادية.
وقد رأينا أن تكون "العدالة الثقافية" قضية هذا العدد، يناقشها فريق القافلة مع اثنين من المتخصصين: الناقد الدكتور محمود الضبع، عميد كلية الآداب في جامعة قناة السويس؛ والدكتور عبدالواحد الحميد الذي شغل مناصب عديدة لها صلة بالتنمية عمومًا، والتنمية الثقافية خصوصًا، ومؤلف كتاب "الاقتصاد الثقافي ودعم الثقافة والإبداع في المملكة العربية السعودية".
 

نشوء فكرة العدالة الثقافية وارتقاؤها

فريق القافلة

لم يكُن الإنتاج الثقافي متروكًا في يومٍ من الأيام لمبادرات المفكرين والمبدعين فحسب؛ ذلك أن العمل الثقافي ليس من السلع والخدمات التي يطلبها الجميع، وإن كانت ضرورية لهم، فهي ليست مسألة حياة أو موت؛ ولذا، فإن دعم الهواة والأسر الثرية والنافذين للإبداع الثقافي كان موجودًا دائمًا.

وفي التاريخ المعاصر، أي منذ القرن العشرين وإلى اليوم، سادت طريقتان للتعامل مع الثقافة؛ فعند مولد الاتحاد السوفيتي عقب عام 1917م، انقسم العالم إلى معسكرين، رأسمالي وشيوعي. في العالم الشيوعي، صارت الدولة تُقدّم كل شيء، في حين اكتفى العالم الرأسمالي بالمساندة المحدودة للأنماط الثقافية الأولى بالرعاية، كما تفعل بريطانيا مثلًا بدعمها للمسرح. وبنهاية الحقبة الشيوعية عام 1989م، صار العالم في جهة واحدة، يتخذ طريق المساندة الجزئية للثقافة. فعلى أي أساس يجب أن تُقدَّم هذه المساندة؟ وما المجالات والأنشطة الثقافية التي تستحق الإعانة؟ ولماذا؟ بعبارة مختصرة: من الذي يملك حق إنتاج الثقافة؟ ومن الذي يتمتع بحق تلقيها؟
كان من الطبيعي أن يولد مصطلح "العدالة الثقافية" في الولايات المتحدة الأمريكية، قلب العالم الرأسمالي القائم على المبادرة الفردية وتوازن السوق وقوانينه في كل شيء، بما في ذلك الثقافة. ولم ينشأ المصطلح في البداية مستقلًّا، بل جاء بوصفه أحد تجليات فكرة العدالة الاقتصادية والحقوق المتوازنة بوجهٍ عام. 
 

ظهر مصطلح "العدالة الثقافية" في الولايات المتحدة الأمريكية، قلب العالم الرأسمالي الذي يعتمد على المبادرة الفردية وتوازن السوق وقوانينه.

ويمكن التأريخ للحظة ميلاد المصطلح بصدور كتاب الفيلسوف جون رولز "نظرية في العدالة" في عام 1971م. ويُعدُّ الكتاب التفاتةً إلى الأسئلة الأخلاقية في الفلسفة والفكر والممارسة بعد عصور طويلة من هيمنة النزعات الوضعية والفلسفة البراغماتية في المجتمع الأمريكي.

أحدث كتاب رولز نقاشات فكرية واسعة في الفلسفة والاقتصاد والقانون، وبالطبع في الثقافة، وبنى عليه آخرون ممن تماسّوا بصورةٍ واضحةٍ مع الثقافة في الثمانينيات والتسعينيات، ومن بينهم: تشارلز تايلور، وويل كيميلكا، ونانسي فريزر التي قدَّمت أُطرًا ملموسة لفكرة العدالة الثقافية بأبعادها المختلفة، كإعادة توزيع الرعاية والاعتراف الثقافي. ومع تصاعد دراسات ما بعد الاستعمار، اتسع النقاش حول البُنى المهيمنة، ولم تعُد الحقوق الثقافية مجرد نقاشات وطنية داخل كل ثقافة على حدة، بل امتدت لتشمل نقد المركزية الغربية وتفكيك منظوماتها في التمثيل الثقافي، تلك المنظومات التي تُنتج صورًا نمطية عن المجتمعات الأخرى وتُحاكم ثقافاتها بوصفها أدنى من النموذج الغربي الذي تَعدُّه الأرقى.
وكان من الطبيعي أن ينتقل النقاش الفكري إلى مراكز اتخاذ القرار وفضاءات السياسة الدولية؛ فتبنَّت منظمة اليونسكو خطاب التنوع الثقافي. ومع إعلان 2001م، بشأن هذه القضية، أصبحت الثقافة حقًّا وضرورةً وليست ترفًا، وفوق ذلك غدت ركنًا من أركان التنمية الشاملة والمستدامة. ومن أهم ما جاء في هذا الإعلان أن التنوع الثقافي تراثٌ مشترك للإنسانية ينبغي الحفاظ عليه. ويتجاوز هذا المفهوم قضية التعدد وحق الثقافات المختلفة في الوجود، ويحمل القضية إلى أفقٍ أبعد، وهو النظر إلى جميع الثقافات بوصفها إرثًا إنسانيًّا مشتركًا.

وكان من الطبيعي في العقود الثلاثة الأخيرة، ومنذ نشأة العالم الرقمي أن تكتسب العدالة الثقافية بُعدًا آخر تمثّل في "عدالة التمثيل في العالم الرقمي"؛ من الذي يملك المنصات؟ ومن الذي يتحكّم في رسالاتها؟ وما مصير الثقافات واللغات الهامشية؟ 
وهكذا، غدت العدالة الثقافية ضرورةً على الصعيدين الوطني المحلي والدولي، تُثري التنوع والغنى الثقافي، بقدر ما تمنح الحق الثقافي للجميع.
 

ترابط سلسلة المفاهيم الثقافية

د. محمود الضبع

لا يمكن تحقيق العدالة الثقافية إلا إذا كانت هناك سياسات داعمة؛ أي "خطط وأفعال وممارسات ثقافية" تهدف إلى سد الحاجات الثقافية.

استقر مفهوم "القوى الناعمة" لوصف جانب مهم من جوانب قوة الدول والأمم، وهو جانب يتحقق من خلال آلية رئيسة، هي "الثقافة" وما يترتب عليها من قوى فاعلة تعمل في صمت، لكنها تتحكّم في بنية الشعوب ومقدراتها؛ ذلك أنها تمثّل النظام الخفي الذي يحكم المجتمعات ويتحكّم في مصيرها.

ونتيجةً لتبلور مثل هذه المفاهيم، فقد أصبح من اللازم ربطها بمفاهيم أخرى تُمثّل في إجمالها الإطار الحاكم والضامن لاستمرارية الدول والبلدان، مثل مفاهيم العدالة الثقافية، والسياسة الثقافية، والصناعات الثقافية، والإنتاج الثقافي. وهي مفاهيم تُمثّل في إجمالها بنيةً مترابطة لا ينفصل أحد عناصرها عن الآخر، وإن كان التراتب هو الذي يحكم فعاليتها ويضمن إمكانات استثمارها. 
فعلى سبيل المثال، لا يمكن تحقيق مفهوم العدالة الثقافية من دون أن تكون هناك سياسة أو سياسات ثقافية مُخطط لها بدقةٍ وإحكام، ومن دون أن تكون هناك رؤية ثقافية تربط بين الثقافة والإنتاج في إطار السعي نحو بناء عناصر مجتمع المعرفة وأبعاده؛ ليكون الأمر في سياقٍ مترابط وحلقات لا ينفصل بعضها عن الآخر.

فإذا كانت العدالة الثقافية تعني في أبسط صورها حصول أفراد المجتمع على حقوقهم من الخدمات الثقافية، وتوزيع هذه الخدمات على نحوٍ متساوٍ وعادلٍ بين الأقاليم الجغرافية، فهذا يعني في المقابل أن الأقاليم تنتج بدورها منتجاتها الثقافية، وهو ما يقتضي كسر مفهوم المركزية التي تعتمد فيها الأنشطة والخدمات الثقافية على العواصم والمدن الكبرى، وإعادة توزيعها لتشمل تغطية جميع أرجاء المناطق الريفية والحضرية والحدودية والنائية، وغيرها.
لا يمكن تحقيق العدالة الثقافية بهذه الكيفية إلا إذا كانت هناك سياسات ثقافية داعمة؛ أي "خطط وأفعال وممارسات ثقافية تهدف إلى سد الحاجات الثقافية لبلدٍ ما، عبر الاستثمار الأقصى في كل الموارد المادية والبشرية المتوفرة"، وهو ما أوجد في الوطن العربي، بدءًا من خمسينيات القرن العشرين، كياناتٍ حكومية محددة تختص بهذه الخطط والأفعال، مثل وزارات الثقافة والإرشاد القومي، ووزارات الثقافة والتراث، والهيئات واللجان وغيرها مما أصبح مُتعارفًا عليها في البلدان العربية.
 
ضرورة اعتماد مفهوم "القوى الناعمة"

وكلا المفهومين (العدالة الثقافية والسياسات الثقافية) يقتضيان اعتماد مفهوم "القوى الناعمة"، الذي يعني: أن تكون للدولة قوةٌ روحية ومعنوية من خلال ما تجسّده من أفكار ومبادئ وأخلاق، ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن، مما يدفع الآخرين إلى تقدير هذه الثقافة والعمل على انتهاجها سلوكًا في حياتهم.
وكل ذلك يقتضي مرحلتين تأتيان بالترتيب: الأولى هي بناء كل ذلك في أذهان المواطنين، ودفعهم للإيمان به (الوعي والتوعية)؛ والثانية هي استهداف ضم الأفراد وجذبهم بوسائل ناعمة وعبر موروثهم وعاداتهم وتقاليدهم وفنونهم، وكل ما يمارسه ويعايشه العامة والخاصة.

ولكي نبني هذه الثقافة في أذهان المواطنين، فليس أمامنا، كما ثبت عبر المنجز العلمي وتجارب الدول، سوى اعتماد التنوع الثقافي وتعزيزه داخل حدود الدولة؛ أي تعدُّد الأنماط وتنوعها، باعتماد كل الثقافات الفرعية، مثل التنوع الحادث لدينا في البلدان العربية: ثقافة الريف، وثقافة أهل الصحراء، وثقافة أبناء المناطق الحدودية، وثقافات المدن، وثقافات المدن الساحلية، إضافةً إلى المنتج الفكري والفني والأدبي والمادي الذي يُنتجه أبناء الدولة. والأهم من ذلك كله، توظيف هذا التنوع والاستثمار فيه ماديًّا ومعنويًّا. إذ لم يَعُد صالحًا الآن، في ظلِّ مجتمعات المعرفة، النظرُ للثقافة على أنها للاستهلاك، وإنما يتطلب الأمر النظر إليها بوصفها منتجًا له دوره ومكانته وله اقتصاداته، كما فعلت كثير من دول العالم في الشرق والغرب.
 

لم يعُد التعليم يعني مجرد تحصيل المعلومات والمعارف والقدرة على اجتياز الامتحان، وإنما اتسع مفهومه ليعني القدرة على امتلاك مهارات التفكير  وأساليبه.

ضرورة تنويع التعليم وتحدياته

وهنا تأتي خطوة أساسية تمثّل التفعيل الحقيقي للمفهوم المؤسسي للدولة، وهي التكامل بين الثقافة والتعليم. فلكي يُعزَّز التنوع الثقافي ويُؤتي ثماره ويحقق العدالة الثقافية، فلا بدَّ من تنويع التعليم بما يتناسب مع هذه الثقافات ويدعمها ويؤكدها، ويقدم المعرفة لتنميتها. وهذا يمثّل تغيرًا جوهريًّا في السياسات التعليمية، سيتنامى عامًا بعد عام ليتحمّل القطاعان التعليمي والثقافي المسؤولية كاملةً تحت سيادة الدولة وإشرافها.
غير أن ما سبق جميعه سيواجِه سؤالًا يبدو معيقًا في ظاهر الأمر، وهو: كيف يتحقق ذلك في ظل ما تعانيه كثير من الشعوب والبلدان العربية من مشكلات اجتماعية واقتصادية وصحية وغيرها؟
وهذا السؤال تجيب عنه الدراسات والتجارب لدولٍ توصّلت إلى أنه يكفي وضع إستراتيجية عامة للثقافة والتعليم، ثم توزيع المسؤوليات على مؤسسات الدولة، كلٌّ بحسب اختصاصه، ثم توزيعها على القطاعات الأدنى فالأدنى. ولعلَّ في الرؤى العربية "2030" و"2050" ما يشير إلى ذلك.

فالمشكلات الاجتماعية والصحية تعود بدايةً إلى التعليم والثقافة؛ لأنه بغياب الوعي وجهالة المجتمع تتضاعف المشكلات، وكلما ارتفع مستوى التعليم وامتلك الناس وعيهم، قلَّت مشكلاتهم وتحسّنت مستويات صحتهم.
أمَّا المشكلات الاقتصادية، فجانب كبير منها يعود أيضًا إلى التعليم والثقافة، سواء من حيث تخفيف العبء عن كاهل الدولة، عبر الحدِّ من الأمراض والقضايا الناتجة عن الجهل، أو من حيث تحقيق معدلات تنمية داعمة للدولة، أو حتى مجرد المحافظة على ما حقَّقته الدولة من تنمية. وفي هذا الصدد، تؤكد الدراسات أن أحد ثلاثي الصعود الطبقي هو التعليم وبناء الوعي.

أخذ المتغيرات المتسارعة بعين الاعتبار

ولكي يكون بناء مفاهيم العدالة الثقافية صحيحًا وسليمًا، فلا بدَّ من النظر إلى المتغيرات المتسارعة التي تطرأ على المجتمع بفعل التطورات المتلاحقة للتكنولوجيا وتطبيقاتها، وآخرها متغير الذكاء الاصطناعي (AI)، وهو ما أوجد بالضرورة آليات جديدة لصناعة الثقافة وإنتاجها، إلى درجةٍ جعلت معها كل مظاهر الحياة وأشكالها تخضع لتقنيات هذه التكنولوجيا وآلياتها، بدءًا من غذاء الإنسان وصحته وأساليب حركته، وانتهاءً بتوجهاته الفكرية ومواقفه الإنسانية. واقعيًّا، أمامنا كثير من المظاهر الدالة على تأثير هذه المتغيرات، مثل وسائل الاتصال والتواصل والإعلام البديل والذكاء الاصطناعي وغيرها، وقدرتها على تحريك البشر وتفكيك منظوماتهم الفكرية التي كانت مستقرةً على مدى قرونٍ طويلةٍ لم تستطِع الحروب ولا الاستعمار أن تغيّرها، ولكن غيرتها التكنولوجيا وعالم الميديا والوسائط المتعددة والذكاء الاصطناعي، وهو الأمر الواضح للعيان من حولنا.

شروط تحقيق هذه العدالة

وأخيرًا، لكي تتحقق العدالة الثقافية، فلا بدَّ من وضع خطة تطبيقية، ولا بدَّ لهذه الخطة من أن تكون مشتقة ومتوافقة مع الخطة العامة للدولة، ولا بدَّ لها أن تحتوي على محاور عامة من قبيل:
أولًا: إعادة صياغة مفاهيم التعليم والثقافة، وتحديد الأهداف منها؛ فالتعليم لم يعُد يعني مجرد تحصيل المعلومات والمعارف والقدرة على اجتياز الامتحان فيها، وإنما يتَّسع مفهومه الآن ليشمل القدرة على امتلاك مهارات التفكير وطرق البحث العلمي وأساليبهما. وكذلك الثقافة، لم يعُد مفهومها يقتصر على المنتج الفكري والكتب والمؤلفات والفنون والآداب، وإنما أصبح العالم يضمّ إليها المنتجَ الماديَّ، والعادات والتقاليد، وأساليب التعايش، والمعتقدات والأفكار، والمباني والآثار، والبحوث والدراسات العلمية. كما أن الثقافة لم تعُد مقتصرةً على إنتاج الإنسان فقط، وإنما على صناعة المعرفة، وهو الأمر الذي تبلورت له مرتكزاتٌ فكرية وأسسٌ وقواعد ضابطة تمثّلها أدبياتُ مجتمع المعرفة، الذي يعتمد على المعارف بوصفها الثروة الأساسية الناتجة عن الثقافة والفنون والآداب والعلم والبحث العلمي والتطوير المستمر في كل هذه العناصر، التي يحتّل فيها الإبداع الفردي والتفكير الابتكاري والأفكار مكانةً عُليا؛ إذ إن فكرةً واحدةً الآن كفيلةٌ بأن تحقق للإنسان قفزات، وبحثٌ علميٌّ واحد كفيل بأن يرقى بأمةٍ كانت في ذيل القائمة. والأمثلة على ذلك كثيرة يمكن التماسها في الدول التي اهتمت بالبحث العلمي والتعليم، والتخطيط لاستثمار الأفكار ونواتجها.
ثانيًا: إعادة إنتاج المنتج الثقافي وصياغته بالاعتماد على أساليب إدارة المحتوى المعاصرة، وهي أمور ليست بعيدة المنال أو مكلفة، وإنما يستطيع أبناء كل مؤسسة ثقافية أو اجتماعية تحقيق ذلك حال تفهم المسؤول عنها، وحال وجود رؤية ثقافية إنتاجية تستثمر الإمكانات المتاحة وتوظف الطاقات البشرية المشتتة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ثالثًا: تسويق المنتج الثقافي والتعليمي داخليًّا وخارجيًّا، عبر المعارض المتنوعة والمتعددة الأشكال، وعبر المواقع المتطورة والصفحات والمدونات على شبكات الإنترنت، وعبر ما يُسمَّى بالسياحة الثقافية؛ ليس بالمنطق التقليدي الإعلاني، وإنما بمنطق إدارة المحتوى المعاصر الذي يشمل صناعات السينما والمسلسلات والدراما ومقاطع الفيديو و"الريلز" وغيرها مما هو متداول ومتنوع.
إن ما نملكه في وطننا العربي من ذلك كثير، وما يحتاج إليه فقط هو عمليات تنظيم وإدارة وتوزيع مسؤوليات؛ ليكون قوةً داعمة للمجتمعات التي تتحقق فيها العدالة الثقافية، وتتأكد فيها الأدوار الضامنة لبناء مستقبل هذه الأمة.
 
مفهوم "المبادرة" في المملكة

اختارت المملكة العربية السعودية "مبدأ طول الذراع" في دعمها الثقافي تلافيًا لتضخم الجهاز الإداري وعيوب التدخل المباشر في الإنتاج الثقافي. واختارت هيئات وزارة الثقافة منذ إنشائها مبدأ "المبادرة" من جانب آخر، في حين ينشط نحو 36 ألف مؤسسة تعمل في مجال الثقافة، يتعلق 70% من أنشطتها بالتصميم والخدمات الإبداعية والكتب والمنصات الثقافية، ويتوزع 30%على الصناعات اليدوية والفنون البصرية والمنحوتات، وإنتاج البرمجيات، وأفلام الفيديو، وبيع الألعاب الإلكترونية والتسجيلات.
ومن دون أن تحمل التسمية اليابانية "الكنوز البشرية"، تستهدف مبادرة هيئة التراث النتيجة نفسها في الحفاظ على الحرف النادرة واستمرارها من خلال استحداث برامج التأهيل المهني، وتوثيق الفنون الشعبية والموسيقى والرقصات التقليدية، فضلًا عن تشجيع فعالياتها وتسويق منتجاتها.
 

العدالة الثقافية ركيزة للتنمية

د. عبدالواحد الحميد

 تهتم السياسات الثقافية في مختلف دول العالم بالتخطيط للشأن الثقافي والارتقاء بجوانبه، وتعزيز الثقافة وتوسيع نطاق المشاركة فيها، ليس من الناحية الكمية فحسب، بل من الناحية الكيفية أيضًا. ويأتي ضمن ذلك تحقيق التوازن في توفير الحق الثقافي بين العواصم وأقاليم الدولة وكذلك بين الفئات الاجتماعية المختلفة، وذلك عبر أدوات متعددة، من أبرزها تقديم الدعم المالي والتنظيمي والمعنوي والعيني من أجل تحقيق التوازن المطلوب. 

 مؤشر العدالة الثقافية

 ولتحقيق هذا التوازن، فإن الخطوة المنهجية الأولى هي دراسة الوضع الراهن للحالة الثقافية في البلاد، ثم بناء مؤشرات لقياس مستوى العدالة الثقافية في المدن والأقاليم والمناطق المختلفة، وكذلك بين الفئات الاجتماعية المتعددة. ويتضمن مؤشر العدالة الثقافية عددًا من العناصر، مثل عدد الفعاليات الثقافية، وعدد المسارح والمكتبات ودور السينما والمتاحف والمؤسسات الثقافية، وعدد الفنّانين والكُتَّاب والممارسين الثقافيين، ومستوى المشاركة المجتمعية، ومدى القدرة على الوصول إلى مصادر الثقافة، ومدى التمثيل الثقافي للفئات الاجتماعية المختلفة في الإنتاج الثقافي، وغير ذلك. 
 وبوجهٍ عام، تغطي هذه العناصر جوانب ثقافية أساسية، منها كثافة النشاط الثقافي وتنوُّعه في كل مدينة أو منطقة، ومستوى البنية التحتية الثقافية، ومدى تفاعل المجتمع بشرائحه المختلفة مع الفعاليات والأنشطة الثقافية، وحجم الإنتاج الثقافي في المجتمع المحلي. 
 وتُقاس هذه العناصر في كل مدينة وإقليم ومنطقة، وتُرصد قِيَمُها بصورةٍ نسبيّةٍ لا مطلقة؛ إذ من الطبيعي أن يكون عدد الفعاليات في المدن الكبرى أعلى منه في المدن الصغيرة أو القرى؛ لذلك يُقاس عدد الفعاليات نسبةً إلى عدد السكان، كأن يُحسب عدد الفعاليات الثقافية لكل ألف نسمة في كل مكان، بما يحقق عدالة المقارنة. وتطبق هذه المنهجية على بقية عناصر المؤشر، ليُصاغ مؤشر العدالة الثقافية على شكل معادلة رياضية بأوزان نسبيَّة لكل عنصر. ويُعدُّ المؤشر، على هذا النحو، مرتكَزًا أساسًا لتحقيق العدالة الثقافية منهجيًّا. 

 ومن خلال قياس هذه المؤشرات في مختلف مناطق المملكة، يمكن المقارنة بين المناطق والفئات الاجتماعية، وتحديد مواطن التفاوت. وتأتي الخطوة التالية في وضع خطط الدعم وتخصيص الميزانيات بناءً على نتائج هذه المؤشرات، بحيث توجّه الموارد نحو المناطق والفئات الأقل حظًّا، إمَّا عبر زيادة الإنفاق الثقافي فيها، أو إعادة توزيع الموارد بما يصحح الاختلالات في مستوى العدالة الثقافية. 
 ويمكن القول إن من أبرز مسوغات دعم الثقافة، سواء من الحكومة أو القطاع الخاص أو جمعيات النفع العام أو الأفراد، هو عدم ترك الشأن الثقافي بالكامل لآليات السوق؛ إذ قد يؤدي ذلك إلى حرمان بعض المناطق والفئات الاجتماعية من الوصول إلى مصادر الثقافة، بما يخلُّ بمبدأ العدالة الثقافية. بل إن ترك الثقافة لمنطق العرض والطلب قد لا يحقق حتى المستوى الاقتصادي الأمثل للإنتاج الثقافي وفقًا لمفهوم "مثالية باريتو" الشهيرة، وذلك على المستوى الكلي وليس على مستوى المناطق والفئات الاجتماعية فقط، مما يستوجب التدخل الحكومي وتقديم الدعم للثقافة. 
 

يمكن توظيف الدعم لإتاحة وصول جميع الفئات الاجتماعية إلى مصادر الثقافة مثل الفنون النخبوية وغير ذلك مما قد يكون باهظ التكلفة.

الدعم وبعض أوجه توظيفه

من المعروف، اقتصاديًّا، أن بعض المنتجات والخدمات والأنشطة الثقافية تُصَنف ضمن "السلع العامة" أو "السلع شبه العامة" أو "السلع ذات الجدارة"، وهي جميعًا تستدعي تدخلًا داعمًا لتحقيق المستوى الإنتاجي الأمثل من الثقافة. وإذا ما وُجِّه هذا الدعم بما يعزّز العدالة الثقافية، فإنه يسهم في رفع العائد الثقافي والاجتماعي، بل حتى الاقتصادي أيضًا، إلى مستويات أعلى من الرفاهية العامة وجودة الحياة عمومًا. 
 كما يمكن توظيف الدعم الثقافي لتحقيق ما يُعرف بـ"دَمَقْرَطَة الثقافة" على نحوٍ يتيح لجميع الفئات الاجتماعية الوصول إلى مصادر الثقافة. ويتجلى ذلك، مثلًا، في دعم العروض المسرحية أو الفعاليات الثقافية التي قد تَحُول تكلفتها المرتفعة دون مشاركة ذوي الدخل المحدود، أو في إتاحة الفنون ذات الطابع النخبوي لشريحة أوسع من المجتمع. 
 غير أن تخصيص الميزانيات وحدَه لا يكفي؛ إذ ينبغي أن يكون الإنفاق موجَّهًا نحو تحقيق عدالة مستدامة لا مجرد مبادرات موسمية مؤقتة. كما أن العدالة الثقافية لا تعني إتاحة الاستهلاك الثقافي فقط، بل تشمل تمكين الأفراد من الإسهام في الإنتاج الثقافي أيضًا. 

 واقع الحال في المملكة

في المملكة العربية السعودية، كان إنشاء وزارة للثقافة نقطةَ تحوُّلٍ فارقةً في مسار الثقافة في المملكة؛ إذ إن الإشراف على الشأن الثقافي قبل إنشاء وزارة الثقافة في عام 2018م، كان مُوزَّعًا بين جهات حكومية عديدة، مثل: وزارة الإعلام، والرئاسة العامة لرعاية الشباب، ووزارة التعليم، ووزارة الحرس الوطني، وبعض الجمعيات والمؤسسات الأهلية وغيرها. 
وكان من ثمار إنشاء وزارة الثقافة صدور الإستراتيجية الوطنية للثقافة في عام 2019م بوصفها أول إستراتيجية تنظّم القطاع الثقافي منهجيًّا، وتضع الخطط والسياسات الثقافية، وتحدد مستهدفاتٍ كميَّة للقطاعات الفرعية للثقافة، وذلك في سياق مستهدفات "رؤية المملكة 2030".

 وقد تضمنت الإستراتيجية الوطنية للثقافة كثيرًا من الركائز والسياسات التي تسهم، ضمنًا، في توفير قدر من التوازن في الحق الثقافي بين مناطق المملكة ومدنها، وكذلك بين الفئات الاجتماعية المختلفة. إذ تتمثّل الركيزة الأولى في الإستراتيجية بجعل الثقافة نمط حياة. وفي التقرير السنوي لوزارة الثقافة 2024م، عُرّفت هذه الركيزة بأنها تعني "ازدهار القطاع الثقافي بما يسهم في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ، ونشر وإيصال الثقافة لمختلف المناطق وشرائح المجتمع، وتحسين جودة مختلف جوانب حياة المواطنين والمقيمين في المملكة". وتشير بعض التقارير الرسمية المنشورة الصادرة عن وزارة الثقافة إلى وجود تفاوت وعدم تكافؤ في توزيع البنية التحتية والخدمات الثقافية بين مناطق المملكة، وكذلك بين الفئات الاجتماعية. 

 لم تُنشر بيانات رسمية عن الحالة الثقافية في عامي 2025م و2026م. وطبقًا لتقرير عام 2024م، فإن بعض التحديات في هذا المجال تتمثّل في "التمركز الجغرافي للنشاط الثقافي، الذي يحدُّ من شمول فرص المشاركة وتنوعها على مستوى مناطق المملكة. إذ تتركز معظم الفعاليات الثقافية والبرامج التدريبية في المدن الكبرى، ولا تحظى بالانتشار نفسه في المحافظات والمدن الصغرى والطرفية". كما أشار التقرير إلى أنه قد لُوحظ "الاتجاه السائد نحو إقامة هذه الأنشطة في مراكز المدن، في حين تبقى الأحياء السكنية والمساحات العامة، في كثير من الأحيان، خارج دائرة الفعل الثقافي، مما يقلل فرص وصول الثقافة إلى الحياة اليومية للأفراد، ويحدُّ من دور المجتمعات المحلية في تنظيم الفعاليات والمشاركة في تصميمها". 
 

من أبرز مسوغات دعم الثقافة، سواء من الحكومة أو القطاع الخاص أو جمعيات النفع العام أو الأفراد، هو عدم ترك الشأن الثقافي بالكامل لآليات السوق.

 تفاوتٌ في فرص المشاركة الاجتماعية

وذكر التقرير أن من بين التحديات البارزة التي كشفت عنها نتائج مسح المشاركة الثقافية خلال دورته الماضية: "التفاوت في فرص المشاركة الاجتماعية، حيث تتسع الفجوة بين الشريحتين الأعلى دخلًا والأقل دخلًا، لا سيَّما في المشاركة المكررة التي تزداد احتماليتها كلما زاد مستوى الدخل، وهو ما يعكس أثر العامل الاقتصادي لا على فُرص الحضور فحسب، بل على وتيرة المشاركة الثقافية وفاعليتها؛ إذ أفاد نحو ربع المشاركين في العينة بأن ارتفاع تكلفة التذاكر هو السبب الرئيس لعدم حضور المهرجانات والفعاليات الثقافية. وتسترعي هذه النتائج الانتباه إلى أهمية تنوُّع المعروض الثقافي، والحرص على الخروج من ضيق النخبوية، وتوسيع نطاقه بما يراعي احتياج الفئات المختلفة". 
 كما أشار التقرير إلى محدودية مشاركة المرأة في الإنتاج الثقافي ووجود فجوة كبيرة بين الجنسين لصالح الذكور على مستوى الإنتاج الثقافي، مع أن عدد العاملات السعوديات في المهن الثقافية يفوق عدد العاملين الذكور، وأن أعداد الخريجات من التخصصات الثقافية تفوق أعداد الخريجين الذكور. أمَّا على مستوى التلقي والاستهلاك، فيتساوى الجنسان.

 ختامًا، ينبغي التأكيد على أن تحقيق العدالة الثقافية يُعَدُّ ركيزةً أساسيةً من ركائز التنمية الشاملة، لما له من أثر مباشر في تعزيز النسيج الاجتماعي وتنمية رأس المال البشري. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تطوير مؤشرات كمية دقيقة لقياس العدالة الثقافية وربطها بآليات تمويل موجهة، بعيدًا عن الاكتفاء بالطرح النظري العام. وفي الحالة السعودية، فإن ما تحقق من بُنية مؤسسية وإستراتيجية طموحة يفتح الباب أمام مرحلة أنضج يكون فيها تحقيق التوازن الثقافي بين المناطق والفئات الاجتماعية هدفًا قابلًا للقياس والتقييم، وليس مجرد توجّهٍ عامٍ، بما يضمن أن تكون الثقافة حقًّا عامًّا لا امتيازًا جغرافيًّا أو طبقيًّا.
 
مبدأ المساندة عن قرب

تعتمد بريطانيا منذ منتصف القرن العشرين "مبدأ طول الذراع"، وهو بالأساس مبدأ اقتصادي، يعني في سياق الثقافة أن تكون يد الدولة ممدودة لها دون أن تديرها مباشرة. ويُموَّل دعم الثقافة في بريطانيا من موارد مختلفة، منها دعم الدولة المباشر والتبرعات وصناديق اليانصيب الوطني. وأبرز مؤسستين مدعومتين هما المتحف البريطاني والمسرح الوطني.

الدخول المجاني إلى المتحف الشهير، سواء أكان للمواطنين أم لزوّار لندن، يسهم في تعزيز المكانة الثقافية والسياحية للعاصمة البريطانية، في حين تقوم فلسفة دعم المسرح الوطني على اعتبار أنه المؤسسة التي تضع المعيار للطموح الفنيِّ في المسرح، الذي يرفع بدوره معايير المسرح الخاص. ويعود لهذا المسرح كثير من الفضل في بقاء أسطورة شكسبير حيَّةً على مدى الأجيال. فبفضل التمويل العام، يتمكن المخرجون من إعادة تقديم مسرحياته باقتراحات إخراجية جديدة. وبفضل استمرار رمز شكسبير، واستمرار التقاليد المسرحية، يتواصل التراث الثقافي البريطاني بقدر ما تحافظ بريطانيا على مكانتها الثقافية العالمية.

وإذا ما اتجهنا شرقًا إلى اليابان، نجد الأمر نفسه. فالمسرح الوطني الياباني من أهم المؤسسات التي تحظى بالدعم، من أجل الحفاظ على مسرحي "النو" و"الكابوكي". وبصفةٍ عامةٍ، تمنح اليابان الأولوية لحماية الفنون التقليدية والتراث المعنوي والمادي كالمعابد التاريخية. وتنفرد اليابان بمفهوم "الكنوز الوطنية الحية"، وتعني به الأفراد الذين يمتلكون مهارات فنية نادرة. وبهذا وسّعت اليابان من مفاهيم حماية الممتلكات الثقافية لتعَدَّ الخبرة الإنسانية نفسها من الممتلكات الثقافية، ومن الواجب رعاية حاملي هذه الممتلكات وصناعها. وتتولى وكالة الشؤون الثقافية في وزارة التعليم اختيار الفرد المعترف به كنزًا وطنيًّا وفق معايير محددة من بين فناني الفنون الأدائية والحرف التقليدية. ويحصل "الكنز الوطني" على الاعتراف الرسمي بمكانته والدعم الذي يساعده على التفرغ لممارسة حرفته ونقل الخبرة إلى جيل جديد.


د. محمود الضبع: عميد كلية الآداب في جامعة قناة السويس.
د. عبدالواحد الحميد: مؤلف كتاب "الاقتصاد الثقافي ودعم الثقافة والإبداع في المملكة العربية السعودية".