Hero image

العلوم الإنسانية

نوفمبر– ديسمبر | 2026

أكتوبر 31, 2026

شارك

يندرج تحت عنوان "العلوم الإنسانية" كل المعارف التي تدرس الإنسان بوصفه كائنًا منتجًا للمعنى، وتبحث في فكره وتاريخه وأدبه وفنونه ولغاته، وتحاول تفسير مجتمعاته. فإذا كانت العلوم الطبيعية تُعنى بماذا نقدّم وكيف نقدّم، فالعلوم الإنسانية تسأل: لماذا؟ ولمن؟ وأي ثمن يمكن أن يدفعه المجتمع لهذه الخطوة أو تلك؟

وعلى الرغم من انطلاق العلوم العملية من رحم الفلسفة، وعلى الرغم من أن الخيال الفني والأدبي كان أصل الكثير من الاختراعات والابتكارات، فإن ذلك لم يعُد يشفع للعلوم الإنسانية في عصرنا بأن تحتفظ بمكانتها الراقية التي تستحقها في الوعي المجتمعي.

 فبين الحين والآخر، يظهر جدلٌ حول جدوى تدريس العلوم الإنسانية، بل إن البعض لم يعُد يجد ضيرًا في إغلاق كليات الدراسات الإنسانية أو بعض أقسامها. لذا تطرح "القافلة" هذه القضية مع الدكاترة: عبدالسلام الوايل، عضو هيئة التدريس بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الملك سعود؛ وسماهر الضامن، الأستاذ المساعد بالكلية؛ وعبدالسلام بنعبدالعالي، العضو المقيم بأكاديمية المملكة المغربية. ومع أن المشاركات الثلاث تتفق على أهمية العلوم الإنسانية ودورها الذي لا غنى عنه، فإنها تقرّ بوجود مشكلات في تدريسها ودراستها، وصولًا إلى بحث دورها وما يُتوخى منها.

 

المرافعة الاعتذارية تضمن خسارة القضية
د.عبدالسلام الوايل

عند كل تساؤل عن قيمة العلوم الإنسانية اليوم، هناك مرافعة اعتذارية معتادة: "إنها علوم نبيلة لكنها بلا مردود، فلنَحْمِها"، وهكذا تكسب التعاطف وتخسر الحجّة؛ لأن هذه المرافعة تُسلّم ضمنًا بأن للسوق متطلباتٍ محايدةً معطاة، وأن على التعليم أن يتكيّف معها وحسب. والأجدر بالباحثين في العلوم الإنسانية إظهار تكوين الهوية والقيم والمعنى، لا بوصفها الجانب الناعم المقابل للاقتصاد، بل بوصفها إثباتًا للعلوم الإنسانية بأنها هي البنية التحتية التي يرتكز عليها أيُّ اقتصادٍ مُنتِجٍ ومجتمعٍ متماسك. وعندئذٍ لن يكون السؤال: هل تنفع العلوم الإنسانية سوقَ العمل؟ بل: أية سوقٍ وأي مجتمعٍ يمكن أن ينشأ أصلًا من دون العلوم الإنسانية؟

ولنلاحظ أولًا أن ما يُسمّى "متطلبات سوق العمل" هو بناء اجتماعي، وليس معطى طبيعيًّا جاهزًا لا دخل لنا فيه. فهناك من يحدّد هذه المتطلبات ولديه معايير يمكن مناقشتها ويمكن أن تتغيّر؛ إذ السوق ليست مُعطًى محايدًا يُصدر طلبات موضوعية، بل هي حقلٌ من المصالح والقوى والمؤسسات، ومتطلباتها تُصاغ، وليست سِرًّا في الطبيعة ما علينا إلا اكتشافه. 

شيء أكبر من الاقتصاد
لقد قلَّصت سوق العمل معنى "رأس المال البشري" واختزلت التعليم في عائد فردي قابل للقياس، فحجبت وظائفه الجمعية: اللغة، والثقة، والتماسك الاجتماعي. ففي المجتمعات التقليدية، عندما أمنح جاري طبقًا من الطعام، فهذا شيء أكبر من الاقتصاد. إذًا، في الأصل لم ينشأ الاقتصاد مستقلًّا في نظام التبادل، ولم يكُن المجتمع في خدمته، بل نشأ الاقتصاد ضمن بنية المجتمع بما فيها من روابط وأعراف ومؤسسات وثقة. يُعدُّ كارل بولاني من أهم مَن أعادوا التنبيه إلى هذه الفكرة في كتابه "التحوُّل الكبير" (The Great Transformation) الصادر عام 1944م؛ إذ رأى فيه أن الحداثة الرأسمالية أحدثت انقلابًا تاريخيًّا؛ فبدلًا من أن يكون الاقتصاد في خدمة المجتمع وضعت المجتمع في خدمة الاقتصاد. ويُذكر أن غاري بيكر وثيودور شولتز قد وضعَا نظرية رأس المال البشري موضعَ النقد.

وهنا، تسقط المرافعة الاعتذارية ويعتدل الميزان: فلا تُحاكم العلوم الإنسانية أمام السوق، بل العلوم الإنسانية هي التي تضع شرط وجود السوق.
والمفارقة التي ينبغي الانتباه إليها أن اتجاهات الأتمتة والذكاء الاصطناعي هي التي تعزّز الحاجة إلى العلوم الإنسانية، لا العكس؛ لأن الأتمتة ستجعل إنجاز الأعمال الروتينية، الذهنية منها قبل اليدوية، رخيصةً ومتاحة، وهذا سيرفع ثمن ما يصعب أتمتته، كالحكم في المواقف الملتبسة، والتأويل والإقناع، وصناعة المعنى، والحسّ الأخلاقي. وقد يقول البعض إن تطويرات الذكاء الاصطناعي ستجعله قادرًا على التحليل، وهذا ممكن، لكنه لا يتحمّل مسؤوليةً أخلاقية، ولا يحسم قيمةً متنازَعًا عليها، ولا يفهم سياقًا ثقافيًّا من الداخل. وكلما اتسع استعماله اشتدّت الحاجة إلى مَن يوجّهه ويؤوّله ويُحاسبه. وهذا الذي يوجّهه لا بدّ أن يكون على دراية بهذه الأمور الأخلاقية. وفي كل الأحوال، يجب أن تتحرك العلوم الإنسانية نحو المركز لا الهامش. فالمشكلة في كثيرٍ من الأحيان تكمن في تأهيل الخرّيج لا في انعدام الحقل؛ إذ إن القطاعات الثقافية والإعلامية والبحثية والسياحية في توسّع. والبطالة في تخصّصٍ ما لا تعني انعدام الطلب، بل قد تعني فجوةً بين مخرجات البرنامج ومتطلبات الفعل.

رأس مال حقيقي
حين نتحدث عن الهوية والقيم والحس الأخلاقي، وما ينتج عن هذه القيم من تماسك اجتماعي ووعي جمعي يُبقي المجتمع قائمًا، فنحن لا نتحدث عن زينة ثقافية، بل عن رأسمال فعلي وقيمة حقيقية تخفّض تكلفة المعاملات وترفع الإنتاجية وتعزّز الاستقرار؛ وكل ذلك يجعل الاقتصاد ممكنًا.

هذه معانٍ محسومة في الفكر الاجتماعي منذ زمن طويل؛ فالفرنسي إميل دوركايم (1858م - 1917م) نبّهنا إلى أهمية المجتمع قبل الفرد، ويُعدُّ التضامن الأخلاقي أهم ركائز فكره، وقد تساءل عن الروابط التي تحافظ على بناء المجتمع في ظل تقسيم العمل الذي قسَّم الناس من حيث وظائفهم إلى مجموعات مختلفة، في حين كان التضامن يتحقّق تلقائيًّا في المجتمعات القديمة من خلال التشابه. وبالنسبة إليه، فإن الاختلاف لا ينتج تفككًا بحدّ ذاته، بل بالعكس، يصبح الأفراد مثل الأعضاء المختلفة في الجسم، يتكاملون، لكن بشروط وأخلاق اجتماعية ومؤسسات تجعل الاعتماد المتبادل تضامنًا أخلاقيًّا.

 لكن، من هم الأفراد الذين سيتشكّل منهم المجتمع المتضامن؟ وهنا تسعفنا فكرة بيير بورديو (1930م - 2002م) عن رأس المال الثقافي لدى الفرد، وهو مجموع ما يملكه من قدرات لغوية ومعرفة ثقافية، يكتسبها من أسرته وتعليمه؛ لذلك، فكل ما يبدو من قدرات فردية هو في الأصل مرتبط بشروط اجتماعية وتعليمية.
وتضيف الأمريكية مارثا نوسباوم (1947م) إلى طرح بورديو، فترى في الأدب والعلوم الاجتماعية تدريبًا على التخيّل الأخلاقي، بمعنى القدرة على تخيّل شخص آخر لا يشبهنا، ثم نتعامل معه بوصفه إنسانًا، وهو ما يجعلنا قادرين على التفهّم والتعاطف.

بهذا المعنى، فإن العلوم الإنسانية هي التي تحقّق التنمية المستدامة، والتنمية مفهوم وقيمة أكبر من "النمو". لكن الثقة والتضامن رأس مال لا يظهر في الميزانية عندما يكون موجودًا، بل يظهر عندما يغيب. وبعبارة أخرى، فإن المجتمع الذي يُتقن صناعة الأشياء ولا يُتقن صناعة المعنى، يصنع ازدهارًا بلا اتجاه.

ولعلّ خير من عبَّر عن ذلك هو تشارلز رايت ميلز الذي تحدث عن "الخيال السوسيولوجي"، بمعنى القدرة على ربط سيرة الفرد بالتاريخ، والمشكلات الخاصة بالقضايا العامة. وهذه، تحديدًا، هي الكفاءة التي تحتاج إليها سوقُ عملٍ معقّدة، ومجتمعٌ يبحث عن معناه في آنٍ واحد. فالعلوم الإنسانية لا تُكوّن موظّفًا أفضل فحسب، بل تُكوّن إنسانًا قادرًا على فهم موقعه في عالمه؛ وذلك، في النهاية، شرطُ كلِّ عملٍ ذي قيمة.

رؤية السعودية 2030 والاتجاه نحو الإنساني
تُقرأ "رؤية السعودية 2030" غالبًا بوصفها انعطافًا تقنيًّا واقتصاديًّا؛ غير أنها في وجهٍ آخر رهانٌ واسعٌ على الثقافة والهوية والتراث، وهذا الوجه كثيفُ الطلب على خرّيجي العلوم الإنسانية. فالسياحة والتراث والثقافة وصناعة المحتوى والقوة الناعمة قطاعاتٌ كثيفةُ المحتوى الإنساني، وهي في صميم مستهدفات الرؤية. وما نشهده من نُموٍّ في العُلا والدرعية والمتاحف والهيئات الثقافية، هو في جوهره طلبٌ متزايد على تخصصات العلوم الإنسانية من مؤرخين وأنثروبولوجيين ومتخصصي لغة وإعلام. كما أن بناء الهوية الوطنية ومأسستها مشروعٌ إنسانيٌّ بالدرجة الأولى، لا يعتمد على التقنية وحدها؛ فالقراءة المتوازنة لسوق العمل تؤكد أنه يتحرك باتجاه العلوم الإنسانية.

وللإنصاف، فإن جزءًا من الأزمة من صنعنا نحن، ومصداقية مرافعتنا تقتضي أن نبدأ بنقد بيتنا الداخلي؛ إذ إن الفجوة بين ما نُدرّسه وما يحتاج إليه الخرّيج ليكون فاعلًا في العالم فجوةٌ حقيقية، لا ينبغي إنكارها بحجّة الدفاع عن التخصّص. وليس المَخرَج "إنسانياتٍ خالصةً" منكفئة، ولا تسليمًا كاملًا للسوق يُفرغ التخصّص من جوهره، بل علومٌ إنسانيةٌ مُصلَحةٌ تحفظ وظيفتها التكوينية وتبني جسورًا نحو التطبيق.


الإصلاح الضروري بمن وبأية تكلفة؟
د. سماهر الضامن


هل تكمن مشكلة الدراسات الإنسانية في المناهج الدراسية وطرق التدريس؟ 
نعم، وهي إجابةٌ مريحة يمكن دعمها بكثير من الأدلة. ويمكن أن نتبعها بحلول تقنية من قبيل تغيير المناهج، وتحديث الخطط الدراسية، وابتكار تخصصات بينية، أو استحداث تخصصات فرعية دقيقة. كل هذه الإجراءات ضرورية، بيْدَ أنها ستظل في أفضل حالاتها تدابير تلطيفية تُصلح الواجهة، في حين تتآكل القواعد. إذ تكمن معضلة تحديث المناهج في إحداث فجوة بين طموحات المناهج المعاصرة وأسمائها البراقة، وبين نظامٍ تعليمي جامد يعمل وفق نماذج صُمّمت لعصر انقضى عندما كانت المؤسسة الأكاديمية المصدر الوحيد للمعلومة، أما اليوم فإننا نعيش في عصر المعرفة المفتوحة والذكاء الاصطناعي.

وهناك صورة لتراتبية معرفية شائعة: الأذكياء يدخلون التخصصات العلمية، وتبقى الأقسام الأدبية لمن لا يجدون فرصًا في المسار العلمي. فنحن نحمل معنا تلك الرسائل إلى الجامعة، ومن هنا يبدأ توزيع الذكاء والجدوى بين التخصصات. ويبدو أن هذه التراتبية تفاقمت في السنوات الأخيرة؛ إذ ارتفع ارتفاعًا ملحوظًا عددُ الطالبات اللواتي يقلنَ إن التخصص الإنساني لم يكُن اختيارهن، بل هو الطريق المتاح لدخول الجامعة ورفع المعدل للتحويل إلى أقسام أخرى أقرب إلى سوق العمل.

لا شك أن هذه الظاهرة تلقي بظلالها الثقيلة على جودة العملية التعليمية ونوعية التكليفات، وحتى النقاشات داخل القاعات الدراسية؛ إذ يصبح السؤال الذي تدخل به الطالبات القاعة مختلفًا جذريًّا عن سؤال الطالبة التي جاءت لتدرس الأدب أو التاريخ أو الاجتماع، من "ماذا سأتعلّم في هذا المقرر؟" إلى: "كيف أحصل فيه على الدرجة التي تسمح لي بالمغادرة؟". وعلى افتراض أن هذه الفئة من الطالبات لم تتمكن من التحويل واضطرت إلى إكمال دراستها في التخصص الذي لم تكُن ترغب فيه، فأيُّ علاقة بالمعرفة نتوقع أن يحملنَها معهنَّ إلى سوق العمل، ولا سيّما حين يعود بعضهنَّ إلى التعليم؟ 

دور الأساتذة وتكامل الجامعة مع بيئتها
الأساتذة ليسوا وسطاء محايدين؛ فحضورهم العلمي وتكوينهم الفكري يتفوّق أحيانًا على أهمية المقرر نفسه. و"برستيج" الأساتذة الذين يدرّسون العلوم الإنسانية يعني الكثير للطالب، ويمكن أن يُبدِّل رؤيته للعلوم الإنسانية ويخرجه من أسر التراتبية التقليدية. وهكذا يمكن لمتخصص في الأدب أو النحو أن يزهو بذكائه أيضًا. غير أن الأمور ليست بهذا التبسيط أيضًا؛ فالنظام قادر أحيانًا على أن يمنح مساحة يشع فيها المتميّز، لكنه قادر أيضًا على دفن الموهبة المستنيرة.

 هناك أساتذة استثنائيُّون؛ فأستاذة نحوٍ كانت تُعرب الكلام وكأنها تتسلى بمكعب روبيك، وأستاذ أدبٍ جعل العَروض موسيقى حيّة بنبرة صوته الإيقاعية. لم يغيّر هؤلاء الأساتذة شيئًا في المنهج التقليدي، بل غيّروا طريقة العرض والتلقي. وفي المقابل، يمكن أن يكون الأستاذ عالمًا قديرًا، لكن النظام التعليمي وضع طلابه في مقاعد التلقي السلبي. وتلك المقارنة هي جوهر الأزمة: مقررٌ قديم قد يصبح حيًّا في يد أستاذ مُلهِم، وموضوع حيوي قد يموت داخل نظام تعليمي لا يسمح للحياة بالدخول إليه. 

بين الجامعات العالمية المرموقة نماذج تعيد تعريف الجامعة من الأساس. والاختلاف ليس في عناوين المقررات الرنانة، بل في الديناميكية التي تُدار بها العملية التعليمية كاملة: في النظام التنافسي بين الجامعات الذي يدفعها إلى تجويد التجربة وتحديث المقررات واستعراض ميّزات البرامج، وفي الحرية الممنوحة للأساتذة لتصميم المقررات بما يتناسب مع اهتماماتهم البحثية، وفي حرية الطلبة لاختيار مساراتهم. لكن الأهم في هذه التجربة هو ما يحدث خارج قاعات الدراسة أيضًا؛ أي في تكامل الجامعة مع بيئتها المحيطة: مراكز البحوث، والفنون، والفعاليات، والمجتمع، والبيئة والعادات اليومية، وحتى حركة المدينة. وهذه الديناميكية هي ما تفتقده جامعاتٌ كثيرة لا تزال تُدار بذهنية تراها مدرسة ثانوية كبرى.

 تؤيد النقاشات العالمية الحديثة حول إصلاح التعليم هذا التوجّه عمومًا؛ إذ يخلص تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الصادر في مايو 2026م، حول "نهج النظم البيئية"، إلى أن تحديث المنهج لا يكفي لإصلاح التعليم؛ إذ ينبغي أيضًا إصلاح المنظومة التي يُطبّق فيها من علاقات وموارد وبنى محيطة. وهذا يعني، في مجال الدراسات الإنسانية تحديدًا، اتخاذ عدة إجراءات، من بينها دمج الإنسانيات الرقمية، وتفكيك العزلة بين الأقسام وفتحها على مجالات حيوية، مثل الطب والاقتصاد والفلسفة والسياسة، وإعادة تعريف المهارات الإنسانية، مثل التفكير النقدي والكتابة الإقناعية والتحليل الثقافي، بوصفها مهاراتٍ بشرية قيادية مطلوبة في الشركات الإدارية والاستشارية، إضافةً إلى التوسّع في التعليم المستمر والشهادات المصغّرة، وفك الارتباط المباشر بين التخصص والاسم الوظيفي؛ فليست المسألة أن تتحوّل الجامعة إلى مركز تدريبٍ يطارد كل أداةٍ جديدة في سوقٍ سريع التغيّر؛ لأنها ستخسر هذا السباق حتمًا. 

حدث أن استحدثت بعض الأقسام مناهج لمواكبة التحوّلات في سوق العمل، وما إن تخرّجت الدفعة الأولى حتى تغيّرت تلك التحوّلات التي استحدثت المناهج لمواكبتها. ولعلّ المناهج الموازية تكون الأداة التي تجسّر هذه الهوة؛ فبينما ننشغل بتطوير الخطط الدراسية، نُغفِل هذه الروافد التي يجدر بالجامعات أن تدمجها في برامجها، بما يمنح الطلبة أساسًا معرفيًّا يجعلهم قابلين للتعلُّم المستمر وقادرين على تطويع أدوات العصر، وربما قادرين على العمل والإبداع في مجالات لم تخطر أصلًا لمصمّمي الخطط الدراسية.

تمنح دارسها أفقًا أوسع
يمكن الإشارة هنا إلى مثال عائلة المخرج كريستوفر نولان: فقد درس كريستوفر نولان الأدب الإنجليزي، وزوجته إيما توماس درست التاريخ القديم، وشقيقه جوناثان درس اللغة الإنجليزية، وزوجته ليزا جوي درست الأدب الإنجليزي مع تخصص فرعي في اللغة الصينية، وأكملت دراستها في القانون، ثم انتهى هؤلاء الأربعة من دارسي الأدب واللغة إلى صناعة أفلام ومسلسلات أربكت الزمن والذاكرة والوعي والفيزياء. لا يعني هذا، بالتأكيد، أن دراسة الأدب طريق سرّي ومضمون إلى صناعة فِلم "بين النجوم" (Interstellar) أو مسلسل "عالم الغرب" (Westworld)، لكنه يذكّرنا، على الأقل، بضيق السؤال حين نطالب كل تخصّص بوظيفة تحمل اسمه، ويذكّرنا بأن العلوم الإنسانية تمنح دارسها أفقًا أوسع من تخصّصه. فالمعرفة لا تتحرك بهذه الاستقامة، وإنما تنتقل الأدوات بين الحقول وتتغيّر وظائفها فتظهر قيمة ما تعلّمناه في مكانٍ آخر. إن هذه العائلة تُقدّم دليلًا حيًّا على أن المسار المهني نفسه قد لا يكون خطيًّا، وأن تراكم الحقول والخبرات هو ما ينتج الكفاءة النهائية. 

على أن بناء نظام تعليمي يسمح بهذه الحركة بين الحقول، ويمنح الطلبة فرصًا للتجريب والتعلم المستمر، لا يحدث من تلقاء نفسه؛ إذ يتطلب مؤسسةً مرنة، ومناهج قابلة للتجدد، وأساتذة قادرين على مواكبة هذا كله. وهنا نصل إلى الجانب الأقل ظهورًا في حديثنا عن الإصلاح: كلفته البشرية.

من سيقوم بهذا كله؟
يُتوقع من أعضاء هيئة التدريس مهمات عديدة تُراوح بين التدريس والتصحيح والإرشاد والتقييم والمشاركة في أعمال اللجان وكتابة التقارير والخدمة المجتمعية، إلى جانب البحث والنشر، ومتابعة ما يستجد في تخصصاتهم، وتعلُّم أنظمة إلكترونية تتغيّر باستمرار، والاستجابة لمتطلبات الجودة والاعتماد، ثم يُطلب منهم إعادة تصميم المقررات، وتجربة طرائق جديدة للتدريس والتقويم، ودمج التقنيات الحديثة، والبقاء حاضرين ذهنيًّا ومتابعين لتحولات المعرفة؛ وهذا كله إذا افترضنا، للتبسيط، أنهم كائنات بلا حياة عائلية أو اجتماعية أو التزامات خارج الجامعة.

 وليست المشكلة في عدد ساعات العمل فحسب، بل في تشظّي الانتباه وإدارة اقتصاد الوقت؛ فالتفكير الجيد يحتاج إلى وقت متصل للقراءة والتأمل والتجريب، والمقرر الحيّ يحتاج إلى أستاذ يستطيع أن يسأل باستمرار: ما الذي تغيّر في تخصصي؟ وماذا تغيّر في طلابي؟ وماذا يحدث خارج الجامعة؟ وما الذي ينبغي أن أفعله الآن بطريقة مختلفة؟ وفي العلوم الإنسانية تحديدًا، حيث المعرفة تراكمية، تظلُّ القراءة المستمرة للقديم والحديث شرطًا للمواكبة، وهذا بدوره يتطلّب وقتًا فعليًّا. فكيف يُتوقع من أعضاء هيئة التدريس تجديد التعليم إذا لم تمنحهم المؤسسة وقتًا للتفكير والقراءة والتأمل؟

تقدير قيمة العمل الإنساني
يبقى جانب آخر من المشكلة متصلًا بقيمة العمل الإنساني؛ فالكتابة والترجمة والتحرير والبحث الثقافي أعمالٌ كثيفة الوقت والمعرفة، بيْدَ أن المنتج النهائي كثيرًا ما يُخفي الساعات والسنوات المتراكمة وراءه. قد تبدو المقالة بضعة آلاف من الكلمات، في حين تطلّبت كتابتُها أيامًا وتستند إلى قراءة امتدت لسنوات. وحين نقيس قيمة هذا العمل بالمنتج الظاهر وحده، يصبح من السهل التقليل من ثمنه ومن قيمة التخصصات التي تنتجه. إننا حين نسأل عن "قيمة" العلوم الإنسانية، نستخدم القيمة غالبًا بمعنى العائد القابل للقياس: وظيفة، وراتب، ومنتج. لكن ليست كل قيمة سهلة التسعير. فما الثمن الذي نضعه للقدرة على صياغة السؤال الصحيح، أو قراءة خطاب مضلل، أو فهم سلوك بشري في سياق تاريخي واجتماعي معين، أو الوقوف أمام آلة واثقة من إجابتها لنسألها: "ما الذي أغفلته؟ ومن أين جاءت سلطتك؟".

 

أزمتُها غيابُ النقد الفلسفي
 د. عبدالسلام بنعبد العالي

يكاد يكون من المسلّمات الراسخة في الخطاب الثقافي العربي أن العلوم الإنسانية تمثّل الحاضنة الطبيعية للفكر النقدي، وأن تدريس السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا وعلم النفس والعلوم السياسية كفيلٌ، في حدّ ذاته، بترسيخ العقل النقدي وإحداث تحوُّل في المجتمع. هذا الاعتقاد يستند إلى تجربة هذه العلوم في أوروبا؛ إذ ارتبطت بنقد المجتمع التقليدي، وتفكيك أشكال الهيمنة، وإعادة النظر في المسلّمات الدينية والسياسية والثقافية. غير أن هذا التصوُّر يخفي وهمًا قلَّما جرى التنبّه إليه، وهو الاعتقاد بأن العلوم الإنسانية تستطيع، بمجرد انتقالها إلى الدول العربية، أن تؤدي الوظيفة التاريخية نفسها التي أدتها في مهدها. فهل تعمل العلوم الإنسانية عندنا على تكريس فكر نقدي بالفعل؟

ماذا حدث للعلوم الإنسانية عندما انتقلت من سياقها الأوروبي إلى المجال العربي؟ هل احتفظت بوظيفتها النقدية، أم تحوّلت إلى مجرد جهازٍ معرفي يعيد إنتاج مفاهيم وطرائق نشأت في سياق تاريخي مغاير؟

لقد وُلدت العلوم الإنسانية الحديثة في قلب التحوّلات الكبرى التي عرفها الغرب منذ القرن التاسع عشر؛ فارتبط ظهور السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والإثنولوجيا وعلم النفس والتاريخ الحديث بتشكّل الدولة الحديثة، وبالثورة الصناعية، وصعود الجامعة الحديثة، واتساع المجال العمومي الذي أتاح للمعرفة أن تمارس نقد المجتمع والسلطة في آنٍ واحد.

نشأتها وطموحها المزدوج
نشأت العلوم الإنسانية الحديثة، منذ القرن التاسع عشر، وهي تحمل طموحًا مزدوجًا: أن تتحرّر من التأمل الفلسفي المغرق في التجريد فتكتسب صفة "العلم"، وأن تحتفظ في الوقت نفسه بوظيفتها النقدية تجاه المجتمع. لكنّ هذين الطموحين لم يكونا ليتوافقا على الدوام. فكلما اقتربت العلوم الإنسانية من النموذج الوضعي، ازداد ميلها إلى وصف الوقائع وتصنيفها وقياسها، على حساب مساءلة مفاهيمها وافتراضاتها. وعندما يحدث ذلك، تصبح الفلسفة ضروريةً من جديد، لا لأنها تنتج معطيات بديلة، بل لأنها تسأل: كيف نعرف؟ وبأي مفاهيم؟ ولأي غاية؟
ومع ذلك، فإن هذه العلوم أسهمت في زعزعة كثير من المسلّمات التي كانت الفلسفة الكلاسيكية قد رسّختها؛ فماركس كشف البعد الاقتصادي للعلاقات الاجتماعية، وفرويد زعزع صورة الذات العاقلة، ودوركايم جعل المجتمع موضوعًا مستقلًّا للمعرفة، أما فوكو فوسّع مفهوم السلطة ليشمل المعرفة نفسها.

غير أن هذه الصورة تظل ناقصةً إذا أغفلنا الوجه الآخر لبعض هذه العلوم؛ إذ كانت في الوقت نفسه جزءًا من المشروع الاستعماري الأوروبي. فالأنثروبولوجيا والإثنولوجيا لم تنشآ فقط بدافع الفضول العلمي إزاء "الآخر"، بل كانتا أيضًا أداتين لمعرفة المجتمعات المستعمَرة وتصنيفها، وفهم أنساقها الثقافية والرمزية بما يسمح بإدارتها وإحكام السيطرة عليها. فالاستعمار لم يكُن مجرد احتلال للأرض، بل كان كذلك إنتاجًا لمعرفة عن الآخر، تجعل منه موضوعًا للملاحظة والتصنيف والإدارة. لقد كانت هذه العلوم إذًا جزءًا من مشروع الدولة الحديثة والإمبراطورية، كما بيّن ذلك على وجه الخصوص إدوارد سعيد في تحليله للاستشراق، وب. كوهن في دراسته للمعرفة الاستعمارية في الهند. لذا، يمكن أن نقول إن هذه العلوم الإنسانية حملت منذ ولادتها، وفي موطنها الأصلي توترًا بين النقد والهيمنة.

مشكلة تحوّلها إلى خطاب أكاديمي
فما الذي جرى لهذا التوتر عندما انتقل إلى الدول العربية؟ يمكننا أن نجيب عن هذا السؤال بالقول إننا في الدول العربية استوردنا هذه العلوم أكثر مما استوردنا شروط إنتاجها. ففي أوروبا، لم تظهر العلوم الإنسانية داخل الجامعة فقط، بل جاءت نتيجة تحوّلات عميقة تجلّت في الثورة الصناعية، وصعود الطبقة البرجوازية، وتشكّل الدولة الحديثة، وظهور العلمنة، واستقلال الجامعة، وتوفّر فضاء عمومي يسمح بالنقاش. أما في دولنا العربية، فقد وصلت هذه العلوم غالبًا بعد الاستقلال على هيئة مناهج ومفاهيم مترجمة، ولهذا تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مقررات جامعية، ومناهج جاهزة، ومفاهيم منحوتة أكثر منها أجوبةً عن أسئلة المجتمع، وعلى ذلك نجد أن الباحث العربي كثيرًا ما يبدأ من النظرية، ثم يبحث لها عن تطبيق، في حين بدأ علماء الاجتماع الأوروبيون من الوقائع، ثم بنوا النظرية.

وهكذا تحول ما كان أداةً نقدية إلى خطاب أكاديمي أكثر منه ممارسة اجتماعية. لقد أنتجت العلوم الإنسانية العربية بالفعل آلاف المؤلفات التي تنتقد التراث، وتُعمل فكرها في أسس الحداثة، وتعيد النظر في مخلّفات الاستعمار، بل وتحلل شروط العولمة وآثارها، لكن ما مدى تأثير كل هذا خارج الجامعة؟

 ثمة مفارقة أخرى لا تقل أهمية: ففي عدد كبير من الجامعات العربية أصبحت العلوم الإنسانية تؤدي الوظيفة التي كانت تضطلع بها الفلسفة؛ فكأن اسم "العلوم الإنسانية" أو "العلوم الاجتماعية" حلَّ محل الفلسفة بوصفها مجالًا للتفكير في الإنسان والمجتمع والتاريخ. غير أن هذا الحل لم يكُن مصحوبًا بانتقال الروح الفلسفية نفسها؛ أي روح مساءلة المفاهيم ونقد شروط إنتاج المعرفة. فغالبًا ما انشغلت هذه العلوم بوصف الظواهر الاجتماعية أو قياسها أو تصنيفها، في حين تراجعت مساءلة الأسس الإبستمولوجية التي تستند إليها. وهنا تكمن المفارقة: فالعلوم الإنسانية التي كان يُفترض أن تمارس النقد، أصبحت هي نفسها في حاجة إلى نقد. 

لا يعود سبب ذلك، بطبيعة الحال، إلى السلطة السياسية وحدها، بل أيضًا، وربما أساسًا، إلى بنية المجتمع، وضعف القراءة، وغياب الفضاء العمومي، وانفصال الجامعة عن المجتمع؛ فلا عجب أن يصبح النقد نفسه نشاطًا نخبويًّا.

بناءً على ذلك، فبدلًا من أن نسأل: هل أنتجت العلوم الإنسانية العربية فكرًا نقديًّا؟ ربما ينبغي أن نسأل: لماذا فقدَت العلومُ الإنسانية عندما انتقلت إلى الدول العربية قدرتَها على أن تصبح قوةً اجتماعية؟ فالمشكلة ليست في العلوم نفسها، بل في البيئة التي استقبلتها؛ إذ دخلت تلك العلوم إلى مجتمعٍ لم يشارك في إنتاج شروطها التاريخية، فاستورد أدواتها المفاهيمية من دون أن يستورد المجال العمومي والمؤسسات والاستقلال المعرفي الذي جعلها قادرةً في أوروبا على مساءلة المجتمع والدولة معًا. ولذلك تحوّلت، في كثيرٍ من الأحيان، من معرفة تُنتج الأسئلة إلى معرفة تُعيد إنتاج النظريات.

يذهب البعض إلى أن المشكلة لا تكمن اليوم في أن هذه العلوم تستورد النظريات الغربية، بل في أنها لا تزال تتحرك في كثير من الأقطار العربية داخل الإطار الإبستمولوجي الذي صنعه الاستعمار؛ أي أنها كثيرًا ما تنظر إلى مجتمعاتها بالأدوات التصنيفية نفسها التي صاغتها الأنثروبولوجيا الكولونيالية، حتى وإن كانت تستخدمها بنيّة نقدية. ومن هنا، تصبح المهمة الحقيقية ليست رفض العلوم الإنسانية، بل تحريرها من ذاكرتها الاستعمارية وإعادة بنائها انطلاقًا من الأسئلة التي يفرضها الواقع العربي نفسه، لا من الأسئلة التي أنتجتها تجربة أوروبا وحدها.

ومن هنا تبرز أهمية المشروع الفكري لعبدالكبير الخطيبي، فقد أدرك مُبكّرًا أن المشكلة لا تكمن في كون العلوم الإنسانية غربية المنشأ، ولا في مجرد استعمالها خلال الحقبة الاستعمارية، بل في استمرارها في حمل كثيرٍ من افتراضاتها الاستعمارية حتى بعد انتقالها إلى مجتمعات ما بعد الاستعمار. لذلك دعا إلى "نزع النزعة الاستعمارية عن السوسيولوجيا"؛ أي إلى تحرير أدوات المعرفة نفسها من تاريخها الاستعماري. ولم يكُن هدفه أن يستبدل السوسيولوجيا الغربية ويحل محلها أخرى عربية، ولا الركون إلى خطاب الأصالة، وإنما إعادة بناء الممارسة السوسيولوجية على أساس "النقد المزدوج": نقد للمركزية الغربية، ونقد للأوهام المحلية في الوقت نفسه.

ولهذا السبب لا يمثّل مشروع الخطيبي مجرد إسهامٍ في نقد الاستعمار، بل يمثّل دفاعًا عن الحضور الفلسفي داخل العلوم الإنسانية. فالنقد، في تصوره، لا يقتصر على مساءلة المجتمع، بل يبدأ بمساءلة المفاهيم التي نحلل بها المجتمع، واللغة التي نصفه بها، والموقع الذي نتكلم منه. فلا وجود لمعرفة بريئة أو محايدة؛ لأن كل معرفة تحمل آثار تاريخها وشروط إنتاجها وعلاقات القوة التي صاحبت تشكُّلها.

لذلك يمكن القول إن أزمة العلوم الإنسانية في الدول العربية ليست، في جوهرها، أزمة استيراد للمعرفة، ولا مجرد نتيجة لأصلها الأوروبي، بل هي أزمة غياب النقد الفلسفي الذي يجعل المعرفة قادرةً على مساءلة نفسها. لقد كانت الفلسفة، والعلوم الإنسانية، والجامعة، والصحافة، والمجال العمومي، والمؤسسات الديمقراطية، تتحرّك داخل البنية التاريخية نفسها. لذلك استطاعت السوسيولوجيا، على سبيل المثال، أن تؤثّر في السياسات العمومية، وأن تعيد تعريف مفاهيم الدولة، والأسرة، والعمل، والتربية، والانحراف، والهامش. أما في الدول العربية، فقد انتقلت العلوم الإنسانية بوصفها خطابًا أكثر منها قوةً تاريخية. ولذلك، فإن الاعتقاد بأنها ستؤدي الوظيفة نفسها هو نوعٌ من إسقاط التجربة الأوروبية على سياق مختلف جذريًّا.

إن المشكلة الحقيقية لتلك العلوم لا تكمن في كونها أخفقت في تغيير الواقع؛ لأن هذا الحكم يفترض سلفًا أنها كانت تملك الشروط التي تجعلها قادرةً على ذلك، ولا في أصلها الأوروبي، كما لو أن منشأها وحده هو سبب عجزها، بل إن مشكلتها تكمن في كونها تبنّت ادعاء العلمية أكثر مما تبنّت فضيلة التساؤل الفلسفي، وكذا في الوهم الذي صاحب استقبالها، وهو الاعتقاد بأنها تحمل في ذاتها قوةً نقدية مستقلة عن شروط إنتاجها. ذلك أنها عندما تنشغل بإنتاج المعطيات والتقارير والمناهج، من دون مساءلة مفاهيمها وتاريخها ووظيفتها، فإنها تفقد قدرتها على أن تكون قوةً نقدية فعّالة.

 

مجلة القافلة تدشن "صوت القافلة" و"بورتريه" على منصات البودكاست