Hero image

صناعة النشر

يوليو – أغسطس | 2026

يونيو 23, 2026

شارك
على الرغم من تطوُّر وسائل نقل المعارف وبناء الوجدان الفردي والجمعي، لا يزال الكتاب أهم هذه الوسائل. وبهذا المعنى لا توجد صناعةٌ تتفوق على "صناعة النشر" في الأهمية وعمق الأثر. وعلى الرغم من الازدهار الواضح في السنوات الأخيرة من حيث عدد دُور النشر وعدد الإصدارات، فإن هذه الصناعة تعاني تحدياتٍ كثيرةً هي محور قضية هذا العدد، ويشارك في تناولها الكُتَّاب: أحمد السماري، ومعجب الشمري، وأحمد شوقي علي. واللافت في هذه المشاركات الثلاث هو توافقها على ذكر التحديات التي تعيق تطوُّر هذه الصناعة لتصبح على مستوى الطموح.

بين منطق السوق ورسالة الثقافة
أحمد السماري

خلال العقدين الأخيرين، شهدت صناعة النشر العربية توسعًا ملحوظًا من حيث عدد دور النشر، وكثافة الإصدارات، وحضور معارض الكتب، حتى بدا المشهد، في ظاهره، أكثر حيويةً ممَّا كان عليه سابقًا. غير أن هذا الاتساع الكمي لا يخفي تعقيدات عميقة.

المقارنة بين دور النشر العربية ونظيراتها الغربية تكشف عن فجوةٍ واضحة في آليات العمل الاحترافي. ففي بيئة نشر متقدمة، لا تقتصر وظيفة الناشر على تلقي مخطوط وطباعته كتابًا، ثم توزيعه كيفما اتفق؛ إذ إن العملية تبدأ من قراءة المخطوط وتقييمه، ثم تحريره، ثم بناء خطةٍ متكاملةٍ لإطلاقه، تتضمن الحملات الإعلامية والندوات والتوقيعات والتواصل مع النقّاد والصحافة والمنصات الثقافية. كما يحضر الوكيل الأدبي بوصفه عنصرًا رئيسًا في حماية الكاتب، والتفاوض نيابةً عنه، وإدارة حقوقه الفكرية والتجارية.

 غياب الوكيل الأدبي والمعايير الاحترافية
وفي الدول العربية، لا يزال الوكيل الأدبي غائبًا أو محدود التأثير؛ لأن العائد الذي يحصل عليه الكاتب لا يسمح بتمويل عمل الوكيل الذي يتقاضى أجره نسبةً من حقوق الكاتب. ولذلك يجد الكاتب نفسه وحيدًا أمام دار النشر؛ يفاوض، ويوقّع، ويتابع، ويطالب بحقوقه بنفسه، في علاقةٍ غير متكافئة. ولهذا يمكن وصف كثيرٍ من العقود الحالية بأنها "عقود إذعان"، صِيغت لحماية مصالح الناشر أولًا، في حين يُترك المؤلف أمام خيارين: القبول أو البقاء خارج دائرة النشر.

لا يزال الوكيل الأدبي غائبًا أو محدود التأثير؛ لأن العائد الذي يحصل عليه الكاتب لا يسمح بتمويل عمل الوكيل الذي يتقاضى أجره نسبةً من حقوق الكاتب.

وتتجلّى الأزمة كذلك في غياب المعايير الاحترافية الواضحة لقبول الأعمال. فقد أصبح النشر لدى بعض الدور قائمًا على القدرة المالية للمؤلف، أو على الرواج المتوقّع، أكثر من اعتماده على القيمة الفكرية أو الأدبية للنص. ومع اتساع السوق التجارية، ظهرت موجةٌ من "الكتب السريعة" التي تعتمد على الخفة والانتشار اللحظي، في مقابل تراجع الاهتمام بالمشروعات الفكرية والأدبية العميقة التي تحتاج إلى صبرٍ واستثمار طويل الأجل.

وفي الواقع، نلحظ توجّه كثيرٍ من الناشرين إلى استنساخ ما يحقّق مبيعات مضمونة، سواء بالإغراق في ترجمة الكتب الخفيفة، أو بالتنافس على إعادة طباعة الكلاسيكيات بعد سقوط حقوقها الفكرية؛ لتتوفّر في طبعات متعددة بعد أن كان وجودها صعب المنال، كما حدث مع مؤلفات العقّاد وطه حسين وغيرهما. وهي ظاهرةٌ تكشف عن نزوعٍ اقتصاديٍّ مفهومٍ من جهة السوق، لكنها تعكس في الوقت نفسه تكرارًا يظهر ضعف المبادرة في اكتشاف أصوات جديدة، أو بناء مشروعات معرفية حقيقية.

تراجع دور النشر الحكومية
وفي المقابل، فقد تراجع حضور كثير من دور النشر الحكومية، التي كان يُفترض أن تؤدي دورًا موازنًا يحمي الثقافة الجادة، فانتهى دَور الأندية الأدبية وباتت أقل تأثيرًا في حركة النشر، على الرغم من أن مسؤوليتها الثقافية أكبر من البحث عن الربح السريع. وقد أدى هذا التراجع إلى ترك الساحة، إلى حدٍّ بعيد، للمنطق التجاري للسوق؛ وهو منطق لا يمكنه وحدَه أن يصنع مشروعًا ثقافيًّا متوازنًا، خصوصًا إذا تُرك دون تنظيمات واضحة وحوكمة تضبط الحركة وتحميها من الفوضى والتدهور.

ولا يمكن فهم أزمة النشر العربية بعيدًا عن ضيق السوق القرائية أصلًا. فعدد القرَّاء في الدول العربية، قياسًا بعدد السكان، لا يزال محدودًا، وهو ما ينعكس مباشرةً على حجم المبيعات والعوائد المالية، ثم على مستوى الخدمات التي تقدمها دور النشر. فحين تكون الطبعات محدودةً، والتوزيع ضعيفًا، تصبح قدرة الناشر على الاستثمار في التحرير الأدبي، والتسويق، والترويج، والمشاركة الدولية أقل جدًّا.

تراجع حضور كثير من دُور النشر الحكومية، التي كان يُفترض فيها أن تؤدي دورًا موازنًا يحمي الثقافة الجادة، وما انتهاء دور الأندية الأدبية إلا خير شاهد على ذلك.

ومع ضعف الرقابة الذاتية والمؤسساتية، تحرّكت بعض دور النشر في مساحة مريحة تجمع فيها الأرباح من الكاتب والقارئ معًا، من دون أن يقابل ذلك التزامٌ مهنيّ حقيقي بجودة المنتج أو أخلاقيات المهنة. وهذا الواقع أوجد حالةً من الإحباط لدى كثيرٍ من الكتّاب الجادين، ودفع بعضهم إلى التوقف أو العزوف عن النشر، بعد أن تحوّلت التجربة من حُلمٍ ثقافي إلى عبءٍ نفسي ومالي.

والأخطر من ذلك أن الناشر الرديء لا يضر الكاتب وحدَه، بل يضر أيضًا الصناعة برمَّتها؛ إذ يؤدي انتشار الممارسات غير المهنية إلى منافسة غير عادلة للدُور الجادة، التي تتحمل تكاليف التحرير والتدقيق والتصميم والتوزيع باحترافية عالية. وفي النهاية، يجد الناشر الملتزم نفسه أمام خسائر متكررة في سوق مزدحمة بالفوضى، في حين يحقق الناشر غير الملتزم، مكاسب أسرع وأكبر بأقل قدرٍ من الجودة والمسؤولية.

 تحديات أمام توزيع الكتاب
وثمّة صعوباتٌ كثيرة يواجهها الكتاب الورقي في العبور بين الدول العربية، سواء من حيث الإجراءات الجمركية، أو تكاليف الشحن، أو التعقيدات المرتبطة بتحويل المستحقات المالية وحفظ حقوق الناشرين، فضلًا عن انتشار كتبهم بصورةٍ غير قانونية على مواقع الإنترنت وهو ما يُعرف بالقرصنة المعلوماتية. وتلك عقباتٌ تجعل حركة الكتاب العربي أبطأ من حركة كثير من السلع التجارية الأخرى، مع أن الكتاب يُفترض أن يكون من أكثر المنتجات قابليةً للانتقال والتبادل داخل الفضاء الثقافي العربي المشترك.

ومن الإشكالات التي لا تزال تؤثر في حركة النشر العربية كذلك، تفاوت الأنظمة الرقابية بين البلدان العربية، وهو ما يؤدي إلى حالة من الارتباك لدى الناشرين والمؤلفين، ويحدّ من انتشار الكتاب العربي خارج حدوده المحلية.

الحاجة إلى مراجعة شاملة
إن صناعة النشر العربية تحتاج اليوم إلى مراجعة شاملة تتجاوز الحنين الثقافي أو الشكوى التقليدية. فالمطلوب هو بناء منظومة متكاملة تبدأ من تحديث التشريعات المتعلقة بحقوق المؤلف، وتطوير العقود بما يحقّق العدالة لأطراف الصناعة، وتفعيل دور الجمعيات والاتحادات المهنية، ورفع مستوى الشفافية والاحترافية. وإذا حدث ذلك، فسينعكس إيجابًا على مستوى المهنية ومردود الصناعة، بما يسمح بنموها واستكمال أدواتها، ومن بينها الوكيل الأدبي.

كما أن النهوض الحقيقي لا يتحقق دون توسيع قاعدة القراءة نفسها؛ لأن صناعة الكتاب لا تعيش بالكتابة وحدَها، وإنما تحتاج إلى قارئ حقيقي ومستدام. فكل مشروع ثقافي جاد يبدأ من التعليم، ومن بناء علاقة صحية بين المجتمع والكتاب، ومن تحويل القراءة إلى جزءٍ من الحياة اليومية، وليس نشاطًا هامشيًّا موسميًّا.

 

الرقمنة لم تعُد ترفًا
 معجب الشمري

ثمّة مقولةٌ متداولة تُعاد بلا تمحيص عن أمّة تقرأ في شعارها ولا تقرأ في واقعها. والحق أن هذه المقولة تُسطِّح ظاهرةً بالغة التركيب. فلدينا جمهورٌ قارئ، ومعارض كتبٍ تشهد كثافةً لافتة، وجيلٌ شاب يستهلك المحتوى الثقافي يوميًّا. غير أن هذا الحضور لم يتحوّل بعد إلى قوة سوقيّة مستقرة قادرة على حمل صناعة نشر راسخة ومستدامة.

القراءة في الدول العربية ذخيرةٌ معرفية حيّة، لكنها تتشكّل في معظم الأحيان على إيقاع متقطّع وموسمي. قد يُقبل القارئ على شراء الكتب في معرض أو معرضين طوال العام، ثم لا يتحوّل إلى قارئ مداوم أو مشترٍ منتظم. فالمشكلة إذًا ليست في غياب القارئ، وإنما في غياب البيئة التي تجعل القراءة عادةً يومية راسخة لا فعلًا استثنائيًّا عابرًا.

يتمثّل وجهٌ آخر من الأزمة في طريقة تقديم الكتاب نفسه؛ فبعض دور النشر ما زالت تتعامل معه بوصفه مُنتَجًا ساكنًا يكفي طرحه في السوق لينال حظّه، في حين أن العالم تغيّر جذريًّا. اليوم يعيش القارئ محاصرًا بمنافسة شرسة: منصات رقمية، وفيديوهات قصيرة، وألعاب تفاعلية، ومحتوًى لحظي متدفق. لم يعُد كافيًا أن تُتقن طباعة كتاب جيد، ثم تنتظر أن يجد طريقه وحدَه إلى أيدي القرَّاء.

أزمة ثقة وتحوّلات عميقة
تُضاف إلى ذلك أزمة القدرة الشرائية في عدد من الدول العربية التي تعصف بها الضغوط الاقتصادية، لكنها ليست العلة الوحيدة ولا الجذر الحقيقي. فثمّة أزمة وصول، وأزمة تسويق، وأحيانًا أزمة ثقة عميقة بين القارئ وسوق يعجّ بكتب نُشرت من دون تحرير رصين أو مراجعة حقيقيّة. وحين يدرك القارئ هذا، يزداد تحفظه على الشراء، وينعكس ذلك سلبًا على الصناعة بأسرها.

التحديات جسيمة، لكن جزءًا وافرًا من الأزمة مصدره أننا ما زلنا نعمل بعقلية "النجاة"، متجاهلين منطق الصناعة وأسس استدامتها.

في المقابل، لا يجوز إغفال جملةٍ من التحوّلات الإيجابية؛ فالجيل الجديد يقرأ بأشكال مغايرة، ويتلقى المعرفة عبر الهاتف والكتاب الصوتي والمنصات الرقمية. فالقارئ العربي لم يختفِ، لكن تبدّلت أدواته وتنوّعت مساراته. وهذا يُحوّل السؤال من "هل يقرأ العرب؟" إلى سؤالٍ أشد إلحاحًا وأجدى نفعًا: هل أحسنّا نحن، أهل صناعة النشر، فهمَ هذا القارئ الجديد والوصولَ إليه؟

كما أن مسؤولية بناء القارئ لا تقع على المدرسة وحدَها، بل تتوزّع على المجتمع كلّه: الأسرة والإعلام والمؤسسات الثقافية ودور النشر على حدٍّ سواء. وحين يغدو الكتاب حاضرًا في الفضاء العام والمقاهي والمنصات والفصول الدراسية والمحتوى الرقمي، تتضافر هذه العناصر لتُرسّخ قناعةً جوهرية: نحن لا نبيع كتابًا، بل نُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة.

اقتصاديات النشر قدر أم خيار؟
لا نؤمن للحظةٍ بأن الاقتصاديات الراهنة لصناعة النشر العربي قضاءٌ محتوم. نعم، التحديات جسيمة، لكن جزءًا وافرًا من الأزمة مصدره أننا ما زلنا نعمل بعقلية "النجاة"، متجاهلين منطق الصناعة وأسس استدامتها. فبعض دور النشر يقتصر همّها على تغطية تكاليف الطباعة وضمان المشاركة في المعارض، في حين أن النشر الحقيقي يستلزم استثمارًا طويل النَّفَس، وبناءً متأنّيًا للعلامة الثقافية، وفهمًا عميقًا للسوق والجمهور.

دَور الناشر في هذا السياق محوريٌّ لا ينبغي التهاون فيه. فالناشر لم يعُد وسيطًا سلبيًّا يتلقى المخطوطات ويُصدر أحكامًا بالقبول أو الرفض، لكنه أصبح صانع مشروع ثقافي متكامل: يُطوّر المحتوى، ويصنع القيمة، ويبني الجمهور، ويفتح أسواق البيع. وفي كثير من التجارب العالمية الناضجة، يتولى الناشر المشروع من بذرة الفكرة حتى يستقر الكتاب في يد قارئه. غير أن جزءًا من قطاعنا العربي ما زال ينتظر ما يُرسَل إليه، ثم لا يُحسن أكثر من البتّ في مصيره: الطباعة أو الرفض.

التكليف بكتابٍ يغطي ثغرةً ثقافية هو فعلُ ناشرٍ يمتلك رؤية، لا ناشرٍ ينتظر، وهو يستلزم جرأة واستثمارًا وأفقًا إستراتيجيًا بعيدًا.

لا تقوم صناعة في الدنيا دون تطوير أدواتها الاقتصادية. وذلك يعني: بناء منصات بيع متينة، والانتفاع من التجارة الإلكترونية، والتوسّع في إدارة حقوق الترجمة، والاستثمار في الكتب الصوتية والرقمية، وصناعة محتوًى تسويقي يُحيط الكتاب بما يستحقه من حضور. الناشر الذي يظلّ رهينَ المعارض الموسمية ونسخه الورقية المحدودة، سيبقى أسير هذه الدائرة المغلقة، فيما يتّجه العالم بخطى واسعة نحو محتوًى ثقافي متعدّد الصيغ ومفتوح الحدود.

وجزء من مفتاح الحل يكمن في إعادة بناء العلاقة بين الكتاب وجمهوره. فالقارئ اليوم لا يشتري عنوانًا، وإنما يشتري تجربةً كاملة: هيئة الكتاب وحكايته وحضوره الرقمي وشهادات القرّاء حوله. كما يتصل جزء من الأزمة بثقافة الإحجام عن الاستثمار الثقافي بعيد المدى؛ فكثير من مؤسساتنا تطلب ثمارًا سريعة من قطاع تراكمي بطيء البناء، ناسيةً أن كبريات دور النشر في العالم لم تشيّد صرحها في موسم أو موسمين، وإنما شيّدته عبر عقودٍ من المثابرة على بناء الثقة وترسيخ الهوية.

التكليف.. الناشر الذي يبادر
التكليف بكتاب يغطي ثغرة ثقافية هو فعلُ ناشرٍ يمتلك رؤية، لا ناشرٍ ينتظر، وهو يستلزم جرأةً واستثمارًا وأفقًا إستراتيجيًّا. كثيرٌ من الدور العربية اعتادت أن يأتيها المؤلِّف بمشروعه مكتملًا جاهزًا، وهذا يُغلق الباب أمام أجناس كاملة من الكتب التي لا يمكن أن توجد بهذه الطريقة، مثل كتب الفن، والسير الغيرية، والذاكرة الثقافية، والوثائق، والتجارب الوطنية، والكتب البصرية؛ فكلها تحتاج إلى ناشرٍ يبادر، لا إلى ناشرٍ يترقّب.

المشكلة أن بعض الدور ما زالت تنظر إلى التكليف على أنه مجازفة مالية، في حين أنه إحدى أشد أدوات صناعة المشروعات الثقافية الكبرى نجاعةً وأثرًا. لن نبني ذاكرة معرفية عربية حقيقية إن كنّا نرهن وجودها للمصادفة. فالمشروعات الخالدة لا تنبت عفوًا، بل تنشأ حين يعرف الناشر ما يريد أن يُوجد في العالم، ثم يبحث بنفسه عن الكاتب والمحرِّر والباحث وسائر العناصر التي تُحيل الرؤية إلى كتاب.

بين القرصنة وضرورات الرقمنة
القرصنة ليست سرقةً من الناشر وحدَه، بل هي نهبٌ منظّم لسلسلة الإنتاج الثقافي بأسرها: المؤلف والمترجم والمصمّم والمحرّر، فضلًا عن القارئ نفسه الذي ستضمر أمامه جودة الصناعة على المدى البعيد. بيْدَ أن الأمانة تقتضي الإقرار بأن توسُّع القرصنة يعكس في جانبٍ منه إخفاق بعض دور النشر في مواكبة التحول الرقمي؛ فحين لا يجد القارئ نسخةً قانونية ميسّرة وبسعر عادل، يلجأ إلى ما هو متاح. لذا، فإن الحل لا ينحصر في العقوبات والرقابة، وإنما يكمن في توفير بدائل احترافية تتيح الوصول بيسرٍ وسرعة وثقة.

كما أن حماية الملكية الفكرية ليست حكرًا على الجهات التشريعية والرقابية، فهي في عمقها مسألة وعي مجتمعي بقيمة المنتج الثقافي، واعتراف حقيقي بالجهد المعرفي والإبداعي الذي يُبذل خلف كل كتاب.

ويُخطئ من يظنّ أن تردُّد بعض دور النشر في الرقمنة والإنتاج الصوتي مردّه رفض المستقبل؛ بل الخشية منه هو الأقرب إلى الحقيقة. فبعضها يهاب فقدان السيطرة على حقوقه، وبعضها تعوزه الخبرة التقنية، وبعضها ما زال يرى في الكتاب الورقي الصيغة الوحيدة الجديرة بالاعتبار والاستثمار. أمّا القارئ الحديث، فيتنقل بين الورق والصوت والشاشة بيسر ومرونة، ولم يعُد يعترف بقالب واحد ولا بمسار واحد.

إن التأخّر في التحوّل يعني في أبسط صوره خسارة أجيال كاملة تتعامل مع الهاتف الذكي بوصفه مكتبتها الشخصية وفضاءها المعرفي اليومي. لذا، فإن السؤال لم يعُد: هل نتحوّل رقميًّا؟ السؤال الأجدر الآن: كيف نُنجز هذا التحوّل باحترافيةٍ تصون الحقوق وتوسّع الانتشار وترفع العوائد، وتمنح الكتاب العربي موضعه الحقيقي على خريطة الصناعة الثقافية العالمية؟

العدالة الواجبة بين ثلاثة ورابعهم القارئ
أحمد شوقي علي

يُؤرَّخ للتمكين من المعرفة بظهور المطبعة؛ أي بتحوّل النشر إلى صناعة، بعدما كانت الثقافة حكرًا على النخب القادرة على نسخ الكتب يدويًّا. لكن النشر العربي لا يزال يفتقر إلى معظم مقوماته اللوجستية والتنظيمية، على نحوٍ أبقى العلاقة بين أضلاعه الثلاثة؛ الكاتب والناشر والموزّع، أسيرة طورها البدائي، وكأنها عالقة في طفولة أبدية، لا تريد أن تبلغ نضجها الكامل.

وهذه العلاقة بالغة التعقيد إلى حدٍّ يجعل إصدار حكمٍ مطمئن على موضع الأزمة فيها أمرًا عسيرًا. فحين يُشار إلى غياب "العناصر اللوجستية" في أي صناعة، فإن المقصود لا يقتصر على غياب القدرة على توفير أدوات الإنتاج الأساسية من مادة خامٍّ ومعدات، بل يمتد إلى البنية التشغيلية، وقنوات التوزيع، وسلاسل الإمداد، والنقل، والتخزين، وإدارة الوقت، والتدفّق. وهذه كلها عناصر لا تتوافر أصلًا لصناعة النشر في الوطن العربي، بدءًا من النص المكتوب، الذي لا تعكس جودته أو ضعفه بالضرورة أي دليل على فرص انتشاره أو نجاحه، مرورًا بغياب وظيفة التوزيع المؤسسي، وانتهاءً بتحوّل كثيرٍ من دور النشر إلى مطابع تجارية تفتقر إلى التحرير الاحترافي أو المراجعة النقدية. فهناك هشاشةٌ في الأطراف نفسها وفي طبيعة العلاقة بينها.

كيف يُسعّر الكتاب؟
هناك فجوةٌ ضخمة بين تكلفة النسخة الواحدة من الكتاب وسعر إتاحته للجمهور، الذي قد يتجاوز ثلاثة أضعاف التكلفة الأصلية. لكن أسباب هذه الفجوة تتضح عند النظر إلى القسمة المالية الكلاسيكية بين أطراف الصناعة؛ إذ تُقدَّر حقوق المؤلف بنحو 10% إلى 15% من سعر الغلاف، وتصل فعليًّا إلى 8% أو 12% بعد التخفيضات، في حين يحصل الناشر على حصة تُراوح بين 40% و50% ليتبقى لديه هامش ربح صافٍ يقارب 10% أو 15% بعد حسم تكاليف الطباعة والإنتاج. وفي المقابل، تذهب النسبة المتبقية التي تعادل 40% أو 50% من سعر الغلاف إلى الموزّعين وتجّار التجزئة. ولا يتوقف اختلال هذه المنظومة عند لحظة توقيع العقد أو استلام الطبعة، وإنما يمتد ليكون التوزيع هو العقدة الكبرى التي تعطِّل وصول الكتاب إلى القارئ. ويتفق كثيرٌ من الناشرين العرب على أن كلفة الشحن واللوجستيات وهشاشة شبكات التوزيع تجعل الكتاب العربي أسيرًا لمسارات قصيرة ومكلفة.

هناك شكاوى من القرّاء بخصوص أسعار الكتب، ولا سيّما في معارض السعودية والخليج، وهي ليست منفصلة عن اختلال بنية النشر نفسها.

وهناك شكاوى من القرّاء بخصوص أسعار الكتب، ولا سيّما في معارض السعودية ودول الخليج، وهي ليست منفصلةً عن اختلال بنية النشر نفسها؛ إذ يتكرر الاعتراض على ارتفاع الأسعار مقارنةً بأسواق النشر الرئيسة. ويردّ الناشرون ذلك إلى كلفة الطباعة والورق والشحن، وتقلُّب أسعار الصرف، إضافةً إلى نفقات المشاركة في المعارض، من إيجار الأجنحة إلى النقل وعمولات البيع. ومع بعض أشكال الدعم الحكومي، مثل شراء النسخ للمكتبات العامة أو توفير الورق، يبقى هامش الربح محدودًا في الغالب، في حين تذهب نسبةٌ معتبرة من سعر البيع إلى المكتبات لتغطية التشغيل والتوزيع، لا لتحقيق أرباح استثنائية.

ويعزو مدير التوزيع السابق بإحدى دور النشر المصرية هيمنة الموزِّع إلى طبيعة الأخطار اللوجستية التي يتحملها؛ فهو المعني بكلفة الشحن والتخليص الجمركي وإدارة المخازن، فضلًا عن تحمله عبء المرتجعات غير المباعة.
وفي المقابل، يجد الناشر نفسه تحت وطأة تغطية كلفة الإنتاج والمصروفات التشغيلية، وهو ما يدفعه غالبًا إلى تقليص حصة المُؤلِّف. ويُضاف إلى ذلك كله الارتفاع الحاد في تكلفة مدخلات الإنتاج؛ ففي بيئةٍ تعتمد كليًّا على استيراد الورق والأحبار، يصبح ارتفاع أسعار الكتب انعكاسًا حتميًّا لتكلفة الإنتاج وتراجع أعداد الطبعات، وليس بالضرورة رغبةً في مضاعفة هوامش الربح.

البنية التحتية الهشّة
نتيجةً لهذه التحديات الإنتاجية، تكشف الأرقام والبيانات عن هشاشة البنية التحتية لصناعة النشر العربي؛ إذ يوضح رئيس اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد، أن إجمالي العناوين المنشورة في الدول العربية بأسرها لا يتجاوز 80 ألف عنوان سنويًّا، مقابل 100 ألف عنوان في تركيا وحدَها، وهو رقمٌ لا يتناسب مع كتلة سكانية تتجاوز 400 مليون نسمة. كما تراجعت أعداد النسخ المطبوعة للإصدار الواحد، وفقًا له؛ لتُراوح بين 50 و1,000 نسخةٍ في حدّها الأقصى. وممّا يُفاقم هذه الهشاشة غيابُ الدعم الحكومي الممنهج، وضعف الميزانيات المخصصة للتزويد والشراء المؤسسي من قِبل المكتبات العامة والجامعية.

وأمام التعقيدات اللوجستية التي ترفع كلفة الشحن وتحدُّ من انتشار الكتاب محليًّا، يجد الناشر نفسه، بحسب رشاد، مُجبَرًا على البحث عن منافذ بديلة تضمن له الكثافة العددية والقوة الشرائية.

ومن هنا، تُمثّل معارض الكتب الرئة الأهم وشبه الوحيدة لهذه الصناعة؛ إذ أظهر استبيان لاتحاد الناشرين العرب أن 52% من مبيعات الناشر العربي تأتي مباشرةً من المعارض. وقد تجلّت خطورة هذا الاعتماد المفرط على "الموسمية" خلال جائحة كورونا وما أعقبها من أزماتٍ سياسية واقتصادية أدّت إلى تأجيل معارض كبرى؛ إذ تسبّبت تلك التوقفات في خروج نحو 34% من الناشرين العرب من السوق تمامًا، وتراجع حجم الإصدارات بنسبة وصلت إلى 75%.

أزمة الثقة وغياب التكافؤ
وإذا عُدنا إلى جذور الهشاشة التي تحكم العلاقة بين أطراف الصناعة الثلاثة، فإننا نجد أن الأزمة لا تقتصر على نسب المبيعات فحسب، وإنما تتجذّر في غياب التوازن بين من يملك "النص" ومن يملك "منفذ البيع". وفي حين تشترط معايير المنظمة العالمية للملكية الفكرية (ويبو) في العقود الرشيدة أن تحدّد مدة الترخيص بوضوح، وشروط عودة الحقوق للمؤلف في حال نفاد الطبعات، مع تقسيم الدفعات المُقدَّمة على مراحل تضمن جدية العمل؛ يرضخ الكاتب العربي غالبًا لعقود إذعانٍ تعتمد صيغًا جاهزة لا تتيح أي هامش تفاوضي.

وتبرز أزمة الثقة بوضوح في شكاوى متكررة لكُتّاب يتّهمون دور النشر بالتلاعب في أرقام المبيعات الحقيقية أو إخفاء نسب السحب الفعلية، وهو ما دفع بعضهم إلى نشر أعمالهم خارج بلدانهم الأصلية بحثًا عن بيئة تضمن حدًا أدنى من الشفافية والإنصاف، ورغبةً في الانتشار خارج الوطن أملًا في تجاوز منظومة التوزيع المحلية التي لا تسعفهم في ذلك. وهناك مشكلة حقيقية تتمثّل في أن عدد دور النشر المُسجَّلة رسميًّا في هذا البلد أو ذاك، يبلغ أضعاف المنتسب منها لاتحاد الناشرين، رغم وجود القوانين التي تُلزم بالانتساب للاتحاد من أجل ممارسة المهنة؛ إذ يسهم هذا الواقع في تكريس المخالفات الهيكلية، مثل انتهاك حقوق الملكية الفكرية والتزوير.

إن غياب الثقة وتراجع الضمانات المهنية يقود دور النشر إلى البحث عن صِيَغٍ تقلل خسائرها المحتملة، حتى لو جاء ذلك على حساب جودة النص أو عدالة العلاقة مع الكاتب. وقد أفرزت رغبة دور النشر في تقليص أخطارها المالية ظاهرة النشر على نفقة المُؤِّلف؛ إذ يتحمّل الكاتب المبتدئ كامل كلفة الطباعة. وهو نموذج يحوِّل دور النشر إلى مجرد مطابع تجارية تفتقر إلى التحرير والمراجعة، لتتكدّس الساحة بنصوص ضعيفة فنيًّا تبقى حبيسة المخازن لغياب أي خطة تسويقية حقيقية.

مؤشرات ماذا يقرأ العرب
أمام هذه التحديات اللوجستية والورقية المتراكمة، لا يبدو التحوّل الرقمي مجرد خيار تكميلي، وإنما مخرج إستراتيجي واعد. وتدعم مؤسساتٌ رسمية هذا التوجَّه، مثل الهيئة السعودية للأدب والنشر والترجمة، التي أطلقت برنامجًا متكاملًا للنشر الرقمي يهدف إلى حماية حقوق الأطراف وفتح قنوات وصول مستدامة عبر المنصات الإلكترونية. وهذا التحوُّل لا يحلّ أزمة التوزيع فحسب، وإنما يمنح الصناعة بيانات دقيقة كانت غائبةً لفترات طويلة.

تقول المُؤسِّسة والرئيسة التنفيذية لتطبيق "أبجد" للقراءة الرقمية، إيمان حيلوز، في تصريح لجريدة الشروق المصرية: إن المنصات الرقمية باتت توفر للناشرين تقارير لا تقتصر على المبيعات، وإنما تمتد لتشمل مؤشرات القراءة وأعمار القرّاء وتتبُّع سلوكهم لمعرفة ما إذا كانوا يكملون الكتاب أم يتوقفون، وفي أي فصل، وهو ما يساعد دور النشر على رسم سياسات موجّهة ودقيقة. وقد كشفت هذه البيانات عن اتجاهات القراءة عربيًّا، لتضع الأدب بشقَّيه المحلي والمُترجَم في المرتبة الأولى بنسبة الإقبال نفسها، وتأتي كتب الأعمال والتنمية البشرية في المرتبة الثانية، في حين احتلَّت المرتبةَ الثالثة ظاهرةُ الإقبال الكثيف والمفاجئ على كتب الفلسفة، وتحديدًا في السعودية ودول الخليج. وعن سياسة التسعير الرقمي واختيار المحتوى، تبيّن أن أسعار الاشتراكات تُحدَّد وفق دراسات لقوة العملة المحلية ومتوسط دخل الفرد في كل دولة.

تُمثّل معارض الكتب الرئة الأهم وشبه الوحيدة لهذه الصناعة؛ إذ يأتي 52% من مبيعات الناشر العربي مباشرةً من المعارض.

وقد شهدت سوق الكتاب الصوتي العربي، على وجه الخصوص، قفزاتٍ واعدة؛ إذ تشير التقديرات التشغيلية إلى وصول الإنتاج العربي السنوي إلى ما يُقارب عشرة آلاف عنوان صوتي، وسط إقبالٍ متزايد من فئات عمرية متنوعة. ويُسهم هذا النمط في تحويل فعل القراءة التقليدي إلى "استماع" عمليٍّ مرنٍ يتوافق مع إيقاع الحياة اليومية. فالتطبيقات والمنصات المتخصصة، مثل "ستوريتل" في مصر والإمارات، و"ضاد" في السعودية، و"الراوي" في البحرين، و"راوي الكتب" في قطر، و"مسموع" في الأردن؛ تتيح للمستخدم تلقي الروايات والمعارف التاريخية في أثناء القيادة أو ممارسة الأعمال المنزلية. وتنعكس هذه الكفاءة الرقمية إيجابًا على إدارة الحقوق المالية؛ إذ تمنح مبيعات الكتب الإلكترونية والصوتية للمؤلفين الحصول على حصص أرباحٍ صافية تُراوح بين 50% و70% من القيمة البيعية؛ نظرًا لغياب وسيط التوزيع المادي وكلفة الورق، وهو ما يضمن تدفُّقات مالية مُجزية فور تغطية السلف المقدمة.

وعلى الرغم من هذه الآفاق الاستثمارية الواعدة، يواجه النشر الرقمي والصوتي في الوطن العربي تحدياتٍ بنيويةً تحدُّ من نموه وقدرته على تحقيق الاستدامة المالية الكاملة، مقارنةً بالأسواق العالمية المتقدمة. وتتلخص هذه التحديات في ضعف التشريعات الحامية من القرصنة، وتعقيد جهات الاختصاص القضائي، والحاجة إلى استثماراتٍ تقنية مرتفعة لحماية المحتوى، وتفاوت البنية التحتية الرقمية بين الأقطار العربية.

ولا تبدو هذه التحولات، على اختلاف مظاهرها، إلا امتدادًا للأزمة الأصلية؛ فكلما حاولت صناعة النشر أن تتقدَّم خطوةً، أعادتها هشاشة بنيتها إلى نقطة البداية، وكأن الكتاب العربي لا يزال عالقًا بين الطباعة والتوزيع والحقوق، من دون أن تكتمل له السلسلة التي تمنحه حضوره الطبيعي في السوق والمعرفة معًا.

 

أحمد السماري: روائي سعودي.

معجب الشمري: ناشر سعودي.

أحمد شوقي علي: أديب وصحافي مصري.

رسوم: عمر صبير

هل شقّ النشر الذاتي طريقه بنجاح في العالم العربي؟