.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
تطوُّر المدن
واليوم، وقد وصلت بنا التطورات التكنولوجية إلى إمكانية التحرر من المكان، اخترنا أن نطرح قضية "المدينة" وأسئلتها الملحّة على أربعة من كبار المتخصصين في العمران وتاريخه وعلم الاجتماع، وهم: الأستاذة المساعدة في العمارة بجامعة الملك عبدالعزيز والباحثة في العمارة المستدامة والتراث العمراني، د. نورا عبدالرحمن غبرة؛ ومخطط المدن والأستاذ الفخري في كلية التصميم البيئي بجامعة كاليفورنيا، د. نزار الصياد؛ وأستاذ التخطيط العمراني بجامعة الملك سعود، د. وليد الزامل؛ وعالم الاجتماع، والعميد الأسبق لمعهد العلوم الاجتماعية بالجامعة اللبنانية، أ.د. فردريك معتوق.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
من النشأة إلى الطموح
د. نورا عبدالرحمن غبرة
منذ آلاف السنين، بنى الناس المستوطنات البشرية حول الموارد الطبيعية الحيوية كالآبار وضفاف الأنهار وسواحل البحار، وكانت هذه التجمعات البشرية تشكل مراكز حيوية مكتظة عالية الكثافة تشمل المساكن وأماكن العمل والترفيه، تُقطع من بدايتها إلى نهايتها سيرًا على الأقدام، وتحيطها مراكز الإنتاج الاقتصادي كالمزارع والورش التي تعتمد على الموارد القريبة وتوفر المنتجات المحلية.
وعلى مر القرون، تطورت هذه المستوطنات، فما كان قريةً صغيرةً حول بئر أو نهر أصبح مدينةً ضخمةً متوسعةً عمرانيًّا يُضطر سكانها إلى قطع عشرات الكيلومترات يوميًّا بوسائل النقل الحديثة لتلبية احتياجاتهم. فكيف تغيّرت المدن وتطورت؟ وما التحدّيات التي رافقت هذا التطور؟
نماذج الإسكندرية وأثينا وجدة
لفهم نشوء المدن قديمًا وتطورها نستعرض بعض الأمثلة الشهيرة؛ فالإسكندرية مثلًا، تُعدُّ من أوائل المدن التي اتبعت تخطيط الشوارع المتقاطعة أو التخطيط الشبكي للمدن. أُسّست عام 331 قبل الميلاد على يد دينوقراطيس مُتّبعًا نهج معلمه اليوناني هيبوداموس، انطلاقًا من إيمانه بأن التنظيم الهندسي للمدينة ينظم حياة المجتمع سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، وهذا ما ضمنه التخطيط الشبكي للمدينة، آنذاك، من عدالة في تقسيم الأراضي، والسماح بمرور الرياح والشمس لتوفير التهوية والإضاءة للمساكن بشكل أفضل، وتسهيل حركة التجارة داخل المدينة والدفاع عنها.
وفي المقابل، لم تتبع أثينا القديمة التخطيط الشبكي، بل نمت وتطورت تدريجيًّا وطبيعيًّا، استجابةً للاحتياجات البشرية والتضاريس الطبيعية. فهذه المدينة العضوية، بطرقاتها الضيقة المزدحمة وبيوتها البسيطة المبنية من الطين والخشب، كانت تركّز بدرجةٍ كبيرة على المشاركة والتعاون المجتمعي، وهو ما يظهر جليًّا في التصميم الحضري لساحة المدينة المركزية أو "الأغورا" التي تحفها المباني العامة والمعابد والأسواق وتظللها الأشجار. هذا القلب النابض للمدينة جعلها مركزًا للحياة العامة والتجارية والفلسفية التي أنتجت لنا عقولًا، مثل سقراط وأرسطو وأفلاطون.
وفي شبه الجزيرة العربية، نرى مدنًا قديمة مثل جدة التاريخية، يتميز تخطيطها الحضري العضوي بالنسيج العمراني المتضام الذي يستجيب للاحتياجات البيئية والاجتماعية والاقتصادية. فشبكة الطرقات بين الأحياء المتشعبة تمثل نظامًا متكاملًا لتوفير الظلال وتوجيه الرياح في مناخها الحار الرطب، والباحات بين الأزقة تخلق مساحات مظللة مريحة للتبادل التجاري والاجتماعي والثقافي. وتعتمد في مواردها الطبيعية على صهاريج مياه الأمطار، والتداول التجاري البحري والبري بين جموع الحجاج وقوافل البادية خارج أسوار المدينة الدفاعية.
يمكننا أن نفترض من هذه الأمثلة أن المدن القديمة كانت مجتمعات متماسكة يعتمد أفرادها بعضهم على بعض في تأمين الغذاء والماء وسائر ضرورات الحياة، وكان مفتاح البقاء يتمثّل في الوصول إلى مصادر المياه والغذاء، إضافةً إلى العثور على مأوى أو تشييده على مسافة مشي معقولة من هذه الموارد الحيوية. ومن الواضح أن تلك الحضارات تشاركت تصوّرًا متقاربًا لما يُعدّ مدينةً مخططةً بعناية؛ إذ أُعطت الحياة العامة والتفاعل الاجتماعي أولوية واضحة. وكان وجود شبكة شوارع، سواء أكانت على هيئة شبكة منتظمة أم دوائر متمركزة، بالقرب من مسطح مائي عذب شرطًا أساسًا لازدهار الحياة المدنية واستمرارها. وهنا يبرز السؤال: كيف تغيّرت منظومة المدن عبر السنين؟
الصناعة والاقتصاد يتغلبان على الاحتياجات الإنسانية
في أعقاب الثورة الصناعية، تحوّلت أماكن العمل من مزارع محيطةٍ بالمنازل ووِرَش في المساكن والأسواق إلى مصانع وخطوط إنتاج ضخمة تعتمد على الأعداد الكبيرة من العمال. ونتيجة لذلك، نزح العديد من سكان المناطق النائية إلى المدن التي توسعت بشكلٍ غير مسبوق، وشُيّدت المساكن والبنية التحتية بما يخدم الأعداد المتزايدة، وأصبحت مصادر الإنتاج والطاقة والمصانع متمركزة في أطراف المدن، ومُدّت خطوط القطارات لنقل العمال والوقود والبضائع والمنتجات. وأصبحت المدن تُخطّط وتُصمّم تبعًا لاحتياجات السيارات ووسائل النقل الحديثة والصناعة والاقتصاد، عوضًا عن الاحتياجات الإنسانية لسكانها. واستوردت العديد من الدول العربية هذا النموذج للتوسع العمراني للمدينة الحديثة. فما آثار هذا التوسع العمراني؟ وكيف أثر في البنية الاجتماعية والبيئية والاقتصادية في المدن؟
حرية حركة أكبر.. ولكن
هذا التحول المتسارع في نمط المدينة وفّر للناس حريةً أكبر في الحركة والتنقل، واختياراتٍ أكثر في أسلوب الحياة. وفي المقابل، ظهرت مشكلات الاختناق المروري واستنزاف المساحات المفتوحة لصالح الطرق ومواقف السيارات، وارتفاع تكلفة السكن، ولم يعُد الأفراد والعوائل يسكنون بالقرب من بعضهم بعضًا، وهو ما أضعف أواصر العلاقات الإنسانية وأثّر سلبًا في النشاط المجتمعي المحلي، وغير ذلك من مشكلات المدن الحديثة، كالتلوث البيئي، والضوضاء، وهدر الوقت، وزيادة التوتر والإجهاد النفسي.
لآلاف السنين، مارست المدن دورًا جوهريًّا في التنمية البشرية، وكانت المحرك الحيوي والقلب النابض لتطور العلوم، والثقافة، والتجارة والتكنولوجيا. وفي وقتنا الحاضر، يعيش أكثر من نصف سكان الأرض في المدن، وتشير التوقعات إلى أن 90% من البشر سيسكنون المدن في المستقبل. ولهذا، يؤمن الباحثون بأن التحديات الكبرى التي تواجه عصرنا، سواء المتعلقة بالمناخ والبيئة، أو الأمن الغذائي وأمن الطاقة، أو الصحة والمياه والعدالة والسلام، أو فرص العمل، ويمكن معالجتها على أفضل وجهٍ ضمن سياق المدن وإطارها الحضري.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
بين التخطيط والعشوائية
أ. د. نزار الصياد
إن ما نطلق عليه "عشوائيات" أو نموًّا غير مخطط هو استجابة منطقية من السكان لعجز المخططات الرسمية عن تلبية احتياجاتهم الواقعية. ويحمل هذا النمو العفوي في طياته روح المدينة القديمة من حيث تداخل الوظائف والروابط الاجتماعية الوثيقة، وهذا ما يفتقده التخطيط الثابت الذي غالبًا ما يُحوِّل الأحياء إلى مجرد "مراقد" سكنية تخلو من الحيوية. وبالرجوع إلى الرؤى المتأرجحة بين الكفاءة والإنسانية، نجد أن الحل يكمن في فهم "التقليد" بوصفه عملية مستمرة من إعادة الاختراع، لا شيئًا ثابتًا من الماضي. فالتخطيط الناجح هو الذي يترك مساحة للنمو العضوي داخل إطار تنظيمي مرن، وهو ما يسمح للمدينة بأن تظل مكانًا للعيش وليس مجرد آلة للإنتاج.
إن الجدل بين التخطيط والنمو العفوي هو في جوهره جدل حول هويّة الإنسان في العصر الحديث. فبينما يطالب الفريق المؤمن بكفاءة التخطيط العمراني بأشكال هندسية معقّمة ومنظّمة تسهل السيطرة عليها وإدارتها، يحذّر الفريق الآخر من أن هذا التوجه يقتل روح المدينة ويحولها إلى غابة من الخرسانة الباردة. وهنا يأتي دور "المخطِّط المطّلع والمثقّف" الذي يفهم التاريخ لا لكي يقلده، بل لكي يستلهم منه دروس الاستدامة والترابط. فالمدينة التي نشأت من "الداخل إلى الخارج" كانت تمتلك توازنًا فطريًّا. وعلى المدينة المستقبلية أن تستعيد هذا التوازن عبر تبني رؤية تدمج بين الوظائف وتسمح بالتنوع الطبقي والوظيفي داخل الحي الواحد، مما يقلل الحاجة للتنقل الطويل ويعيد إحياء مفهوم "إنسانية المدينة".
العشوائية ليست انحرافًا
إن تطوير المناطق والمستوطنات العشوائية يمثّل تعبيرًا مباشرًا عن تطور الرأسمالية التابعة في مجتمعات دول العالم الثالث. وقد ركّزت الدراسات في أواخر السبعينيات على الجوانب السياسية لتطور العشوائيات، وأظهرت أنها لا تمثّل انحرافًا عن النظام الاجتماعي السائد، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأنظمة السياسية التي تحدث فيها. كما سلّطت بعض الدراسات الحديثة الضوء على الروابط الوثيقة بين القطاع غير الرسمي والقطاعات الرسمية للإسكان والاقتصاد والسياسة الرسمية للدولة. فعلى سبيل المثال، أكدت "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية" في مراجعة لبرامجها للإسكان والتنمية الحضرية، على شبكة العلاقات المعقدة والديناميكية بين القطاعين الرسمي وغير الرسمي؛ أي التخطيطي والعشوائي، بوصفها ظاهرة "اقتران" يجب أن تُؤخذ في الحسبان عند تصميم برامج التنمية. وفي الوقت نفسه، جادلت دراسات أخرى بأن وجود الأنشطة العشوائية غير الرسمية ضرورة لبقاء الاقتصادات الوطنية في دول الجنوب أو العالم الثالث. الحجة التي ألقت باللوم على فقراء العشوائيات لافتقارهم إلى الدافع لتغيير ظروفهم المعيشية أصبحت تاريخًا الآن؛ إذ صرنا اليوم ندرك عبقرية فقراء الحضر في الاستفادة من الفرص المحددة للبقاء على قيد الحياة وتحسين ظروفهم المعيشية.
تعتمد فكرة التخطيط العمراني مبدئيًّا على ابتداع "نشاط يسبق اتخاذ القرارات وبدء الإجراءات". كان هذا النوع من التخطيط الذي تتبناه السلطات العليا ويُنفّذ على المجتمع كله، بما في ذلك فئات القاع الفقيرة، أسلوبًا نموذجيًّا لبناء المدن والمستوطنات وإدارتها لفترة طويلة. وثمّة أمثلة تاريخية عديدة في هذا الصدد، لعلّ أشهرها التحول العمراني لباريس في منتصف القرن التاسع عشر على يد البارون هوسمان، وتخطيط "برازيليا" وبناؤها عاصمةً جديدة وحديثة للبرازيل في منتصف القرن العشرين.
التخطيط الفوقي من الأعلى إلى الأسفل
يمكن النظر إلى هذا النهج بوصفه محاولةً من الدولة لتشكيل المجتمع بصورةٍ "يسهل معها تنفيذ مختلف الممارسات الحديثة، من فرض الضرائب والتجنيد الإلزامي، إلى فرض الأمن ومنع التمرد". وفي هذا النموذج، يسيطر المُخطِّط على مجمل العملية، إلى جانب تمتعه برؤية واضحة للمصلحة العامة واعتداده بالتقدم العلمي والتكنولوجي. وهنا نقابل مجموعة من المخططين المشاهير الذين اتبعوا هذا المنهج التخطيطي الفوقي (من أعلى إلى أسفل)؛ أمثال لو كوربوزييه الذي خطط إسلام أباد في باكستان وشنديجار في الهند، وروبرت موزس الذي أعاد تشكيل مدينة نيويورك في الخمسينيات من القرن العشرين. ويعكس نفور هؤلاء المخططين من أشكال التجمعات العمرانية غير المنظمة وظروفها موقفًا مهنيًّا معاديًا للفوضى بحدّ ذاتها، إلا أنه قد يعبّر من جهة أخرى عن تحيّز طبقي ضد أشكال المستوطنات هذه باعتبارها تشكّل تهديدًا للنظام والسلطة.
في مناطق كثيرة من العالم الثالث، شكّل هذا النوع من التخطيط الفوقي، في أحيان كثيرة، معيارًا نموذجيًّا لحوكمة العمران؛ إذ يتخذ الرؤساء والوزراء قرارات مصيرية من دون أي إجراءات تشاورية. ولم تنشأ معارضة لهذه الممارسات إلا في منتصف القرن العشرين بعد بروز قضايا المساواة ومناهضة التمييز العرقي. وفي نهاية القرن العشرين، برزت فكرة التخطيط من (القاعدة الشعبية إلى أعلى) وسيلةً لتمكين المستخدمين، ولا سيَّما سكان الأحياء السكنية. وقد ولد هذا التخطيط في الولايات المتحدة الأمريكية على أيدي دعاة مناصرة التعددية والعمل المجتمعي القائم على مبدأ "من أسفل إلى أعلى".
المدينة بوصفها مكانًا للإبداع
تؤكد الرؤى المعمارية المختلفة أن المدينة المثالية هي التي لا تختار الصرامة أو العفوية الكاملة، بل هي التي تنجح في إبداع "توليفة هجينة" تجمع بينهما. هذا المسار هو الذي يضمن بقاء المدينة مكانًا للإبداع واللقاء الإنساني، وليس مجرد تجمع سكاني تحكمه القواعد الجافة.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
تحولات العمران في عصر التحرر من المكان
د. وليد الزامل
عصر التحول الرقمي
في العصر الحالي، تبرز التقنية خيارًا إستراتيجيًّا للتعامل مع أنظمة النقل، والبيانات الرقمية، والبنية المادية. وباتت المدينة قادرةً على الاستجابة للتغيرات المناخية والبيئية واتخاذ القرارات المحورية نتيجةً للثورة الرقمية في التحليل. وأسهمت هذه العوامل في تقليل الهدر المالي، والتوظيف الأمثل للموارد، وترشيد الطاقة. كما عزّز نمو البنية الذكية قدرة السكان على العمل والتسوق والتجارة والاستثمار من دون الارتباط بالمكان.
وقدّم التخطيط العمراني مفهومًا جديدًا للمدن تمثّل في "المدن الذكية" التي تسمح بالعمل عن بُعد، والتعليم الإلكتروني، والتجارة الرقمية. هذه المدن لديها قدرةٌ على الاستجابة لهذه التحولات بما تمتلكه من بنية تحتية متقدمة، وحماية أمنية، ومخازن بيانات ضخمة. وبذلك، نقلت المدينة الذكية مفهوم "الوصولية" من الفكر التقليدي إلى الوصولية الذكية في عصر يتحرر فيه المجتمع من قيود المكان. إنه العصر الرقمي الذي تلاشت فيه بعض الخدمات التقليدية أو هي في طريقها إلى التلاشي؛ فالبنوك لم تعُد مزدحمة كما كانت؛ لأن جميع العمليات البنكية يمكن إنجازها بواسطة الأجهزة الذكية. ولم تعُد هناك حاجة للذهاب إلى المؤسسات الحكومية لإنهاء معاملة. ولم تعُد المراكز التجارية نقطة جذب رئيسة في المدن؛ فالتسوق عبر الإنترنت بات وسيلة جاذبة للكثير. أمَّا العمل والدراسة عن بُعد، فقد أصبحا أكثر رواجًا، وهو ما يعني أن التمركز السكاني في المدن الكبرى يُعاد تعريفه، وإمكانية العمل في الريف أو المدينة الصغيرة أصبحت فكرةً قابلة للتطبيق في عصر البيانات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
ويمكن القول إن التحرر النسبي من قيد المكان بات ممكنًا، وبناءً عليه يُعاد توزيع السكان والأنشطة وفقًا لاستجابة المدينة للنظم الذكية. ويمكن للمدن الصغيرة أن تصبح مكانًا مناسبًا للإقامة وتستعيد جاذبيتها في حال توافرِ البنية الذكية. وهذا لا يعني أن تصبح المدن مجرد بنية تقنية مجردة من أطر الحوكمة والسياق الاجتماعي؛ فاليوم يُعاد تعريف المدن الكبرى ليس بوصفها مكانًا لتركّزِ الأنشطة والاستثمارات الكبرى فحسب، بل في مدى قدرتها على إنتاج الثقافة وتحقيق المنافسة العالمية.
مدينة المستقبل الممكنة
المستقبل على أعتاب مرحلة ترسم ملامحها مدنٌ سوف تعتمد على دمج الواقع المادي بالافتراضي، والتجارب التفاعلية. وهذا يعني إعادة تعريف العلاقة بين المدينة والإقليم ورسم تصور لمدينة يذوب فيها المكان المادي في عالم "الإنسان المُعزَّز". سوف يبقى الإنسان على طبيعته البيولوجية، ولكنه مدعوم بقدرات نظام ذكاء خارجي لتصبح ذاكرته جزءًا من الذاكرة الجمعية أو المنظومة الذكية. لن يحتاج الإنسان إلى حفظ القوانين والمعادلات الرياضية الصعبة، أو تعلُّم اللغات؛ فالتحدي لا يكمن في تحصيل المعرفة، بل في القدرة على اتخاذ القرار.
سوف تنتهي المدينة القائمة على التنقل لأن العمل أصبح سحابيًّا، وستقلّ أهمية مراكز المدن والأبراج المكتبية وناطحات السحاب، وتختفي بعض استعمالات الأراضي نهائيًّا، مثل المدارس والجامعات والمكاتب التقليدية.
سيحل الفضاء الرقمي محل الفضاء الحضري، وتُستبدل الوظائف الرقمية بالوظائف التقليدية. سوف نواجه تحديات حضرية لنعيش في مدينة مزدوجة تجمع بين الكيان المادي والرقمي في آنٍ واحد، وستُعاد هيكلة المجتمع إلى فئات قادرة على التماهي مع التطور في عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي، وفئات اجتماعية تقليدية تبحث عن السوق التقليدية.
ومع ذلك، فإن هذه التحولات المستقبلية لا تعني تلاشي دور المدينة، بل تؤكد الامتداد الطبيعي للتحولات الديناميكية لها؛ فالحضور المادي يظل ضروريًّا للتفاعل الاجتماعي ونقل الإبداع، وتعزيز القيم الثقافية والممارسة الاجتماعية. وتبقى المدينة ضرورة وجودية للإنسان ومحطة استقرار تعيد لنا تعريف الذات والعلاقة مع الزمان والمكان وفلسفة المعنى. إنها نظام عقلاني للحياة، تبدو في جوهرها مسرحًا اجتماعيًّا عند الغوص في أغوارها؛ فهي مكانٌ لممارسة حياة تتحقق فيها العدالة والمساواة للجميع.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
من يبني الآخر
المدينة أم الإنسان؟
أ. د. فردريك معتوق
لطالما سادت في الماضي عند الفلاسفة، شرقًا وغربًا، نظريّاتٌ مثاليّة للمدينة، سواء عند أفلاطون أو الفارابي أو طوماس مور؛ فهم جميعًا كانوا ينظرون إلى المدينة "من فوق"، أمَّا ابن خلدون فكان ينظر إليها "من تحت"، من حيثيّاتها العمرانيّة الميدانيّة في مساراتها الاجتماعية والتاريخية والمعرفية، مُستبصرًا فيها كنزًا مخفيًّا لم يخطر وجوده ببال أحدٍ قبله. ومن أهم ما فيه أن الإنسان الذي يبني المدينة سرعان ما يجد نفسه هو موضوع البناء؛ ذلك أن المدينة تبني شخصيّته رويدًا رويدًا، بحيث لا يعود ينفصل عنها ولا هي قادرةٌ على الانفصال عنه.
منطق العمران بشري واحد، يربط بين المدينة والإنسان مُتَّخذًا صيغة "عقلٍ جديدٍ" يجعل الطَرَفَيْن يُغيّر أحدهما الآخرَ على نحو مُستدام. لذلك، بإمكاننا اعتبار ابن خلدون صاحبَ نظريّة عمرانيّة شاملة، حيث لا فصل فيها بين الإنسان ومدينته، ولا بين البشر والحجر.
المداخل الحديثة
من ناحيتها، حملت الرؤى الأوروبية والأمريكية خلال القرنَيْن الماضيَيْن راية التحديث. وراحت انطلاقًا من ذلك تُبادر إلى إجراء تغييرات في موروثاتها العمرانيّة، سعيًا إلى حلّ مشكلات المواصلات، والحركة داخل مدنها. ومن أبرز المُبادرات في هذا الحقل، مشروع البارون هوسمان الذي أعاد رسم معالم مدينة باريس، مُعتمدًا شقّ الطرقات المُستقيمة والواسعة، وتصميم الشقّة الباريسية الجديدة. وفي سياق التخطيط الحضري الديناميكي نفسه، عُرف المعماري الياباني كنزو تانجي بمشروعه اللافت لجون مدينة طوكيو ما بعد الحرب، حيث بادر إلى تغييرات جريئة تُحاكي ما رأى فيه مستقبل العمارة اليابانيّة الحديثة.
لكن، في نهاية المطاف، هل تمكَّنت جميع مشروعات التخطيط الحضري هذه، الموصوفة بالديناميكيّة، من حلّ مشكلات سكانها المجتمعيّة العامَّة؟
نحن ومدننا المستقبليّة
هذا كلّه يوصلنا إلى أسئلتنا الجوهرية فيما يتعلَّق بالمدن المُستقبليّة في مجالنا الثقافي العربي العام. فأي من نماذج التخطيط الحضري هو الأنسب لنا؟ أهو الديناميكي التسمية، أم التقليدي القديم المعروف تحت اسم المدينة العربية؟
نرى أنَّ المنظور العمراني الخلدوني الذي أشرنا إليه هو الأصلح، وذلك لاعتبارات عدَّة:
- أوَّلها، أنَّ المنظور العمراني الخلدوني مبنيٌّ على فهم دقيق لمُرتكزات أي مدينة في العالم. فالمدينة عند صاحب "المقدّمة" جسم كبير مُتحرّك وديناميّ، مبني على تراكم، لا على تكديس كمي وشكلي. فالمعارف والعلوم التي تتميّز بها موروثة، لكنها ليست مُتكلّسة أو مُحنَّطة، بل تخضع لمُراجعات "العقل الجديد" الذي يستنبته التجمّع البشري المتكاثر والحاجات الجديدة الطارئة التي لا تتوقف.
المدينة العربية التي ينقل ابن خلدون صورتها لنا، كما عاشها في الأندلس والمغرب ومصر وشاهدها بأم العين، لا تُشبه بتاتًا المدينة العربية التي تنقلها لنا سرديّات الاستشراق، حيث كل شيء ساكن وفاقد للحيوية. بل هي مدينةٌ ذاتُ قلبٍ نابض وعقل يعمل ووجدان خلاّق؛ إذ يُنتِج تعاقبُ الأجيال فيها تحوّلًا تدريجيًّا مُلزمًا بين "العادات والتعاملات" كما يُسميها الكاتب نفسه.
- ثانيها، أنَّ الحياة داخل المدينة العربية الخلدونية تفاعليّة مع المكان والزمان، لا يُشبه فيها يومٌ يومًا سبقه، ولا جيلٌ جيلًا أعقبه. فهي في حركة وتطوّر، كالنهر الذي لا تستطيع أن تضع رجليك فيه مرَّتَيْن ضمن المُعطيات نفسها.
- ثالثها، التنوع؛ فعلى الرغم من اختلافها في مواقعها الجغرافيّة، حافظت المدينة العربية على الأنموذج الإرشادي نفسه من المُحيط إلى الخليج، وهو ما يعني أنَّ الصيغة التي كانت تقدّمها جاءَت مُناسبة لجميع الإثنيّات التي كانت تتكوَّن منها. كما أنَّه يُشير إلى أنَّ فكرة التنوّع الثقافي كانت معتمدة في مجالها.
ـ رابعها، الانفتاح على المستقبل؛ فالانفتاح الذي عرفته المدينة العربية الخلدونيّة يعمل داخليًا وخارجيًّا. فالتجارة التي شكَّلت أساس نبضها الاقتصادي جعلتها دائمة الانفتاح على الخارج، وعلى أوجه ثقافته الواردة من خلال السلع الداخلة إليها.
أيّ رؤية عمرانيّة نحتاج؟
فلنقل بدايةً إنَّنا بحاجة إلى اعتماد منظور عمراني، لا إلى تخطيط حضري على النمط الغربي البحت. فشبابنا يتوجَّهون إلى الجامعات الغربيّة، ويدرسون التخطيط الحضري على أنَّه مجرَّد تخطيط مدن، لا عمران بشري على نحو ما جاء في المنظور الخلدوني.
إن التخطيط العمراني يُبنى على علم مناسب في جوهر المعرفة العربية؛ أي في الجوهر الأبعد للتجلّيات الثقافية العربية التي لا يجوز التعامل معها على القطعة، بل الدخول إلى نواتها التأسيسيّة التي استمرَّت حيّة طوال ألفٍ ونيّف من الزمن قبل أن يجفّفها الحكم العثماني. لدينا أنموذج إرشادي عمراني زاهر تبيّن نجاحه طوال مدَّة زمنيّة طويلة للغاية، وعلى امتداد مساحات وشعوب مختلفة. ومن وجهة نظر منطقيّة، لا عاطفيّة، علينا أن نستفيد من دروسه وألا نُدير ظهرنا إلى فوائده.
على مدينة المستقبل العربية أن تُبنى على مفهوم التكامل لا على مبدأ دمج الأجزاء. والفرق هنا بين المفهومين هو أنَّ التكامل يعتمد على فكرة أنَّ كل جزء من الأجزاء لا يختلف قيمةً ولا جوهرًا عن الآخر، وأنَّه ليس بعنصر غريب عن الوحدة التي تتضمّنه، بل عنصر أصيل منها. في حين أنَّ المقصود بالدمج إبقاء الجزء الوافد إلى الوحدة عنصرًا دخيلًا، ومن ثَمَّ التعامل معه على أساس التجاور لا غير.
بناءً على هذه القاعدة، فإنَّ الإبقاء مستقبلًا في المدينة العربية على التكامل بين الشق السكني والشق الاقتصادي للحياة اليوميّة والعملية أمرٌ لا بدَّ منه؛ لأنه ينسجم مع الأنموذج الإرشادي الأول للمدينة العربية الذي لا يحتاج إلى تبديل أو تعديل.
زحف المدن.. أسباب وأخطار
تشير الدراسات الحديثة حول العمران إلى أن التوسع الحضري ليس مرتبطًا بزيادة عدد السكان فحسب، بل يمتد ليشمل عوامل مختلفة، من بينها تحسين مستويات المعيشة التي يتزايد معها استهلاك المساحات الحضرية، بفعل ارتفاع مستوى المعيشة. كما يسهم انخفاض تكلفة النقل في تسهيل التمدد. وقد خلصت الأبحاث إلى أن معدلات التوسع الحضري خلال العقود الثلاثة الماضية في معظم المناطق كانت أعلى من معدلات نمو السكان.
هناك طريقتان لاستيعاب الحاجة المتزايدة إلى التوسع الحضري: الأولى عبر "التكثيف" بالتوسع الرأسي واستغلال المناطق غير المأهولة داخل المدينة نفسها، والثانية بالتمدد لبناء ضواحٍ جديدة أو الاتصال بالقرى القريبة من المدينة، وهو الاتجاه الأسهل والسائد في كثير من المدن لعوامل مختلفة، منها أن الأرض في أطراف المدن أرخص من الأرض في وسط المدينة. لكن هذا التمدد له أخطاره على الحياة الزراعية، وغالبًا ما يلقى معارضة من السكان المحليين في الأطراف، وأثبتت الدراسات أن الاستيعاب بالتكثيف أفضل للبيئة من حيث تقليص مسافات النقل. ومع كل هذا، بقي التمدد هو الخيار الأكثر انتشارًا.
في المقالة الافتتاحية لمجلة "بناء ومدن" (عدد أبريل 2023م) المخصّص للتوسع العمراني، أمثلةٌ على زيادة التمدد العمراني بأضعاف زيادة عدد السكان؛ إذ يعرض كاتب المقال "شلومو أنجل" نتيجة أبحاثه المستمرة منذ عام 2005م على مائتي مدينة، مبيّنًا أن حوالي 23% منها فقط استطاعت استيعاب الزيادة داخل أطرها القديمة، في حين لجأت 77% منها إلى التمدد. ولهذا، يُنظر إلى هذا الزحف العمراني على أنه ظاهرة عالمية خطِرة، وستظل كذلك حتى نهاية القرن الحادي والعشرين، حيث يتباطأ النمو السكاني.
وتشير الدراسات إلى أن مساحات المدن توسعت بين عامي 1800م و2014م في مختلف القارات 16 ضعفًا أو أكثر. فعلى سبيل المثال، ازدادت مساحة باريس 200 ضعف، من 11 كيلومترًا مربعًا عام 1800م إلى 2200 كيلومتر مربع عام 2014م، ونما عدد سكانها 22 ضعفًا فقط، من 500 ألف نسمة إلى 11 مليون نسمة. أمَّا مدينة أكرا عاصمة غانا، فقد نما سكانها خلال 23 عامًا (1991م - 2014م) بمقدار 3.3 أضعاف، من 1.3 مليون إلى 4.4 مليون نسمة. وخلال الفترة نفسها، اتسعت مساحة المدينة بمقدار 6.5 أضعاف، من 133 إلى 872 كيلومترًا مربعًا.
وبحسب الدراسات، من المتوقع أن ينمو عدد سكان مدن الشمال العالمي بنسبة 12% فقط بين عامي 2020م و2050م، ما يضيف 120 مليون نسمة إلى مليار نسمة يسكنون مدن الشمال في عام 2020. في المقابل من المتوقع أن ينمو عدد سكان مدن الجنوب بمقدار الثلثين في المدة نفسها، ما يضيف 2.2 مليار نسمة إلى 3.4 مليار نسمة يسكنون مدنها بالفعل؛ أي أنه مقابل كل شخص إضافي في مدن الشمال العالمي، سيحتاج إلى 18 شخصًا إضافيًّا إلى استيعابهم في مدن الجنوب.
د. نورا عبدالرحمن غبرة: الأستاذة المساعدة في العمارة بجامعة الملك عبدالعزيز
أ. د. نزار الصياد: الأستاذ الفخري في كلية التصميم البيئي بجامعة كاليفورنيا
د.وليد الزامل: أستاذ التخطيط العمراني بجامعة الملك سعود
أ. د. فردريك معتوق: العميد الأسبق لمعهد العلوم الاجتماعية بالجامعة اللبنانية