Hero image

حمد الجاسر

أكتوبر 12, 2026

شارك
لم تحظَ شخصية علمية أو ثقافية في المملكة والجزيرة العربية بمثل ما حظي به الشيخ حمد الجاسر من مُؤلَّفاتٍ تناولت جوانب مختلفة من حياته ونتاجه، وبحوثٍ ومقالات عن جوانب من سيرته التي يطول الحديث عنها. ولم يكُن ذلك الاهتمام من باب الوفاء فقط، وهو مستحق بلا شك، بل يعود في المقام الأول إلى إسهاماته على مدى ربع قرن تقريبًا في مجال التعليم في المملكة وإلى ما تركه من إرث علمي ومعرفي نتجت عنه عشراتُ الكتب عن تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها وسكانها وتحقيق ما يتعلق بها من مخطوطات كرَّس لها أكثر من ستة عقود، تحقيقًا وتأليفًا حتى قبيل وفاته عام 2000م، رحمه الله.

بدأت رحلة الشيخ حمد الجاسر الحافلة والجَلود مع البحث، الذي نَصِفه اليوم بالعلمي، منذ عام 1928م، عندما كان طالبًا في المعهد العلمي السعودي في مكة المكرمة. ثم أصبح ذلك البحث والارتباط بالمكتبات ودور المحفوظات مثل الماء والهواء بالنسبة إليه؛ بدءًا بمكتبات مكة المكرمة والمدينة المنورة، ثم في أنحاء مختلفة من الدول العربية وتركيا، والمكتبات الوطنية والجامعية في معظم دول أوروبا. وقد كتب عن زياراته لتلك المكتبات وبحثه فيها حلقاتٍ مطوَّلةً عديدةً في صحيفته "اليمامة" خلال عامي 1960م و1961م. كما تحدث في مذكراته "من سوانح الذكريات" عن الشعور العارم بالفرح خلال تردُّده على دار الكتب المصرية، حينما ابتُعِث مع مجموعة من الشباب السعودي من خريجي المرحلة الثانوية أو ما يعادلها للدراسة الجامعية في مصر عام 1939م، وهي فترةٌ لم تُدم إلا بضعة أشهر، من أبريل إلى نوفمبر من ذلك العام؛ إذ أُعيد الطلبة المبتعثون إلى المملكة بعدها بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية.

مسيرته مع التعليم
لحمد الجاسر، كما تقدَّم، مسيرةٌ حافلة مع التعليم؛ إذ عمل بعد تخرُّجه في المعهد السعودي في مكة عام 1930م، مُدِّرسًا في جدة، ثم في رضوى، ثم ينبع؛ وعمل قبل ابتعاثه للدراسة في القاهرة قاضيًا في ضِبا لفترة قصيرة.

وبعد عودته إلى المملكة في عام 1939م، تولّى الجاسر الإشراف على تدريس أبناء وزير المالية عبدالله السليمان مدة ثلاث سنوات، ثم صدر أمر الملك عبدالعزيز -طيّب الله ثراه- بتعيينه مراقبًا للتعليم في منطقة الظهران عام 1944م، وبقي في المنطقة الشرقية حتى عام 1949م، وهو تاريخ صدور أمر الملك سعود -رحمه الله- وكان وليًّا للعهد آنذاك، بتعيينه معتمدًا للمعارف في نجد. وخلال عمله القصير في معتمدية المعارف في نجد بذل الجاسر قصارى جهده لتطوير التعليم في المنطقة، والذي لم يُجاوز مستواه بضع مدارس ابتدائية. 


بعد عامٍ من عمله معتمدًا للتعليم في نجد، عُيِّن مساعدًا لمدير معهد الرياض العلمي عام 1951م، وهو أوَّلُ مؤسسة تعليمية عليا في العاصمة الرياض، قبل أن تُفتتح فيه كليتا الشريعة واللغة العربية عام 1954م. وكان ولي العهد، الأمير سعود، يزمع افتتاح هذا المعهد في الرياض ليسد حاجة العاصمة والمنطقة إلى المعلمين والعاملين في السلك القضائي، بالتنسيق مع الشيخ محمد بن إبراهيم مُفتي عام المملكة آنذاك. وبعد تعيينه مساعدًا لمدير المعهد كُلِّف حمد الجاسر بالسفر إلى مصر لاختيار المناهج المناسبة لتُدرَّس فيه، واختيار الأساتذة اللازمين له، وهو ما تمَّ على أكمل وجه.

حمد الجاسر يدقق في أوراقه ومؤلفاته.

افتُتح المعهد في حفل كبير شرّفه ولي العهد الأمير سعود في العاشر من شهر المحرم 1371هـ، الموافق للحادي عشر من أكتوبر 1951م. ولم يقتصر عمل الجاسر في العمل مديرًا مساعدًا له ومُدرِّسًا فيه، بل شجّع الطلاب على إنشاء نادٍ أدبي، وقد بدأ منذ العام الأول في إقامة نشاط ثقافي أسبوعي كانت صحيفة "البلاد السعودية" في مكة تنشر أخبارًا مفصّلة عنه بين عامي 1952م و1955م. وفي نهاية كل عام دراسي كان النادي يُنظّم حفلًا ختاميًّا يشارك فيه الطلاب بالخطابة وإلقاء القصائد والمناظرة. وكان الهدف من إنشاء النادي، بتشجيعٍ من الجاسر، اكتشافَ المواهب والتدريب على الخطابة والحوار والمناظرة. وقد شارك في ذلك النادي كثيرٌ من الطلاب الذين أصبح لهم شأنٌ كبير في الدولة وفي المجال الثقافي والصحفي في المملكة. 
وكانت نهاية مشوار حمد الجاسر مع قطاع التعليم تعيينه مراقبًا عامًّا لكليتي الشريعة واللغة العربية والمعهد، وهي مهمّةٌ لم تدُم إلا عامًا واحدًا، انصرف بعدها بالكامل إلى رئاسة تحرير "اليمامة" وإدارتها، والإشراف على مطابع الرياض، التي أسهمت بقيادته في طباعة الصحف والمجلات التي صدرت في الرياض لاحقًا.

رائد الصحافة في منطقة الرياض
​
قبل إصدار مجلته "اليمامة" في أغسطس 1953م، كان حمد الجاسر معروفًا على مستوى المملكة وفي مصر وبلاد الشام والعراق منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية. إذ بدأت مسيرته مع الكتابة الصحفية مع صحيفة "صوت الحجاز"، منذ العام الأول لصدورها في شهر أبريل 1932م وحتى توقُّفها في 21 يوليو 1941م، بسبب أزمة الورق في العالم خلال الحرب؛ وفي صحيفة "أم القرى"، وهي صحيفة الدولة الرسمية التي صدرت في 12 ديسمبر 1924م، وبدأت تنشر له بعض القصائد منذ مطلع الثلاثينيات.

وبالإضافة إلى هاتين الصحيفتين كان الجاسر من كُتَّاب صحيفة "المدينة" التي صدرت عام 1937م، ومجلة "المنهل" التي أعقبتها في العام التالي.
​

​غير أن انطلاقته القوية كانت مع صدور صحيفة "البلاد السعودية" التي حلَّت محل "صوت الحجاز" في 4 مارس 1946م، والتي سرعان ما أصبحت، قبل مُضي عام على صدورها، الصحيفة الكبرى في المملكة، وأول صحيفة يومية تصدر في المملكة.

بد​​أت مقالات الجاسر تُنشر في الصحيفة منذ 12 من ذي الحجة 1365هـ، الموافق 7 أكتوبر 1946م، ولم تمضِ بضعة أشهر إلا والجاسر أصبح من بين أبرز كتَّابها. وإضافةً إلى صحيفتي "البلاد السعودية" و"المدينة المنورة"، كان الجاسر يُسهم بالكتابة العلمية في مجلتي مجمعي اللغة العربية في بغداد ودمشق. وقد بوّأته هذه المقالات مكانةً علميّة جعلت هذين المَجْمَعين يعيّنانه عضوًا مراسلًا لهما عام 1949م، ثم عضوًا فيهما لاحقًا.

الشيخ حمد الجاسر في استراحة خارجية أثناء تصفحه جريدة الرياض.

كما كان أول عضو عامل من المملكة ينتخبه مجمع اللغة العربية بالقاهرة في حفلٍ كبيرٍ نُظِّم في القاهرة في شهر أغسطس 1959م، وقد نُظِّم حفلٌ في الرياض احتفاءً بذلك حضره أصدقاؤه ومحبّوه وعلى رأسهم أمير منطقة الرياض آنذاك، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز. كما كُرِّم الجاسر في المملكة وخارجها في مناسبات عديدة، ومن أبرزها منحه جائزة الدولة التقديرية عام 1984م.

كانت مقالات الجاسر متنوعة الأغراض، فعلاوةً على الشأن العام، كانت معظم موضوعاته متعلقة بالجوانب التاريخية والجغرافية والمواضع في الجزيرة العربية، بالإضافة إلى مقالات غزيرة في مراجعة الكتب ونقدها. وقد أشاد رئيس تحرير "البلاد السعودية" عبدالله عريف بإسهامات الجاسر وكتاباته المتميزة عن مجتمع الجزيرة العربية وباديتها وتاريخها وجغرافيتها، في افتتاحية العدد 1414هـ، الصادر في 3 ربيع الآخر 1373هـ، الموافق 9 ديسمبر 1953م. ومن كثافة إسهامات الجاسر في الصحف والمجلات السعودية يخال للمرء أنه لا يرد طلبًا لأحد، بما في ذلك مجلة "قافلة الزيت"؛ إذ نُشر له أول موضوع فيها في عدد المُحرَّم 1376هـ، الموافق لشهر أغسطس 1956م، بعنوان "الرياض قديمًا وحديثًا"، وكتبت المجلة تحت العنوان عبارة: "بقلم الأستاذ الكبير حمد الجاسر رئيس تحرير (اليمامة) وعضو المجمع العلمي بدمشق".

وكان من بين أبرز إنجازات حمد الجاسر التي أسهمت في إثراء الحركة الثقافية في المملكة إصداره لمجلة "اليمامة" الشهرية في الرياض، التي صدر عددها الأول في ذي الحجة 1372م (أغسطس 1953م)، والأخير(العدد المزدوج 10/11 من السنة الثانية) في شوال - ذو القعدة 1374هـ، الموافق لشهري يونيو - يوليو 1955م. وتحوَّلت هذه المجلة، بعد تأسيس الجاسر "مطابع الرياض" شركةً مساهمةً كبرى، إلى صحيفة أسبوعية صدر عددها الأول في 1 صفر 1375هـ، الموافق 18 سبتمبر 1955م. واستمر الجاسر مالكًا لامتيازها ورئيسًا لتحريرها حتى صدور العدد (317) في 12 شوال 1381هـ، الموافق 18 مارس 1962م.

كما كان للجاسر بعد غياب أربع سنوات عن الساحة الصحفية في المملكة الفضل في إنشاء "مؤسسة اليمامة الصحفية"، وإصدار صحيفة "الرياض" اليومية التي كان أول مشرف على تحريرها، وإعادة إصدار صحيفة "اليمامة" الأسبوعية من المؤسسة عام 1965م. كما أصدر "مجلة العرب" الشهرية خلال تلك الفترة، وتُعدُّ من بين أبرز المجلات العلمية العربية التي تُعنى بتاريخ العرب وتراثهم.

ولصاحب هذه السطور كتابان عن حمد الجاسر وإسهامات "اليمامة"؛ الأول صدر في عام 2002م بعنوان: "حمد الجاسر ومسيرة الصحافة والطباعة والنشر في مدينة الرياض (من 1952م إلى 1962م)"، والثاني بعنوان "اليمامة وكُتَّابها"، وصدر عن مركز حمد الجاسر الثقافي عام 2005م.

 

د. عبدالعزيز بن صالح بن سلمة: كاتب وباحث.
المقالة الصوتية: نشمي القحطاني.​