Hero image

جميل صدقي الزهاوي

يونيو 21, 2026

شارك

الشاعر جميل صدقي الزهاوي (1863م - 1936م) هو أحد عَلَمْينِ شعريين مع معروف الرصافي في سنوات القرن العشرين الأولى. وكان يلخّص مواقف معاصريه منه بقوله: "كنتُ في صباي أُسمّى "المجنونَ" لحركاتي غير المألوفة، وفي شبابي "الطائشَ" لنزعتي إلى الطرب، وفي كهولتي "الجريءَ" لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي "الزنديقَ" لمجاهرتي بآرائي الفلسفية". وذلك يبيّن لنا غربته عن عصره وزمنه، وانفراده بالتعمق والتأمل، وهو ما أثار بعض المشككين بنواياه وقارئيه المتحيزين.

إنه ذو الاسم المركّب "جميل صدقي"، وهو ابن رجل يحمل اسمًا مركّبًا أيضًا، هو مفتي بغداد "محمد فيضي" الذي ينتهي نسبه إلى قبيلة بابان الكردية. وتركيب الأسماء ينقلنا إلى ما تركّب من تقييم معاصريه ونقاده، فرأوا أنه شاعرٌ جدلي، وتفاوتت آراؤهم في أشعاره وأفكاره ومواقفه؛ ذلك أنه تحرّر من الأحكام المسبقة، وأبدى آراءه صريحةً في تحرّر الفرد والمجتمع، وفي النظر إلى الشعر والحياة والحرية.

عُرف شاعرًا متفلسفًا ومهتمًّا بالعلوم الطبيعية؛ فقد شكا في قصائده ومجالسه ومقالاته من الحياة وتداعياتها، وما لاقاه مغتربًا وفي الوطن. وواجهَ منافسةً كبيرة وإشكالاتٍ لعلَّ أبرزها خلافه الطويل مع الشاعر معروف الرصافي، وما دار بينهما من هجاءٍ وعتابٍ ولوم، انتهى بصلحٍ متأخر. كما عُرف عن الزهاوي توخِّي التأمل والتساؤل؛ لاستغراقه في قراءة النظريات الفلسفية، والعلوم الطبيعية التي ألّف فيها ودعا إلى دراستها بوصفها مقترحًا لنقل الحياة من الرتابة والتأخر إلى التمدُّن والتقدُّم. ولم يكفَّ عن الإشادة بالعلم والحثّ على تبنيه منهجًا في الحياة.

سعة ثقافته وتنوّع اهتماماته وأعماله

على الرغم من أن الزهاوي ينحدر من أسرةٍ كردية، فقد جعلت منه ثقافته العربية والوظائف التي شغلها مثالًا لملتقى لغاتٍ وآداب مختلفة. فكان يحسن إلى جانب العربية كلًّا من الكردية والتركية والفارسية، ويكتب فيها ويترجم عنها.
هذا التنوّع في ثقافة الزهاوي وحياته، وتبدّل أماكن إقامته ومهنه، انعكس في أشعاره ومواقفه. فوجدناه يكتب النثر المسترسل من دون أي ولعٍ بالمحسّنات السطحية، مثل السجع المتكلف الفاقد للضرورة الدلالية والإيقاعية، وهو ما كان معاصروه التقليديون من الإحيائيين يختمون به فقرات نثرهم الفني. كما توخَّى في شعره معالجة موضوعات متنوعة أيضًا. فله في الإصلاح والدعوة إلى التحرر الاجتماعي قصائد كثيرة، وكذلك في الحثّ على التعلُّم والدراسة، وفي حرية المرأة وإنصافها، وفي التنويه بالعلوم الطبيعية.

عمل الزهاوي في مهنٍ ومناصب عدة، تنوّعت بين الصحافة والمجالس والدوائر؛ فقد كان عضوًا في مجلس المعارف ببغداد، وعضوًا في محكمة الاستئناف، ثم أستاذًا للفلسفة الإسلامية في (المدرسة الملكية) بالأستانة، وأستاذًا للآداب العربية في دار الفنون بها، ثم أستاذًا للمجلة القانونية في مدرسة الحقوق ببغداد، فنائبًا عن المنتفق في مجلس النواب العثماني، ثم نائبًا عن بغداد، فرئيسًا للجنة تعريب القوانين في بغداد، ثم عضوًا في مجلس الأعيان العراقي.
 

رأيه في الشعر 

كان مفهومه لماهية الشعر متقدمًا قياسًا إلى سياقات عصره؛ فهو لا يراه ذلك الكلام الموزون المقفَّى الدال على معنى كما جرى تعريفه تقليديًّا، بل يربطه جماليًّا بالشعور والتعبير الصادق وبالشكل المناسب فنيًّا عما يحسّ به الشاعر.

ما الشعرُ إلا شعوري جئتُ أعرضه 
فانقدْهُ نقدًا شريفًا غير ذي دخلِ

الشعر ما عاش دهرًا بعد قائله                 
وسار يجري على الأفواه كالمَثلِ

والشعر ما اهتزّ منه روحُ سامعه             
كمن تكهربَ من سلكٍ على غفلِ

يا شعر إنك أحلامي التي حسنت               
وأنت ذكرى شبابي الناعم الخَضِلِ

 وقد قرنَهُ في هذا المقتبس بالأحلام والفتوة، وشخَّص تأثيره ووقعه في نفوس المتلقين:

إنما الشعرُ شعور 
هو في النفس يثور

والذي فيها يثير     
الشعر حزن أو سرور

وهو بذلك يلامس المفهوم الرومانسي، ويقترب من الاعتقاد برسالة الشعر الذاتية وتعبيره عن أعماق قائله ووقْعه في متلقّيه.

 

انغماسه في الشؤون الاجتماعية والوطنية

كان الزهاوي مناصرًا للمرأة، داعيًا إلى إنصافها اجتماعيًّا وثقافيًّا، ومطالبًا بحقّها في التعلُّم والمساواة الاجتماعية. كما عُرف عنه تقديسه للتعلم وجعل ذلك جزءًا من رسالته.
 وفي مكان آخر من مسيرته، كان مدافعًا عن استقلال العراق وحريته بعد عقودٍ من الانتداب والاحتلال. فلم يتوانَ عن مقارعة المستعمرين والمحتلين للبلاد العربية، وناهض وجودهم ودعا إلى تحرير البلاد من سيطرتهم. ورثى الثوّارَ العرب الذين أعدمهم المحتلون ومن والاهم. وعكف على حثّ الشعوب على التخلص من الاحتلال الأجنبي وحكم بلادهم بأنفسهم. وله قصائد كثيرة من أشهرها "النائحة"، وهي لاميّته التي رثى بها ضحايا مقارعة المحتلين:

على كلِّ عودٍ صاحبٌ وخليلُ 
وفي كلِّ بيتٍ رنّةٌ وعويلُ

كأن وجوهَ القومِ فوق جذوعهم
نجوم سماء في الصباح أفولُ

 

كان طه حسين يرى أن الزهاوي "شاعر العقل ومعرّي العصر"، احتكامًا إلى نظراته التأملية وأفكاره التي عرضها في شعره ببساطة ووضوح.

شاعر العقل وعلوم الطبيعة

كانت زيارة الشاعر العراقي لمصر مناسبةً للقاء أعمدة الثقافة فيها وتبادل التجارب والأفكار، فكانت شهادة طه حسين من أهم ما قِيل فيه عربيًّا؛ إذ رأى طه حسين أن الزهاوي "شاعرَ العقل ومعرّي العصر"، احتكامًا إلى نظراته التأملية وأفكاره التي عرضها في شعره ببساطة ووضوح. فكان بذلك أكثر المفكرين إنصافًا للزهاوي في وصفه ذاك؛ لأن وصْفَ الفيلسوف الذي عُرف به الزهاوي ليس مناسبًا تمامًا لتأملاته وما عرضه في شعره، بل هو أقرب إلى التفلسف؛ أي محاولة التبصُّر في الأشياء والمصائر والمواقف. ولعلَّ طه حسين قد استلّ اللقب المناسب للزهاوي من تمجيده للعقل، واعتماده حَكمًا في الحياة شريطة أن يخلو من الضعف والخطأ، كقوله في إحدى قصائده:

ما أكبرَ العقل للإنسان من سندِ           
إذا خلا فيه من وَهْن ومن خللِ 

مَن جاء يشرع بالأعمال معتمدًا           
على البصيرة لا يخشى من الفشلِ

ولكن ما حسِبَه الزهاوي توعيةً بالعلوم الطبيعية، وبيانًا لتفاصيل حركة الكواكب في الطبيعة أو الجاذبية وتعليلها، كما دعا في أحد كتبه، لم يكُن إلا نظمًا باردًا وجافًّا. كما أن العلوم تخسر صدقيّتها باختزالها في القصيدة وضروراتها الفنية، وتفقد القصيدة عنصرَيْ التخييل والعاطفة مما يسِمها بالتقريرية والنَّظم المتكلّف. وهو ما عناه أدونيس حين درس الزهاوي وخلُص إلى أنه مجدّدٌ في المضامين، وضعيف أو بسيط في الأشكال. ويعلّل ذلك بعنايته المفرطة بالحقائق العلمية وتوصيلها للقارئ. ولنتوقف في هذا الموضوع عند نموذجٍ من شعره العلمي:

تحوي السَماء نجومًا ذات أَنظمة
من الشموس كثارًا لَيسَ تنحصر 

تخالها ثابِتاتٍ وَهيَ مسرعةٌ
كأنها الخيلُ في بيداء تحتضر  
 
الشعر العصري والشعر المرسل

كان الشعر العصري والشعر المرسل من الأنواع الشعرية التي تبنّاها الزهاوي ودافع عنها؛ وهي من أمثلة هفْوِه للتجديد، وحماسته للتغيير في الأفكار والأساليب، حتى إن روفائيل بطي وصفه في كتابه "سحر الشعر" بقوله: "لا نكرانَ في أن الزهاوي مجدد الشعر في العراق. وهو الذي خرج به من مضيق التقليد إلى فضاء الإطلاق، متحاشيًا المبالغات، ومسايرًا لروح العصر".
وكان الزهاوي يرى أن الشعر أشبه بالأحياء في اتباعه سنّة النشوء والارتقاء والتجدّد. وأحرى به أن يتجدّد بحسب الزمن. لكنه توخّى البساطة في شعره واعتمدها في نظم قصائده. ويفخر بذلك ضمن ما عُرف به من الاعتداد بنفسه وغيرته من الشعراء، ونسبة البساطة والتجديد له، فيقول:

 لم يكُن مبدأ البساطة في الشعر
معلنًا أنا من بعدِ أعصرٍ أعلنته 

وحين أصدر الزهاوي ديوانه في مصر، انتشرت بين المهتمين بالتجديد مقدمته لديوانه بعنوان "نزعتي في الشعر"، وفيها دعا إلى كتابة الشعر المُرسَل الذي يحتفظ بالوزن وتفعيلاته، ولكن من دون وحدة القافية في القصيدة. فالرَويُّ كما يقول الزهاوي قيدٌ يقيد رجْلَي الشعر فلا يتركه يمشي طليقًا. ولكن دعوته إلى الشعر المرسَل متعدد القوافي لقي نقدًا رافضًا لما فيه من خلخلة إيقاعية. ويرى روفائيل بطّي أن دعوة الزهاوي إلى ترك القافية غير كافية. وكان الحريُّ به، إنْ أطلق الشعر العربي من القافية، أن يطلقه من الوزن، وذلك ليكون إرساله صحيحًا. وكان يشير بذلك إلى خللٍ إيقاعي حاصل من هَجْر القافية الموحّدة مع بقاء محرّكٍ إيقاعي آخر هو الوزن. وكان رأي بطّي هذا مدعاةً لخلافٍ ومهاترة بينه وبين الزهاوي الذي لم يكُن راضيًا عمّن يخالفه الرأي، ويبادر إلى الردّ عليه بقسوة.

دوره في ظرفه التاريخي

في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، عمّت البلاد العربية دعوةٌ إلى معارضة الشعر العربي والرجوع إليه بالتحدي والاستنارة بما في الآداب الأخرى من تطوُّر. وقد هلّل لهذه الدعوة لويس شيخو وجرجي زيدان بصفة خاصة. وكان للزهاوي إسهامٌ في ذلك، حيث ذكر الشعر العصري مرارًا، ورأى أنه "شعور الشاعر المتولد من فعل المحيط"، محذرًا من تقليد شعور الشاعر الغربي وإحساسه، والنسخ منه دون تفاعل، أو ما يُسميه تحويل الشعر العربي "إفرنجيًّا"، ووصف ذلك بأنه: "كمحاولة جعل العندليب ديكًا أو الأقحوان بنفسجًا". فمن الواضح أن الزهاوي يربط الإحساس والشعور بالبيئة والمحيط.
 كانت حياة الزهاوي حافلةً بالإثارة، والتأمل فيما جاوز به عصره ومجتمعه، فاستحق عن جدارة المنزلة الاستثنائية بين شعراء التجديد في مراحل مبكرة من مسيرة الشعر العربي.
 

 

حاتم الصكر: كاتب وناقد عراقي.