Hero image

محمود المسعدي.. امتحانُ الأيقونة

يناير – فبراير | 2026

فبراير 2, 2026

شارك
يتجدّد الجدل حول موقع المسعدي في المشهد الأدبي التونسي كلّما تجدّد الصراع حول أحقيّة تعيين الرموز. فالرجلُ أحد ركائز الثقافة الوطنية الحديثة في تونس، لكن مُدَوّنتَهُ لم تسلم من المساءلة: هل تستحق الاستقرار في مكانها من برامج التعليم؟ أم تُزاح لفائدة تجارب جديدة؟ ليست المسألة مرتبطة بقيمة النصوص بقدر ما هي تعبير عن التجاذب بين مَن يطالب بالاستمرارية ومَن يلوّح بالقطيعة.

وُلد محمود المسعدي عام 1911م، لكن ولادته الأدبية كانت عام 1939م، سنة تأليف "حدّث أبو هريرة قال"، وبعدَها "السدّ"، ثم بعد ذلك بسنوات قليلة "مولد النسيان"، من دون أن ننسى "من أيّام عمران" التي صدرت لاحقًا. أربعة أعمال أدبية كُتب مُعظَمها وهو في الثلاثينيات والأربعينيات من عمره. صنعت مجدَهُ وجعلت منه ظاهرة فريدة: رحَل في الثالثة والتسعين (2004م)، لكن نصوصه ظلّت "شابّة" من بعده، متجاوبةً مع أجيال متعاقبة، تبحث عن الحداثة في انفتاحها على العالم من دون فقدان الجذور. وسرعان ما صار لهذه التجربة قرّاء ونقّاد اقتنعوا بثيماتها، وبلغتها المتفرّدة التي باتت عنوانًا على صاحبها. طه حسين، مثلًا، قرأ "السدّ" مرتين في سنة 1957م، قبل أن يكتب عنها باعتبارها "القصّة الفلسفيّة كأحقّ ما تكون الفلسفة... والقصّة الشعريّة كأروع ما يكون الشعر". أما توفيق بكّار، فكتب بمناسبة صدور العمل الأخير: "قلّما قرأتُ قصّةً مثلَها لوعةَ هوًى وعذابَ تَسآل... هي الفكرُ قد صار فنًّا... نصٌّ بدعةٌ بإمضاء كاتب من الأكابر".
 
ضمن نسيج القاعدة الثقافية

كان من الطبيعي أن يصبح الرجل عنصرًا من عناصر القاعدة الثقافية الأساسية الخاصة بتونس الجديدة، شأنه في ذلك شأن أبي القاسم الشابي، والبشير خريف، وعلي الدوعاجي، وغيرهم. كما كان من الطبيعي أن يُدرَجَ في برامج "البكالوريا". إلا أن ثمَّة من لم يستطب استقراره في هذا البرنامج، بدعاوى كثيرة: أنه كاتب شبع تكريسًا، وقُتِلَ تحليلًا، وأن لغته معقّدة بالقياس إلى العربية الحديثة، وأنه ما كان ليُستقرّ به في برامج التعليم لولا مكانته السياسية. والحقُّ أنها دعاوَى يصعب تصديقها. هل نكفّ عن محاورة الجاحظ أو نجيب محفوظ لأنهما مكرّسان؟ وكيف يستقيم القتل تحليلًا حين لا تقرأ فقرةً إلا فاجأتك بانفتاحها اللامتناهي على التأويل؟ أما لغته، فهي لا تنفكّ تهزّك بطلاوتها وطاقتها الإيحائيّة الهائلة. ولو صحَّ أن تطوُّرَ لُغَةٍ ما يقتل تجربةً أدبيّةً، لقُتِلَ دانتي (1265م - 1321م) في الإيطالية، ورابليه (1483م - 1553م) في الفرنسية، وشكسبير (1564م - 1616م) في الإنجليزية، وغيرهم.

أما عن علاقة مكانته الأدبيّة بوظائفه السياسية، فليس من شكٍّ في أن مكانتَه السياسية جعلت نصوصَه مرئيّةً أكثر. غير أن عددًا كبيرًا من أبناء جيله كانوا كتّابًا ووزراء ولم تسمح لهم مدوّنتهم بما تحقّق له. صحيحٌ أن السياسة تستطيع صناعة فقاعةٍ إعلامية، لكنها لا تستطيع صناعة مجد عابرٍ للزمن.

ومن قَدَرِ النصوص أن تستفيد (وأن تعاني) بسبب أن كاتبَها مسؤولٌ في السلطة، أو سياسي تتحكّم في تقييمه توازنات معيّنة. لا وجود لمصيرٍ أدبيّ مبنيٍّ على أدبيّةٍ خالصة. يصحّ ذلك في الأدب العالمي كلّه، فما بالك بتونس وسائر البلاد العربية. والأرجح أن المسعدي استقرّ في برامج "البكالوريا"؛ لأنه عرفَ كيف يُصَيِّرُ الفِكرَ فنًّا بحسب عبارة توفيق بكّار، وعالج جماليًّا ثيمات ما انفكّت تثبت أنها راهنة ومتجدّدة. لكن تلك الثيمات ليست وحدَها. فثمّة كاتبات وكتّاب جُدُد عالجوا تلك الثيمات بطرقهم، واقترحوا ثيمات أخرى لم تشغل بال جيل المسعدي، ويستحقّون الانفتاح عليهم.

ولعل من الضروري الإشارة إلى أن اختيار محتوى برامج التعليم وإثرائه وتحيينه، أمر في غاية الخطورة، تعتني به الدول على اختلاف نُظُمها؛ عن طريق مؤسساتها ومنظوماتها الإجرائية، المكلّفة بانتقاء ما تراه جديرًا بأن يُدرج في الرصيد المشترك. وقد تتغيّر البرامج بمرور الزمن، بإضافةٍ أو حذفٍ وفق تَحوُّلِ القِيَم والأذواق، وحسب تغيُّر موازين القوى في المجتمع. 
 

من الخطورة أن يتحوّل النقاش إلى إنكار للأبوّة الأدبية، كأن جيلًا جديدًا يستطيع أن يولد بلا آباء، أو يستعير آباءً من ثقافات أخرى.

بين البناء والهدم

ليست المسألة إذًا مجرد صراع نقدي، بل هي صراع على التمثيل الرمزي. وهو صراع يعني الثقافة العربية عمومًا، وربما العالمية، وليس خاصًّا بتونس. الجيل الجديد يريد رموزه الخاصة. ومن حقّه المشروع أن يسأل: هل يظل اللاعبون القدامى في مكانهم مدى الممات، أم يُفسَح المجال لغيرهم؟ ومتى يتحاور القديم والجديد، ويتجاوران؟ غير أن من الخفّة الاعتقاد بأن الشرعية الأدبية يمكن أن تُنتزع بالهجوم المباشر أو بعدد "الإعجابات" و"المتابعات".

فمن الخطورة أن يتحوّل النقاش إلى إنكار للأبوّة الأدبية، كأن جيلًا جديدًا يستطيع أن يُولد بلا آباء، أو كأن جيلًا يستطيع أن يستعير آباءً من ثقافات أخرى باسم الانفتاح. كما أن من الخطورة استسهال الوقوع في غواية تحطيم الرموز. لعبةٌ تبدو مغرية، لكن سحرها سرعان ما ينقلب على الساحر ما إن يصبح شابُّ اليوم شيخًا عند جيل الغد. لا يعترف الرصيد الأدبي بالانقلابات السريعة، ولا يُقتحم عن طريق الاحتلال أو الغصب. إنه بناء تراكمي يحتاج إلى زمن واعتراف. 
 

لا التقدّمُ في السنّ ضمانٌ للقيمة أو دليلٌ على انتفائها، ولا الشبابُ ضمانٌ للجدارة أو دليل على تأكيدها.

فن البقاء

والحقُّ أن هذه الأسئلة سياسية بامتياز: "متى يَحِينُ دورُنا في وجه احتكار الأدوار؟ كيف نؤسّس للتداول على المواقع؟". جيل "العشرين سنةً كفاحًا" الذي تمسّك بالبقاء أكثر ممّا ينبغي، فشاغبهُ شبابُ الستينيات والسبعينيات، إلى أن طالبَهُ شبابُ الثمانينيات بالرحيل. ثمَّة في السياسة كما في الأدب، كبارٌ يطول بهم العمر والعطاء، من دون أن يفقدوا شبابهم الروحي والإبداعي. وثمَّة آخرون يسيئون التعامل مع الأبناء والأحفاد حدّ تحريضهم على عقوقهم، إنقاذًا للتركة أو انقضاضًا عليها. وثمَّة دائمًا بين الفريقين ذهنيّةٌ تظهر كل مرة بتلوين جديد. من علاماتها إيهامُ الجميع بأن الكفاح ليس ضروريًّا للنجاح. يكفي أن تصرخ وتبتزّ وتنشئ عصبيّةً وتدّعي ما تريد كي تحصل على ما تريد. إنها ذهنيّةُ الحصاد قبل البذْر والمطالبة بكل شيء الآن وفورًا. لم يغِب مثل هذا عن جيل المسعدي، لكنه كان خافت الصوت. وكان يندر أن يتخطّى الكاتبُ حدًّا من اللياقة حين يهجو زميله، وحدًّا من الاحتشام حين يمدح ذاته، في نوع من الخجل والتواضع المبالغ فيهما أحيانًا حدّ النّفاق الظاهر. اليوم، وبعد خروج فضاءات الإعلام عن السيطرة، ومن وراء "أقنعة" الثقافة الرقميّة، تحرّر الخطاب، وبلغ أقصى درجات الانفلات، حتى رسخ في أذهان أصحابه أن الثقافة يمكن أن تُبنى بمجرّد تطويب الذات، وتحطيم الآخر، والفتك به، ومحوه بضغطة زرّ. 

المطلوب أن يدرك الجيلان أنهما بالضرورة على موعد، أحدهما مع الآخر، شرْطَ ألَّا يكتب الجيل السابق بعد الوقت، وألَّا يكتب الجيل اللاحق قبل الوقت. لا شيء يُبنى في الثقافة بالقوة، لا الرموز ولا الأيقونات، ولا شيء يُبنى بالتنكّر والإقصاء، لا من السابق على اللاحق ولا العكس. البناء الحقيقي يتمّ عبر قراءة الكُتّاب وكتابتهم بالاختلاف عنهم، وبإخراجهم من مقامهم الرمزي، ومساءلتهم بوصفهم مشروعاتٍ مفتوحةً لا صناديق مغلقة، وباعتبارهم كتّابًا لا آباءً خالدين.

على الجميع التسليم بأن الرغبة في الجلوس إلى مائدة "الاعتراف" لا تكفي، بل عليك أن تستحقّها؛ فلا التقدّمُ في السنّ ضمانٌ للقيمة أو دليلٌ على انتفائها، ولا الشبابُ ضمانٌ للجدارة أو دليل على تأكيدها.
 
نظرة كأنها جسر

ذاك ما استقرّ في ذهن كاتب هذه السطور عندما جلس إلى المسعدي قبل سنوات، في ذلك البيت القرطاجيّ الهادئ. كان الرجلُ مُتعبًا، يتنفّس بصعوبة، ما اضطرّ فريق التصوير إلى وقفات بين اللقطة والأخرى كي يستردّ أنفاسه. لكنه أصرّ على الذهاب بالتسجيل إلى نهايته. وكان في أثناء الوقفات يُلقي على الجميع نظرةً يصعب تحديدها؛ نظرةً شبيهة بأدبه، عصيّة على "التجنيس"، كأنها جسر يُلقى من فوق فجوة هائلة. ثمَّة ما يقارب ستين سنة تفصل بين أوّل مقالاته (1945م) وذاك الحوار. ستّون سنةً بدت لكاتب هذه السطور كنايةً عن الفجوة التي لا بدَّ من ردمها بين السابق واللاحق. لا بدَّ من الاعتراف للراحلين والاعتراف بالأحياء، كيلا يَقهرَ جميعَهُم الجحودُ فيسهل عليهم النكران: يصرخ هذا من أنت؟ فيهتف الآخر "ديغاج" (أي ابتعد)!

لا تحتاج الثقافة إلى تقديس أيقوني ولا إلى اندفاع عاطفي، بقدر ما تحتاج إلى استمرارية جدليّة، تحمي الذاكرة الجماعية، وتدافع عن القيمة، وتمنع الشعبويّة من ابتلاع الأدب. لذلك أدركت الشعوبُ الحيّة ضرورةَ "الحوار بين الأجيال". وفتحت جامعاتها على تجارب الكُتّاب الأحياء إلى جانب الراحلين. لم يعُد "البانثيون الأدبي" مقبرةً للعظماء بالمعنى القديم، بل صار حديقة فيحاء يفتحها الوعي الجمعي أمام كلّ من يُقنع شعبه بأنه يقوله، ويعبّر عن وجدانه، ويلهمه، ويستفزّه أيضًا.

كتب المسعدي يقول في "التأمّلات" (القسم الأخير من كتابه موضوع الحوار): "لمن أكتب؟ ألأنا الذي سيموت طمعًا في أن يبقى حيًّا؟ وَهْمٌ كلُّ ذلك. ولكنه لا حياةَ يضطلع بها الحيّ، ولا أدب يعنيها، إن لم يكُن كذلك أساسًا ليقينٍ لا يستقيم". وحين ذكّرناه بهذه الفقرة، وسألناه إن كان هذا كلام صاحبِ التجربة الطويلة، فماذا يمكن أن يقول للأديب الشابّ؟ قال: "أقول للأديب الشابّ: كُن أنت أصفى ما تكون من غيرك، وانفرد، واحتكّ بمغامرة وجودك". عبارةٌ تدلّ على أن الرجل بعيدٌ عن الأيقونة التي صُنِعت له. وتشير في الوقت نفسه إلى أهمية امتحان الأيقونة بين الحين والآخر، للاطمئنان إلى استمرار عطائها والحوار معها. لن تتوازن العلاقة بين الأجيال إلا حين يدرك الجميع: ضرورة الكفِّ عن اعتبار "الموت" الناقد الوحيد الذي يملك "مفتاح البانثيون"، وضرورة توسعة البانثيون لا بوصفه مدفنًا للأحياء "بعد الموت"، بل بوصفه مُلتَقَى الأحياء "قبل الموت" أيضًا.

 

آدم فتحي: شاعر ومترجم تونسي.