
قلَّ أن حظيت كاتبة عربية، قديمة كانت أم حديثة، بالاهتمام والمتابعة الدؤوبة اللذين حظيت بهما الكاتبة اللبنانية مَي زيادة. غير أن الاهتمام بمَي لم يقتصر على المشتغلين بشؤون النقد الأدبي وحدَهم، بل طال عددًا غير قليل من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع، وصولًا إلى الأدباء والمفكرين الذين رأوا في شخصيتها الغنية بالمفارقات، وفي الدور الاستثنائي الذي أدّته على الساحة الثقافية العربية قبل قرن ونيف من الزمن، ما يستحق الالتفات إليه والتوقف مليًّا عنده.
إذا كان مستوى الاهتمام بمَي زيادة قد تراجع في عقود سابقة، فاللافت أن هذا الاهتمام قد عاود ارتفاعه في السنوات الأخيرة؛ ليصبح التنقيب عن كل نأْمةٍ في حياة صاحبة "سوانح فتاة"، وكل حركة قامت بها، وكلمة دوّنتها، محل اهتمام النقّاد وأهل الصحافة والمحللين النفسيين. وإذ توقّف البعض عند الطبيعة الغنية بالمفارقات لشخصية مَي، فقد انبرى آخرون للإفادة من سيرتها الثرية عبر أعمال سردية وروائية عديدة.
إذا كان مستوى الاهتمام بمَي زيادة قد تراجع في عقود سابقة، فاللافت أن هذا الاهتمام قد عاود ارتفاعه في السنوات الأخيرة؛ ليصبح التنقيب عن كل نأْمةٍ في حياة صاحبة "سوانح فتاة"، وكل حركة قامت بها، وكلمة دوّنتها، محل اهتمام النقّاد وأهل الصحافة والمحللين النفسيين. وإذ توقّف البعض عند الطبيعة الغنية بالمفارقات لشخصية مَي، فقد انبرى آخرون للإفادة من سيرتها الثرية عبر أعمال سردية وروائية عديدة.
ولدت ماري زيادة، التي اختارت لنفسها اسم "مَي"، عام 1886م في مدينة الناصرة في فلسطين، لأبٍ، هو إلياس زيادة، الذي وفد من لبنان إلى فلسطين لينخرط في سلك التعليم، وأمٍّ من أصل سوري مفتونة بالشعر. وإذا كانت اهتمامات الأبوين الثقافية، هي التي تفسر التعلُّق اللاحق للابنة بالثقافة والأدب، فإن تمسكهما بأهداب القيم المحافظة، طقوسًا وتعاليم، هو الذي يفسر ما تغلغل في شخصية الفتاة من قيم متعالية على ربقة الجسد الطيني و"أدرانه" ونزواته.
كما أن انشطار مَي شبه الفصامي بين قهر الجسد وقمع رغباته من جهة، وبين إطلاق العنان واسعًا لكل ما يتصل بالعقل والروح من جهة أخرى، لا يمكن فهمه بمعزل عن أماكن تحصيلها الدراسي؛ إذ أُلحقت مَي الطفلة بأحد الأديرة في مدينة الناصرة، قبل إلحاقها مراهقةً بمدرسة راهبات "عينطورة" اللبنانية.
كما أن انشطار مَي شبه الفصامي بين قهر الجسد وقمع رغباته من جهة، وبين إطلاق العنان واسعًا لكل ما يتصل بالعقل والروح من جهة أخرى، لا يمكن فهمه بمعزل عن أماكن تحصيلها الدراسي؛ إذ أُلحقت مَي الطفلة بأحد الأديرة في مدينة الناصرة، قبل إلحاقها مراهقةً بمدرسة راهبات "عينطورة" اللبنانية.
“
تنادى إلى صالون مَي كبار الأدباء العرب، وراسلت جبران لعقد ونيّف من الزمن. أمَّا النهاية، فقد كانت واحدةً من أكثر المصاير مأساوية في حياة الكتّاب والمبدعين.
الانتقال إلى مصر
تُعزى أسباب انتقال العائلة إلى مصر إلى بحث الأب عن فرص أفضل للعمل في الصحافة، بعيدًا عن صرامة السلطنة العثمانية في لبنان وفلسطين، إضافةً إلى رغبة العائلة أن تنأى بابنتها عن الصدمة العاطفية التي سبَّبها لها ابن عمها جوزف زيادة، الذي أحبته بشغف، لكنه نكث عهوده بالزواج منها. وعلاوة على ذلك، فإن هذا الانتقال كان جزءًا من السياق العام لهجرة النخب اللبنانية المثقفة إلى مصر، ومن بين أسمائها كتّاب وشعراء وإعلاميون بارزون، من أمثال: يعقوب صروف، وفارس نمر، وروز اليوسف، وشبلي شميّل، وخليل مطران.
وفي مصر، تمكّنت مَي، التي تفتّحت موهبتها في ظل مناخ ثقافي بالغ الحيوية والتنوّع، من أن تضيف اسمها بسرعة فائقة إلى قائمة أترابها المهاجرين، وأن تلفت انتباه الوسط الثقافي المصري إلى لغتها الأنيقة ومقالاتها المتميزة في الصحف، فضلًا عن قدراتها الخطابية الفائقة. حتى إذا بادرت إلى تأسيس صالونها الثقافي في العقد الثاني من القرن الفائت، تنادى إليها أبرز كتَّاب مصر والعالم العربي؛ لا استجابةً لنداءات الأدب والثقافة فحسب، بل افتتانًا بالصبيّة اليانعة التي تتقن إلى جانب العربية لغاتٍ عدة، جامعةً بين الوعي المعرفي والذكاء اللمّاح ورقّة الحضور.
تُعزى أسباب انتقال العائلة إلى مصر إلى بحث الأب عن فرص أفضل للعمل في الصحافة، بعيدًا عن صرامة السلطنة العثمانية في لبنان وفلسطين، إضافةً إلى رغبة العائلة أن تنأى بابنتها عن الصدمة العاطفية التي سبَّبها لها ابن عمها جوزف زيادة، الذي أحبته بشغف، لكنه نكث عهوده بالزواج منها. وعلاوة على ذلك، فإن هذا الانتقال كان جزءًا من السياق العام لهجرة النخب اللبنانية المثقفة إلى مصر، ومن بين أسمائها كتّاب وشعراء وإعلاميون بارزون، من أمثال: يعقوب صروف، وفارس نمر، وروز اليوسف، وشبلي شميّل، وخليل مطران.
وفي مصر، تمكّنت مَي، التي تفتّحت موهبتها في ظل مناخ ثقافي بالغ الحيوية والتنوّع، من أن تضيف اسمها بسرعة فائقة إلى قائمة أترابها المهاجرين، وأن تلفت انتباه الوسط الثقافي المصري إلى لغتها الأنيقة ومقالاتها المتميزة في الصحف، فضلًا عن قدراتها الخطابية الفائقة. حتى إذا بادرت إلى تأسيس صالونها الثقافي في العقد الثاني من القرن الفائت، تنادى إليها أبرز كتَّاب مصر والعالم العربي؛ لا استجابةً لنداءات الأدب والثقافة فحسب، بل افتتانًا بالصبيّة اليانعة التي تتقن إلى جانب العربية لغاتٍ عدة، جامعةً بين الوعي المعرفي والذكاء اللمّاح ورقّة الحضور.
ولم يطُل الأمر كثيرًا حتى كانت الفتاة المثقفة، ذات الوجه الأبيض المستدير والابتسامة الملغزة والشعر القصير الأسود، قادرةً عن قصد أو غير قصد على إضرام الحرائق في قلوب المتهافتين على جلساتها الدورية مساء كل ثلاثاء؛ حتى بدا هؤلاء مختلفين في قضايا اللغة والهويّة والتراث والتجديد ووظيفة الأدب، ومتفقين في شيء واحد، هو وقوعهم واحدًا تلو الآخر تحت التأثير المزدوج لذكاء مَي، وبريق نظراتها الخلّاب. أمَّا المشاركون في غمار الحرب الأهلية العاطفية، التي دارت حول مَي، فقد كان من بينهم: أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وولي الدين يكن، وشبلي شميّل، وعباس محمود العقاد، ومصطفى صادق الرافعي، وإسماعيل صبري، صاحب البيتين الشهيرين:
يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقةٌ كظامئ الطير توَّاقًا إلى الماءِ
إن لم أمتّع بميٍّ ناظريّ غدًا لا كان صبحك يا يوم الثلاثاءِ
يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقةٌ كظامئ الطير توَّاقًا إلى الماءِ
إن لم أمتّع بميٍّ ناظريّ غدًا لا كان صبحك يا يوم الثلاثاءِ
هي و"النموذج الإبداعي الأمثل": جبران
أكثر ما يقفز إلى ذهن الباحث المتأمل هو السؤال عن السبب الذي دفع مَي زيادة إلى الإشاحة بوجهها عن كل طلبات الحب والزواج المقدّمة لها، وعن كل قصائد الغزل المرفوعة إليها، والتوجّه إلى ما وراء المحيطات لتبثَّ إلى جبران خليل جبران الكثير من عواطفها وهواجسها ولواعج قلبها، ولتتبادل معه عشرات الرسائل على امتداد عقد ونيّف من الزمن.
ثمّة ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن افتتان مَي بجبران كان مردّه في البداية مكانة الأخير الأدبية، وشهرته التي طبّقت الآفاق، وهو ما جعل منه نموذجها الإبداعي الأمثل. ومما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان، أن شهرة مَي في مصر، تعود في بعض جوانبها إلى إلقائها كلمة جبران في حفل تكريم خليل مطران في الجامعة المصرية عام 1913م؛ إذ تمكّنت من أسر الحاضرين بحلاوة نطقها ومظهرها ونبرتها الخطابية المؤثرة، مما دفع طه حسين إلى القول إن حضورها الحفل "قد شغل الناس بالحديث عنها، أكثر مما شغلهم بالحديث عن المُحتفى به".
ظلت الآراء المتعلقة بتلك العلاقة الغريبة بين مَي وجبران موضع تباين واختلاف. ولكن ميخائيل نعيمة ذكر في كتابه عن جبران، أن الأخير تلقى، وهو في باريس، رسالة من فتاة شرقية، كانت قد قرأت بإعجاب شديد قصته "مرتا البانية"، تُعرب فيها عن تشوُّقها "للمس اليد التي خطّتها والروح السماوية التي أملتها". غير أن نعيمة يردف قائلًا: إنَّ شعورًا بالزهو قد انتاب صديقه "اللدود" إثر قراءة الرسالة. وأضاف وفقًا لاجتهاده، أن جبران لم يشأ لقاء الفتاة "تجنبًا لإفساد ما تبقى من براءته". أمَّا روز غريّب، فلم تذهب في كتابها "مي زيادة.. التوهج والأفول" إلى استنتاج مغاير، عادّةً أن مصارحة مَي لصاحب "المواكب" بحبها له عام 1924م، وبعد لأْيٍ طويل، لم يقابله الأخير بتصريح مماثل، بل آثر الدوران في فلك الكلام الوجداني المبهم. حتى إذا نكث جبران وعدَه لمَي بملاقاتها في إيطاليا، تأكّد لها أنه لا يبحث عنها بوصفها امرأةً محسوسة ومتحققة، بل عن صورتها في مرايا اللغة، لتبدأ رسائلهما بعد ذلك بالتباعد، وعلاقتهما بالتراجع النهائي.
أكثر ما يقفز إلى ذهن الباحث المتأمل هو السؤال عن السبب الذي دفع مَي زيادة إلى الإشاحة بوجهها عن كل طلبات الحب والزواج المقدّمة لها، وعن كل قصائد الغزل المرفوعة إليها، والتوجّه إلى ما وراء المحيطات لتبثَّ إلى جبران خليل جبران الكثير من عواطفها وهواجسها ولواعج قلبها، ولتتبادل معه عشرات الرسائل على امتداد عقد ونيّف من الزمن.
ثمّة ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن افتتان مَي بجبران كان مردّه في البداية مكانة الأخير الأدبية، وشهرته التي طبّقت الآفاق، وهو ما جعل منه نموذجها الإبداعي الأمثل. ومما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان، أن شهرة مَي في مصر، تعود في بعض جوانبها إلى إلقائها كلمة جبران في حفل تكريم خليل مطران في الجامعة المصرية عام 1913م؛ إذ تمكّنت من أسر الحاضرين بحلاوة نطقها ومظهرها ونبرتها الخطابية المؤثرة، مما دفع طه حسين إلى القول إن حضورها الحفل "قد شغل الناس بالحديث عنها، أكثر مما شغلهم بالحديث عن المُحتفى به".
ظلت الآراء المتعلقة بتلك العلاقة الغريبة بين مَي وجبران موضع تباين واختلاف. ولكن ميخائيل نعيمة ذكر في كتابه عن جبران، أن الأخير تلقى، وهو في باريس، رسالة من فتاة شرقية، كانت قد قرأت بإعجاب شديد قصته "مرتا البانية"، تُعرب فيها عن تشوُّقها "للمس اليد التي خطّتها والروح السماوية التي أملتها". غير أن نعيمة يردف قائلًا: إنَّ شعورًا بالزهو قد انتاب صديقه "اللدود" إثر قراءة الرسالة. وأضاف وفقًا لاجتهاده، أن جبران لم يشأ لقاء الفتاة "تجنبًا لإفساد ما تبقى من براءته". أمَّا روز غريّب، فلم تذهب في كتابها "مي زيادة.. التوهج والأفول" إلى استنتاج مغاير، عادّةً أن مصارحة مَي لصاحب "المواكب" بحبها له عام 1924م، وبعد لأْيٍ طويل، لم يقابله الأخير بتصريح مماثل، بل آثر الدوران في فلك الكلام الوجداني المبهم. حتى إذا نكث جبران وعدَه لمَي بملاقاتها في إيطاليا، تأكّد لها أنه لا يبحث عنها بوصفها امرأةً محسوسة ومتحققة، بل عن صورتها في مرايا اللغة، لتبدأ رسائلهما بعد ذلك بالتباعد، وعلاقتهما بالتراجع النهائي.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
الرسائل الشهيرة بين الطرفين
بالعودة إلى الرسائل المتبادلة بين الطرفين، التي توقفت مع الحرب العالمية الأولى لسنوات خمس، يتبيّن لنا أن كلًّا منهما كان يبحث في إطار تكوينه الرومانسي الحالم، عن مثال للآخر المعشوق يوفر له أسباب الإلهام، ويحفزه على الكتابة والتأمل الفكري والرؤيوي، لا عن نسخة أخرى من الكائنات "الترابية" المتاحة. وإذ سارت العلاقة بينهما على خطَّين متوازيين: أحدهما فكري وأدبي، والآخر عاطفي وجداني أخذ مع الزمن طريقه إلى التصاعد، عكست الرسائل من نواحيها الفكرية والأدبية، نظرة الطرفين إلى قضايا الكتابة والفن والتقليد والتجديد، إضافةً إلى رأي كل منهما في نتاج الآخر وكتاباته.
بالعودة إلى الرسائل المتبادلة بين الطرفين، التي توقفت مع الحرب العالمية الأولى لسنوات خمس، يتبيّن لنا أن كلًّا منهما كان يبحث في إطار تكوينه الرومانسي الحالم، عن مثال للآخر المعشوق يوفر له أسباب الإلهام، ويحفزه على الكتابة والتأمل الفكري والرؤيوي، لا عن نسخة أخرى من الكائنات "الترابية" المتاحة. وإذ سارت العلاقة بينهما على خطَّين متوازيين: أحدهما فكري وأدبي، والآخر عاطفي وجداني أخذ مع الزمن طريقه إلى التصاعد، عكست الرسائل من نواحيها الفكرية والأدبية، نظرة الطرفين إلى قضايا الكتابة والفن والتقليد والتجديد، إضافةً إلى رأي كل منهما في نتاج الآخر وكتاباته.
والمفاجئ في هذا الصدد، أن افتتان مَي بجبران، لم يمنعها من إبداء ملاحظات جريئة حول بعض كتاباته، كأن تنتقد نزوعه في بعض الأحيان إلى التهويم الإنشائي البكائي، أو وقوعه أحيانًا أخرى تحت تأثيرات "نيتشه" الأسلوبية والفلسفية. كما لا يتردد جبران في حثّ مَي على استثمار مواهبها فيما هو أبعد من التأريخ الأدبي والمتابعات النقدية والاجتماعية، مخاطبًا إيّاها بالقول: "أوَليس الابتداع أبقى من البحث في المبدعين؟ ألا ترين أن نظم قصيدة أو نثرها، أفضل من رسالة في الشعر والشعراء؟".
النهاية المأسوية
لم يكُن العام 1925م هو المفصل الزمني الذي شقّت فيه العلاقة بين مَي وجبران طريقها إلى الضمور فحسب، بل كان في الوقت نفسه، العام الذي بدأت معه صحة جبران في التقهقر التدريجي، وصولًا إلى وفاته عام 1931م. ولمّا كانت مَي ترى في علاقتها بعباس محمود العقاد ما يعوّضها، بشكل أو بآخر، عن خسارتها لجبران، فإن عجزها عن الاستجابة لرغبات العقاد وسقوفه العاطفية العالية، أدخل علاقتها به في نفق مسدود، وجعله يرى في مواطنتها الجريئة "سارة" تعويضه الملائم وضالته المنشودة.
لم يكُن العام 1925م هو المفصل الزمني الذي شقّت فيه العلاقة بين مَي وجبران طريقها إلى الضمور فحسب، بل كان في الوقت نفسه، العام الذي بدأت معه صحة جبران في التقهقر التدريجي، وصولًا إلى وفاته عام 1931م. ولمّا كانت مَي ترى في علاقتها بعباس محمود العقاد ما يعوّضها، بشكل أو بآخر، عن خسارتها لجبران، فإن عجزها عن الاستجابة لرغبات العقاد وسقوفه العاطفية العالية، أدخل علاقتها به في نفق مسدود، وجعله يرى في مواطنتها الجريئة "سارة" تعويضه الملائم وضالته المنشودة.
“
امرأة شبيهة ببطلات الملاحم، دفعت غاليًا ثمن نهوضها المبكر، قبل أن تفتح الطريق واسعًا أمام ملايين النساء الحاملات بعدها راية الأمل وشعلة الحرية.
بعد ذلك دخلت مَي في دوامة من المكابدات والفواجع، بدءًا برحيل أبيها عام 1929م، إلى رحيل جبران بعده بسنتين، ثم رحيل أمها عام 1932م، وتآمر ابني عمها فؤاد وجوزف ضدها لحرمانها من الميراث، ثم إعادتها عن طريق الحيلة إلى لبنان، قبل اتهامها بالجنون وإدخالها إلى مصحٍّ عقلي، بهدف الاستيلاء على ميراثها العائلي.
ومع أن المرء لا يحتاج إلى استعادة الوقائع الأخيرة من سيرة مَي، لكثرة ما تناولها الدارسون ومؤرخو الأدب بالقراءة والتحليل، فإن ما لحق بها في فصول حياتها الأخيرة، يكاد يكون أحد أكثر المصائر مأساوية في حياة الكتّاب والمبدعين. فقد عادت مَي إلى مصر مكتهلة ومطفأة البريق، بعد أن أسهم أمين الريحاني في إخراجها من مستشفى الأمراض النفسية، لتكتشف أن كل الذين بهرهم سحرها القديم قد انفضوا عنها، ولتقضي نحبها وحيدة ومهيضة عام 1941م. ومع ذلك، فليس بمستطاع أحد أن يغض النظر عن الحقيقة المتمثلة في أن "أسطورة" مَي زيادة، لم يصنعها نتاجها الأدبي والإبداعي وحدَه، بل صنعتها وقائع حياتها الغريبة، والحافلة بالأحداث والمفاجآت. فلقد بدت مَي من بعض الزوايا، أشبه بالوردة الفوّاحة التي تتفتح وحيدةً وبلا ظهير قبل حلول الربيع، أو بالمرأة الشبيهة ببطلات الملاحم، التي دفعت غاليًا ثمن نهوضها المبكر، قبل أن تفتح الطريق واسعًا أمام ملايين النساء الحاملات بعدها راية الأمل وشعلة الحرية.
ومع أن المرء لا يحتاج إلى استعادة الوقائع الأخيرة من سيرة مَي، لكثرة ما تناولها الدارسون ومؤرخو الأدب بالقراءة والتحليل، فإن ما لحق بها في فصول حياتها الأخيرة، يكاد يكون أحد أكثر المصائر مأساوية في حياة الكتّاب والمبدعين. فقد عادت مَي إلى مصر مكتهلة ومطفأة البريق، بعد أن أسهم أمين الريحاني في إخراجها من مستشفى الأمراض النفسية، لتكتشف أن كل الذين بهرهم سحرها القديم قد انفضوا عنها، ولتقضي نحبها وحيدة ومهيضة عام 1941م. ومع ذلك، فليس بمستطاع أحد أن يغض النظر عن الحقيقة المتمثلة في أن "أسطورة" مَي زيادة، لم يصنعها نتاجها الأدبي والإبداعي وحدَه، بل صنعتها وقائع حياتها الغريبة، والحافلة بالأحداث والمفاجآت. فلقد بدت مَي من بعض الزوايا، أشبه بالوردة الفوّاحة التي تتفتح وحيدةً وبلا ظهير قبل حلول الربيع، أو بالمرأة الشبيهة ببطلات الملاحم، التي دفعت غاليًا ثمن نهوضها المبكر، قبل أن تفتح الطريق واسعًا أمام ملايين النساء الحاملات بعدها راية الأمل وشعلة الحرية.
شوقي بزيع: شاعر وكاتب لبناني.