Hero image

محمد السليم..الباقي في الأفق

عبدالرحمن السليمان

مايو 5, 2026

شارك
محمد السليم (1939م - 1997م) واحدٌ من روّاد فنّ الرسم في المملكة العربية السعودية، بدأ مسيرته الفنيّة في ستينيات القرن الماضي. كان معرضه الأول عام 1967م في نادي النصر بالرياض، وهو المعرض الذي تنقل بين مواقع عديدة في الرياض والظهران والدمام. وعاش الفنان حياته يدرُس الفنّ ويُدرّسه، فترك أثرًا واضحًا في مسار الحركة التشكيلية في المملكة. وتمثّل أبرز سمات هذا الأثر في الحفاظ على الموروث الثقافيّ والجماليّ المحليّ.
عاش السليم للفنّ، متعلّمًا لا يكفّ عن التعلّم، ومعلمًا شغوفًا بنقل خبراته، بدءًا من تدريسه الفنّ والإشراف على تعليمه، وانتهاءً بتفاعله مع الفنانين السعوديين من الجيل التالي. وعمل في هندسة الديكور، وتبنّى مشروعاتٍ فنيّة، مثل تأسيس "دار الفنون السعودية"، ثم "الصالة العالمية للفنون التشكيلية".
 
 من الدراسة إلى التدريس

في محافظة مرات الخصبة، التي تبعد عن العاصمة نحو 170 كيلو مترًا، تلقّى السليم علومَه المبكرة. وكان من أوائل السعوديين الذين درسوا الرسم، تزامنًا مع إقرار تدريس مادة التربية الفنية في المدارس السعودية. ورأى فيه المسؤولون وإدارة المدرسة موهبةً فنيّةً؛ إذ أظهر نشاطًا ملحوظًا في تنفيذ الوسائل التعليمية وأعمال الخط. 

وأُتيحت الفرصةُ للسليم للاستزادة من خلال إكمال تعليمه الليلي. فتدرّج في التعليم حتى المرحلة المتوسطة، وصولًا إلى الإشراف الفنيّ في إدارة تعليم الرياض. ولم يقف عند هذا الحدّ؛ إذ كان طموحه كبيرًا في الاستزادة المعرفية، فحضر عام 1960م دورةً لتأهيل المعلمين، وحصل على الجائزة الأولى في مجال التربية الفنيّة. وفي عام 1964م، كان ضمن من حضروا دورةً تدريبية لمعلمي التربية الفنيّة غير المتخصصين في مدينة الطائف، وكانت له خلالها لقاءاته الأولى مع بعض زملاء المسيرة الفنيّة، مثل: عبدالحليم رضوي، وسعد العبيد، وآخرين. 
 
البيئة الثقافية التي أحاطت بنشأته

كانت المعارض في الستينيات منطلقًا لحركة فنيّة واعدة. وكانت الأندية في الغالب هي المقارَّ التي تستضيفها بجانب المدارس، وأحيانًا بعض قاعات مراكز الخدمة الاجتماعية؛ مما أتاح للفنان تنظيم عددٍ من العروض الفردية في أكثر من موقع بالرياض والمنطقة الشرقية وجدة.

 كانت المديريةُ العامة لرعاية الشباب الجهةَ المشرفة أو المعنية بالنشاطات الفنية السعودية، وأعمال الأندية ونشاطاتها. وفي عام 1969م، نظّمت المديرية أول المعارض الجماعية في مدينة الرياض بمشاركة عددٍ من الفنانين وكثيرٍ من الهواة والمبتدئين. فتعدّدت معارض السليم بين جدّة والمنطقة الشرقية، وشهدت الساحةُ منافسةً فنيّةً بينه وبين عبدالحليم رضوي، الذي كان قد افتتح أول معرض فرديّ في جدّة عام 1965م.

بعد سنواتٍ من العمل في التعليم، التحق الفنان السليم بالتلفزيون عام 1969م؛ إذ شارك في بعض أعمال الديكور ورسم الخلفيات والتصاميم لبعض البرامج التلفزيونية، وهو ما أهَّله للانضمام إلى الأسرة الإعلامية في قسم الديكور. ثم كانت الفرصة مواتيةً لابتعاثه إلى إيطاليا والدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة بفلورنسا، من عام 1970م حتى 1973م. 
 

كان لدراسته في إيطاليا أبلغ الأثر في تعميق نظرته إلى بيئته المحلية، والتطلع مجددًا بنضوجٍ إلى الصحراء بوصفها مصدر إلهام رئيسًا في أعماله.

أثر دراسته في إيطاليا

خلال وجوده في إيطاليا، تفتحت عيناه على الفنّ من أوسع أبوابه؛ فقد كانت إيطاليا بالنسبة للسليم ملهمًا فنيًّا كبيرًا. درس على أيدي الفنانين والأساتذة المختصين، وعايش المناخ الفنيّ الذي يسود إيطاليا ومدنها، مثل روما وفينيسيا وفلورنسا وغيرها. والتقى هناك عددًا من زملائه السعوديين الذين ابتعثوا لدراسة الديكور أيضًا. واكتسب السليم من إيطاليا مفاهيم جديدة، عزّزها معلموه وبعض النقّاد، ولا سيّما عندما كانت ملامح تجربته "الآفاقية" تتبلور وتتشكّل من منطلقاتها المحليّة التي استلهم فيها "الصحراء" مُثيرًا فنيًّا ومُلهمًا لمسار تجربته في عمومها. 

 بدأ تجربته من بيئةٍ قريبةٍ يعرفها جيدًا؛ عناصرها الإنسانُ والخيمة والنخلة والجمل، ونباتاتٌ موسمية وأخرى دائمة، وصخورٌ مبعثرة في أطراف صحرائه، وفضاءاتٌ تمتد يمينًا ويسارًا، وأفقٌ غير متناهٍ. ولعلّنا نجد وصف ما يتمتع به السليم في كتابات بعض مَن عرفوا تجربته، كالإيطالي فرناندو تمبستي الذي قال عن هذه التجربة: "إنها تعطي دلالةً أساسية إلى فنّ الصحراء"، أو البروفيسور رنسو فيدريتشي الذي قال: "نجح السليم في ربط العواطف القديمة وتقاليده بنكهة الخلود والبقاء". ومن النقّاد العرب، يبرز رأي الفنان حسين بيكار الذي قال: "أول ما ينتزع الإعجاب في أسلوب الفنان محمد السليم هو انتماؤه الشديد لبيئته".
 
 من النخيل إلى آفاق الصحراء

أحبَّ الفنان السليم النخيلَ ورسَمَها على نحوٍ متكرر في عدد من أعماله، ولا سيَّما المبكرة منها، فكانت ظاهرةً في أعمالٍ مشهديةٍ أكثر من وجودها في أعماله التالية التي أطلق عليها "الآفاقية". النخلة في أعمال السليم عنصرٌ حيويٌّ وظاهرٌ في مجمل التجربة المبكرة، لكن الإنسان أيضًا كان حاضرًا، عندما رسم موضوعات الأرض والأسرة والأمومة، وبعض المظاهر الاجتماعية. رسمَ النخلةَ وفق انفتاحه المبكر على الفنّ في إيطاليا وتعرُّفه إلى اتجاهاتٍ لامست أفكاره؛ فبرزت "الانطباعية" بتلويناتها الباردة في بعض الأعمال التي يُرجَّح أنه رسمها في أثناء دراسته، لكنه أيضًا كان يبحث عمَّا يحقّق مزيدًا من تأكيد شخصيته الفنيّة وتجاوز تأثيرات التوجّهات التي عرفها خلال فترة دراسته. 
 

لم يكن اكتشاف السليم "آفاقيتَه" إلا عندما اتضحت معالمُ التجربة وشخصيتها؛ إذ كان كمن يبحث عن دلالةٍ أدبيّةٍ أو لفظيةٍ تحقّق ما يمكنه التعبير به عن مجمل التجربة، فكانت الأرض ملهمته، ومنحته الصحراء كثيرًا من الحرية لاستلهامها والاشتغال عليها. إنها صحراء الحياة، وتطويع الإنسان السعودي لها، والتكيّف مع مناخها وقسوتها، واستكشاف جمالياتها. 

رسم السليم صحراءه وفق تصوُّره الشخصي، حياةً تبعثها تلك العناصر المتناثرة أو النباتات؛ إذ يتشكّل مشهد الصحراء من عناصر يرتبط بعضها ببعضٍ ماديًّا وثقافيًا ومعنويًا. فالأصالة تتحقّق من خلال الشخصية، والشخصية هنا هي محمد السليم بمكونه الثقافيّ والمعرفيّ والاجتماعيّ والحياتيّ، واعتزازه بهويته وبأرضه وناسه ومجتمعه ومكانه، وبما يمكن أن يمنحه كل ذلك من اختلاف أو تمايز. 

عندما توجَّه إلى تلخيص عناصره، كانت آثار الخيمة والحصى ظاهرةً لا تغيب، وحركة اليد أو سكين الرسم تُحرَّك كل ذلك بثقةٍ واقتدارٍ. نستشعر في أعماله الخيمة كما نستشعر العلاقة التي تربطها بالأرض أو بالمكان في تجرُّده وخصوصيّته: الأرض الممتدة، والخطوط التي ترسم ملامحَ الشخصية، والعناصر التي تمثّل شكلًا ظاهرًا أو غائبًا. استعار أحيانًا حروفًا وكتبها ولخّصها لتتماهى مع الفضاءات الصحراوية. كما استعار بعض العبارات والنصوص، سعيًا إلى تأكيد الخصوصية؛ وهي عباراتٌ أو أحرفٌ تتصل وتتوزع وفق رؤية الفنان وسعيه إلى خلق الشكل الجماليّ الخاص، وهو ما تحقّق في هذه الأعمال وفي جلّ تجربته الفنيّة.

 
معارضه تنتزع الاعتراف العام بمكانته

نظّم السليم عددًا كبيرًا من المعارض في مدن المملكة وبعض البلدان العربية. وكان معرضه الاستعادي الذي نظّمته جمعية الثقافة والفنون بالرياض عام 1989م، أحد أهمّ المعارض الشاملة في مسيرته. فقد كان استعاديًّا بالفعل، وصاحبَه نشرُ دليلٍ تضمن أبرز أعماله ومحطات تاريخه الفنيّ. 

في عام 1990م، وصل إلى المنطقة الشرقية حاملًا أعماله في سيارته، وعازمًا على تنظيم معرضٍ متنقلٍ يطوفُ به بعض مدن المملكة وبعض دول الخليج، وكان له ما أراد؛ إذ بدأ عروضه بالدمام، ثم انطلق إلى جدّة والمدينة المنورة والقصيم. وفي العام نفسه، خرج بأعماله إلى الكويت والبحرين وقطر وأبوظبي، وقُوبلت هذه المعارض بالترحيب أينما حلّ. وسعى بذلك إلى تجاوز مركزية المدينة، ونشر الفن وإيصاله إلى أكبر شريحة من الناس على مستوى المملكة والخليج.
 السنوات الأخيرة من رحلته الفنية

إضافةً إلى معارضه، وخلال السنوات الأخيرة من مسيرته، أنجز السليم عددًا من المجسّمات الجماليّة التي نُصِب بعضها في الرياض عند دوار المطار القديم، وفي الدمام، والمدينة المنورة، والطائف، وحفر الباطن والباحة، وجدة. ومن خلال دار الفنون السعودية، أصدر عام 1982م كتابًا مصورًا لأعماله الفنيّة قدّمه الإيطالي فرناندو تمبستي. كما أصدر عام 1992م، كُتيبًا عنوانه "الآفاقية.. فن الرؤية الآفاقية الصحراوي التشكيلي". وشرح السليم ملامح تجربته في ذلك الكتاب. كما كانت له مشاركات نقديّة وكتابات عن الفنّ المحليّ والفنانين في بعض الصُحف والمجلّات المحليّة، مثل: الجزيرة، والرياض، واليوم، ومجلة اليمامة. 
في النصف الثاني من التسعينيات عاد مرة أخرى إلى إيطاليا، وتواصل هناك مع الفنانين السعوديين، ودعا عددًا منهم للمشاركة في معارض ومناسبات فنيّة كانت تُنظّم في إيطاليا. وفي يوليو عام 1997م، فوجئ الوسط الفنيّ ومحبّوه بوفاته هناك. 
 

أثره في مسار الفنّ التشكيليّ السعودي واضح، وستبقى أعماله واحدةً من أهم التجارب الفنيّة عربيًّا ومحليًّا.

استمرار حضوره

استمر حضور السليم في الحياة الثقافيّة والفنيّة في المملكة بعد وفاته. ففي عام 1998م، نظّمت الرئاسة العامة لرعاية الشباب معرضًا بعنوان "الوفاء التشكيلي للفنان محمد السليم"، قدّمت فيه بعض أعماله إلى جانب أعمال عددٍ من الفنانين السعوديين، وعُقدت على هامش المعرض لقاءاتٌ حواريّةٌ عن تجربته ومسيرته. كما كرّمه معهد مسك للفنون بالرياض في دورة التكريم الأولى للروّاد عام 2018م، برعاية سمو وزير الثقافة. وبِيعت أعمالُه في مزاداتٍ دوليّةٍ. ومؤخرًا، اكتمل ترميم عددٍ من أعماله ومجسّماته لتُعرض في "صحراء إكس" بالعلا. وبذلك سيظلّ أثر محمد السليم حاضرًا في مسار الفنّ السعودي، وستبقى أعماله التي رسّخت الشخصية الفنيّة المحليّة والموروث الثقافي السعودي، واحدةً من أهم التجارب الفنيّة عربيًّا ومحليًّا، وتؤكد مكانته بوصفه رائدًا حقيقيًّا في مسار حركة الفنون البصرية في المملكة.

 

عبدالرحمن السليمان: كاتب وفنان تشكيلي سعودي.