
من هذا المدخل يمكن قراءة تجربة غارم، فهي انتقال دائم بين وسائط المعرفة، وميلٌ إلى دفع العمل الفني نحو مناطق تماسٍّ مع حقول مختلفة، مثل الاجتماع والسياسة والعلم، بدلًا من الاكتفاء بإطار جمالي مغلق.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
رسالة / رسول (2010م)، تصوير: عجلان غارم، بإذن من غارم استوديو.
لا تنفصل الروح التجريبية عن المسار المبكر للفنان، الذي اتسم منذ بداياته بالخروج من إطار اللوحة التقليدية إلى الفعل الفني المباشر، وربَّما كان لهذا التوجه علاقة بنشأته؛ إذ عاش طفولته في منطقة عسير جنوب غرب المملكة، حيث سلسلة جبال السروات والمناخ المعتدل والغطاء النباتي الكثيف.
وُلد غارم تحديدًا في قرية صدريد، بمحافظة النماص عام 1973م، وتنقَّل بينها وبين خميس مشيط قلب عسير، قبل أن تمنحه الحياة العسكرية فرصة الانفتاح على فضاءات أوسع في رحاب المملكة.
اتّجه غارم في مرحلة مبكرة من تجربته إلى الميدان التفاعلي، حيث يكون العمل الفني معروضًا للناس وواقعًا بينهم. ومن أبرز المحطات في هذا المجال مشروعه "منزوع"، الذي أنجزه في قرية العشيمة بمنطقة جازان؛ إذ أقام الفنان لفترةٍ وسط سكان القرية، وأنجز سلسلة أعمال جمعت بين الصورة و"فيديو آرت" والبيان الفني، في تجربة ارتكزت على الاحتكاك المباشر بالمجتمع المحلي لا على مراقبته من الخارج.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
أثناء العبور (2013 م)، تصوير: عجلان غارم، بإذن من غارم استوديو.
تجاوز حدود السطح التشكيلي نحو الفعل والتركيب والرمز الحي. لم يكُن نقص صالات العرض عائقًا بقدر ما كان دافعًا لإخراج الفن إلى المجال اليومي، وتحويل الفضاء العام نفسه إلى منصة اختبار. لاحقًا اتسعت تجربته لتشمل مشروعات ميدانية في مناطق متعددة من المملكة، واتخذت أعماله مسارًا يجمع بين الحسّ المفاهيمي والاشتغال على البنية المؤسسية للفن.
ومن الأمثلة المبكرة على وعي غارم الفني، مشروعه "فلورا وفونا" (2007م)، وهو عمل تفاعلي صادم في وقته؛ إذ حبس نَفْسَه داخل كيس بلاستيكي بصحبة شجرة دخيلة على البيئة المحلية، في إشارة رمزية إلى الكائن الغريب حين يُفرض على نظام طبيعي مغلق. وقد أثار العمل ردودًا واسعة في محيطه، وفتح نقاشًا مباشرًا مع الجمهور حول معنى التدخل، والاختلال، وحدود التعايش.
“
مع اتساع تجربة غارم، اتّجه إلى تطوير مشروعه الفني ضمن أُطر جماعية كان لها أثرها الواضح في تطوير الخطاب البصري المحلي والعربي.
مع اتساع تجربة غارم، اتّجه إلى تطوير مشروعه الفني ضمن أطر جماعية أثّرت بوضوحٍ في تطوير الخطاب البصري المحلي والعربي؛ إذ سعى إلى بناء خطاب فني مؤسسي، من خلال المشاركة مع مجموعة من الفنانين والكتّاب في تأسيس مشروع "شتا"، الذي مثّل محاولة مبكرة لتحويل الممارسة الفنية إلى نشاط منظّم ذي بيان فكري ورؤية مشتركة، في وقت لم يكُن فيه العمل الجماعي الفني شائعًا في المشهد المحلي.
سألناه عن هذه التجربة، قال: "كان القصد من جماعة شتا هو تحويل الفن إلى مؤسسة. كنا أول مجموعة في المملكة تقدّم بيانًا فنيًّا (منفستو) عن هويتها، وكانت التجربة فريدة، وكان الحضور طاغيًا ومفاجئًا، وخلصنا إلى نتيجة مفادها أن ما قدّمناه كان فنًّا هجينًا؛ وهذا كان نتاجًا طبيعيًّا لعملية الاختلاف الثقافي، فقد كانت لدينا معرفة مكتسبة بالمجال الفني المؤسسي في العالم، وحاولنا أن نعكسه على واقع خطاباتنا الفنية المحلية، وهذا ما حصلنا عليه في النهاية".
من هذا المسار الجماعي خرجت لاحقًا مبادرة (Edge of Arabia)، التي أدّت دورًا محوريًّا في تقديم جيل من الفنانين السعوديين إلى فضاءات عرض دولية، وربط التجربة المحلية بسياق الفن المعاصر عالميًّا. وقد أتاحت هذه المبادرة مشاركة أعمال غارم في معارض خارجية، وأسهمت في توسيع نطاق تلقي مشروعه الفني، بوصفه خطابًا بصريًّا يتعامل مع المجتمع ومع مكونات التوازن الكبرى، عربيًّا وعالميًّا، لا مجرد إنتاج جمالي معزول.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
قبة الكابیتول (2012م)، تصوير: Alex Maguire، بإذن من غارم استوديو.
ولم يتوقف أثر الحدث عند قيمته السوقية، بل ارتبط بقرار الفنان توجيه العائد لدعم برامج التثقيف الفني في مؤسسة (Edge Of Arabia).
وفي مسارٍ موازٍ لتطوّره الفني، انتقل غارم مهنيًّا إلى الرياض عام 2011م، حيث استقر نشاطه المؤسسي والإبداعي على حدٍّ سواء، مع استمرار بعض مشروعاته الميدانية خارجها في الفترة نفسها. وقد أتاح له عمله السابق في القطاع العسكري مساحةً مختلفة لتفعيل حضوره الفني؛ إذ بادر إلى تنظيم معارض وأنشطة بصرية داخل الإطار المؤسسي، في تجربةٍ جمعت بين الانضباط الوظيفي والمبادرة الإبداعية، وهو ما أسهم في توسيع دائرة التلقي للفن داخل بيئات غير تقليدية.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
الطريق إلى مكة (2014م)، بإذن من غارم استوديو.
من الكتب إلى الحياة
يبرز البعد المعرفي في تجربة غارم من خلال مكتبته المتخصصة في "غارم استوديو"، التي تضم عددًا كبيرًا من المراجع في الفن المعاصر والحقول المتقاطعة معه. حضور الكتاب هنا ليس كماليًّا، بل جزء من بنية العمل نفسها؛ إذ يظهر أثر القراءة والاشتباك النظري في كثير من أعماله، التي تتكئ على إحالات شعرية وفلسفية دقيقة.
وبالقدر نفسه يميل غارم إلى التقاط عناصر الحياة اليومية أيضًا وإعادة شحنها دلاليًّا داخل العمل الفني. فالإشارات المرورية، وصبّات الطريق، والعلامات التنظيمية، تتحول في أعماله من أدوات وظيفية إلى وحدات بصرية حاملةً للمعنى. ومن أبرز الأمثلة عمله "الطريق إلى مكة"، الذي انطلق من لوحة مرورية تنظيمية، أُعيد تقديمها داخل فضاء العرض بوصفها عملًا فنيًّا قائمًا بذاته.
ولا تخلو أعمال غارم من رسائل، وتنطوي أحيانًا على شيء من التهكّم. يقول: "عندما تكون هناك أسئلة أو رسائل صعبة، فلا بدّ من تقديمها بطريقة تجعلها جميلة ومقبولة".
ومن المفاتيح المفاهيمية اللافتة في تجربة غارم اشتغاله على الأختام بوصفها مادةً بصرية ودلالية في آنٍ واحد. سألته عن سرِّ هذه المركزية للختم لديه، قال: "في أول أيام عملي في القطاع العسكري، فتحت أحد أدراج مكتبي، فوجدت عددًا كبيرًا من الأختام، فخطر في بالي تلك القيمة المحورية في معنى الختم (التصديق) أو (المُصادقة)؛ فالختم ضمان عبور، ووثيقة قبول نهائي، لكنني في الوقت نفسه تأملت معنًى مضافًا إلى هذه الأختام، وهو معنى التكرار. وتذكرت أحد مشروعاتي الفنية الأولى "الصراط"، واعتمادي فيه، بلا وعي، على جمالية التكرار، وعلمت أن هذين المكوّنين المرتبطين لديهما إحالات ضخمة.. ومن هنا، بدأت العمل على مشروع الأختام، الذي قادني إلى اعتماد المادة المطاطية نفسها وجعلها بنية دلالية حاضرة في معظم أعمالي اللاحقة، وهذا تحديدًا ما أميل إليه وأفضله وأجيده؛ سحب المفاهيم اللغوية والمكونات البصرية، وصهرهما داخل بياني الفني".
“
أصبح العابر يمتلك القدرة على التعامل مع الأعمال المعروضة بالفضاء العام بصفتها دلالة رمزية، وأصبح يمتلك حتى سلطة تغيير اسمها.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
يهتم غارم بالفضاء العام بوصفه ساحةً مباشرة، تتغير فيها علاقة الجمهور بالعمل الفني، من مشاهدة اختيارية إلى مصادفة يومية، ومن دائرة التلقي المتخصص إلى دائرة الاحتكاك المباشر مع العابرين. يقول: "أصبح العابر يمتلك القدرة على التعامل مع الأعمال المعروضة بالفضاء العام بصفتها دلالة رمزية، وأصبح يمتلك حتى سلطة تغيير اسمها، أو تجاهل اسم الفنان ونسيانه، كما نلاحظ مع الأعمال الفنية الموجودة منذ عقود في فضاء مدينة جدة، فهي اليوم ملك للذاكرة الجمعية، التي كوّنت مع الأعمال علاقةً مختلفة تمامًا عمَّا كان في نيّة الفنان".
يتجلى ذلك الوعي بوضوح في عمل غارم "برج الفنون"، القائم في المسار الرياضي بمدينة الرياض؛ إذ أعاد توظيف أحد أبراج نقل الطاقة بعد إزالة خطوطه الهوائية، ليغدو علامةً فنية عمودية في المجال الحضري. العمل لا يضيف عنصرًا غريبًا إلى المشهد بقدر ما يعيد قراءة عنصر قائم أصلًا، وينقله من وظيفة تقنية لها علاقة بنقل الطاقة إلى حضور جمالي رمزي.
د. عبدالله العقيبي: كاتب وناقد سعودي.




