Hero image

الفنان عبدالله العثمان

أكتوبر 26, 2026

9 دقائق

شارك
الفنان والشاعر السعودي عبدالله العثمان يشبه عالِمَ الآثار في استنطاق المادة الصامتة واستجلاء سيميائية المكان، فيحوّل الممارسة الفنية إلى مختبر مفتوح تتداخل فيه اللغة بالبصر، والعمل الفني مع التأمُّل الفكري. وبعدما تقصّى العثمان في أعمال سابقة دورَ الفنان في حفظ التراث الشفهي عبر تحويله إلى لغة بصرية مفهومة عالميًّا، يأتي كتابه "اللغة والمدينة" محاولةً جدّية للقبض على روح العاصمة وتجليات هويتها المعمارية والبصرية واللغوية.
من مرايا "جغرافيا الأمل" في صحراء العُلا التي جسّدت فيزياء السراب منبعًا للتجدّد والحلم معًا، وصولًا إلى أسطورة "زهوى" التي طافت محافل "بازل" السويسرية وصاغت الموروث الشفهي في قالب عالمي معاصر، يُثبت الفنان السعودي عبدالله العثمان أن الفن هو فعل استكشاف دائم للتحوّلات التي يكون فيها التغيُّر هو الثابت الوحيد.

وتطل علينا نباتات الروضة في عمله الأخير بوصفها أبطالًا صامتين يروون حكاية الرياض بين صفو الماضي وتحدّيات الحداثة المعمارية الصاخبة. إنها دعوة للتأمُّل في تجربة ترى أن الزمن مكان متجمّد والمكان زمن سائل، وتبحث في الفراغات المرنة عن جملة بصرية تعيد تشكيل علاقتنا بالواقع وتدفعنا إلى إعادة قراءة اللغة بوصفها فضاءً مفتوحًا للتأويل والتحليل.
 

"جغرافيا الأمل"، العلا (2021م).

"اللغة والمدينة" (2024م).

"إيقاع المتغير" (2026م).

هندسة النقصفي مشروعه الفني الأحدث "هندسة غير المكتمل"، يشرع عبدالله العثمان في مساءلة الحرف بوصفه كيانًا آيلًا للتفكّك، فيتقصّى مدى استعصاء المعنى على الاكتمال عبر اللفظ؛ إذ يرى الفنان اللغة فضاءً مفتوحًا بالكامل لعمليات التحليل وإعادة البناء، منطلقًا في رؤيته من لحظة غياب واضحة تتمثّل في تلك الحروف غير المكتملة.

 وفي هذا السياق، تبرز هندسة النقص لديه بوصفها فلسفةً تجعل من الفشل في بلوغ الاكتمال جزءًا أصيلًا ومكوّنًا أساسًا من بنية التكوين الفني، لا مجرد خلل طارئ يستوجب الإصلاح؛ لأن النقص في نظره ليس غيابًا سلبيًا، بل هو مكوّنٌ حيوي وفعّال يملك القدرة على إنتاج معانٍ متجددة ومفتوحة، فيغدو كل حرف ناقصٍ وكل فراغ بصري مسارًا بديلًا للقراءة، يحفّز المتلقي ويدفعه إلى إعادة تشكيل علاقاته مع اللغة.

ويمتد هذا النزوع نحو استنطاق التحوّلات في معرضه "إيقاع المتغيّر"؛ إذ يبرز انحيازه للحديد المُعتّق والخشب بوصفهما خامات أساسية منحها حق قيادة الفكرة الفنية بخصائصها الذاتية بدلًا من تدخُّله المباشر بصفته فنانًا. فهو يؤمن بأن هذه المواد التي يوظّفها هي في جوهرها أجساد مكتملة الحيوات عند النظر إليها في سياق سابق، فهي أشجار ومعادن وطبيعة جمَّدها الزمنُ. 

"إيقاع المتغير" (2026م)، و"بشر الضوء" (2019م). 

قراءته للخط بوصفه جزءًا من نسيج المدينة 
خمس سنوات من البحث الميداني الدؤوب استغرقها كتاب "اللغة والمدينة" للقبض على الهوية التيبوغرافية لمدينةٍ مثل الرياض، في وقتٍ تتسارع فيه وتيرة التغيُّر المعماري بشكل يسبق التدوين نفسه. وفي هذا الكتاب الذي صدر عام 2025م، بالتعاون بين "إثراء" وصندوق التنمية الثقافية، انبرى العثمان لرصد ارتباطات اللغة من منظورين، هما: التيبوغرافي والكاليغرافي، مُعدًّا أن نوع الخط هو الدّال الأول على طبيعة الاستخدام في العنوانات وما تمثّله تلك العنوانات من مساحات بصرية. وقد تجلّى هذا الرصد في شيوع خطوطٍ مثل "الثلث" في فضاءات المساجد، و"الرقعة" في الأماكن العامة؛ إذ ترتبط كل مرحلة زمنية بممارسات اجتماعية محددة، مع التأكيد على أن الخطوط اليدوية التي صاغت عنوانات المحال قديمًا لم تكُن مجرد حروف، بل هي قصصٌ إنسانية مرتبطة بالحارة والشخص، وهو ما خلق خطًا زمنيًّا مزدوجًا لكلٍّ من الخط والمادة المستخدمة فيه، ومن هنا تنبع المفارقات والتحليل البصري لسردية اللغة داخل كيان المدينة.

وتتعمق هذه الرحلة الاستقصائية لتكشف عن تلك العلاقة الوثيقة التي تربط بين اللغة والعمارة، وكيف استطاعت الخطوط العربية وتفاصيل المباني أن تعكس بدقةٍ مسارات التطوّر الثقافي والاجتماعي لمدينة الرياض؛ فكتاب "اللغة والمدينة" لا يكتفي بالرصد العام، بل يحرص على تقديم توثيق منهجي لأساليب كبار الخطّاطين الذين نقشوا بصماتهم على معالم المدينة وصنعوا هويتها البصرية عبر عقود، من أمثال: ناصر الميمون، وعبدالرحمن الشويعر، وحسن عبيد، وصالح الصميت، وهم الذين أبدعوا في رسم الهوية البصرية للمدينة وتوثيق ذاكرتها البصرية الحيّة؛ حتى تحتفظ بجهود أولئك المبدعين الذين جعلوا من واجهات الرياض وحروفها سجلًّا اجتماعيًّا وتاريخيًّا يقرؤه العابرون قبل الباحثين.
 

مجسم "زهوى" أسطورة العشق والطبيعة في قلب الجزيرة العربية (2023م).

أساطير معاصرة
حينما قدَّم العثمان أسطورة "زهوى" في مدينة بازل السويسرية عبر تكوينٍ يمزج ببراعةٍ بين المهاة والثعبان، فقد سعى إلى استجلاء دور "الفنان الراوي" في حماية الأساطير الشفهية من ضجيج العالم الرقمي المعاصر، محوّلًا إيَّاها إلى لغة بصرية ذات أبعاد عالمية؛ فالأساطير الشعبية في نظره هي مخازن لخوارزميات وبيانات معرفية للثقافة والتراث، تنسج من خلالها تفاصيل القصص والعادات والتقاليد. ومن أبعاد ثقافة الصحراء وفضاءات المُتخيّل، ولدت رواية "زهوى" كحكايةٍ تتقاطع فيها سمات الإنسان والطبيعة والعشق، ليعكس هذا التنوع في معطيات القصة إدراكًا عميقًا لروح الصحراء قبل أن تتحوّل إلى مخرجات فنية متعددة تشمل المجسّمات والصور والفيديو آرت، في عمل يشبه الرواية البصرية. وهو يرى أن الأساطير التي نصنّفها على أنها خرافات خيالية تتضمن في جوهرها مفاهيم وسلوكيات أصيلة أثرت في الثقافة الشفهية، بل إن الأسطورة في غابر الزمان كانت أشبه بالذكاء الاصطناعي في عصرنا، تعكس في صياغتها قدرتنا على تحويل الأشياء غير الحقيقية إلى حقائق راهنة.

وبتوظيف فيزياء المكان، يبرز عمل "جغرافيا الأمل" في صحراء العُلا بوصفه تركيبًا فنيًّا يعتمد على المرايا العاكسة للأفق لمحاكاة ظاهرة السراب، متسائلًا عن مدى إسهام هذا التوظيف في تشكيل علاقة الإنسان بالأمل بوصفه مسارًا ماديًّا ملموسًا؛ فمنذ زيارته الأولى للعُلا وتأمله في فضاءات الطبيعة والحضارات التي تركت إرثًا مُذهلًا، فكَّر العثمان في تقديم عملٍ لا يتدخل كثيرًا في تغيير المنظر الجمالي الطبيعي، فكان السراب هو الخيار التركيبي الأمثل.

إن انكسار الضوء الذي يصنع السراب هو ما دفع الإنسان تاريخيًّا للبحث عن الماء، لكنه من خلال ذلك البحث استطاع أن يكتشف بالصبر أماكن وقصصًا وآمالًا جديدة. فالسراب في نظر العثمان لم يكُن مجرد خدعة بصرية، بل هو مصدر إلهام تعلَّم به رحَّالة الصحراء معنى الصبر ومنحهم رفاهية الحلم، ليغسلوا بقع اليأس برغوة الأمل.


سيرة المادة
منذ تغليف المباني بالقصدير في عام 2017م وحتى تفكيك الحروف في عام 2026م، شهدت علاقة العثمان بـ"المادة" تحوّلًا جذريًّا؛ إذ انتقلت من وسيلة لحفظ الذاكرة إلى أداة تعبيرية تكتسب سلوكها الخاص من خلال الاستخدام. وهذا الدور الطوعي لها أسهم في بناء معناها الفني. فاستخدام القصدير، على سبيل المثال، كان بمنزلة قسطرة قلب رمزية لمفهومي الحفظ والإشارة، مستفيدًا من الوظيفة التقليدية للتغليف الرامية إلى الحفاظ على حرارة الغذاء أو برودته؛ فمادته تملك سيرةً ذاتية مهمة، نسج العثمان بها فضاءه الإبداعي محوّلًا خاماتها الجامدة إلى كيانات تسرد قصص تحوّلاتها الخاصة.

وتجسّد هذا الشغف بالمادة في عمله "الروضة"، الذي أعاد إنتاج ذاكرة البيئة التقليدية وسط صخب التحوّلات العمرانية عبر منحوتة تُشير إلى أشهر ثلاثة نباتات برّية في أرض الرياض، وهي: القرقاص والخزامى والنفل. فالرياض التي اشتق اسمها من "الروضة" تدين بهويتها لتلك الأودية التي حافظت على مياه الأمطار ومكّنت أرضها من الحفاظ على لون الطبيعة وامتلاء الهواء برائحة النباتات العشبية. وهذا هو أصل التسمية في معجم اللغة العربية. 

سعيُ العثمان إلى توثيق قيمة تلك النباتات أوحى إليه بوصفها بـ"الأبطال الصامتين" في الحكايات الشعبية والأدب؛ إذ بسّط أشكالها من خلال كتل معمارية وهندسية قوية ذات ألوان زاهية، تضيء مساءً لتحتفظ بحضورها في الظلام، وهو ما يمنح الزوّار فرصةً للتفكُّر في تجربة بصرية وبيئية تعبق بروائحها العطرية، وتؤكد تلك الفرادةَ التي تجعل الرياض تتمتع بروح فطرية وشخصية إنسانية معاصرة.
 

"روضة" معرض نور الرياض (2023م).

"جغرافيا الأمل" (2021م).

مختبر البحث
وصف العثمان عمله الفني "الروضة" بأنه "مختبر بحثي مفتوح"، مشيرًا بذلك إلى منهجيته التي بدأت بـ"هرم أسلوبي" يتكوّن في آليات العمل؛ إذ استهلّ رحلته بجمع معلومات متراكمة من المعارف المتطايرة في كل تخصص، وتحوّلت بالبحث إلى فضول معرفي نسج خاماته من تلك المعلومات التي أخذت وقتها في بناء الفوارق داخلها، وصولًا إلى المرحلة الأخيرة المتمثلة في التجربة الفنية الصرفة.
وباشتغاله على "الحروف المتكسّرة" بوصفها إشارات لهشاشة الوجود، يؤكد العثمان أنه يتعامل مع اللغة في متنها الخاص بوصفها تفكيرًا وبناءً معرفيًّا وأنماطًا سلوكية؛ إذ لم يرَ يومًا أن اللغة المكتوبة أقل هيمنةً من المادي والبصري، بل على العكس من ذلك، فهو يؤمن بأن اللغة هي التي أسّست الشكل واللون والتكوّن في الوعي المعاصر. وهذا البعد العميق للغة هو ما سمح له باكتشاف فراغات مرنة وحيزًا جديرًا ببناء الجملة البصرية والهندسية في آنٍ واحد، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم الحقائق عبر وسائط الفن واللغة معًا.
 

الفنان عبدالله العثمان، تصوير عبداللطيف الثويني.

تصوير عبداللطيف الثويني.