

لا يخطئ متأمّلُ لوحة عادل مصطفى في اكتشاف الحس الساخر الذي كان لديه منذ البداية. ويروي أن رحلته الفنية بدأت بتمرّد صغير على سبورة الفصل، حين رسم الناظر ببدلته الكاملة وحماره: "في طفولتي كنت أرسم صور المتوفين، وأزين بيوت الحجّاج بمشاهد من رحلتهم. حتى إنني كنت أضع رتوشًا يدوية على الصور الفوتوغرافية في أستوديو جلال بكفر الشيخ. كنت في الصف الرابع ابتدائي حين رسمت ناظر المدرسة بالطباشير وهو يمتطي حماره، مما أحدث ضجةً كبيرة في القرية. ولاحقًا، في عام 1993م، حصلت على شهادة تميّز من الدولة في عيد العلم والفن، وهو ما أكد لي أنني أسير في الطريق الصحيح".


القواعد الأكاديمية الصارمة عَتَبةٌ لا يمكن القفز فوقها إلا بامتلاكها أولًا، والفن بالنسبة عندي هو محاولةٌ للاستعاضة عن صخب المدينة وضغوط الحياة بحلمٍ جديد
الصدمة البصرية الأولى: المدينة
تطوّرت رحلة الفنان في ردهات كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، التي انتقل إليها في سن السابعة عشرة، حيث حدثت الصدمة البصرية الأولى.
فالمدينة التي يراها الجميع "عروس البحر" بدت له في البداية مكانًا صاخبًا، ومتوترًا، ومزدحمًا بالبشر والضجيج. هذه "السلبية" التي شعر بها تجاه الزحام تجسّدت في معرضه الأول "خارج الإطار" عام 2015م؛ إذ ظهرت المدينة مساحةً صاخبة ومضطربة. وغلبت على أعماله، آنذاك، الألوان الرمادية التي عكست ضيقه بالمدينة وتوترها.
لكن هذه الرؤية لم تستمر طويلًا؛ إذ سرعان ما أعاد اكتشاف الإسكندرية من منظور مختلف أكثر تصالحًا مع جمالياتها وتنوعها الثقافي، فصار يراها بعين "السكندري بالتبنّي"، متأثرًا بأساتذتها العظام ومدرستها التي تمزج بين التاريخي والأسطوري، ليبدأ رحلة استعادة الجمال المفقود.
في أثناء دراسته في كلية "الفنون الجميلة" تعلَّم عادل أن القواعد الأكاديمية الصارمة ليست سياجًا، بل هي "عتبة" لا يمكن القفز فوقها إلا بامتلاكها أولًا؛ إذ يقول: "دراستي في كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية كانت أكاديميةً بحتة. ولكن بعد التخرُّج، بدأت رحلة شاقة للبحث عن البصمة الخاصة. جرّبت الكولاج لمدة ثماني سنوات، واستلهمت من مدينة الإسكندرية وتفاصيلها، وحقّق معرضي "خارج الإطار" نجاحًا كبيرًا. لكنني، على الرغم من النجاح، قرّرت ترك كل ذلك والبدء من جديد. انتقلت إلى مشروع "الطريق"، حيث حوّلتُ سيارات النقل الضخمة التي ينفر منها الناس إلى مشاهد فانتازية مبهجة، واستعضت عن الواقع الكئيب بعالم حالم تسكنه الورود والعرائس الخشبية".


"بعد التخرُّج، بدأت رحلة شاقة للبحث عن البصمة الخاصة. جرّبت الكولاج لمدة ثماني سنوات، واستلهمت من مدينة الإسكندرية وتفاصيلها".
جوهر ما أعمل عليه، خلق حالة "دهشة رقيقة" وغير عنيفة كالسريالية، فأجمع عناصر مألوفة، مثل الصياد والوردة والبحر، في تركيب غير مألوف
دهشة مطمئنة
الريف والبحر والنيل في أعماله هي مفاتيح لذاكرة بصرية يخشى عليها من التآكل. من خلال هذه العناصر، يبدو كأنه يعيد بناء عالم طفولي نقي، يستدعي فيه العرائس الخشبية الشعبية، والزهور، والألوان الزاهية؛ ليصوغ حالة من الحنين الجمعي. حتى الصيادين في لوحاته لا يصطادون الأسماك، بل يرفعون شباكًا ممتلئة بالورود، في استعارة واضحة لرغبته في استجلاب جمالٍ متخيَّل محلّ قسوة الواقع؛ وهو ما يفسره بالرغبة في "استعادة العالم لا كما هو، بل كما ينبغي أن يُرى".
هو إذًا لا يسعى إلى نقل الواقع حرفيًّا، بل إلى مقاومته بالحلم. يستند في ذلك إلى فكرة قريبة من مقولة نيتشه: "لقد اخترعنا الفن لكيلا نموت من الواقع"، ليؤسس لما يمكن وصفه بـ"واقعية سحرية" خاصة به؛ إذ تبدو العناصر مألوفة: مراكب، وبحر، ونهر، وصيادون، وعشّاق، لكنها تتحوّل داخل اللوحة إلى كائنات من عالم آخر، مشبعة بالدهشة والصفاء.

ويضيف: "جوهر ما أعمل عليه هو خلق حالة (دهشة رقيقة) وليست عنيفة كالسريالية. أجمع عناصر مألوفة (صياد، وردة، بحر) في سياق غير مألوف (صياد يصطاد وردة)، مما يخلق حالة من الغربة المُحبَّبة والميتافيزيقيا التي تجعل المشهد يبدو وكأنه من عالم الأحلام".
وفي هذه الفضاءات السحرية يجد ملاذه الآمن، فهو يرى أن دور الصحافة أو الأبحاث الأكاديمية هو رصد المشكلات، أمَّا دور الفنان فهو خلق "عالم موازٍ" يمنح المتلقي لحظةً من السعادة والاطمئنان والدهشة، وكأنه يشاهد فِلمًا سينمائيًا جميلًا يفصله عن صراعات يومه.
ومع هذه النزعة الحالمة، لا ينفصل عادل مصطفى عن قضايا عصره. فهو يدرك الضغوط النفسية والاجتماعية التي تحيط بالإنسان المعاصر، لكنه يختار مواجهتها بطريقته الخاصة: "تقديم بديلٍ جمالي يخفف من وطأتها. فهو يرى أن دور الفن ليس في كشف القبح بقدر ما هو في إضاءة الجمال، وفي منح الناس لحظةً من السكينة وسط صخب الحياة".

عند عادل مصطفى، تحتل المرأة موقعًا مركزيًّا بوصفها محور التكوين وروح اللوحة. هي حضور إنساني وعاطفي يوازن العناصر الأخرى، ويمنح العمل طاقته الداخلية. تظهر المرأة في لوحاته غالبًا في ثنائيات مع الرجل، في حالات من التناغم الإنساني العميق أمام البحر أو على ضفاف النيل، وكأن الفنان يؤكد فكرة "الأنسنة" في مواجهة اغتراب العصر، فيقول: "المرأة هي السند ومركز الثقل، وغالبًا ما تظهر في لوحاتي مع الرجل في حالة احتياجٍ متبادل. هي رمز للعطاء، والسكينة، والجمال الذي يحرك السكون".
وإلى جانب الشخوص البشرية، تبرز عناصر رمزية فريدة مثل دمية "الماتريوشكا" الروسية، التي أعاد عادل مصطفى تمصيرها وصياغتها بروحٍ شعبية؛ لتصبح رفيقةً لأبطاله. هذه العرائس الخشبية بزخارفها الملوَّنة تستدعي براءة الطفولة والحنين لحالة مصرية قديمة. وبالمثل، تبرز "عروسة المولد" والحصان الوردي المصنوع من الحلوى، رموزًا فلكلورية تعيش في ذاكرته. هذه الرموز ليست مُقحمة، بل هي جزء من بنية الفانتازيا التي تجعل اللوحة حيّةً، يمتزج فيها الواقعي بالميتافيزيقي في تكوين متزنٍ يغري العين بالتأمل.

في لوحاته، لا يبدو الضوء مجرد عنصر تقني، بل هو بطلٌ خفي يقود السرد داخل اللوحة. يتعامل معه بوصفه أداةً درامية قادرة على تحويل المشهد وتبديل حالته الشعورية. استخدامه المكثَّف للدَّرَجات الفضية والذهبية يمنح الماء حالةً من التلألؤ الدائم، وكأن اللوحة كائنٌ حي يتغيّر بتغير زاوية النظر. هذا التوظيف يجعل المتلقي شريكًا في التجربة، لا مجرد مشاهد. يقول: "الضوء عندي ليس ضوء الطبيعة، بل هو إضاءة درامية أوجّه بها عين المشاهد. أمَّا الألوان، فقد انتقلت من "الباليتة" المبهجة الصريحة إلى "المونوكروم" والرماديات الملونة، حيث تأتي البهجة من عمق التأمل لا من فجاجة اللون".
وفي تجربةٍ فنية مثيرة، استلهم عادل مصطفى من كوكب الشرق أم كلثوم فكرة "التنويعات على وتر واحد"؛ فكما تكرّر الستُّ الجملةَ اللحنية في كل مرةٍ بإحساس مختلف، يقدّم الفنان في أعمال "الجرافيك" والطباعة الحجرية (الليثوغراف) شكلًا واحدًا يعيد تشكيله بتنوع لوني وملمسي يمنح المتلقي شعورًا باللانهاية في العمل الفني.
مع عمله الأكاديمي أستاذًا في كلية الفنون الجميلة، يحتفظ عادل مصطفى بعفوية واضحة في تجربته. لا يرى في القواعد الأكاديمية قيدًا، بل خلفية معرفية يمكن تجاوزها لصالح الصدق الفني. فالفن عنده يبدأ من الإحساس، من لحظة داخلية غامضة، قبل أن يتحوّل تدريجيًّا إلى فكرة، ثم إلى بناءٍ تشكيلي متكامل. لذا تراه لا يلتزم بخطٍّ ثابت بقدر ما ينفتح على التجريب، سواء في الرسم الزيتي أو في تقنيات الطباعة، مثل الزنك والليثوغراف.
هذا الإيمان بالتجريب جعله يرفض الاستقرار داخل أسلوب واحد. فهو يرى أن الفنان الحقيقي في حالة تحوّل دائم، وأن كل معرض يفتح بابًا لمعرض جديد. لذلك لا يشعر بالجمود الفني بقدر ما يشعر بالحاجة إلى التوقّف المؤقت للتأمل والبحث. يذهب إلى المتاحف والمعارض ليشعل طاقته من جديد، ويرى أن الاحتكاك بالطلّاب والشباب يمنحه تحديثًا دائمًا لرؤيته.
في زمن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يقف عادل مصطفى مطمئنًا. لا يرى تعارضًا حادًّا بين الفن التقليدي والوسائط الجديدة، لكنه يعتقد أن اللوحة الزيتية لا تزال قادرةً على البقاء؛ لأنها تحمل أثر اليد والروح معًا. ومع ذلك، لا يغلق الباب أمام التجريب الرقمي، بل ينظر إليه بوصفه امتدادًا مُحتملًا لأدوات التعبير. ويوضّح: "التكنولوجيا لا تخيفني، ما يخيف هو أن يستبدلها الفنان بإنسانيته. سيظل "الخطأ البشري الجميل" هو ما يميز الفن الحقيقي. أنا أستخدم خامات تقليدية، مثل الزيت ورقائق الذهب والفضة؛ لأنها تتفاعل مع الضوء تفاعلًا حيًّا ومتغيرًا لا يمكن للرقميات محاكاته بالكامل".


نسأله: هل تعتقد أن الفن قادر اليوم على إحداث تغيير؟
يجيب: "الفن ليس ديكورًا، بل هو وسيلة لإسعاد الناس وتهذيب نفوسهم. انظر إلى المجتمعات التي ازدهر فيها الفن، مثل إيطاليا وفرنسا، ستجد رقيًّا في كل تفاصيل الحياة. الفن قادرٌ على تغيير الوعي، وتخفيف وطأة الصراعات والحروب. وعلى الفنّان أن ينحاز بوضوح إلى الحلم دون أن ينكر الواقع، وأن يواصل البحث عن تلك اللحظة النادرة التي تلتقي فيها الدهشة بالطمأنينة".
ربَّما تكون الدهشة والطمأنينة هما جوهر تجربة عادل مصطفى الذي يسعى في معرضه المُقبل "تجربة أسوان"، إلى الاستمرار في بناء جسور من الضوء واللون بين واقع نعيشه، وحلم نرجو ألا نستيقظ منه أبدًا.
محمد شعير: صحفي وباحث أدبي مصري.