Hero image

كميل حوّا

عبود طلعت عطية

مايو 10, 2026

شارك
في عام 1982م، أتى الفنان كميل حوّا إلى المملكة ليؤسّس "المحترف السعودي" في مدينة جدة. وعلى مدى أربعة عقودٍ من الزمن، عرفه السعوديون بالدرجة الأولى مُصمّمًا في عالم الصحافة الثقافية والمجسّمات، ومُطوِّرًا للخط العربي. ولكن خلف المصمّم، كان هناك الرسّام الذي نشأ قبل ذلك بنحو نصف عقدٍ من الزمن، ويستمر اليوم بعد عودته للاستقرار نهائيًّا في لبنان. 
 
في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، وعندما كانت الحرب الأهلية على أشدّها في لبنان، ومن دون أي تحضير أكاديمي مسبق، أمسك كميل حوّا بالفرشاة وراح يرسم. ولكن ماذا رسم؟ بورتريهات أفراد عائلته ومعارفه من المثقفين في منطقة رأس بيروت. وعلى صعيد الشكل، اتّسمت هذه المجموعة بضرباتٍ سريعة وعفويَّة من فرشاة غليظة ومتوترة، وكأن الرسّام كان يخشى، في وعيه أو لا وعيه لا فرق، من أن يفقد هؤلاء فجأةً. فاقتصر إتقان الملامح الشخصية في هذه البورتريهات على ما يكفي للتعريف أو "للتذكير" بها. ومنذ ذلك الحين، أطلق عليه بعض النقّاد لقب "فنّان اللحظة الهاربة".

كل لوحةٍ عن الفنان حوّا هي مغامرة بدأت وانتهت. إذ ما من لوحةٍ عنده ولدت من سابقاتها، ولكن جميعها ينبثق من نقطة مشتركة هي شخصيته الفنية.

اسكتش لصورة الفنانة سيتا مانوكيان، من المرحلة المبكرة.

الثوابت في شخصيته الفنيّة

الثوابتُ في أعمال كميل حوّا عديدة. فعلى مستوى الأسلوب واللغة التشكيلية، ثمَّة قرابةٌ واضحة بين أولى لوحاته التي رسمها قبل نصف قرنٍ وتلك التي يرسمها اليوم. ومن أبرز هذه الثوابت أن موضوعات لوحاته مقروءة بسهولةٍ، ولا تحتمل الكثير من التأويل. وعمومًا، هناك دائمًا الموضوع المرسوم بأمانةٍ للأصل في وسط اللوحة، وخلفه أو حواليه "مكمّلاتٌ" خاضعةٌ للتبسيط حتى تصبح أحيانًا مجرّد مساحاتٍ لونيّةٍ تعزّز البُعد الجمالي للوحة برمَّتها.
غير أن الثابت الأبرز في هذه الأعمال هو اختيار الفنان للموضوعات التي يراها تستحق أن تُرسم. وإن كنَّا قد أشرنا آنفًا إلى "اللحظة الهاربة" التي كثيرًا ما كانت تستوقفه، وكأنه يرغب في القبض عليها وتثبيتها على "الكانفاس"، فيجب أن نتساءل عن طبيعة هذه اللحظة الهاربة. 
 

شاب إفريقي يعبر الطريق مع دراجته.

عندما نتطلع إلى مجمل أعمال "حوّا" نكتشف أن معظم موضوعاتها مُستَمدٌّ مما شاهده في حياته اليومية. فرسم الكثير من باقات الزهور التي كانت تُزيّن بيته، والنساء الجالسات، وبعض المناظر الطبيعية، وصولًا إلى ما التقطته عيناه في الأماكن العامة. إنها موضوعات "عادية" منتقاة من الواقع، والأمر ليس عيبًا أو نقصًا. إذ كثيرًا ما لجأ الفنانون، حتى من غير الواقعيين، إلى رسم موضوعات عادية إلى حدّ المألوف المملّ، شرط ألّا ينعكس ذلك على اللوحة فيجعلها بدورها عاديةً أو مألوفةً مملّة. 

 بالتمعن في كل لوحةٍ من لوحات "حوّا" على حدة، نكتشف ما استوقف الفنان في هذا المشهد أو ذاك. ففي لوحته "في انتظار الأطفال"، على سبيل المثال، نرى ثلاث أمهات ينتظرن أطفالهن أمام حديقة الملاهي. والبارز في هذه اللوحة هو إيقاع الأيدي البيضاء الخارجة من العباءات السوداء، التي لولاها لما كان في المشهد ما يستحق الرسم. وفيما تفتقر كراسي المطاعم عادةً إلى أي جاذبيةٍ شكليّةٍ، فإن الكراسي الحُمر في أحد مطاعم القاهرة استوقفته بفعل تلاعب خطوطها الأفقيّة والعموديّة الحمراء، فرسمها في أكثر من لوحةٍ. أي أننا أمام فنّان لا يبحث عمدًا عن موضوعات لوحاته، ولا يصطنعها بقرارٍ، بل ينتظر بروزها أمامه صدفةً، سواءً تمثّلت هذه الصدفة بمشاهدة "شابٍّ إفريقي يعبر الشارع مع دراجته"، أو "مدبرة المنزل وهي تنشر الغسيل على الشُّرفة". وعليه، إن صحّت تسميةُ المرحلة الأولى من مسيرته الفنيّة بأنها التقاطٌ لـ"لحظات هاربة"، فمن الأصح القول إن مسيرته في فن الرسم قامت في معظمها على "اللقاءات الصُدَفيّة".
 

"في انتظار الأطفال"، من اللوحات التي رسمها في جدّّة.

 كل لوحةٍ للفنان "حوّا" تُشكّل مغامرةً بدأت وانتهت؛ إذ ما من لوحةٍ عنده ولدت من سابقاتها، ولكن جميعها ينبثق من نقطة مشتركة في شخصيته. فعلى سبيل المثال، ما من واحدةٍ من عشرات باقات الزهور التي رسمها تشبه الأخريات في شيء. إذ يكفي أن يتبدّل أيُّ شيءٍ في هذه الزهور أو بقربها حتى نجد أنفسنا أمام لوحةٍ مختلفةٍ تمامًا. أمَّا على صعيد اللغة التشكيلية، فيظهر اهتمامُه البالغ بما يحمله الموضوع من خطوط ومساحات لونيّة وعلاقتها ببعضها؛ سواء أكان ذلك في صورة "الوالدة في ملابس الحداد"، حيث ينتأ طرف كرسي أصفر صارخ في لوحةٍ ليس فيها غير الأسود والرمادي، أم في "عزاء في رأس بيروت"، حيث نرى المشهد يتألف من مربعين أسودَيْن يحتلان وسط اللوحة، وتحتهما مجموعةُ خطوطٍ عموديّةٍ، وفوقهما خليطٌ عضويٌّ من الألوان الزاهية. هذا الاهتمام بالعناصر الشكليّة كان هو تحديدًا ما فتح أمامه أبواب التصميم الواسعة.
 

استمدّ حوّا موضوعات لوحاته من الحياة اليومية والمشاهد "العادية"، ولكن الإبداع في التعبير الجمالي أبقى لوحاته في مأمنٍ من أن تكون عادية.

عمله في التصميم الطباعي وغيره

خلال إقامته في المملكة، وعلى مدى أربعين سنة، انهمك "حوّا" بالعمل مُصمّمًا في مجالاتٍ عديدة، شملت: تصميم الشعارات لمؤسساتٍ وطنيّة كبرى، من وزارة البترول والثروة المعدنية إلى إمارة المنطقة الشرقية؛ ولمؤسساتٍ وأنشطة ثقافيّة من "مؤتمر الفكر العربي" إلى "معرض الكتاب العربي" في بيروت، وشعاراتٍ وكتيّبات لكبريات المجموعات الاقتصادية، مثل: "العيسائي"، و"بن لادن"، و"العليّان"، وغير ذلك مما يستحيل حصرُه، ويصعب على الفنان نفسه إحصاؤه أو تذكره. وفي التصميم الطباعي شمل عمله، من ضمن ما شمل، تطوير عدّة نماذج من أطقم الخط العربي للطباعة، بموازاة شاغله الرئيس، ألا وهو تصميم عدد من المطبوعات الثقافية الدورية وتطويرها، مثل "ترحال" لحساب الهيئة العامة للسياحة والآثار، و"الوضيحي" للهيئة السعودية للحياة الفطرية. أمَّا "القافلة"، فقد رافقها يوميًّا وصفحةً بصفحة لنحو ثمانية عشر عامًا، بعد أن كان قد وضع لها تصميمها الجديد في عام 2003م.
خلافًا لفن الرسم، حيث تولد اللوحةُ وِفقًا لمزاج الفنان وذائقته الشخصية ورؤيته الخاصة للعالم ومواطن الجمال فيه، فإن فنّ التصميم محكومٌ بشروطٍ خارجيّةٍ يفرضها طرفٌ آخر. فكيف تفاعل هذا مع ذاك؟
 

صورة ذاتية وهو يرسم (1975م).

يقول كميل حوّا: "لا شكَّ في أن فنّ اللوحة مختلف تمامًا عن فنّ التصميم. وعندما أكون منهمكًا في تصميم أي شيء لجهة خارجيّة لا أستطيع أن أرسم. ولكن في العمق، هناك أمور أساسية مشتركة ما بين هذين المجالين: التركيب المتوازن، أهمية الخط واللون، وضوح الخطاب... إلخ. ولذا، يمكن القول إن في كل لوحةٍ زيتيّة شيئًا من التصميم، وفي كل تصميمٍ جيّدٍ شيئًا من فنّ الرسم".
ويستطرد قائلًا: "خلال المعرضين الأولين لي في بيروت، وكانا قبل انتقالي إلى السعودية وتأسيس (المحترف السعودي)، سمعت من بعض النقّاد أن في لوحاتي الكثير من التصميم الجرافيكي. ولم أبحث معهم هذه النقطة لأنني أخذتها على محمل النقد السلبي، ولكنها لم تكُن كذلك". 
 

"الكراسي الحمر".

أثر فنّ التصميم في فنّ الرسم

العمل في التصميم الطباعي أو غيره لم يُبعِد الفنان عن الرسم؛ إذ يقول: "في الأوقات التي لم أكُن أعمل فيها بالتصميم، كنت أرسم وفق مزاجي الخاص، وبشكل حرٍّ تمامًا، لأني لم أكُن أخطط لعرضها". ومع ذلك، فإن هذه الأعمال كانت تُجمع لاحقًا في معارض منفردة أو مشتركة في لبنان والقاهرة وجدة والكويت.

 ولكن على الرغم من هذا الفصل بين هذين المجالين الفنيّين، فإن الخبرات المتراكمة التي جمعها "حوّا" من التصاميم التي نفّذها، انعكست على لوحاته الزيتيّة التي رسمها "وفق مزاجه الشخصي". ولا يظهر ذلك بوضوحٍ إلا عند مقارنة أعماله الأولى بتلك التي أنجزها في السنوات الأخيرة. صحيحٌ أن موضوعات هذه اللوحات بقيت مُستمَّدةً من مصادرها الأولى، وتقنيّته المشابهة لتقنيات ما بعد الانطباعية بقيت هي نفسها، إلا أن أعماله الأخيرة صارت تتميّز بتركيز أكبر على "الأناقة" الشكلية بما يكفي لتعزيز البُعد الجمالي من دون أن تحلّ محله. وهذا ما نراه في لوحاته التي تصوّر البيئة الطبيعية المحيطة بمقرّ إقامته الجديد في جبل لبنان، مثل لوحة "تفرّع"، حيث أصبحت جذوعُ أشجار الصنوبر وأغصانُها مجرّد أغنيةٍ لونيّةٍ من خطوطٍ عموديّةٍ، لكنها ظلَّت مقروءة أسوةً بباقي أعماله، وعلى حافة التجريد من دون السقوط في هاويته. كما أن خلفيات الموضوع الرئيس، كما نرى في زهوره الأخيرة، أصبحت مجرد مساحات شبه هندسيّة، لا خطاب لها سوى تعزيز البُعد الجمالي.
 

"عزاء في رأس بيروت".

وهذا الفصل الواضح بين فنّ التصميم من جهة، وفنّ الرسم من جهة أخرى، واستفادة كل واحدٍ منهما من الآخر، هو ما يُمكّن اليوم الفنان من العمل فيهما معًا، ولكن ليس في الوقت نفسه. وهكذا رأيناه يُصمّم اسم مدينة بيروت في مُجسّم قائم في وسط المدينة، ويطوّر أشكال الأبجدية الفينيقية، التي كان الحرف الأول منها هدية رئاسة الجمهورية إلى الرئيس الفرنسي بمناسبة زيارته الرسمية. وما بين هذا وذاك، يرسم ما استوقف نظره صُدفةً، سواء أكان ذلك كثافة الأوراق الخضراء في شجرة برّية، أم باقة زهور أتت بها زوجته إلى المنزل، أم صورة أحد أفراد العائلة.
 

"زهور في دلو أزرق". وهي من أعماله الجديدة.

جماليات الحياة اليومية

ختامًا، يتميّز كميل حوّا الفنان عن معاصريه بكونه لم يُجهد نفسه يومًا ليؤطر فنّه وفقًا لأي من التنظيرات الرائجة. فهو المنظّر لنفسه. ولا قسرية من أي نوعٍ في اختيار موضوعات لوحاته. يرسم ما يراه يستحق الرسم ولهدفٍ واحدٍ، وهو مشاركة الآخرين الجمال الذي اكتشفه هنا أو هناك. وهو بذلك أشبه بمَن عرف خبرًا سعيدًا ويرغب في إطلاع الجميع عليه. وهذا ما يفسّر حرصه على تسهيل قراءة اللوحة، لتلافي التأويلات التي غالبًا ما تشطح بعيدًا عمّا يريد الرسّامون قوله. كما أن إمتاع العين يبقى الموجّه الرئيس لفرشاته ولانتقاء اللون ورسم الخط.

 ولكن ذلك لا يعني أن لوحاته وقعت في فخ "التزيين البحت"؛ لأننا عندما نجمع ما رسمه خلال خمسين سنة من موضوعات وشخصيات في بيوتها أو في الأماكن العامة والبيئة التي عاشت فيها، نلاحظ أنه أرّخ بدقةٍ وبتوسّع لكثيرٍ من الجماليات التي أحاطت بالحياة اليومية للطبقة الوسطى وصنعت معالمها في عصرنا هذا.
 

 

عبود طلعت عطيّة: كاتب ومحرّر لبناني.