

معاذ العوفي في إستوديو "المثبى" الذي أسسه في مدينة الرياض.

صورة لمسجد في إحدى المناطق النائية.
فعلى سبيل المثال، تصوِّر أعمال العوفي استخدامات الإنسان في المناطق القصيّة لمواد مختلفة مستفيدًا مما يتوفّر حوله؛ لإنشاء المساجد في العراء، وبناء جدرانها وأبوابها ومآذنها المصنوعة في كثير من الأحيان من الخردة والمواد المهملة. إضافةً إلى القيمة الجمالية لتلك الأبنية المُرتجَلة، تعضدها القيمة الروحانية لمفهوم المسجد نفسه بوصفه مكانًا للعبادة. وتظهر المفارقة حين تُوضع المواد المتواضعة المتقشِّفة المُستخدمة في التكوينات المختلفة للمآذن والمنارات، في موضع جديد غير مألوف يُشير إلى قدرة الإنسان العملية على تسخير إمكانات المادة. وحينما تُوضع هذه القدرة العملية في هذا الموضع، يُلقى عليها ضوء جديد، يجعل منها ممارسة فنية ويعرّضها للأسئلة التي تنشأ من هذه التجربة.

صورة مسجد في العراء.
تمثّلت مشاركة العوفي في معرض "نور الرياض" في نسخته الثانية عام 2022م، في عمل فنّي حمل عنوان "ثِنان"، وكان عبارة عن قِشرة من التكوينات الحجرية أُعيد تشكيلها لتُماثل صفائح من الصخر البازلتي المتشقِّقة عن حممٍ بركانيةٍ نشطة. يشعُّ من بين تلك الشقوق ضوءٌ محمرٌّ يتمتع بحضور قوي في الفضاء المظلم البارد الذي وفّرته صالة العرض. هذا الجو العام، إضافةً إلى مكان العمل المثبَّت أرضًا، يعطي انطباعًا فوريًّا لدى المتلقي بترويض النار والحمم البركانية، من خلال تعطيل ثورتها المتفجِّرة واحتواء فورانها المدمّر.

صورة جوية.

عمل فنّي بعنوان «ثِنان»، عبارة عن قِشرة من التكوينات الحجرية أُعيد تشكيلها لتماثل صفائح من الصخر البازلتي المتشقِّقة عن حممٍ بركانيةٍ نشطة.
للوضوح أولوية على التدخل الفني
لا يحفِل العوفي بالعمليات المعقَّدة التي عادةً ما يستدعيها الخلق الإبداعي؛ بل على العكس من ذلك، فإنه يميل لإحداث قدرٍ قليل من التدخل الفني الضروري، المتمثّل في نقل المواد من أماكنها وإعادة ترتيبها على سبيل المثال، أو حتى مجرد تصويرها في مواضعها الطبيعية. وينطوي هذا التعامل مع الأعمال الفنية على بيانٍ مفاده أن تلك الأشياء تملك القدرة على التعبير عن نفسها، وتَكشِف عن مكنوناتها تحت التحديق والتأمل، كما أنها قادرة على ضمان تجربة فنية تعتمد على انفعالات المتلقي. إن حجرًا أحفوريًّا موضوعًا تحت ضوء، أو بابًا حديديًّا منصوبًا في الصحراء، أو مئذنة حديدية تقف بين مجموعة من المآذن، كلها أعمال تملك في جوهرها تلك القدرة على النفاذ إلى مجالٍ انفعالي لا يرتبط عادةً بهذا النوع من الأعمال.

صورة جوية.

صورة جوية.
“
بالحد الأدنى اللازم من التدخل، وبضمان وضوح الرؤية، تقدّم أعمال العوفي في كل مرة منظورًا جديدًا يعرِّف المتلقي على أماكن جديدة طالما ظنَّ أنه يعرفها ويألفها.
رموز حضارية: سرد بصري للهوية
بقي أن نشير إلى وظيفة مهمة تؤديها أعمال معاذ العوفي، وتحديدًا الصور الفوتوغرافية، وهي أن السرد البصري الذي تؤسسه تلك الأعمال يسهم بطريقة بارزة في رفد المخيلة الوطنية، وتغذية العاطفة الوطنية. فمن جهةٍ، يشكّل المشهد الطبيعي جزءًا من الكيفية التي يدرك بها الفرد والمجتمع السعودي جانبًا مهمًّا من الهوية الوطنية، حيث تعمل القيمة التاريخية والجغرافية للصور الفوتوغرافية والأماكن التي تلتقطها على توسيع الفضاء التخيّلي لما تشمله الهوية. وهذا ما يفسر اهتمام الدول الحديثة بالمشهد الطبيعي، وسعيها إلى استثمار السرد البصري البيئي، وتحديدًا في المجال الجماهيري بشقّيه: الإعلامي والفني، لدعم أنشطة وقطاعات حيوية، كالسياحة والثقافة وغيرهما.
وإسهام العوفي في هذا المجال يبرز تحديدًا في الصور الجوية التي تقدّم تضاريس المنطقة من زاوية مختلفة تتبوّأ مكانها بين الذاكرة البصرية لإنسان هذه البلاد؛ إذ تقدّم أعماله في كل مرة منظورًا جديدًا يعرِّف المتلقي على أماكن جديدة طالما ظنَّ أنه يعرفها ويألفها. ومن ثَمَّ، يجد المتلقي فيها ما يدفعه إلى التفكير في طُرقٍ جديدة تسهم في إعادة تصوّره لهويته وعلاقته بالأرض.

صورة لإحدى المعالم التاريخية في المملكة العربية السعودية.

صورة توثيقية لرموز إحدى الحضارات العتيقة المحفورة على جدران أحد الصخور.
ومن جهة أخرى، فإن النزعة التوثيقية التي ينطوي عليها كثير من أعمال العوفي وممارسته الفنية، ترمم الذاكرة الوطنية من خلال توثيق التراث المعماري للمنطقة وإرثها الحضاري عمومًا، وبذلك تكتسب العدسة دورًا تاريخيًّا يجسّر الماضي والحاضر باستمرار. ومن جهة ثالثة، يحتوي المشهد الطبيعي على آثار تركها إنسان هذه الأرض، وهي شذرات من حضارات عتيقة تحضر على هيئة رموز محفورة على جدران الصخور. ويكون تصويرها بمنزلة تقديمها على أنها رسائل حضارية تتمتع بالقدرة على عبور الزمن، بينما تظل راسخةً في مكانها. وهكذا، فإن تقديم المشهد الطبيعي على أنه جزء من المشهد الثقافي والحضاري، وهذا ما تفعله صور العوفي، ينشّط عمليات ذهنية كالذاكرة والحنين لتشكّل قوام المخيّلة الوطنية.

سيرة مختصرة
معاذ العوفي مصور فوتوغرافي وفنان وباحث من المملكة العربية السعودية. وُلد في المدينة المنورة عام 1984م، وعاش طفولته فيها. حصل على درجة البكالوريوس في تخصص الإدارة البيئية والتنمية المستدامة من جامعة بوند في غولد كوست الأسترالية. استهل نشاطه الفوتوغرافي والفني بعد عودته إلى المملكة، مركّزًا في بداياته على توثيق المخفيّ وغير الشائع من القطع الثقافية والتراثية التي تعرّف إليها من خلال رحلاته الاستكشافية في منطقة المدينة المنورة؛ بخصوصيتها الجغرافية والدينية. وتدريجيًّا، اتّسع نطاق استكشافاته الفنية ليشمل مناطق المملكة العربية السعودية برمّتها. انتقل العوفي بعد ذلك إلى الرياض، فأسس إستوديو "المثبى" ليكون مساحة متعددة التخصصات تركّز على ممارسات الفنون والبحث والاستشارات. كما شارك في تأسيس فريق "إرث"، المتخصص في رحلات السفاري والتصوير الجوي وتوثيق السفر.
شارك العوفي بأعماله الفنية في معارض فردية وجماعية عديدة أُقيمت داخل المملكة وخارجها.
علي المجنوني: كاتب ومترجم سعودي.