Hero image

زهرة الغامدي

طاهر الزهراني

أغسطس 25, 2026

شارك

حقَّقت الفنانة زهرة الغامدي حضورًا لافتًا على الساحة التشكيلية، ولا سيَّما من خلال الأعمال التركيبية الضخمة التي تُراعي التركيب بموقع عرضه، والامتداد العمراني والمشاهد الطبيعية حوله، بوصفها الفضاء الذي يتنفَّس فيه العمل ويُشكِّل جزءًا من معناه.

تُصنَّف أعمالها ضمن إطار الفن المفاهيمي، لكن أسلوبها والخامات التي تستخدمها تضعها ضمن تيار "فن الأرض" داخل المدرسة المفاهيمية. وربَّما لنشأة الفنانة الأولى في منطقة الباحة علاقة بهذا التفصيل الفني؛ إذ لامست في القرية وفرة المواد الطبيعية، قبل أن تنتقل إلى العيش في جدة.


"ولادة مكان" يعبِّر عن التحولات المكانية وكيف يكون للمكان ذاكرة حية على مر الزمان.

عادت الفنانة زهرة الغامدي توًّا من معرض "بازل" في سويسرا بعد مشاركةٍ تقول عنها: "عرضت عملًا بعنوان (التيارات الصغيرة تصنع حركة المحيطات)، وقد حظي باهتمام الروَّاد وإعجابهم، وهو ما أسعدني. فهذا المعرض مهمٌّ ويعرض أعمالًا لفنانين من جميع أنحاء العالم. ذهبت قبل وقت العرض بثلاثة أيام لتركيب العمل الفني. وهذا الاستعداد المسبق ضروري في كل المعارض التي شاركت فيها. والعمل الجديد الذي عرضته هناك مُؤلَّفٌ من ستة أجزاءٍ جرى تركيبها، وستُفكَّك وتُعاد فيما بعد".

بين التركيبية والمفاهيمية البسيطة
تستعين زهرة الغامدي بمن يساعدها في التركيب النهائي لهذه الأعمال الضخمة، ولا سيَّما عند ضيق الوقت. لكن، ماذا عن الدافع والفكرة؟ كيف يولدان؟ وما الأثر الذي تريد أن يصل إلى المتلقي في النهاية؟
تقول: "صدقًا، الدافع هو الحب، ثم الأثر الذي ألمسه في الناس بعد مشاهدة عملي. يولد العمل من فكرة أو مشاعر معينة، تتجسَّد في تصوُّرٍ، ثم يأتي وقت المعالجة. العمل التركيبي يحتاج إلى جهدٍ كبير، خلافًا لبعض الأعمال المفاهيمية التي قد تكون في بعض الأحيان فكرةً مجرّدة غير تركيبية".

ولإيضاح هذا الاختلاف، عدَّدت الفنانة بعض الأعمال أمثلةً للأفكار غير التركيبية، من بينها عمل بِيع في معرض "بازل" الأخير بأكثر من مليون دولار، وهو عبارةٌ عن صفٍّ من ثلاثة مقاعد طائرة مع نافذتها. فهذا العمل ينتمي إلى الفن المفاهيمي الذي يحتفي بالفكرة الواضحة، ويضع شيئًا عاديًّا في سياقٍ مختلف مثل تلفازٍ، أو موزةٍ ملصقة داخل إطار، أو مرحاض مُعلَّق. وتُضيف: "أعمالي تندرج فيما يُسمى (أعمال تراكيبية) أباشرها بيدي؛ فهي تقوم على الفكرة والشعور، والجهد، والبذل، والاشتغال على الجماليّات".
 

"نمو الغزل الفطري" يعبِّر عن قدرة الطبيعة على التجدد.

نشأتها وأثر طفولتها في فنّهاماذا عن مستودع التجارب الأول لزهرة الغامدي؟ 
تروي الغامدي أثر طفولتها في فنّها، فتقول: "أنا من مواليد محافظة بلجرشي بالباحة، وتحديدًا في قرية العسلة، ثم انتقلنا إلى جدّة وأنا في السادسة، بحكم وظيفة الوالد في التعليم. عشنا في جدّة من أجل وظيفة الوالد، والدراسة، لكن الارتباط الحقيقي والوجداني كان كله بالقرية، وكنا بمجرد أن تأتي الإجازة الصيفية، نحمل أغراضنا وأمتعتنا ونذهب مباشرةً إلى الديرة.

هناك في القرية، الحياة والمتعة والإلهام الذي لا ينقطع. وأتذكر أننا استمررنا على هذه الحال إلى أن دخلت الجامعة وتخصَّصت. وأغلب أفكاري الفنية تتعلق بالطفولة والقرية، وبكل ما يرتبط بالأرض والتراب والطين والحجارة والمساكن والشجر؛ فهذه الأشياء هي المادة الخام التي أستخدمها في أعمالي الفنية. كما أن موضوع رسالة الدكتوراة كان عن الأعمال الفنية التركيبية المعاصرة في جنوب غرب المملكة العربية السعودية، وتحدثت فيها عن العمارة التقليدية، وعن الأحاسيس المرتبطة بها".

 
أحبَّتْ زهرة الرسم منذ طفولتها، واختارت تخصصًا علميًّا في دراستها، وحصلت على معدلٍ عالٍ يؤهّلها لخيارات كثيرة في الكليات العملية، لكن والدها دفعها لدراسة الفن: "أخبرني ونحن في طريقنا للتسجيل في الجامعة أنني سأختار الفن، وأكَّد بيقينٍ أنني سوف أكون مُحاضِرةً في الكلية نفسها. لم يفرض عليّ هذا الاختيار، وإنما كان يعرض ما يراه بمحبةٍ وبثقةٍ وكأنه مُطَّلع على مستقبلي. وبالفعل اخترت كلية الاقتصاد المنزلي، قسم الفنون الإسلامية، وبعد أربع سنوات عُيِّنت معيدةً في الكلية نفسها".

سألتها عن اللحظة التي شعرت بأن قدرها أن تكون فنانةً بصرف النظر عن التخصّص الدراسي، أجابت: "بصراحة، لم أشعر بتلك اللحظة مباشرةً، لكن كلَّ مَن حولي قال إن لديّ حسًّا فنيًّا، وإن كنت قد استشعرت ذلك في أثناء الرسم وأنا في المدرسة، وكنت أستمتع بأي عملٍ فنيٍّ أعمله، وفي الكلية تعلَّمت ممارسة الفن بطريقةٍ مكثفة وبجميع أشكاله.

عمل يجسِّد ذاكر المكان من خلال الأثر البشري بجانب المورد المائي.

"كلفة الأنثروبوسين: كوكب يختنق" يعبِّر عن معاناة الكوكب من آثار التدخل البشري.

تندرج أعمال زهرة الغامدي ضمن تيار فناني الأرض، وهي الحركة التي نشأت في أواخر ستينيات القرن العشرين في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

المكان جزءًا من العمل
ذا الارتباط بالأرض يُدرِج أعمال زهرة الغامدي ضمن تيار فناني الأرض، وهي الحركة التي نشأت في أواخر ستينيات القرن العشرين، ولا سيَّما في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. وفي إطار هذه الحركة، لا يمثّل انتماء الفنان خطر الاستنساخ أو التماهي مع مرجعيةٍ أجنبية؛ لأن الحركة تنبني أساسًا على احترام الظروف الثقافية والبيئة التي يعيش فيها الفنان، وتُركِّز على التعامل المباشر مع الطبيعة: حفر الأرض، أو ترتيب الحجارة، أو ترتيب خطوط العشب. ومن أبرز مؤسسي هذا التيار الأمريكي روبرت سميثون (1938م – 1973م) وقد كان تركيزه الأساس على العلاقة بين الفن والطبيعة. 

نسأل الغامدي عن أبرز الفنانين الذين تأثرت بهم، فتجيب قائلة: "سميثون نفسه بالطبع، وهو الذي أدخل مفاهيم الفن الموقعي والتغيّر والخامات الطبيعية. وهناك البريطاني ريتشارد لونغ الذي حوَّل المشي في الطبيعة إلى فعلٍ فنيٍّ، يمشي في مسارات طويلة في المناطق البريّة ويُسجّل تجاربه من خلال منحوتات مؤقتة في الطبيعة، من ترتيب الحجارة ورسم خطوط بسيطة، ويوثق عمله بالكاميرا".
التخلي عن الإطار والأولوية للمشاعر
تعدُّ زهرة الغامدي أن اللحظة الأهم في مسارها الفني كانت لحظة تخلّيها عن "الإطار": "في أثناء الدراسة في الجامعة كان يُفرض علينا الإطار، وكان أي عملٍ فنيٍّ من دون إطار يُعدُّ عملًا ناقصًا. ثم جاءت مرحلة الابتعاث إلى بريطانيا عام 2007م، لتشكِّل نقلةً في حياتي العلمية والفنية. وكنت قد تزوجت في ذلك الحين، وأنجبت ثلاثة أطفال، وقد مهّد لي زوجي طريق الدراسة، ووقف معي موقفًا رائعًا في مسألة الابتعاث. فقد رتَّب لي كل ما أحتاج إليه في لندن، ثم عاد بعد ستة أشهر إلى عمله في جدة، ومكثت في بريطانيا سبع سنوات أتممت خلالها الماجستير والدكتوراة. وهناك تمرَّدتُ على الإطار، وبدأت إعادة النظر في شكل الفن الذي قرَّرت ممارسته".
وتتذكر الغامدي أنها قرأت في تلك الفترة كتاب "جماليّات المكان" لغاستون باشلار. وقد أسهم هذا الكتاب في انفتاحها على المكان عمومًا، والمكان الذي تحبُّه خصوصًا، وهو القرية، ومنه إلى الاهتمام بشكل العمارة في جنوب المملكة.
وتضيف: "هناك شيءٌ آخر كان له أثرٌ في مسيرتي الفنية، كانت أستاذتي حريصة عليه، وهو استنهاض مشاعري في أثناء العمل الفني وأثناء الحديث عنه، وكان ذلك هو الأهم بعد كتاب باشلار، في إعادة تصوّري للفن. كان لديّ خجلٌ من التعبير عن مشاعري، والحديث عن عملي الفني، وكانت أستاذتي تعاني هذا الأمر معي، وقد أخبرتها أن ذلك جزءٌ من ثقافتنا. لكن في أحد الأيام شاهدَتْ في يدي كوب قهوة كان معي طوال خمس سنوات، ثم سألتني: لماذا لا أغيره؟ قلت لها: إنه يناسبني وحجمه جيد. وعندما ذهبنا في نزهةٍ أعادت السؤال نفسه عن الكوب لأنها لم تقتنع، فقلت لها: هذا الكوب هديةٌ من زوجي، وأشعر عندما أشرب منه أنه برفقتي! قالت: هذا ما أريده منك؛ أريد منك أن تتحدثي عن مشاعرك. ومنذ تلك اللحظة، بدأت أعبِّر مع الوقت أكثر عن مشاعري تجاه أعمالي".
 

"الأنهار تحرك المحيطات" يعبِّر عن أثر الأفعال الصغيرة في إحداث تغيير تراكمي.

الشرط الجمالي والأثر النفسي
نسأل الغامدي عن أسلوبها الخاص، وهل اعتمدته بقرارٍ أم أنه تشكّل عندها عفويًّا، فتجيب: "بدأت أسمع توًّا من بعض المهتمين أنهم بدؤوا يُشيرون إلى أسلوبي، لكني أشعر أن الأمر له علاقة بالتجربة وتاريخ الفنان والتراكم. وما لا أستطيع الجزم به أن هذا العمل أو ذاك قد يلامس الجميع، فأترك هذا الأمر للزمن، ولا أريد لهذا الهاجس أن يشكَّل ضغطًا عليَّ، لندع الأسلوب للزمن".

هل تعوّلين على الأثر العاطفي، حتى وإن بدا العمل الفني غير مفهوم؟ فتجيب فورًا: "جدًّا، عملي الأخير الذي حمل اسم (ماذا تعني الخامة؟) عُرض في (جاكس) بالرياض، لم يرضخ للشرط الجمالي، لكنه لامس مشاعر الناس، وهذا سبب استمراري أيضًا. كذلك عملي الآخر (ماذا يكمن وراء الشمس؟) كان له هذا الأثر عند الناس، وهو عمل خامته الأشواك!".

تهتم الفنانة بفكرة العمل واختيار الخامة وتجتهد في معالجة العمل، ولا تحبّذ المؤثرات الخارجية المساندة: "أفضّل حضور عملي الفني كما هو، دون إضافات. في بينالي البندقية، وضعوا مؤثرات صوتية مصاحبة لعرض العمل، ولم أكُن سعيدةً بها ولا بالإضاءة، لكن القائمين على المعرض كانوا مصرّين على ذلك".

وترى زهرة الغامدي أن مشاهدة أعمال الآخرين والمشاركة في المعارض وسيلةٌ لتطوير الفنان، لكن الأصل هو الاجتهاد والعيش في الاستوديو الخاص بها. وقد شاركت في معارض كثيرة من أبرزها: معرض "صحراء كواتشيلا إكس" في أمريكا (2021م)؛ والمعرض الفرديّ "التيارات الصغيرة تحرّك المحيطات" في أثر غاليري في جدّة (2019م)؛ والمعرض الفرديّ "بعد الوهم" في بينالي فينيسيا للفنون في إيطاليا (2019م)؛ والمعرض الفرديّ "قرية هامدة" في المتحف البريطاني في لندن (2017م). كما شاركت في إقامة "فنّانون في المختبر" في زيورخ بسويسرا في العام نفسه. وتستعد الفنانة في شهر أغسطس من العام الجاري، عقب مشاركتها في معرض "بازل"، لعرض سبعةٍ من أعمالها في الصين.
 

طاهر الزهراني: كاتب وروائي سعودي.
تصوير: نوف يعرب.