Hero image

النسيان

سبتمبر – أكتوبر | 2026

سبتمبر 1, 2026

30 دقيقة

شارك

نقضي أعمارنا في مقاومة النسيان، ثمّ نكتشف، كلما تقدمنا في الحياة، أننا لا نستطيع العيش من دونه. فالذاكرة التي نمتدحها دائمًا تحتاج إلى شيءٍ من النسيان كي لا تتحوّل إلى عبء، والعقل الذي يحفظ وجوه الأحبة وطرق البيوت وروائح الطفولة، هو نفسه الذي يتخفّف كل يوم من تفاصيل لا حصر لها، كي يفسح مكانًا لما هو أقدر على البقاء. لذلك لا يبدو النسيان عيبًا في الذاكرة بقدر ما يبدو جزءًا من حكمة خفية. غير أنه، في المقابل، قد يتحوّل إلى قلقٍ حين يمسّ الأسماء القريبة، والأماكن الأليفة، والوقائع التي تحفظ للإنسان تماسكه.

بين النعمة والنقمة، وبين المحو والنجاة، يفتح د. عبدالله العقيبي ملف النسيان الواسع الممتد من علم الأعصاب إلى الأدب، ومن اليوميات الصغيرة إلى ذاكرة الشعوب والأمم.

عندما ينسى الإنسان اسمًا مألوفًا، أو مكانًا كان يقصده عشرات المرات، أو موعدًا مهمًّا، يظنّ أن ذاكرته بدأت تخونه. ولعلّ أكثر ما يخشاه الناس مع التقدّم في العمر هو أن يصبح النسيان علامة على بداية التراجع العقلي، حتى أصبح امتلاك ذاكرةٍ لا تنسى حلمًا يُراود كثير من البشر وهذا ليس بجديد؛ فمنذ الأساطير الإغريقية القديمة وحتى مسابقات حفظ الموسوعات في عصرنا الحديث كان هذا الحلم حاضرًا على الدوام.

النسيان وظيفة ضرورية للحياة!

المفارقة أن علم الأعصاب الحديث أدخل إلى موضوع النسيان سردية جديرة بالتأمل. فما كان يعدُّه الناس خللًا، يراه علماء الأعصاب والدماغ وظيفةً ضرورية للحياة، بل إن عددًا متزايدًا من الباحثين أصبح ينظر إلى النسيان على أنه الحالة الطبيعية للذاكرة. أمَّا الاحتفاظ الدائم بالمعلومات، فهو الاستثناء. وفي مراجعة علمية أصبحت مرجعًا في هذا المجال نشرها عالِما الأعصاب الكنديّان بليك ريتشاردز وبول فرانكلاند، يرى الباحثان أن النسيان آلية بيولوجية نشِطة تطوّرت عبر ملايين السنين لتجعل الإنسان أقدر على اتخاذ قراراته والتكيّف مع عالم سريع التغيُّر. فالدماغ ينسى؛ لأنه لو احتفظ بكل شيء لفقَدَ لا محالة قدرته على التفكير بكفاءة.

ويضرب فرانكلاند مثالًا بسيطًا على ذلك، فيقول: لو احتفظ الإنسان بكل التفاصيل التي مرّت به في حياته، لاستدعى عند كل موقفٍ عشرات الذكريات المتعارضة، ولأصبح اتخاذ أبسط قرار عمليةً مرهقة. أمَّا النسيان، فيعمل مثل محرّرٍ ماهر، يحذف التفاصيل التي فقدت قيمتها، ويُبقي على ما يساعد في فهم الحاضر والتنبؤ بالمستقبل.

ولذلك لا يمكن الحديث عن الذاكرة من دون الحديث عن النسيان، فهما وظيفتان متكاملتان. الذاكرة تحتفظ بما يستحق البقاء، والنسيان يفسح المجال لعملية الحفظ. وكما يحتاج الإنسان إلى النوم حتى يواصل يقظته، يحتاج الدماغ إلى النسيان حتى يظل قادرًا على التذكر بالكفاءة المطلوبة.

ومن هنا، تبدو الحالات النادرة التي تستطيع تذكر كل شيء مختلفة تمامًا عمّا نتخيله. فقد وثّقت العلوم العصبية عددًا محدودًا جدًّا من الأشخاص الذين يمتلكون ما يُعرف بـ "الذاكرة الذاتية فائقة التفوق" (Highly Superior Autobiographical Memory)، وهي قدرةٌ استثنائية على استرجاع تفاصيل الأيام الماضية بدقة مذهلة، بل يستطيع أصحابها أن يحدّدوا ما الذي فعلوه في يوم معيّن قبل عشرين أو ثلاثين عامًا، وأن يستحضروا تفاصيل يصعب على غيرهم تصوُّرها.

ومع ذلك، لم تجعلهم هذه القدرة أنجح في الدراسة، أو أكثر إنتاجًا في العمل، أو أذكى من غيرهم. وتشير الدراسات إلى أن بعضهم يعاني عبء الذكريات المستمرة، ومن صعوبة التخلُّص من الخبرات المؤلمة؛ لأن الدماغ لا يمنحهم الامتياز الذي يحصل عليه معظم البشر، في أن ينسوا ما لم يعُد مهمًّا. ولهذا يرى علماء الأعصاب أن الذكاء لا يمكن تقييمه من خلال كمية ما نتذكره، بقدر ما يقوم على انتقاء ما ينبغي تذكره، وترك الباقي يذوب في النسيان.

ليست الذاكرة ما نحتفظ به فحسب، بل ما نستطيع الوصول إليه حين نحتاجه.

بين النسيان العابر والنسيان المرضي

لا يكاد يخلو يومٌ من لحظةٍ ننسى فيها اسم شخص، أو مكانٍ وضعنا فيه مفاتيح المنزل، أو سبب دخولنا إلى غرفة قبل لحظات. كما ينسى الآباء والأمهات أسماء أبنائهم أحيانًا حين ينادونهم، وغالبًا ما تثير هذه المواقف سؤالًا واحدًا: هل علينا القلق من النسيان؟

يُجيب أطباء الأعصاب بأن النسيان لا يدعو إلى القلق في أغلب الأحيان، بل إن التراجع البسيط في سرعة استرجاع المعلومات يُعدُّ جزءًا طبيعيًّا من التقدّم في العمر، ولا يعني بالضرورة وجود مرض في الدماغ. فالفرق كبيرٌ بين أن يحتاج الإنسان إلى وقت أطول لاستدعاء اسم ما، وبين أن يفقد القدرة على تذكّر الأشخاص أو الأماكن التي تشكّل عالمه اليومي. ولهذا يميز الأطباء بين النسيان العابر والنسيان المرضي.

فالنسيان العابر غالبًا ما يرتبط بالإجهاد، أو قلة النوم، أو الضغوط النفسية، أو تعدُّد المهام وتشعُّبها، بل إن الحرمان من النوم ليلةً واحدةً فقط يقلّل من قدرة الدماغ على تثبيت الذكريات الجديدة؛ لأن عملية نقل المعلومات من الذاكرة القصيرة إلى الطويلة تحدث إلى حدٍّ بعيدٍ في أثناء النوم العميق. وقد أظهرت دراسات تصوير الدماغ أن "الحُصين"، وهو المركز الرئيس المسؤول عن تكوين الذكريات الجديدة، يصبح أقل كفاءةً عند الأشخاص المصابين باضطراب النوم المزمن، فينعكس ذلك على القدرة على التذكّر في اليوم التالي.

ولا يقف الأمر عند النوم؛ فإن الاكتئاب والقلق المزمن قد يبدوان، في بعض الأحيان، أشبه باضطرابات في الذاكرة، حتى إن بعض المختصين يطلقون على هذه الحالة اسم الخرف الكاذب (Pseudodementia)؛ لأن المريض يشكو من النسيان، في حين تكون المشكلة الأساسية نفسيةً أكثر منها عصبية. وما إن يُعالَج الاكتئاب حتى تستعيد الذاكرة جزءًا كبيرًا من كفاءتها.

تُعين الوسائل الخارجية الذاكرة على تذكر ما قد يفوتها من تفاصيل الحياة اليومية.

ألزهايمر.. نسيان يخشاه الجميع

لكن الصورة تختلف تمامًا عندما يصبح النسيان متدرجًا ومتكررًا ليبدأ بالتأثير في تفاصيل الحياة اليومية. وهنا يبرز مرض ألزهايمر، بوصفه أكثر أمراض الخرف شيوعًا؛ إذ يمثّل ما بين 60% و70% من حالات الخرف عالميًّا، وفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية. ولا يبدأ المرض، كما يظن كثيرون، بفقدان الذكريات القديمة، بل بصعوبة تكوين ذكريات جديدة. فقد يكرّر المصاب السؤال نفسه مراتٍ متتالية؛ لأنه ينسى أنه طرحه قبل دقائق، في حين يستطيع أن يستعيد أحداثًا وقعت قبل ثلاثين أو أربعين عامًا بدقةٍ لافتة.

ويرتبط ذلك بالتغيرات التي تصيب الحُصين أولًا، قبل أن تمتد تدريجيًّا إلى مناطق أخرى في الدماغ مسؤولة عن اللغة، والتخطيط، والإدراك المكاني، واتخاذ القرار. وتشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 55 مليون شخص حول العالم يعيشون مع أحد أشكال الخرف، ويُسجّل سنويًّا ما يقارب 10 ملايين إصابة جديدة، مع توقّع تضاعف هذا العدد خلال العقود المقبلة نتيجة ارتفاع متوسط الأعمار.

ومع ذلك، لا يزال العلماء يؤكدون أن التقدّم في السن ليس مرادفًا للخرف. فكثيرٌ من كبار السن يحتفظون بقدرات معرفية عالية حتى مراحل متقدِّمة من العمر، في حين يرتبط ظهور المرض بعوامل متعددة، منها: الاستعداد الوراثي، وصحة القلب والأوعية الدموية، والنشاط البدني، ومستوى التعليم، ونمط الحياة.

ومن النتائج اللافتة التي توصلت إليها لجنة (The Lancet) للوقاية من الخرف هي أن ما يقارب 45% من حالات الخرف قد يكون بالإمكان تأخيرها أو الوقاية منها جزئيًّا إذا جرى التعامل مع مجموعة من عوامل الخطورة القابلة للتعديل، مثل: ارتفاع ضغط الدم، وضعف السمع، وقلة النشاط البدني، والتدخين، والعزلة الاجتماعية، والسكري، والسمنة، وتلوث الهواء، والإفراط في استهلاك الكحول، وإصابات الرأس، والاكتئاب.

ولهذا أصبحت التوصيات الطبية الحديثة لا تقتصر على تدريب الذاكرة أو حل الكلمات المتقاطعة، بل تمتد إلى المشي المنتظم، والتفاعل الاجتماعي، والقراءة، وتعلُّم مهارات جديدة، والنوم الكافي، وضبط الأمراض المزمنة؛ لأن جميعها عوامل تُسهم في بناء ما يسمّيه علماء الأعصاب "الاحتياطي المعرفي"؛ أي قدرة الدماغ على مقاومة آثار التقدّم في العمر والأمراض الانتكاسية.

forgetting letters

الرسائل القديمة تفاصيل قد تعجز الذاكرة عن استعادتها كاملة، لكنها تستحضر أثرها العاطفي.

لماذا تحفظ الذاكرة ما نريد نسيانه؟

إذا كان النسيان هو القاعدة، فلماذا تبدو بعض الذكريات عصيّةً عليه؟ ولماذا يحدث أن ينسى الإنسان عشرات الوجوه، وآلاف الأيام العادية، لكنه يحتفظ، بعد سنوات طويلة، بذكرى كلمة جارحة، أو وداع أخير، أو رائحة بيت قديم، أو أغنية سمعها في لحظة عاطفية من حياته؟

لهذا السبب، ربَّما، كتب الشاعر التشيلي بابلو نيرودا: "الحب قصير، والنسيان طويل". لكن التجربة الإنسانية كثيرًا ما تقلب هذه الحكمة، فتجعل الحب طويلًا، ويصبح النسيان هو القصير والعاجز. أمَّا الأديب الفرنسي وكاتب المذكرات الشهير فرانسوا دو لاروشفوكو، فله مقولة أقرب من هذا المعنى، إذ يقول: "يسهل على الإنسان أن ينسى من أساء إليهم، لكنه لا ينسى بسهولة من أساؤوا إليه". وكأن الذاكرة لا تحفظ إلا ما هزَّ أركاننا أو غيَّر نظرتنا إلى أنفسنا.

ولعلّ الأدب سبق العلم في كثيرٍ من الأحيان إلى ملاحظة هذه المفارقة. أمَّا علم الأعصاب، فيفسرها بطريقة مختلفة. فالذكريات ليست سواءً في نظر الدماغ. فحين يمرّ الإنسان بخبرة مشحونة بالخوف أو الفرح أو الحزن، لا يتولّى الحُصين وحدَه مهمَّة تسجيلها، بل تدخل إلى المشهد بنية أخرى هي "اللوزة الدماغية"، المسؤولة عن معالجة الانفعالات. وعندما تعمل هاتان المنطقتان معًا، تصبح الذاكرة أكثر رسوخًا؛ لأن الدماغ يتعامل معها بوصفها معلومةً قد تكون ضروريةً للبقاء مستقبلًا.

ولهذا يتذكَّر كثيرٌ من الناس أين كانوا قبل سنوات عندما سمعوا خبرًا غيَّر العالم، أو فقدوا شخصًا عزيزًا، أو تعرضوا لحادث كبير، في حين قد يعجزون عن تذكر ما تناولوه على الغداء قبل ثلاثة أيام.

وقد أظهرت دراسات عديدة أن الإثارة العاطفية تزيد من إفراز هرمونات، مثل الأدرينالين والنورأدرينالين، فتُسهم في تقوية تثبيت الذكريات داخل الدماغ. ولهذا تكون الذاكرة سجلًّا لما حملته تلك الأحداث من أثر عاطفي. وهذا ما تؤكده أبحاث جيمس ماكغو، أحد أبرز الباحثين في بيولوجيا الذاكرة، الذي كرَّس عقودًا لدراسة العلاقة بين الانفعال وتثبيت الذكريات، وخلص إلى أن العاطفة الإنسانية من أهم العوامل التي تحدّد ما سيبقى في الذاكرة وما سيختفي منها.

غير أن بقاء الذكرى لا يعني أنها بقيت كما كانت. فالذاكرة، كما يؤكد علماء الأعصاب اليوم، ليست أرشيفًا جامدًا، وإنما عملية مستمرة من إعادة البناء. ففي كل مرّة نسترجع فيها ذكرى، يعيد الدماغ تشكيلها في ضوء خبراتنا الجديدة، ثم يخزنها مجدّدًا. ولهذا قد نتذكر الحدث نفسه بطريقة مختلفة بعد عشر سنوات، لا لأن الوقائع المحفوظة تغيّرت، بل لأننا نحن الذين تغيَّرنا. وقد غيَّرت هذه الفكرة كثيرًا من التصوُّرات القديمة عن الذاكرة، حتى أصبح العلماء يتحدثون عن الذاكرة بوصفها فعلًا إبداعيًّا أكثر من كونها عمليةَ استرجاع آليةً. فالإنسان حين يستعيد الماضي يعيد تأليفه في كل مرّة يعود إليه.

ولذلك تبدو بعض الذكريات المؤلمة أكثر حضورًا كلما حاول الإنسان التخلُّص منها. وتُعرف هذه الظاهرة في علم النفس باسم "أثر الارتداد"، الذي اقترحه عالم النفس الأمريكي دانيال فيغنر. فقد بيّنت تجاربه أن محاولة منع فكرة من الظهور تجعلها أكثر إلحاحًا، وهو ما اشتهر بتجربة "لا تفكر في الدب الأبيض". فكلما حاول المشاركون ألّا يفكروا في الدب الأبيض، وجدوا أنفسهم يعودون إليه أكثر من السابق.

أسلحة الإنسان في مفاوضة النسيان 

منذ أن اكتشف الإنسان أنه ينسى، لم يتوقف عن التفاوض مع النسيان. ولعلّ تاريخ الحضارة نفسه يمكن أن يُقرأ، من زاوية ما، بوصفه تاريخًا طويلًا لمحاولات الإنسان الاحتفاظ بما يخشى ضياعه. فالرسوم الأولى على جدران الكهوف لم تكُن تعبيرًا فنيًّا خالصًا، بل كانت أيضًا محاولة لتثبيت لحظة عابرة، والكتابة التي ظهرت في بلاد الرافدين قبل أكثر من خمسة آلاف عام لم تُخترع في البداية لكتابة الشعر أو الفلسفة، وإنما لحفظ الحسابات، وتسجيل المعاملات التجارية، ومراقبة المحاصيل والمخازن. وكأن أول اختراع معرفي في تاريخ الإنسان لم يكن سوى محاولة لتخفيف العبء عن الذاكرة.

وقد ذهب عددٌ من الباحثين، وفي مقدمتهم عالمة الآثار الأمريكية دينيس شمانت-بيسيرات، إلى أن الكتابة نفسها نشأت من وسائل ابتكرها الإنسان كي لا يعتمد على ذاكرته وحدَها؛ فقد سبقتها رموز طينية صغيرة كانت تُستخدم لحفظ أعداد الماشية والمحاصيل، قبل أن تتحوّل تدريجيًّا إلى العلامات المسمارية التي عُرفت بها حضارة بلاد الرافدين. 

لكن مقاومة النسيان لم تتوقف عند الكتابة. ففي الحضارات الشفهية، يُعدُّ الوزن والقافية وسيلتين لحماية المعرفة من الضياع. ويذهب مؤرخو الأدب إلى أن البنية الإيقاعية للملاحم الكبرى، مثل الإلياذة والأوديسة، هي تقنية تساعد الرواة على استحضار آلاف الأبيات عن ظهر قلب، قبل قرونٍ من تدوينها.

تكاثر الابتكارات التي "تذكّرنا"

مع تعقّد الحياة، أخذت وسائل مقاومة النسيان تتكاثر. فظهرت الدفاتر الشخصية، ثم المُفكّرات الورقية، ثم التقاويم، ثم ساعات الجيب، فالمنبهات الميكانيكية، ولم تكُن غايتها معرفة الوقت فحسب، بل تذكير الإنسان بما يجب أن يفعله في الوقت المناسب. واليوم تؤدي الهواتف الذكية الدور نفسه، ولكن على نطاق لم يكُن يمكن تخيّله قبل عقود قليلة؛ فهي تحفظ أرقام الهواتف، والمواعيد، وقوائم المهمات، وكلمات المرور، والوثائق، والصور، بل تذكِّرنا أحيانًا بأعياد ميلاد أقرب الناس إلينا أكثر ممّا تفعل ذاكرتنا.

وقد دفعت هذه الظاهرة علماء الإدراك إلى إعادة النظر في معنى الذاكرة نفسها. ففي العقود الأخيرة ظهر مفهوم "التفريغ المعرفي"، ويُقصد به ميل الإنسان إلى نقل جزء من العبء الذهني إلى أدوات خارجية. فالطالب الذي يدوّن ملاحظاته، والطبيب الذي يعتمد على جدول مواعيده، ورب الأسرة الذي يكتب قائمة المشتريات قبل الخروج، جميعهم يمارسون شكلًا من أشكال التفريغ المعرفي، الذي لا يعبّر عن ضعف الذاكرة، وإنما عن كفاءة العقل في توزيع جهده.

وتؤكد الدراسات أن الإنسان يلجأ إلى هذه الإستراتيجية بصورة تلقائية كلما وجد أن الاحتفاظ بالمعلومة خارج الدماغ أقل كلفةً من الاحتفاظ بها داخله. ولهذا لم يعُد العلماء ينظرون إلى المفكرة أو الهاتف الذكي على أنهما مجرد أدوات، بل بوصفهما امتدادًا للعمليات العقلية نفسها.

وقد اكتسبت هذه الفكرة بعدًا فلسفيًّا مع دراسة نشرها الفيلسوفان آندي كلارك وديفيد تشالمرز عام 1998م بعنوان "العقل الممتد" (The Extended Mind) وقد دافعا فيها عن فكرة بدت جريئة، آنذاك، وهي أن عملية التفكير تمتد إلى الأدوات التي يعتمد عليها الإنسان اعتمادًا دائمًا. فإذا كان شخص يعتمد اعتمادًا كاملًا على دفتر ملاحظاته أو هاتفه للوصول إلى المعلومات، فإن هذه الوسائط تصبح، من الناحية الوظيفية، جزءًا من ذاكرته.

أصبحت التكنولوجيا والوسائل البسيطة امتدادًا للذاكرد البشرية، تساعد على حفظ المعلومات واسترجاعها عند الحاجة.

الذاكرة البشرية في مهب عاصفة التكنولوجيا

لم يعُد هذا التصوُّر مجرد فرضية فلسفية. ففي دراسة أثارت اهتمامًا واسعًا، نُشرت في مجلة (Science) عام 2011م، وجد الباحثون بيتسي سبارو وجيني ليو ودانيال فيغنر أن الناس، عندما يعرفون مسبقًا أن المعلومات ستكون متاحة على الإنترنت، يقل اهتمامهم بحفظها، ويزداد اهتمامهم بتذكر مكان العثور عليها. وأصبح هذا يُعرف بـ"تأثير غوغل". فبدلًا من تخزين المعلومة نفسها، يخزن الدماغ الطريق المؤدي إليها.

ولعلّ هذا يُفسِّر شيئًا من حياتنا اليومية. فكثيرون لم يعودوا يحفظون أرقام هواتف آبائهم أو أبنائهم، ولا يتذكرون مواعيد كثيرة كانوا يحفظونها قبل عقدين فقط؛ لأن الهاتف يتولى هذه المهمة عنهم. ومع ذلك، لم تثبت الدراسات أن التكنولوجيا أضعفت الذاكرة البشرية بقدر ما غيّرت طبيعة عملها، وجعلتها أكثر اعتمادًا على التعاون مع وسائط خارجية.

اليوميات.. أكثر الابتكارات إنسانية

غير أن أكثر وسائل مقاومة النسيان إنسانيةً ربّما لم تكُن التكنولوجيا، وإنما اليوميات. فمنذ يوميات الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس، مرورًا بيوميات صموئيل بيبس في لندن في القرن السابع عشر، ووصولًا إلى دفاتر الكتّاب والفنانين في العصر الحديث، ظلّ الإنسان يكتب لأنه يخشى أن تضيع حياته مرتين: مرّةً حين يعيشها، ومرّةً حين ينساها.

ولا تؤدي اليوميات وظيفة حفظ الوقائع فحسب، بل تساعد على إعادة ترتيبها وفهمها. وقد أظهرت أبحاث عالم النفس الأمريكي جيمس بينيبيكر أن الكتابة المنتظمة عن الخبرات الشخصية، ولا سيَّما المؤلمة منها، تُسهم في تخفيف التوتر، وتحسين الصحة النفسية؛ لأنها تحوّل التجربة من حدثٍ مبعثر إلى قصة قابلة للفهم.

ولهذا لا تكون مقاومة النسيان دائمًا محاولةً للانتصار عليه، بل أحيانًا تكون محاولةً للتعايش معه. فالإنسان لا يدوّن كل ما عاشه، ولا يحتفظ بكل صورة التقطها، ولا يعلّق كل ذكرى على جدار بيته. إنه ينتقي، ويحذف، ويترك أشياء تمضي، ويصرّ على بقاء أشياء أخرى. وربّما لهذا السبب لم تنجح البشرية، على كثرة ما ابتكرته من أدوات، في القضاء على النسيان، وإنما نجحت فقط في أن تجعل التفاوض معه أقل قسوةً.

قد تكفي نغمة مألوفة أو لحن قديم لاستحضار ذكريات ظن الإنسان أنه نسيها.

في الأدب والفنون.. حين يصبح التذكّر فعلًا جماليًّا 

في تكوينه وولادته، يحمل الفنّ بذور الخوف من النسيان. فما الذي يدفع شاعرًا إلى كتابة قصيدة، أو رسّامًا إلى تثبيت لحظةٍ على القماش، أو روائيًّا إلى استعادة حياة انتهت منذ عقودٍ، إن لم يكُن شعورًا دفينًا بأن الزمن يمضي أسرع ممّا تحتمله الذاكرة؟ ولذلك يبدو تاريخ الفنون، من زاويةٍ ما، محاولةً متكررة لإنقاذ ما يوشك أن يضيع.

في الموسيقى والأغنية 

وليس من قبيل المصادفة أن يحتل النسيان مكانة بارزة في الغناء العربي، حتى يكاد يشكِّل أحد أكثر موضوعاته حضورًا. فمنذ الأغاني الكلاسيكية وحتى المعاصر منها، يتكرر الطلب بالنسيان، أو الشكوى من عدم القدرة على النسيان. والغريب أن النسيان في الأغنية يحضر دائمًا كأمنية مستحيلة، حتى أصبحت استحالة القدرة على النسيان، في الأغنية العاطفية بالأخص، موضوعًا أصيلًا من موضوعاتها.

ويكفي التأمل في بعض الأغنيات العربية التي جعلت من النسيان موضوعًا رئيسًا لإدراك رسوخ هذه الفكرة في الوجدان الغنائي. ففي أغنية أم كلثوم "هجرتك"، التي كتبها أحمد رامي ولحنها رياض السنباطي، يبدو الهجر محاولةً واعية للتخلص من حالة الحب، ثم ينقلب إلى تجربة تكشف استحالة الخلاص منه. فكلما سعى المُحب إلى نسيان المحبوب ازداد انشغالًا به، حتى يصبح التفكير في النسيان طريقةً أخرى لاستحضار المحبوب.

وتظهر الفكرة بوضوحٍ مماثل في الأغنية السعودية، ولا سيما في أعمال الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن. ففي "ألا يا خلي ساعدني"، التي لحّنها وغناها طلال مداح، يطلب العاشق من خليله أن يعينه على النسيان، غير أن طلب المساعدة يكشف منذ البداية عجزه عن إنجاز ذلك بمفرده. فالذكرى لم تعُد خاطرًا عابرًا يمكن صرفه، ولكنها حالة تسيطر على الوعي وتدفع صاحبها إلى البحث عن عون خارجي من المحبوب نفسه.

أما في الأغنية الأيقونية "صوتك يناديني"، التي لحّنها وغناها محمد عبده، فتعود الذاكرة من خلال مثير سمعي بالغ البساطة، هو صوت المحبوب. فالصوت الذي يحضر من نقطة بعيدة في الماضي، يحمل معه زمنًا كاملًا من المشاعر والصور، ويوقظ ما يُظن أنه ابتعد أو خمد، حتى تصل الأغنية إلى ذروتها العبقرية حين يتخيل الشاعر النسيان كمكان: "جيتي من النسيان"، في مجاز رائع أثّر تأثيرًا بالغًا في الضمير الجمعي لعشاق الأغنية السعودية. 

هكذا تقدِّم الأغنيات الثلاث صورًا متباينة لاستحالة النسيان، محاولة تنتهي إلى مزيد من التذكر، واستغاثة من وطأة الذكرى، وصوت يعيد الماضي حيًا بمجرد سماعه. ومن هنا تبدو الموسيقى نفسها شريكًا للذاكرة؛ فهي تتحدث عن النسيان، ثم تعيد عبر الموتيف اللحني والتكرار، تثبيت ما تدعو إلى نسيانه.

وقد انتبه علماء النفس إلى هذه العلاقة الوثيقة بين الموسيقى والذاكرة. فالموسيقى من أكثر المثيرات قدرة على استدعاء الذكريات الانفعالية، حتى إن مرضى ألزهايمر، الذين قد يعجزون عن تذكر أسماء أبنائهم، يستطيع بعضهم أن يغني أغانٍ حفظها في شبابه، أو يستعيد أحداثًا ارتبطت بلحن معين. ولهذا أصبحت العلاج بالموسيقى (Music Therapy) أحد الأساليب المستخدمة في تحسين جودة الحياة لدى بعض مرضى الخرف، إذ تساعد الألحان المألوفة على تنشيط شبكات عصبية تبقى محتفظة بجزء من كفاءتها رغم تقدم المرض.

في الآداب العربية والعالمية

أمَّا الرواية، فقد تعاملت مع النسيان بطريقة أكثر تعقيدًا. فالروائي يكتب أحيانًا من داخله، ولذلك نجد بعض الروايات تجعل التذكُّر شرطًا للنجاة، في حين ترى أخرى أن النجاة نفسها لا تتحقَّق إلا بالنسيان.

ففي الأدب العربي، هناك الكاتب المغربي محمد برادة الذي جعل من النسيان في روايته "لعبة النسيان" مشروعًا روائيًّا كاملًا، يبحث في الكيفية التي يعيد بها الإنسان بناء الماضي، بحيث يغدو التذكُّر نفسه فعلًا من أفعال التخييل.

ولعلّ أشهر عبارة في الأدب العربي الحديث حول هذا الموضوع جاءت في رواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ: "آفة حارتنا النسيان". وهي عبارة تحوّلت إلى مثل ثقافي يُستدعى كلما أُريد التنبيه إلى أن المجتمعات التي تنسى تاريخها مُهدَّدةٌ بتكراره.

لكن نجيب محفوظ نفسه يعود في "ملحمة الحرافيش" ليقول على لسان إحدى الشخصيات: "من يحمل الماضي تتعثر خطاه". وللوهلة الأولى تبدو العبارتان متناقضتين؛ غير أن هذا التناقض يكشف الوجهين اللذين يتأرجح بينهما الإنسان دائمًا. فهناك ماضٍ ينبغي ألا يُنسى لأنه يحمل التجربة، وماضٍ آخر لا يمكن الاستمرار في حمله لأنه يتحوّل إلى عبء يعطل الحياة.

وهذه المفارقة نفسها تتردّد في كثير من الروايات العالمية. ففي رواية "1984" لجورج أورويل، لا يكون الخطر في النسيان الفردي، بل في صناعة النسيان. فالقوة المهيمنة تعيد كتابة الماضي باستمرار، حتى يصبح الإنسان عاجزًا عن التحقّق ممّا عاشه بالفعل. ومن هنا تتحوّل الذاكرة إلى شكل من أشكال المدافعة عن العالم؛ لأن من يملك الماضي يملك الحاضر أيضًا.

forgetting books Najee and 1984

أمَّا الفكرة القائلة إن محاولة منع فكرة من الظهور تجعلها أكثر إلحاحًا على الذاكرة، فمن أجمل ما كُتب فيها أدبيًّا كان على يد الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، في قصته الشهيرة "فونيس.. صاحب الذاكرة" (Funes the Memorious) فبطل القصة لا ينسى شيئًا على الإطلاق؛ يتذكر شكل كل غيمة، وكل ورقة شجر، وكل لحظة عاشها. لكن هذه الموهبة لا تقوده إلى الحكمة، بل تشلُّ قدرته على التفكير. ويكتب بورخيس على لسانه ما معناه أن التفكير هو نسيان الفروق، والتعميم، والتجريد؛ أمَّا في عالم فونيس فلا وجود إلا للتفاصيل.

ويبلغ الأمر ذروته عند مارسيل بروست في رائعته "بحثًا عن الزمن المفقود"؛ إذ تنبثق الذاكرة من الأثر الحسّي البسيط، مثل قطعة الحلوى المغموسة في الشاي، التي تعيد فجأةً عالمًا كاملًا كان يبدو غارقًا في النسيان. ومنذ ذلك الحين، أصبح مصطلح "ذاكرة بروست" يُستخدم في علم النفس للإشارة إلى الذكريات اللاإرادية التي تستدعيها الروائح أو النكهات أو الأصوات.

مشهد من فلم "الأب" 2020م، بطولة أنتوني هوبكنز.

مدخل سينمائي إلى أعماق النفس

ولم تكُن السينما أقل انشغالًا بهذه الفكرة. فهناك عدد كبير من الأفلام يرتكز على سؤال الذاكرة والنسيان. ففي فِلم "تذكار" (Memento) للمخرج كريستوفر نولان، يفقد البطل القدرة على تكوين ذكريات جديدة، فيضطر إلى كتابة الملاحظات ورسم الوشوم على جسده كي يستمر في العيش. وهنا يتحوّل الجسد نفسه إلى دفتر ملاحظات، ويصبح السؤال الحقيقي: هل يمكن للإنسان أن يحتفظ بهويته إذا فقد ذاكرته؟

أمَّا فِلم "إشراقة أبدية لعقلٍ نقي" (Eternal Sunshine of the Spotless Mind) الذي عُرض عام 2004م، فيذهب إلى السؤال المعاكس؛ إذ يقرّر عاشقان محو ذكريات حبهما بواسطة تقنية طبية. لكن الفِلم ينتهي إلى فكرةٍ إنسانيةٍ هي: أن الألم جزء من الذاكرة، وأن محوه أو تناسيه قد يعني تناسي جزء من الذات أيضًا.

هذا، بالإضافة إلى عدد كبير من الأفلام التي تناولت مرض ألزهايمر تحديدًا، ومن أهمها فِلم "الأب" (The Father)، من عام 2020م، الذي أدَّى فيه الممثل القدير السير أنتوني هوبكنز، دور أبٍ يعاني المرض، وقد أظهر من خلال هذا الدور مقدار المعاناة التي يعانيها الإنسان المصاب بداء النسيان، ومستوى العمق والألم الوجودي الذي يسبح فيه المبدع عندما تتأرجح ذاكرته أمام ابنته التي تضطر في النهاية إلى أن تودعه المصحة. 

التشكيل الفنيّ لتعزيز الذاكرة

وفي الفن التشكيلي، تبدو الذاكرة أقل ظهورًا، لكنها أكثر رسوخًا. فعددٌ من الفنانين المعاصرين جعلوا من الذاكرة موضوعًا رئيسًا لأعمالهم. ومن أبرزهم الفنان الفرنسي كريستيان بولتانسكي، الذي بنى كثيرًا من أعماله على الصور الشخصية، والملابس القديمة، والأشياء المهملة، محاولًا أن يمنح الغائبين حضورًا جديدًا. وهذا ما جعله يرسم آثار الغائبين وليس صورهم؛ وكأن ما تركوه خلفهم يمثّل طريقةً من طرق تذكرهم، ويبرز ذلك البعد لا سيّما حين يستثمر آثار الناس الذين مروا بنكبات إنسانية.

أمَّا الفنان الألماني أنسلم كيفر، فقد واجه الذاكرة الجماعية لألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، مستعينًا بالرماد والقشّ والرصاص؛ ليحوّل اللوحة إلى مساحة للمساءلة التاريخية، لا إلى مجرد سطح جمالي. وفي أعماله يبدو النسيان كما لو كان خطرًا أخلاقيًّا يهدّد البشرية.

ولعلّ ما يجمع بين كل هذه الفنون، على اختلاف لغاتها الفنية، أنها تنظر إلى النسيان بوصفه شريكًا للذاكرة، أو الوجه الآخر من العملة. فالفنّ يعيد تشكيل الماضي، ويحذف منه، ويضيف إليه، ويمنحه معنًى جديدًا في كل مرّة. ولذلك لا يظهر العمل الفني عادةً على أنه مستودع للذكريات، بقدر ما يوضح الطريقة الأخرى لتذكُّر ما لا تستطيع الذاكرة وحدَها أن تحتفظ به.

forgetting fine art 1

"بلا عنوان" 1980م لكريستيان بولتانسكي،فوتو سكالا، فلورنسا 2026.

forgetting art 2

لوحة الألماني أنسيلم كيفر.

في اللغة العربية تتعدد الألفاظ ولكل منها دلالته المختلفة

من يتأمل الألفاظ التي تدور حول النسيان يلاحظ أن العربية لم تكتفِ بكلمة واحدة تعبِّر عنه، بل وزّعت هذه التجربة الإنسانية على ألفاظ متعددة، لكلٍّ منها دلالتها الخاصة، بناءً على حالات تفاوت النسيان وأسبابه ونتائجه.

فالفعل "نَسِيَ" يدل في أصله على ذهاب الشيء عن الذهن بعد أن كان حاضرًا فيه، وهو المعنى الأكثر شيوعًا. أمَّا "سَهَا"، فيشير إلى غفلةٍ عابرة أو شرودٍ مؤقت، ولذلك ارتبط في التراث بحالات السهو التي يمكن تداركها، كما في "سجود السهو" في الصلاة. وهناك "ذَهِلَ"، وهو انقطاع الإدراك بسبب هول المفاجأة أو شدة الانفعال، حتى كأن الصدمة تنتزع من الإنسان قدرته على الانتباه، وكفاءته في القبض على ذاكرته.

وتتدرج العربية بعد ذلك إلى ألفاظ تحمل أبعادًا أخلاقية أو نفسية، مثل: "غَفَلَ"، الذي يدل على ترك الانتباه لما ينبغي الانتباه إليه، و"أغفَلَ"، الذي يحمل معنى الإهمال والتقصير، وكأن النسيان هنا أصبح فعلًا يُلام عليه صاحبه.

ومن أبلغ ما صاغته العربية في هذا الباب كلمة "تنَاسَى". فالإنسان لا يتناسى إلا ما لا يستطيع نسيانه؛ إذ إنه يتظاهر بالنسيان، أو يحاول أن يعامل الذكرى كما لو أنها لم تعُد موجودةً. ولهذا كثيرًا ما ارتبط التناسي في الأدب بالعلاقات الإنسانية؛ إذ يكون النسيان قرارًا أخلاقيًّا أو محاولة لحماية النفس أكثر منه فقدانًا حقيقيًّا للذاكرة.

ويكشف القرآن الكريم عن هذا التنوع الدلالي أيضًا؛ إذ يرد النسيان في سياقات متعددة. ففي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة: 286)، يأتي النسيان بوصفه من طبيعة الإنسان التي تستوجب الرحمة. وفي مواضع أخرى يرد بمعنى الترك والإهمال، كما في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (التوبة: 67)؛ أي تركوا أمره، فجاء الجزاء من جنس العمل. وهذا التنوّع في الاستعمال يؤكد أن للنسيان في العربية طيفًا واسعًا من المعاني يُراوح بين العذر والتقصير، وبين الطبيعة الإنسانية والموقف الأخلاقي.

وممّا يلفت الانتباه أن اللغات الأخرى تُميِّز أيضًا بين صور متعددة للنسيان، لكن العربية تبدو أغنى في هذا الجانب؛ لأنها تربط النسيان بالحالة النفسية والأخلاقية والوجدانية. ولهذا يبدو النسيان في الثقافة العربية تجربةً إنسانية كاملة، تتداخل فيها الغفلة، والسهو، والتجاهل، والصفح، والتجاوز، والحنين.

ولعلّ هذا الثراء اللغوي يذكرنا بحقيقةٍ بسيطةٍ: فقبل أن يصبح النسيان موضوعًا لعلم الأعصاب أو علم النفس، كان تجربةً عاشها الإنسان طويلًا، حتى تركت أثرها في مفرداته، وأمثاله، وشعره، ونظرته إلى نفسه وإلى العالم.

النسيان الجماعي: بين ما يمحو وما يداوي

الأمم مثل الأفراد لا تتذكر كل شيء، ولا تنسى كل شيء. إنها تنتقي ما يستحق أن يبقى في الذاكرة العامة، وما يمكن أن يذوب مع مرور الزمن. ولذلك لا يوجد تاريخ بلا نسيان، كما لا توجد ذاكرة بلا اختيار.

كان الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه من أوائل الذين تنبّهوا إلى هذه المفارقة، حين كتب في مقالته المطوَّلة "محاسن التاريخ ومساوئه" (1874م)، أن الإنسان يحتاج إلى الذاكرة ليبني هويته، لكنه يحتاج أيضًا إلى النسيان ليستطيع أن يعيش. فالإنسان الذي يعجز عن النسيان، في نظره، يشبه شخصًا يحمل على كتفيه جميع أيامه دفعةً واحدةً، فلا يستطيع أن يخطو إلى الأمام.

لم يكُن نيتشه يتحدث عن الأفراد وحدَهم، بل عن الأمم أيضًا. فكل أمة تمرّ بحروب وانقسامات وكوارث واحتلالات وهجرات، لكن استمرارها لا يتحقّق إلا بقدرتها على إعادة تنظيم علاقتها بالماضي. ولهذا يفرّق المؤرخون اليوم بين محو التاريخ وسياسات الذاكرة. فمحو التاريخ يعني إنكار ما حدث، أمَّا سياسات الذاكرة فتعني اختيار الكيفية التي يُروى بها الماضي، والقدر الذي يحتلُّه في الحاضر. ولعلّ أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية قدّمت واحدًا من أبرز الأمثلة على ذلك.

يحفظ متحف هيروشيما ذاكرة الأجيال عن القصف الذري.

حين تصبح الذاكرة عبئًا ويستحيل محوها

بعد حربٍ أودت بحياة عشرات الملايين، وأحدثت دمارًا غير مسبوق، لم يكُن ممكنًا أن تستمر المجتمعات الأوروبية وهي تعيش كل يوم داخل ذاكرة الحرب. ولم يكُن ممكنًا أيضًا أن تمحوها. ولذلك اتجهت دولٌ كثيرة إلى بناء مؤسسات تحفظ الذاكرة، من المتاحف، والأرشيفات، والنصب التذكارية، والمناهج الدراسية، بالتوازي مع مشروعات سياسية وثقافية هدفت إلى بناء مستقبل مشترك لا يُؤسّس على الثأر المتبادل ولا على الكراهية تجاه الآخر، وإنما على الاعتراف بالماضي والتعلُّم منه.

مفهوم "العدالة الانتقالية"

وفي إسبانيا، وبعد انتهاء حكم الجنرال فرانسيسكو فرانكو عام 1975م، ظهر ما عُرف لاحقًا باسم "ميثاق النسيان" (Pacto del Olvido). ولم يكُن المقصود به نسيان الحرب الأهلية أو إنكارها، بل تجنُّب إعادة فتح باب الانقسامات القديمة خلال مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية. وقد ظلّ هذا الميثاق محل نقاشٍ طويلٍ بين المؤرخين؛ فهناك من رأى فيه ضرورةً تاريخية لضمان الاستقرار، في حين رأى آخرون أن تأجيل مواجهة الماضي لا يعني تجاوزه.

وفي تجربة أخرى، مختلفة في أدواتها، ظهرت في جنوب إفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري. فبدلًا من الدعوة إلى النسيان، أُنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة برئاسة الأسقف ديزموند توتو، انطلاقًا من فكرة أن المصالحة لا يمكن أن ترتكز على محو الذاكرة، بل على كشف الحقيقة أولًا. وكان الشعار الضمني للجنة أن ما يُعترف به يمكن تجاوزه، أمَّا ما يُخفى فيظل قابلًا للعودة.

وقد أصبحت هذه التجربة نموذجًا عالميًّا لما يُسمّى اليوم "العدالة الانتقالية"، التي تحاول الموازنة بين حق الضحايا في التذكُّر، وحق المجتمع في استئناف حياته.

كما قدَّمت رواندا مثالًا آخر، بعد أحداث عام 1994م؛ إذ لم تكتفِ بإحياء الذكرى السنوية للإبادة الجماعية، بل أنشأت متاحف ومراكز توثيق، ودمجت برامج المصالحة المجتمعية في مشروع إعادة بناء الدولة. وكان الهدف من ذلك الحيلولة دون تكرار المذبحة، لا محاولة نسيانها.

تحفظ الأرشيفات ذاكرة الدول ووثائقها التاريخية.

إدارة الذاكرة

وهنا تبرز مفارقة لافتة. فالدول التي نجحت نسبيًّا في تجاوز صراعاتها لم تعتمد، في الغالب، على النسيان المطلق، ولا على التذكُّر المطلق، بل على صيغةٍ وسطٍ، يمكن وصفها بـ"إدارة الذاكرة".

وقد ناقش الفيلسوف الفرنسي بول ريكور هذه الفكرة بإسهابٍ في كتابه "الذاكرة.. التاريخ.. النسيان"؛ إذ ميّز بين النسيان الذي يمحو، والنسيان الذي يداوي. فليس كلُّ نسيانٍ فُقدانًا للحقيقة، كما أنّ ليس كل تذكُّرٍ وفاءً لها. وقد يكون التحدي الحقيقي هو بناء ذاكرة عادلة، لا ذاكرة مُثقلةٍ بالأحقاد، ولا ذاكرة فارغةٍ من الخبرة.

ولعلّ هذا ما قصده عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبواكس حين أكّد أن الذاكرة بناءٌ اجتماعيٌّ يتغير مع تغيُّر الجماعة نفسها. فالمجتمعات لا تعيد كتابة تاريخها لأنها تكذب، بل لأنها تعيد تعريف نفسها في كل مرحلة جديدة.

ومن اللافت أن هذه العملية لا تقتصر على الدول والأمم فحسب، بل إن المدن تمارسها أيضًا. فكثيرٌ من المدن التي تعرّضت إلى حرائق أو زلازل أو حروب أعادت بناء شوارعها وساحاتها، لكنها احتفظت بأثر من الماضي: جدار، أو نصب، أو اسم شارع، أو شجرة نجت من الكارثة، وكأنها تقول إن الحياة لا تتوقف عند ما حدث.

ولعلّ مدينة هيروشيما اليابانية قدّمت واحدًا من أبرز الأمثلة على ذلك. فبعد أن دمرتها القنبلة الذرية عام 1945م، أعادت المدينة بناء نفسها، لكنها أبقت على مبنى "قبة القنبلة الذرية" في حالته شبه المُدمَّرة، وحوّلت المنطقة المحيطة به إلى حديقة للسلام. وهكذا لم تصبح الكارثة هي الصورة الوحيدة للمدينة، ولم تُمحَ آثارها أيضًا، وإنما جرى وضعها داخل فضاءٍ يسمح للحياة الجديدة بالنمو إلى جوار الذاكرة. فالمدينة الحديثة بشوارعها ومبانيها وحدائقها تمضي إلى المستقبل، في حين يظل المبنى المُدمَّر شاهدًا على ما حدث. وفي هذا التعايش بين الإعمار والأثر تتجلَّى فكرة إدارة الذاكرة بوضوحٍ: الاحتفاظ بما يكفي من الماضي لمنع اختفائه، وترك ما يكفي من المساحة للحياة كي تستمر.

كيف يقيس العلماء النسيان؟

قد يبدو النسيان، لأوّل وهلةٍ، ظاهرةً يستحيل قياسها. فكيف يمكن للباحث أن يعرف أن شخصًا ما نسي فعلًا، وليس أنه لم ينتبه، أو لم يفهم، أو أنه لا يريد الإجابة؟

لهذا، لا يبدأ علماء الأعصاب بدراسة النسيان نفسه، وإنما يبدؤون بدراسة التذكُّر. فكل تجربة لقياس النسيان تستند أولًا إلى التأكد من أن المعلومة قد دخلت الذاكرة بالفعل، ثم مراقبة ما يحدث لها بعد ذلك: هل بقيت، أم ضعفت، أم اختفت؟

ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، وضع عالم النفس الألماني هرمان إبينغهاوس أول منهج علمي لدراسة النسيان. والمثير أنه جعل نفسه موضوعًا للتجربة.

اخترع إبينغهاوس آلاف المقاطع الصوتية التي لا معنى لها، مثل: BOK أو ZUF أو KEM، حتى يضمن أن الذاكرة لن تستفيد من أي معنى سابق للكلمات. ثم بدأ يحفظ هذه المقاطع، ويقيس الزمن الذي يستغرقه في استعادتها بعد ساعة أو يوم أو أسبوع أو شهر.

ومن هذه التجارب خرج بما أصبح يُعرف اليوم بـ"منحنى النسيان"، وهو أحد أشهر الرسوم البيانية في علم النفس. وقد أظهر أن الإنسان ينسى جزءًا كبيرًا ممّا تعلمه خلال الساعات الأولى، ثم يتباطأ معدل النسيان تدريجيًّا مع مرور الوقت. وما زال هذا المنحنى، بعد أكثر من 140 عامًا، يُدرَّس في علم النفس والتعليم، وتُبنى عليه كثيرٌ من تطبيقات المراجعة الذكية.

لكن العلم لم يتوقف عند الورقة والقلم. فاليوم يستطيع الباحثون أن يشاهدوا الدماغ وهو يعمل. ومن خلال أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، يمكن للباحث أن يطلب من المتطوع حفظ مجموعة من الصور أو الكلمات، ثم يراقب، لحظةً بلحظة، المناطق الدماغية التي تنشط أثناء التذكُّر أو أثناء محاولات النسيان. وقد أظهرت هذه الدراسات أن النسيان قد يكون عمليةً نشطة، يشارك فيها الدماغ عمدًا من خلال تثبيط بعض الذكريات أو إضعافها.

وهناك طريقة أخرى تعتمد على تخطيط كهربية الدماغ (EEG)، الذي يقيس النشاط الكهربائي للخلايا العصبية بدقة زمنية عالية جدًّا. ويُستخدم هذا الأسلوب لمعرفة اللحظة التي تبدأ فيها الذكرى بالتشكّل، أو اللحظة التي يبدأ فيها الدماغ بفقدانها، وهو ما يساعد الباحثين على فهم العلاقة بين الانتباه والذاكرة والنسيان.

ومن أشهر الاختبارات في هذا المجال اختبار رسم الساعة، الذي يُطلب فيه من الشخص رسم ساعة ووضع عقاربها على وقتٍ معين. ويبدو الاختبار بسيطًا، لكنه يكشف في دقائق عن جوانب متعددة من عمل الدماغ، تشمل: الذاكرة، والانتباه، والإدراك المكاني، والتخطيط.

وهناك أيضًا اختبار مونتريال المعرفي (MoCA)، والاختبار المُصغَّر للحالة العقلية (MMSE)، وهما من أكثر الأدوات استخدامًا في العيادات لتقييم الذاكرة والوظائف المعرفية، والمساعدة في الكشف المبكر عن الاضطرابات العصبية. 

وربّما يكون أكثر التجارب إثارةً هي تلك التي تطلب من المشاركين أن ينسوا، فيما يُعرف بـ"نموذج فكِّر/ لا تفكر" (Think/No-Think Paradigm)؛ إذ يطلب الباحث من المشاركين أن يحفظوا أزواجًا من الكلمات، ثم يعرض عليهم بعد ذلك إحدى الكلمتين، ويطلب منهم أحيانًا استدعاء الكلمة الأخرى، وأحيانًا منع أنفسهم من التفكير فيها تمامًا.

وقد بيّنت هذه التجارب، التي طوّرها عالما النفس مايكل أندرسون وكولين غرين، أن الإنسان يستطيع، إلى حدٍّ معينٍ، أن يُضعف بعض الذكريات عمدًا، وأن النسيان ليس دائمًا عجزًا، بل يمكن له أن يكون فعلًا عصبيًّا مقصودًا.

وفي السنوات الأخيرة، دخل الذكاء الاصطناعي إلى مختبرات الذاكرة، وأصبح يساعد في تحليل الأنماط المعقدة للنشاط العصبي، والتنبؤ بمسار بعض الأمراض قبل ظهور أعراضها بسنواتٍ. كما يعمل الباحثون على تطوير نماذج حاسوبية تُحاكي الطريقة التي يختار بها الدماغ ما يحتفظ به وما يتخلى عنه.

ولعلّ أجمل ما تكشفه هذه الجهود كلها أن النسيان، الذي كان يُنظر إليه طويلًا بوصفه عيبًا في الذاكرة، أصبح اليوم أحد أكثر موضوعات علوم الأعصاب تعقيدًا وإثارة. فكل تجربة جديدة تقرِّب العلماء من فهم كيفية حدوث النسيان، وكيف يجعلنا ذلك أقدر على التعلُّم والتكيّف مع العالم.

forgetting malaf microwave

قاد اكتشاف بالمصادفة إلى ابتكار فرن الميكروويف.

أحدث اكتشاف الأشعة السينية ثورة في الطب والتشخيص.

حين صنع النسيان اكتشافًا

يبدو أن النسيان لم يكُن خصمًا دائمًا للإنسان؛ ففي حالات نادرة، كان هو نفسه الشرارة الأولى لاكتشافاتٍ غيَّرت وجه الحياة. وكان ذلك يحدث لأن أحدهم نسي تجربةً، أو ترك أداةً، أو أهمل ملاحظةً بدت في البداية بلا قيمةٍ. وحين عاد إليها، وجد أن النسيان هداه إلى اكتشاف ما لم يكُن في الحسبان.

ولعلّ أشهر هذه القصص قد بدأت عام 1945م داخل مختبر شركة رايثيون الأمريكية. كان المهندس بيرسي سبنسر يعمل على تطوير أجهزة الرادار، حين لاحظ أن قطعة شوكولاتة تركها في جيبه قد ذابت أثناء وقوفه بجوار جهاز يصدر موجات الميكروويف. وهذه الملاحظة العابرة دفعته إلى إعادة التجربة عمدًا، فوضع حبوب الذرة أمام الجهاز، فإذا بها تتحوّل إلى فشار، ثم وضع بيضة فانفجرت. ومن هنا، وُلد فرن الميكروويف، الذي أصبح واحدًا من أكثر الأجهزة المنزلية انتشارًا في العالم.

وفي العام نفسه تقريبًا، كان عالم البكتيريا ألكسندر فليمنغ يعود إلى مختبره بعد إجازة قصيرة، ليجد أن بعض أطباق البكتيريا التي تركها قبل سفره قد تلوثت بعفنٍ غير مرغوب فيه. وكأي عالم دقيق، توقّف عند ملاحظة صغيرة: البكتيريا المحيطة بالعفن اختفت تمامًا. هذه اللحظة، التي بدأت بطبقٍ تُرك أو نُسي على طاولة المختبر، فتحت الباب أمام اكتشاف البنسلين، أول مضادّ حيوي في التاريخ، الذي عدَّه كثيرٌ من المؤرخين أحد أهم الاكتشافات الطبية في القرن العشرين.

وتتكرر الحكاية نفسها في مجال آخر. فقد كان الفيزيائي الألماني فيلهلم رونتغن يدرس الأشعة المهبطية عام 1895م، حين غطّى أنبوب التجربة بورقٍ أسود لمنع الضوء من التسرّب. لكنه نسي وجود شاشة مطلية بمادة فلورية على مقربة من الجهاز، ولاحظ أنها تضيء مع أن الضوء لا يصل إليها. دفعه ذلك إلى تتبُّع السبب، فاكتشف نوعًا جديدًا من الأشعة، سمّاه "الأشعة السينية" (X-rays)، التي أحدثت ثورةً في الطب والتشخيص. وتكشف هذه القصص عن حقيقةٍ يردّدها كثيرٌ من مؤرخي العلوم، وهي أن الاكتشاف يبدأ دائمًا من الانتباه إلى ما يبدو خطأً أو سهوًا أو نسيانًا. وقد لخّص عالم الأحياء الفرنسي لويس باستور هذه الفكرة في عبارته الشهيرة: "الصدفة لا تخدم إلا العقل المستعد".

فالنسيان لم يكتشف البنسلين، ولا الميكروويف، ولا الأشعة السينية فحسب، بل اكتشفها علماء امتلكوا فضيلة أخرى: أن يتوقفوا أمام ما نسيه غيرهم، وأن يسألوا السؤال الذي لم يخطر ببال أحد. ولعلّ هذا هو الوجه الأقل شهرةً للنسيان، الذي يُزيح انتباهنا عن الطريق المعتاد، ليقودنا إلى طريق لم نكُن نقصد السير فيه أصلًا.

 

د.عبدالله العقيبي: كاتب ومستشار إبداعي سعودي.