.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
وهو مَن يُستدعى حين تتصدّع ثقة الإنسان بجسده، وحين يتحوّل الألم إلى سؤالٍ مُلحّ: ماذا يحدث داخلي؟ ولماذا؟ وكيف أعود كما كنت؟
يأتي الطبيب بصفته "عارفًا" وشاهدًا على هشاشة البشر. يقترب من الجسد كحياةٍ كاملة لها تاريخٌ وخوف وأمل، ومن المرض كحكايةٍ تبدأ بأعراض وتنتهي بقرار: علاج، أو تهدئة، أو احتواء.
وحين نقول "طبيب"، فنحن نعني مَن يجمع بين ثلاث طبقات: علمٌ يُضيء ما لا يُرى، ومهارةٌ تُحسن الإصغاء والفحص وتقدير الدواء، وأخلاقٌ تحرس سرّ الإنسان وكرامته.
إنه مُفسّرٌ أمين للغموض الذي يلفّ الجسد، ووسيطٌ بين المريض وقلقه، وبين العِلّة وإمكانية الشفاء.
ونظرًا لحضوره العريق في كل الحضارات، تمدّد هذا الحضور إلى خارج دوائر العلوم والطبابة ليتغلغل عميقًا في نسيج الثقافات فكرًا وفنًّا وأدبًا، وهذا ما يتناوله عبود طلعت عطية في هذا الملف.
هذه الحكاية ليست دليلًا تاريخيًّا حاسمًا، ولا تُثبت وحدَها نشوء الحضارة، لكنها تبقى استعارةً قوية تلخّص ببلاغة أن جوهر التحضّر ليس التقنية فقط، بل العناية بالإنسان حين يصبح هشًّا؛ بعبارة أخرى: حين يُطبّب إنسانٌ إنسانًا آخر.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
رسمٌٌ توضيحي لطبيبٍٍ من القرن التاسع عشر يفحص مريضًًا باستخدام مرآة الضوء الطبية.
حين ننظر إلى تاريخ الطب، لا نرى تاريخ "علاجات" فحسب، بل أيضًا تاريخ الإنسان وهو يتعلّم لغة جسده، ويُدرك شيئًا فشيئًا أن الألم ليس لعنةً غامضة دائمًا، وأن المرض يمكن أن يكون ظاهرةً تُلاحظ وتُفهم وتُقاوَم. في البدايات الأولى كانت العِلّة تُفسَّر أحيانًا بوصفها غضبًا أو مسًّا أو قدَرًا مُظْلِمًا لا يملك الإنسان أمامه إلا التضرّع. لكن الإنسان، منذ وقت مبكر جدًّا، بدأ يمارس نوعًا من "الطب البدائي" قبل أن يسمّيه بهذا الاسم: تضميد جرحٍ، تثبيت كسرٍ، كيُّ نزفٍ، استخدام الأعشاب، مراقبة الحرارة والنبض. هذه الخبرات المتراكمة في البيوت والقبائل، كانت نواة معرفة طويلة ستسير من الفطرة إلى المهنة، ومن الحدس إلى المنهج.
في الحضارات القديمة، مثل حضارة مصر وبلاد الرافدين، ترك لنا التاريخ شواهد على وصف الأمراض ووصفات العلاج، ومحاولة تنظيم المعرفة الطبية في نصوص. ومع ذلك، بقيت تلك المعرفة، في كثير من الأحيان، مشدودةً إلى عالم الرموز والطقوس بقدر ما كانت مشدودةً إلى عالم الملاحظة. وكان التحوّل الكبير عندما ظهر مزاج جديد يقول: لنحاول فهم المرض بوصفه أمرًا طبيعيًّا، لا رسالةً من الغيب. وكانت تلك لحظة محورية؛ لأن الطبّ لم يصبح عِلمًا إلا عندما تجرّأ على التساؤل: "كيف؟ ولماذا؟" بدلًا من الاكتفاء بـ"من غضب؟".
في هذا السياق، يبرز اسم أبقراط بوصفه علامة تأسيسية في المخيال الطبي: ليس لأنه "مخترع" الطب، بل لأن تراثًا كاملًا ارتبط باسمه، وركّز على الملاحظة السريرية ووصف الأعراض وربط الطبّ بأخلاق تَحكُم يد الطبيب قبل عقله. فلم يعُد الطبيب ساحرًا ولا كاهنًا، بل مُراقبًا دقيقًا، يقرأ في الجسد كما تُقرأ العلامات في كتابٍ حي: حرارة، ألم، تورّم، ضعف، تغيّر لون، رائحة. ومن هنا تشكلت نواة فكرة رافقت الطبّ طويلًا: المرض له "سيرة"، وعلى الطبيب أن يُصغي لهذه السيرة، وأن يميّز بين ما هو عابر وما هو خطِر، وبين العارض والسبب.
ثم أتت مرحلة ازدهارٍ أخرى مع مدارس المعرفة ومراكزها في العالم الهلنستي والروماني، حيث تكثّفت الدراسة التشريحية، ووُضعت أنظمةٌ لتفسير وظائف الأعضاء. فبرز اسم الطبيب جالينوس الذي تحوّل إلى مرجعيةٍ ضخمة في التشريح والفيزيولوجيا، وامتدّ تأثيره لقرون من الزمن في الشرق والغرب. إذ قدّم نظامًا تفسيريًّا متكاملًا للجسد يربط بين الأعضاء ووظائفها. قد لا توافق العلوم الحديثة كثيرًا من التفاصيل التي ذهب إليها، لكن المهم تاريخيًّا أن الطبّ صار، مع هذا الإرث، أشبه بمنظومةٍ تعليمية: كتب، وشروح، وطبقات من المعرفة المتوارثة، ومهنة تتشكّل عبر الدراسة، لا عبر التجربة العشوائية وحدَها.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
هو القَسَم الذي شاع أن يتلوه الأطباء عند تخرّجهم في الجامعة تمهيدًا لمزاولتهم المهنة، ويُنسب تقليديًا إلى الطبيب اليوناني "أبقراط" في القرن الرابع قبل الميلاد تقريبًا. لكن الباحثين يختلفون في مؤلّفه الدقيق ومدى شيوع استخدامه في زمنه. كما أن الدراسات التاريخية تشير إلى أن اعتماد هذا القَسَم في العصور القديمة غير مؤكد، وأن مساره كان متقطِّعًا، ثم عاد بقوة في أوروبا ضمن التقاليد الجامعية وطقوس التخرّج خلال القرون الخمسة الأخيرة تقريبًا.
لا توجد صيغةٌ حرفية واحدة متفقٌ عليها اليوم؛ لأن القَسم وصلنا بالإغريقية القديمة، وتعدّدت ترجماته لتشمل لغاتٍ عديدة، منها العربية. إذ اهتم العرب بترجمة هذا القَسم منذ وقتٍ مبكر، وتحديدًا في القرن السابع الهجري، وصولًا إلى المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي (1981م)، الذي استعاضَ بالقَسم بأسماء الآلهة الوثنية الإغريقية بالقسم بـ"الله العظيم".
معنى أن تكون طبيبًا
هذا القَسم ليس "تعويذة تخرّج"، بقدر ما هو إعلان مبكّر عن معنى أن تكون طبيبًا: أن تدخل حياة الناس بيدٍ قادرة، لكن محكومة بحدود. يبدأ القَسم من علاقة التعليم نفسها: المعلم ليس مجرد ناقل معرفة، بل أبٌ مهني، والتلميذ مدينٌ له بالوفاء والاحترام، وكأن الطبّ قبل أن يكون عِلمًا، هو أمانة متسلسلة تنتقل من جيل إلى جيل. ثم ينتقل القَسم إلى قلب المهنة: أن تكون نيّة الطبيب موجّهة إلى "نفع المريض"، وأن يلتزم قاعدة بسيطة في صياغتها الأخلاقية، الأولى: ألّا يُوقع ضررًا ولا ظلمًا؛ لأن القدرة على التدخل في جسد الإنسان يمكن أن تصبح أذًى إن أُفلِتت من الضمير.
وفي نصِّ القَسم القديم تظهرُ أيضًا قيودٌ صريحة تعكس حساسية الحياة: تعهّدٌ بعدم إعطاء "دواء قاتل" ولو طُلب منه، وتعهدٌ بعدم تقديم وسيلة للإجهاض. وهذان البندان تحديدًا يفسّران سبب عدم تلاوة القَسم اليوم حرفيًّا في كثيرٍ من الكليات؛ لأن الأخلاق الطبية الحديثة تتعامل مع هذه القضايا ضمن أطر قانونية وفلسفية أعقد. ثم يختتم القَسم بأحد أكثر مبادئ الطب بقاءً: السرّية. ما يراه الطبيب ويسمعه في بيت المريض أو على سريره ليس مادةً للحكاية، بل أمانة تُصان؛ لأن كرامة الإنسان جزءٌ من علاجه. هكذا يرسم القَسم صورة الطبيب وكأنه حارسٌ مزدوج: حارس للبدن بالعِلم، وحارس للإنسان بالخُلُق، وهو مفهومٌ لا يتبدّل، وإن تبدّلت صياغات القسم عبر العصور.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
البيمارستان المؤيدي بالقاهرة، أحد نماذج المستشفيات التعليمية في الحضارة الإسلامية.
ما من مدينة عربية تقريبًا، إلا وفيها اليوم مستشفى أو صيدلية تحمل اسم ابن سينا أو الرازي تكريمًا لهذين الطبيبين؛ نظرًا لما بلغه الطب من شأوٍ رفيع على أيديهما في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية؛ إذ صار الطبّ جزءًا من مشروعٍ فكريٍّ ومدنيٍّ واسع. ففي تلك القرون، لم يتوقف الأطباء العرب عند ترجمة كتب اليونان والفرس والهند، بل كان هناك شغفٌ بإعادة بناء المعرفة وامتحانها في الواقع، وتطوير مؤسسات للعلاج والتعليم. فـ "البيمارستان" الذي كان مكانًا لإيواء المرضى، كان أيضًا مدرسةً سريرية، تُراقَب فيها الحالات، وتُدوَّن الملاحظات، ويجري التدريب على الفحص والعلاج؛ أي أنه كان النسخة الأولى لما نعرفه اليوم باسم "كلية الطب الجامعية". وفيه تغيّر معنى "الطبيب" ليصبح شخصًا يتعلم ضمن نظام، ويُحاسَب ضمن أخلاقيات، ويُعرَف ضمن مجتمعٍ يقدّر العلم ويحتاج إليه.
الأسماء كثيرة، ولا مجال لتعدادها كلها. نكتفي بالإشارة إلى الرازي (نحو 865م – 925م) بصفته نموذجًا لروح العيادة: عقلٌ لا يكتفي بأن يكرِّر ما قيل، بل يفتش في الفروق الدقيقة بين الأمراض، ويهتم بالمشاهدة والتجربة والتمييز. فهو أول من ميّز بدقة بين الجدري والحصبة وكتب فيهما. وأهميته، بحسب السرد التاريخي، أنه يُظهر كيف بدأ الطب يتحول إلى ممارسةٍ "سَريرية" بالمعنى الحقيقي: الطبيب لا يعيش في برج الكتب، بل يذهب إلى سرير المريض ليتعلم منه. ثم أتى ابن سينا (980م – 1037م) ليضع الطب في صيغة موسوعية كبرى. "القانون" كان محاولة لتقديم نظامٍ شامل: تعريفات، تصنيفات، طرق تشخيص، مبادئ علاج، علاقة بين المنطق والتجربة.
ولا يكتمل الحديث عن الطب في الحضارة الإسلامية من دون الإشارة إلى الجراحة بوصفها علمًا مستقلًّا نسبيًّا؛ إذ برز الزهراوي الذي ارتبط اسمه بتطوير أساليب الجراحة وأدواتها، وبفهمٍ عمليّ للجسد في لحظته الأكثر حساسية: لحظة فتحه وترميمه. كما شهد القرن الثالث عشر الميلادي تطورًا مهمًّا على يد ابن النفيس الذي وضع وصفًا دقيقًا للدورة الدموية الرئوية، في مثالٍ واضح على أن المعرفة لا تتحرك في خط واحد، بل تُراجع ذاتها وتصحّح، وأن الجرأة على الاعتراض العلمي جزءٌ من نضج الحضارة العلمية.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
رسم ساخر يعكس الجدل الاجتماعي الذي رافق ظهور اللقاحات في أوروبا.
انطلق الأطباء الأوروبيون من حيث وصل الأطباء المسلمون، ومما درسوه على أيديهم. فبدأت مرحلة جديدة تُعيد التطلع إلى الجسد بعيونٍ مختلفة: عيون تريد أن ترى لا أن تتخيّل. فظهر أندرياس فيزاليوس في القرن السادس عشر الميلادي، علامةً فاصلة في تاريخ التشريح؛ لأن مشروعه كان إعلانًا واضحًا: لا يكفي أن نقرأ ما قيل؛ علينا أن ننظر ونقارن ونصحح.
وعبر القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، توسعت أدوات الفحص وتحسنت طرق الملاحظة، وكبرت فكرة المستشفى والتعليم السريري. لكن الطبيب ظلّ يصطدم بحاجزٍ قاسٍ: يمكنك أن تُشخّص أكثر، لكنك ما زلت عاجزًا أمام كثير من العدوى والجراحات. كانت الجراحة، قبل منتصف القرن التاسع عشر، عملية مرعبة: ألمٌ لا يُحتمل، ونزف، ثم عدوى قد تقتل المريض بعد أن ينجو من سكين الجرّاح. في تلك المرحلة كان "نجاح" الطبيب أحيانًا يعني مجرد خروج المريض حيًّا من غرفة العمليات.
ثم بدأت سلسلة تحولات غيّرت وجه المهنة جذريًّا. أحد هذه التحولات كان فهم معنى النظافة والعدوى داخل المستشفيات. هنا برز إغناتس زِملفايس الذي انتبه إلى أثر غسل اليدين في تقليل وفيات حمى النفاس، في لحظةٍ كانت فيها العدوى تبدو شيئًا "غائمًا" لا يُرى ولا يُؤخذ بجدية كافية. ثم أتى جوزيف ليستر ليؤسِّس عمليًّا مبدأ التعقيم ومكافحة التلوث في الجراحة. ولم تكُن هذه تفاصيل تقنية فقط، بل غيّرت في فلسفة العلاج: المستشفى نفسه يمكن أن يقتل، ومن ثَمَّ على الطبيب أن يعالج "بيئة العلاج" كما يعالج الجسد.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
رسوم تشريحية من كتاب فيزاليوس الذي أسّّس علم التشريح الحديث.
لكن القفزة الأكثر درامية جاءت مع "ثورة الجراثيم": اللحظة التي أدرك فيها العِلم أن وراء كثير من الأمراض كائنات دقيقة يمكن رصدها وفهمها ومقاومتها. لا يمكن سرد هذه الثورة من دون ذكر العالِم والطبيب الفرنسي لويس باستور (1822م – 1895م) بوصفه أحد وجوهها الكبرى؛ إذ أسهمت أعماله في التأكيد على أن العدوى ليست قدرًا غامضًا، بل لها آليات. وعلى الضفة الأخرى، برز روبرت كوخ في تاريخ الجراثيم أيضًا، فارتبط اسمه بربط ميكروبات محددة بأمراض محددة وبمنهجيات إثبات العلاقة بين العامل المُمرض والمرض. في هذه المرحلة، صار الطبيب يتعامل مع المرض معاملة عدوٍّ له اسم ومسار. كما أصبح تشخيص المرض أقرب إلى التحقيق العلمي: عيّنة، مجهر، مزرعة، اختبار.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
في القرن العشرين دخل الطبّ مرحلةً تشبه انفجار التطورات والاختراعات والاكتشافات: التخدير جعل الجراحة ممكنة من دون أن تكون وحشًا من الألم، والتعقيم جعلها أقل فتكًا، ونظريات الجراثيم جعلت العدوى قابلة للتفسير. ثم جاءت لحظة فليمنغ (1881م – 1955م) الذي ارتبط اسمه باكتشاف البنسلين، وفتح باب المضادات الحيوية، فارتفع سقف الممكن بسرعة مذهلة. لم يعُد الالتهاب حُكمًا بالموت في كثير من الحالات، ولم تعُد جروحٌ بسيطة تتحول إلى مأساة حتمية. وهكذا، تغيّرت صورة الطبيب في الوعي العام: من شخص يستدعيه الناس بيأس، إلى شخص يقصدونه وعندهم أملٌ منطقي.
ثم بدأت أدوات التشخيص تُغيّر معنى "الرؤية" في الطب: من الأشعة السينية إلى التصوير المقطعي والرنين المغناطيسي، وصولًا إلى التحاليل المخبرية المتقدمة. فالجسد الذي كان الطبيب يقرؤه بالنبض والحرارة والسعال فقط، صار يُقرأ بصورٍ وخرائط وبيانات. وتوسّع الطب إلى تخصصات دقيقة؛ إذ لم يعُد الطبيب "يعرف كل شيء"، بل غدا جزءًا من منظومة عملٍ متكاملة: تخصصات القلب، والأعصاب، والأورام، والمناعة، والعناية المركزة وغيرها. هذا التخصص هو علامة قوة، لكنه أوجد تحديًا جديدًا: أن يبقى الإنسان واحدًا في عين الطب، لا أن يتفتت إلى أعضاءٍ ونتائج فحوص.
في العقود الأخيرة، دخلنا مرحلة الطب الجيني والطب الدقيق والطب الرقمي. وتوسّعت معارف الطبيب لتصل إلى مستوى الخلية والجين، وصار يُفصّل العلاج وفق خصائص المريض. وبدأ الذكاء الاصطناعي يقترب من مهام التشخيص والترجيح وتحليل الصور.
ومع ذلك، فإن "قصة الطب الحديث" ليست قصة انتصارات صافية، بل هي أيضًا قصة أسئلة أخلاقية متزايدة: إلى أي حدٍّ يحق للطبيب أن يجرّب؟ من يقرر العلاج؟ ما حدود التدخل في الجسد؟ كيف تُحفظ كرامة المريض؟ فحين صار الطب قويًّا، تعاظم خطرُه أيضًا إن فقد بوصلته الأخلاقية. لذلك شهد القرن العشرون أيضًا صعود أخلاقيات الطب الحديثة: الموافقة المستنيرة، وحقوق المريض، ولجان الأخلاقيات، وتنظيم البحث العلمي، بحيث لا تتحول المعرفة إلى اعتداء.
ووسط هذا كله، ظل السؤال القديم قائمًا: ما جوهر مهنة الطبيب؟ هل هو الجهاز أم النظرة؟ هل هو البروتوكول أم الضمير؟ التقنية تعطي الطبيب عينًا أبعد، لكنها لا تعطيه قلبًا أعمق.
لقد بدأ الطبُّ محاولةً لفهم الألم، ثم صار علمًا لقراءة الجسد، فمؤسسةً لحماية المجتمع، ثم تكنولوجيا تُدهشنا.. لكنه بقي في جوهره علاقة ثقة: مريض يسلّم جسده وخوفه، وطبيب يتسلّم هذه الأمانة، ويعرف أن المعرفة بلا إنسانية قد تُصلح العضو وتكسر الإنسان، وأن الرحمة بلا معرفة قد تُطبطب على الألم من دون أن تُنقذ الحياة.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
في أوروبا، وخلال القرون الوسطى، كان الحلّاقون يمارسون عددًا كبيرًا من المهمات الطبية. إذ كان الطبيب "المتخصص" في مهنة الطب أكاديميًّا، يصف ويشخّص فقط، بينما كانت الأعمال اليدوية تُعدّ "حرفة"، فمارسها الحلّاقون الجرّاحون.
كان الحلّاقون يتولون الفَصْد (إخراج الدم)، والحجامة، وقلع الأسنان، وشقّ الخرّاجات، وتضميد الجروح، وأحيانًا عمليات أكبر خلال الحروب. وتشير المصادر إلى أن أوائل "الحلّاقين الجرّاحين"، المعترف بهم، عملوا في بيئات الأديرة نحو عام 1000م، ثم انتشر هذا الدور عبر العصور الوسطى واستمر بأشكال مختلفة حتى القرون اللاحقة.
وفي إنجلترا، وُثِّقت العلاقة المؤسسية بين الحلاقة والجراحة بوضوح. ففي عام 1540م، دُمجت "جماعة الجرّاحين" مع "شركة الحلاقين" بقرار من الملك هنري الثامن، لتشكيل "شركة الحلّاقين الجرّاحين". وفي عام 1745م، انفصل الجرّاحون عن الحلاقين بقرار برلماني، ثم تطوّرت المؤسسة لاحقًا إلى "الكلية الملكية للجرّاحين" عام 1800م.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
لوحة "الطبيب" للإنجليزي لوك فيلدز (1891م).
من سلطة المعرفة إلى سلطة الضمير
منذ أن انفتح فنُّ الرسم الأوروبي على الموضوعات الحياتية، وكان الهولنديون روّادًا في هذا المجال، ظهر الطبيب علامةً على تحوّل المجتمع في نظرته إلى الجسد، والمعرفة، والخوف، والرحمة. أحيانًا نراه عالِمًا يشرح العضلات فوق جسدٍ صامت، وأحيانًا نراه زائرًا يطرق أبواب البيوت ليقرأ الأعراض كما تُقرأ الرسائل، وأحيانًا نراه في صورةٍ شخصية: وجهٌ متعب يحمل حزن عصرٍ كامل.
أولى المحطات الكبرى هي لوحة رامبراندت الشهيرة "درس في التشريح للدكتور نيكولايس تولب" (1932م)، التي صُنِعت أصلًا لتُعلَّق في مقر نقابة الجرّاحين، وهي محفوظة اليوم في متحف موريتشهاوس. هنا الطبيب ليس "معالجًا"، بل هو مُحاضرٌ ورمز لهيبة العِلم، محاطٌ برجالٍ يحدّقون في الجسد كما لو أنهم يحدقون في سرّ الوجود. الجثة في المقدمة ليست فضيحة، بل موضوع معرفة: جسد صار "كتابًا" مفتوحًا، والدرس الذي يُلقى فوقه يعلن عن مجتمع بدأ يثق بأن فهم الجسد هو السبيل إلى السيطرة على المرض. إنها مسرحية صامتة عن الفضول البشري، وعن اللحظة التي يتحول فيها الموت إلى مادة تعليم.
بموازاة هذه السلطة المعرفية الصارمة، ظهر وجه آخر للطبيب عند الفنان الهولندي أيضًا يان ستين، الذي رسم أكثر من عشر لوحات تمثّل أطباء يعودون مرضاهم في البيوت، حيث يتحول الطبيب إلى شخصية اجتماعية داخل مجريات الحياة اليومية. وتشير مصادر تاريخ الفن إلى أن "زيارة الطبيب" كانت من أكثر الموضوعات الطبية شيوعًا في الرسم الهولندي في القرن السابع عشر، وغالبًا ما كانت "علّة" الفتاة الشابة هي علّة الحب أو "داء القلب" كما كان يُتخيّل شعبيًّا؛ فيلتبس الطب هنا بالرمز وبالأخلاق وبنظرة المجتمع إلى رغبات المرأة. الطبيب في هذه المشاهد يقيس النبض، يحدّق، يتفحّص، لكن اللوحة تلمّح إلى أن التشخيص قد يكون ستارًا لأمرٍ اجتماعي لا بيولوجي: حبّ مكبوت، أو انتظار زواج، أو لعبة تواطؤ بين المرض والحياء.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
على اليمين: لوحة "الدكتور بول غاشيه" لفنسنت فان غوخ عام (1890م). على اليسار: لوحة "زيارة الطبيب" للهولندي يان ستين عام (1662م).
وإذا كانت لوحة فيلدز تجعل الطبيب "ضميرًا اجتماعيًا"، فإن لوحة "صورة الدكتور بول غاشيه" لـفنسنت فان غوخ تذهب إلى منطقة أشد رهافة: الطبيب بوصفه إنسانًا هشًّا أيضًا. العمل له نسختان موثّقتان، نرى فيهما الطبيب جالسًا يسند رأسه بيده في هيئةٍ كلاسيكية للحزن، وعلى الطاولة كتبٌ ونبتة قفّاز الثعلب، في إشارةٍ إلى الطبّ بوصفه معرفةً وعقاقير، لكن الوجه يقول شيئًا آخر: إرهاقٌ داخلي، وحزنٌ شخصي، وربّما "مرضٌ" من نوعٍ لا تقيسه السماعة. أحد التحليلات المنشورة في الأدبيات الطبية الثقافية يقرأ اللوحة بوصفها "بورتريه" يكاد يضع الطبيب والمريض في خندق واحد: كلاهما مثقل، وكلاهما يبحث عن خلاص.
ولكي تكتمل الصورة يمكننا أن نضيف لوحة أو اثنتين تُضيئان "الطب بصفته مؤسسة" لا فردًا. ففي عام 1875م، رسم الأمريكي توماس إيكنز "عيادة غروس"، حيث يُقدَّم الدكتور أمام مدرج من الطلاب في مسرح جراحي، في عملٍ اشتهر بواقعيته الصادمة وبقدرته على تسجيل جوّ الطب قبل اكتمال مفهوم التعقيم الحديث. ثم عاد الفنان نفسه إلى الموضوع نفسه بعد أربع عشرة سنة في "عيادة أغنيو" ليُظهر التحول الرمزي: معاطف بيضاء، بيئة أنظف، وحضور ممرضة في المشهد، كأن الطبّ لم يعُد بطولة رجل واحد، بل نظامًا يتقدّم، وطقسًا مؤسسيًّا يُولد داخل الجامعة والمستشفى.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
طاقم مسلسل "غرفة الطوارئ" الذي أطلق شهرة الممثل جورج كلوني.
في الرواية، كما في السينما والمسلسلات التلفزيونية، يشغل الطبيب موقعًا سرديًّا شديد الجاذبية؛ لأنه يقف على حدودٍ حسّاسة: بين الحياة والموت، وبين السرّ والعلن، وبين العلم والرحمة، وبين الفرد والمؤسسة. ولهذا، تتشابه صورة الطبيب في الأدب والفنون المرئية أكثر مما نظن. فالوسيطان يلتقطان التحوّل نفسه: انتقال الطبيب في المخيال الحديث من الهيبة المنفردة إلى الإنسان العامل داخل نظام، مع بقاء سؤال الأخلاق ثابتًا.
الطبيب.. الضمير في زمن الكارثة
أوضحُ تجلٍّ لهذا النمط نجده في رواية "الطاعون" للروائي الفرنسي ألبير كامو الصادرة في عام 1947م. هنا الطبيب ليس "بطلًا خارقًا"، بل شخص ينهض كل صباح لمزاولة عمله؛ لأنه "المعنى" الوحيد الممكن في مدينةٍ تهددها العدوى. رواية الوباء هذه لا تكتب درسًا طبيًّا بقدر ما تكتب درسًا أخلاقيًّا: الشفاء قد لا يأتي، لكن العمل من أجل الإنسان هو الذي يمنع العالم من الانهيار النهائي.
وعلى الشاشة، يلمع النمط نفسه في أعمال تجعل الطبيب جزءًا من آلية حرب أو وباء أو طوارئ. في مسلسل "ماش" الذي يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، يتحول مستشفى الحرب إلى مسرحٍ يفضح العبث، وتغدو الدعابة وسيلةً للبقاء لا تسليةً مجانية.
وفي مسلسل "غرفة الطوارئ" (ER)، الذي أطلق شهرة الممثل جورج كلوني في التسعينيات، يصبح قسم الطوارئ مدينةً مصغّرة: قراراتٌ خلال ثوانٍ، وعائلاتٌ تنهار، ومهنيون يُستنزفون، ثم يعودون في الغد.
الجامع بين الرواية والمسلسل هنا هو أن الطبيب يُعرَّف لا بما "ينجح" في إنقاذه فحسب، بل بما يرفض أن يتخلى عنه: إنسانية العمل مهما كانت نتيجته.

مسلسل "غرفة الطوارئ" (2025م).
إذا كانت الكارثة تكشف معدن الطبيب، فإن المجتمع يكشف حدود مشروعه. في رواية جورج إليوت "Middlemarch" (1871م – 1872م) يظهر الطبيب الشاب إصلاحيًّا: يريد أن يحدّث الممارسة الطبية، لكنه يصطدم ببلدة لها عاداتها ومجتمعها الطبقي وثرثرتها.
وفي رواية "القلعة" للكاتب أ. ج. كرونان، الصادرة في بدايات القرن الماضي، يصبح صراع الطبيب أكثر حدّة: بين مثاليات المهنة وإغراءات المال والوجاهة، وبين الطب رسالةً والطب سوقًا. هذه الفكرة تجد ما يقابلها في السينما بوضوح. في فِلم (The Doctor) "الطبيب" (1991م)، يتحول الطبيب المتعالي، حين يصير مريضًا، إلى تلميذٍ في مدرسة التعاطف: يكتشف أن الألم ليس ملفًا ولا نتيجة تحليل، بل تجربة تُعيد ترتيب القيم والسلوك.
من الرواية إلى الفِلم، يتحوّل الطبيب الإصلاحي إلى شخصية درامية؛ لأنّه يواجه خصمين معًا: المرض من جهة، والمؤسسة - المجتمع من جهة أخرى.

مشهد من فِلم "دكتور جيفاغو" (1957م) من بطولة عمر الشريف.
إذا كان الطبيب في المخيال القديم "سيد القرار"، فإن المخيال الحديث يراه أيضًا "ابن النظام". ومن أكثر الأعمال صراحةً في هذا الباب رواية (The House of God) "بيت الله" لصموئيل شيم. لا تقول هذه الرواية إن الأطباء بلا رحمة، بل إن الرحمة نفسها قد تُستنزف إن لم تُحمَ، وإن نظام العمل قادر على تحويل أفضل النوايا إلى تعبٍ مزمن، بل إلى تبلّدٍ اضطراري.
أمَّا في التلفزيون، فتتكاثر الأعمال التي تُظهر الإيقاع المرهق بوصفه "القدر اليومي" للطبيب. ففي مسلسل (This Is Going to Hurt) "هذا سيكون مؤلمًا" (2022م)، نرى طبيبًا شابًّا داخل منظومة صحية تضغط عليه مهنيًّا ونفسيًّا، حتى يصبح السؤال: من يحمي المُعالج؟
وعلى مستوى شعبي أكثر، نذكر مسلسل "Grey's Anatomy" الذي استمر عرضه على الفضائيات العربية لأكثر من عقدين من الزمن، وفيه نرى المستشفى مسرحًا للعاطفة والمهنة والاختيار، تمتزج فيه نجاحات الأطباء في الجراحة بانكسارات القلب؛ لأن الطبيب في النهاية واحد من البشر، يعمل وهو يعيش.
واللافت أن هذه الأعمال، على اختلاف نبرتها، تتفق على نقطة: لم يعُد الطبيب يُصوَّر بوصفه فردًا يملك كل الخيوط، بل بوصفه إنسانًا تسحبه الخيوط من كل جهة: مدير، ونظام، ووقت، ونقص موارد، وتوقعات مجتمع يطلب المعجزة.
باختصار، يعود تشارك الرواية والسينما والتلفزيون في الصور المختلفة للطبيب إلى تشرُّب هذه الوسائط من الينبوع نفسه: قلق الإنسان الحديث. فصورة الطبيب في السرد العالمي تدور حول ثلاثة أسئلة كبرى، تتكرر بأقنعة متعددة:
-
سؤال الأخلاق: ماذا نفعل عندما لا نستطيع إنقاذ الجميع؟ (وباء، طوارئ، حرب).
-
سؤال المؤسسة: هل الطبيب قائد أم موظفٌ داخل نظام؟ وما أثر البيروقراطية في الرحمة؟
-
سؤال المعرفة: هل كل ما نستطيع فعله ينبغي أن نفعله؟ (وهذا السؤال تُجسّده أيضًا روايات تناولت حدود العِلم مثل "فرانكنشتاين" (1818م) لمؤلفتها ماري شيلي، حيث يتحول "العالِم الطبيب" إلى إنذارٍ أخلاقي ضد غرور القدرة.
إن الطبيب في الرواية العالمية وعلى الشاشة هو "بطل"؛ لأننا نضعه عند حافة النهاية، وهو "إنسان" نحمّله أكثر مما يحتمل البشر. فمن تحفة بوريس باسترناك "دكتور جيفاغو" (1957م) التي صورتها السينما في فِلم من بطولة عمر الشريف، حيث الطبيب شاهدٌ على مسار التاريخ، إلى دراما الطوارئ الحديثة. يتغير القناع وتبقى الوظيفة الرمزية واحدة: الطبيب هو المكان الذي تلتقي فيه حضارتنا مع ضعفها.
في الشعر العربي: بين حدود العلم وتطبيب العاشقين
حضورُ الطبيب في الشعر العربي هو حضورٌ لفكرةٍ فلسفية: ماذا يستطيع العلم أن يفعل أمام المصير؟ وأين ينتهي دور "الدواء" ويبدأ قدرُ الإنسان؟ ولأن الشعر بطبيعته لا يكتفي بالمعنى الحرفي، يتحوّل الطبيب إلى صورة مجازية: طبيبُ العشق، وطبيبُ الأخلاق، وطبيبُ المجتمع. وفي كل مرة، تُستدعى كلمة "الطبيب" لتقول شيئًا أوسع من الوصفة والعيادة.
فهناك من تناول حدود المعرفة الطبية التي تقف أمام حدود الغيب. ومن أشهر ما قيل في هذا المجال أبيات أبي العلاء المعري التي يقرن فيها الطبيب بالمنجّم؛ لا ليهدم الطب، بل ليهزّ يقين الإنسان حين يتكلم عن المصير بمنطق القَطع. يقول المعري:
قالَ المُنَجِّمُ وَالطَبيبُ كِلاهُما
لا تُحشَرُ الأَجسادُ قُلتُ إِلَيكُما
إِن صَحَّ قَولُكُما فَلَستُ بِخاسِرٍ
أَو صَحَّ قَولي فَالخُسارُ عَلَيكُما
وفي الغزل العذري خصوصًا، يصبح الحب مرضًا كاملًا يعجز أمامه الطبيب. ومن أبرز الشواهد مقطع قيس بن الملوح (مجنون ليلى)، حيث يصف كيف تختلط عليه الصلاة من فرط حضورها في القلب، ثم يصرّح بعجز الطبيب:
أُصلّي فَلا أَدري إِذا ما ذكرتُها
اثنتين صلَّيتُ الضُّحى أَمْ ثَمانِيا
وما بي إشْراكٌ، ولكن حبُّها
وعِظَمُ الجَوى أَعيا الطَّبيبَ المُداوِيا
وعجُزُ البيت الأخير لا يعني انتقاصًا من الطب، بل إعلانًا أن بعض الأوجاع ليست في الجسد، بل في المعنى. والشعر يحب هذا النوع من المفارقة؛ لأن العشق يطلب دواءً من جنسه: لقاءً أو صبرًا أو نسيانًا، لا عقارًا.

تمثال أبو الطيب المتنبي في شارع المتنبي، بغداد.
أَلَحَّ عليَّ السُّقمُ حتّى أَلِفتُهُ
ومَلَّ طَبيبي جانِبي والعَوائِدُ
ويشيع أيضًا بيتٌ يُنسب إلى المتنبي في باب "الحكمة" الطبيّة المجازية:
لِكلِّ داءٍ دَواءٌ يُسْتَطَبُّ بِهِ
إِلاّ الحماقَةَ أَعْيَت مَن يُداويها
ليس الطبيب في الشعر دائمًا رمزًا فلسفيًّا أو غزليًّا، فأحيانًا هو جزء من يوميات المدينة. وثمّة قصيدة طريفة لأحمد شوقي يلتقط فيها "عيادة الدكتور محجوب" بتفاصيل ساخرة، لما فيها من حشرات!
بَراغيثُ مَحجوبٍ لَم أَنسَها
وَلَم أَنسَ ما طَعِمَت مِن دَمي
تَشُقُّ خراطيمُها جَورَبي
وَتَنفُذُ في اللحمِ والأَعظُمِ
هنا الطبيب حاضر من زاويةٍ غير متوقعة: زاوية المكان الشعبي، واللقطة اليومية التي تزيل الهالة وتُعيد المهنة إلى الأرض.
ومن ألطف ما قيل في "انقلاب الأدوار" بيتان لمحمود الوراق، يجعلان الطبيب نفسه عرضة للمصير الذي يقاومه:
وكم من مَريضٍ نَعاهُ الطَبيبُ
إلى نفسهِ وتَوَلّى كئيبا
فماتَ الطَبيبُ وعاشَ المريضُ
فَأَضحى إِلى الناسِ يَنعى الطَبيبَ
وفي الشعر الحديث، تزداد استعارة الطبيب كثافةً؛ لأن الإنسان الحديث يعيش وسط بحر من المفردات الطبية: المستشفى، التحاليل، المنع، الوصايا، ويتحوّل ذلك إلى مادة شعرية. عند نزار قباني مثلًا، تأتي "وصية الطبيب"أداةً ساخرة تكشف أن بعض الأوجاع لا يُشفى منها؛ لأن ثمن الشفاء باهظ معنويًّا حتى الاستحالة:
وصِيّةُ الطَّبيبِ لي
أن لا أقولَ الشِّعرَ عامًا كاملًا
ولا أرى عَينيكِ عامًا كاملًا
الله.. كم تَضحكني الوصيّة
وهكذا يتنقل الطبيب في الشعر العربي بين كونه مداويًا للجسد، وشاهدًا على عجز العلم، وشخصية اجتماعية يومية، ومجازًا لعلاج الروح والحب!
حين يتكلم الناس عن الطبيب في الأقوال المأثورة، فإنهم في الحقيقة يتكلمون عن خوفهم من المرض، ورجائهم في الشفاء، وامتنانهم لمن يقترب من الألم بلا نفور، وفي الوقت نفسه عن شكّهم القديم في سلطةٍ تمسّ أجسادهم وتطلب منهم الثقة. لذلك تأتي الأقوال متأرجحة بين المديح والعتاب، وبين الحكمة والسخرية، كأن المجتمع يكتب "ميثاقه الشعبي" مع مهنة الطب.
في جانب المديح، تميل الذاكرة الإنسانية إلى الاحتفاظ بما يرفع الطبيب من مجرد مُعالج إلى شريك في إنقاذ المعنى. هنا تلمع حكمة تُنسب إلى أبقراط: "حيثما يُحَبُّ فنُّ الطب، تُحَبُّ الإنسانية أيضًا".
ثم يأتي صوت الطبيب البريطاني وليم أوسلر، الذي صار أشبه بضميرٍ تدريسيّ في كليات الطب: "الطبيب الجيد يعالج المرض؛ والطبيب العظيم يعالج المريض الذي لديه المرض". وكأن الطبّ يذكّر نفسه بأن المرض لا يأتي وحدَه، بل يأتي ومعه تاريخ وخوف وظروف وحكاية.
لكن الوجه الآخر لا يقل حضورًا: السخرية التي تُطلقها المجتمعات حين تشعر أن الطبيب يمثل وعدًا أكبر من قدرته، أو حين ترى الأطباء مثل سائر البشر، يخطئون أو يتكسبون أو يغالون في الثقة. لذلك تُتداول مقولة الفيلسوف الفرنسي فولتير اللاذعة: "فنّ الطب يقوم على تسلية المريض بينما الطبيعة تشفي المرض". وهي ليست نفيًا لكل فائدة، بقدر ما هي تذكيرٌ بتاريخ طويل كان فيه الدواء محدودًا، وكانت التعزية أحيانًا نصف العلاج.
وفي سياق قريب، ولكن بلغة أشد خشونة، يُروى عن بنيامين فرانكلين قوله:
"الله يشفي، والطبيب يأخذ الأتعاب".
إنها جملة موجزة، لكنها تلخّص حساسية الناس من المال حين يدخل على خط الألم، حتى لو كان الطبيب يستحقه. وفي السياق نفسه، نذكر من الأقوال المأثورة: "عندما استلمت فاتورة استشفائي، عرفت لماذا كان الأطباء يغطون أوجههم بأقنعة". (الكاتب الساخر الأمريكي جيمس هـ. بورن).
"الطبيب النفسي هو رجل يلقي الكثير من الأسئلة باهظة الثمن والتي تلقيها زوجتك مجانًا". (صموئيل بيكيت).

لأن كثيرين باتوا يلجؤون إلى نماذج الذكاء الاصطناعي للحصول على استشارة طبية سريعة وسهلة ومجانية، وقد يصل الأمر بالبعض إلى حدّ التهور باعتماد أجوبة هذا النموذج أو ذاك وجعلها قرارًا طبيًّا حاسمًا. طرحنا على "تشات جي بي تي" سؤالًا ذا شقين:
هل أنت طبيب؟ أو هل يمكن أن تصبح يومًا طبيبًا، بحيث يستغني الناس عن الطبيب البشري؟ نرجو التوسع بالإجابة قدر ما تريد. فكان جوابه هو التالي:
"لستُ طبيبًا، ولا أحمل ترخيصًا طبيًّا، ولا يمكن اعتبار إجاباتي تشخيصًا أو علاجًا. أنا نموذج ذكاء اصطناعي قادر على شرح معلومات طبية عامة بلغة مبسطة، ومساعدتك على تنظيم أفكارك وأسئلتك للطبيب، وفهم التحاليل أو الأدوية عمومًا، والتنبيه إلى متى يلزم طلب رعاية عاجلة، لكنني لا أستطيع أن أؤدي دور الطبيب كما ينبغي أن يُؤدَّى في الواقع.
لماذا لستُ طبيبًا، حتى لو بدوتُ "عارفًا"؟
الطب ليس معلومات فقط. الطبيب يجمع بين:
قصة مرضية مفصّلة بأسئلة موجّهة بحسب الاحتمالات.
فحص سريري (علامات حيوية، فحص جسدي، مؤشرات لا تُلتقط بالكلام وحده).
تفسير سياق الشخص: العمر، الأمراض السابقة، الأدوية، الحساسية، نمط الحياة، العوامل الاجتماعية.
تحمّل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن قرار علاجي قد ينجح أو يضر.
متابعة الخطة وتعديلها بناءً على الاستجابة والآثار الجانبية.
أنا أستطيع أن أساعد في أجزاء من هذا، لكنني لا أملك الحواس ولا الوصول إلى جسم المريض ولا إلى ملفه الطبي الحقيقي، ولا أستطيع ضمان أن معلومات المستخدِم كاملة أو دقيقة. وحتى لو كانت كاملة، تبقى هناك فجوات لا يسدّها إلا الفحص والاختبارات والمتابعة.
ومع ذلك، سؤالك الأعمق ليس فقط: "هل أنت طبيب؟" بل: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح "طبيبًا" يومًا ما، بحيث يستغني الناس عن الطبيب البشري؟ هنا الإجابة تحتاج إلى تفصيل.
هناك مجالات يتفوق فيها الذكاء الاصطناعي أو يساعد بقوة، مثل:
أ- الفرز الأولي: هل هذه أعراض طارئة؟ هل تحتاج موعدًا قريبًا؟ ما العلامات الحمراء؟
ب- المساعدة في التشخيص التفريقي: اقتراح قائمة احتمالات (وليس تشخيصًا واحدًا) مع أسئلة تمييزية.
ت- قراءة الصور والفحوص (ضمن أنظمة متخصصة): كالأشعة، والأمراض الجلدية، والشبكية، وغالبًا هي أداة مساعدة لا بديل مطلق.
ث- تخفيف العبء الإداري: تلخيص الزيارات، وكتابة التقارير، واستخراج المعلومات من السجلات.
ج- التثقيف الصحي الشخصي: شرح المرض والخطة العلاجية بلغة يفهمها المريض.
ح- الطب الدقيق :(Precision medicine) تحليل كم هائل من البيانات لدعم قرارات معقدة (عند توفر بيانات موثوقة وإشراف اختصاصي).
هذه تطبيقات واقعية، وبعضها متقدم جدًّا، لكن الفكرة الأساس: الذكاء الاصطناعي ممتاز إذا كان مساعدًا، وأحياًنا ممتاز إذا كان مُدقِّقًا ثانيًا، لكنه ليس "طبيبًا مستقلًا" بالمعنى الكامل.

هناك عوائق جوهرية، ليست تقنية فقط:
أ- مشكلة "الثقة والمسؤولية": من يتحمل المسؤولية إذا حدث خطأ؟ الطب مجال عالي المخاطر: قرار واحد خاطئ قد يسبب ضررًا دائمًا. حتى لو كان الذكاء الاصطناعي غالبًا صحيحًا، الخطأ النادر قد يكون كارثيًّا.
ب- نقص المعلومات وجودة المدخلات: المريض قد ينسى أعراضًا مهمة، أو يبالغ، أو يخطئ في وصف الألم، أو لا يذكر دواءً يتناوله. الطبيب الماهر يلتقط أحيانًا تناقضات صغيرة عبر الحوار والفحص لا تظهر في النص.
ج- الفحص السريري واللمسة الإنسانية: الفحص ليس "كماليات"، بل قد يشكل أحيانًا فرقًا بين الحياة والموت (ضغط، نبض، علامات جفاف، تيبّس رقبة، ألم ارتدادي بالبطن، صفير بالرئة...). كذلك، كثير من العلاج هو علاقة وثقة واحتواء: شرح، طمأنة، قرار مشترك، دعم نفسي، ملاحظة اكتئاب أو قلق أو عنف منزلي... وهذه أمور يصعب استبدالها بالكامل.
د- الانحياز والأخطاء "المقنعة": نماذج الذكاء الاصطناعي قد تُنتج إجابات تبدو واثقة لكنها خاطئة. وفي الطب، الإجابة الواثقة الخاطئة خطرة؛ لأنها تُطمئن المريض أو تدفعه إلى مسار خاطئ.
هـ- الأخلاق والخصوصية والعدالة: تحتاج أنظمة الطب إلى حماية بيانات شديدة، ومعايير لمنع التمييز، وآليات اعتراض ومراجعة.
أيمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي "طبيبًا مرخّصًا" يومًا ما؟
ممكن نظريًّا، لكن غالبًا لن يحدث بصورة "استبدال كامل"، بل بالصورة التالية:
أ- مستويات استقلالية: كما في الطيران: "طيار آلي" قوي، لكن لا يزال هناك قائد ومراقبة وأنظمة أمان. قد نرى "عيادات رقمية" لحالات بسيطة ومتكررة (نزلات برد، حساسية موسمية، وصفات روتينية) مع بروتوكولات صارمة وتحويل سريع للطبيب عند الشك.
ب- ترخيص لأنظمة محددة لا لنموذج عام: بدلًا من "ذكاء اصطناعي طبيب لكل شيء"، سيكون هناك نظام معتمد لمهمة محددة: قراءة شبكية، اكتشاف سرطان جلد مبكر، اقتراح جرعات دواء معين... إلخ.
ت- الإشراف البشري سيبقى طويلًا: حتى لو أصبحت الدقة عالية جدًّا، ستبقى الحاجة إلى مسؤول بشري يراجع الحالات المعقدة أو الطارئة أو التي فيها مخاطر كبيرة.

كلفة دراسة الطب
تثير كُلفة دراسة الطب قلق كثير من الراغبين فيها وأهاليهم؛ نظرًا لارتفاعها مقارنةً بغيرها من التخصصات الجامعية. والواقع أن ما يدفعه الطالب يتبدّل جذريًّا وفق تنظيم المهنة في كل بلد: هل الطب برنامج جامعي مباشر، أم مسار يأتي بعد البكالوريوس؟ هل الدولة تموّل الجزء الأكبر من التعليم، أم تُحمِّله على الطالب؟ وهل الطالب مواطن، أم غير مواطن؟ لذلك لا توجد كلفة عالمية واحدة، بل خرائط متفاوتة تبدأ من بضع مئات من الدولارات سنويًّا وقد تصل إلى مئات الآلاف.
في الولايات المتحدة الأمريكية، يسبق الطبَّ عادةً مسارٌ جامعي أول (بكالوريوس)، ثم تأتي كلية الطب لمدة أربع سنوات. وتتكثف الكلفة عند مرحلة كلية الطب نفسها؛ إذ تشير أحدث بيانات "جمعية كليات الطب الأمريكية" إلى أن معدل تكلفة أربع سنوات يصل إلى نحو 297,745 دولارًا في الكليات الحكومية، وإلى نحو 408,150 دولارًا في الكليات الخاصة، وهي أرقام تشمل الرسوم وما يرتبط بها من تقديرات للمعيشة واللوازم خلال سنوات كلية الطب، من دون احتساب سنوات البكالوريوس السابقة.
وعلى الضفة الأخرى، في أنظمة أوروبية مثل فرنسا، تبدو الرسوم الدراسية منخفضة للغاية في الجامعات الحكومية؛ لأن الدولة تتحمل قسطًا كبيرًا من التمويل؛ إذ لا تتجاوز الرسوم الوطنية "بضع مئات من اليورو" سنويًّا، مما يعني أن العبء الأكبر على الطالب يكمن في كلفة المعيشة لا الرسوم.
أمَّا في المملكة المتحدة، فالطب غالبًا برنامجٌ مباشر يمتد من 5 إلى 6 سنوات. وتُحدَّد الرسوم للطلاب المحليين بنحو 9,535 جنيهًا إسترلينيًّا سنويًّا (في 2025م – 2026م)، في حين يقفز الرقم على الطلاب الأجانب إلى مستويات عالية جدًّا تختلف بحسب الجامعة. فمثلًا، تُظهر جداول الرسوم في إحدى الجامعات اللندنية أن رسوم برنامج الطب للأجانب تبلغ 46,400 جنيه سنويًّا، وهو ما يعني أن الفارق بين "مواطن" و"وغير مواطن" قد يصنع وحدَه فجوةً هائلة في إجمالي ما يدفعه الطالب، ويتكرر هذا التفاوت الكبير في كندا وأستراليا.
عربيًّا، تتفاوت الكلفة تبعًا لكون الدراسة في جامعة حكومية أو خاصة. ففي المملكة العربية السعودية مثلًا، تفرض إحدى الكليات الأهلية رسومًا قدرها 70,000 ريال سعودي سنويًّا لبرنامج الطب (يمتد في بعض المسارات إلى سبع سنوات)؛ أي ما يقارب 490,000 ريال رسومًا دراسية تراكمية، قبل حساب السكن والمعيشة والكتب والمستلزمات.
الخلاصة أن ما يدفعه الطالب لدراسة الطب يتحدد بثلاثة مفاتيح: هيكل المسار (مباشر أم بعد بكالوريوس)، وسياسة التمويل (حكومي أم خاص)، وصفة الطالب (مواطن أم غير مواطن). ولهذا، قد يبدو الطب في بلدٍ ما مكلفًا على نحوٍ صادم، في حين يبدو في بلدٍ آخر شبه مجاني. لكن الحقيقة، فالطب في كل الأحوال، وأينما كان، استثمار طويل في الوقت والجهد والقدرة على الاحتمال، بقدر ما هو استثمار في المال.
عبود طلعت عطية: كاتب ومُحرّر لبناني.