.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
المنارة، في جوهرها، تُمثّل الأمل بنورها الثابت الذي يخترق العواصف والضباب والظلمات ليهدي الأرواح التائهة إلى بر الأمان. وفي هذا الملف، يطوف بنا فريق القافلة على سواحل العالم، ليستكشف مناراته، وما كان لها من دور حضاري ترك بصماته على الثقافة الإنسانية.
المنارات أكثر من مجرد أدوات ملاحية بحرية؛ إذ تحوَّلت إلى رمز دخل بعمقٍ في نسيج الوعي البشري، فصِيغت حولها الأساطير التي تحدثت عن أبراجها المسكونة وحراسها الغامضين. كما تجسَّدت في عدد لا يُحصى من التعبيرات الإبداعية في الأدب والشعر والسينما والرسم وفن التصوير الفوتوغرافي التي غالبًا ما تُصوِّر المنارات بوصفها استعارات للأمل، والثبات، والاستنارة؛ بالتقاط حوار النور والظل، والصمود في وجه العواصف والرياح العاتية. وعلى الرغم من تطوُّر الملاحة الحديثة، تظل المنارة رمزًا ثقافيًّا قويًّا، وشاهدًا على شوقنا الدائم للضوء وسط العتمة، والملاذ الآمن الذي ينتظرنا خلف الأفق.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
في اللغة العربية، يعود أصل كلمة "منارة" إلى الجذر الثلاثي (ن و ر )؛ أي "نور"، وتعني مكان الضوء. وهي تدل على الشَّمْعَة ذات السِّراج، وأيضًا على ما يُقام في الموانئ لتهتديَ به السُّفُنُ، ولكنها تعني أيضًا المئذنة التي هي من أبرز المعالم المعمارية للمساجد.
تعود هذه التسمية إلى التشابه بين المئذنة والمنارة من حيث التصميم والارتفاع، إضافةً إلى الوظيفة العملية والرمزية لكل منهما. كانت المآذن في أيام العصور الإسلامية المبكرة تُستخدم بوصفها مناراتٍ فعليةً لإرشاد القوافل والسفن. ففي الجزيرة العربية ومناطق البحر المتوسط، كانت فكرة إشعال النار أو حمل الضوء من مكان مرتفع، قديمة ومُستخدمة لتوجيه الناس وقوافل التجار والسفن ليلًا، سواء عبر البر أو البحر. لذلك، فإن المآذن كانت نقاط إرشاد، تُضاء ليلًا لتنظيم حركة المارة والإشارة إلى مواعيد الصلوات المحددة، ولا سيما في المجتمعات التي لم يكُن انتقال الصوت عبر المسافات الطويلة بالأذان ممكنًا. أما من الناحية الرمزية، فقد تحوَّلت المئذنة إلى "منارة" روحية وفكرية، بحيث أصبح صوت الأذان المنبعث منها إشارةً تدعو القلوب نحو الصلاة والتقرُّب إلى الله، فتتحوَّل بذلك إلى رمز يربط بين المكان الروحي والنداء السماوي، ويعزِّز حضور العلاقة الروحية، ويُشعل شمعة الأمل والإيمان في نفوس المُصلِّين.
تُعدُّ منارة الإسكندرية، أو فنار الإسكندرية، أول منارة في التاريخ، وأحد أشهر رموز الحضارة الإنسانية، حتى عُدَّت إحدى عجائب الدنيا السبع. شُيّدت منارة الإسكندرية نحو عام 270 قبل الميلاد على جزيرة فاروس الواقعة قبالة ساحل مدينة الإسكندرية على البحر الأبيض المتوسط، بأمر من الملك بطليموس الأول، إذ كلّف المهندس المعماري الإغريقي سوستراتوس بتصميمها. فأصبحت أيقونة المنارات، حتى إن مصممها الإغريقي بات يُعرف بـ "أبي المنارات". ولم يعُد اسم جزيرة فاروس يشير إلى مجرد مكان جغرافي، بل أصبح مرادفًا لمنارةٍ أو فنارٍ في لغات أوروبية عديدة، ومنه اشتُق مصطلح "فارولوجيا" للدلالة على عِلم المنارات.
ارتفعت تلك المنارة إلى نحو 120 مترًا، وكانت مكوّنة من قاعدة مربعة تحتوي على نحو 300 غرفة، تليها طوابق مثمنة وأسطوانية تؤدي إلى قمة تحمل مصدر النور. في الليل، كانت تتضمن شعلةً نارية عملاقة تُرشد السفن وتحميها من الشعاب البحرية. أما في النهار، فكانت تحتوي على مرآة عاكسة لأشعة الشمس لرصد السفن من مسافات بعيدة. وقد شَهِد الرحَّالة ابن جبير في القرن الرابع عشر على قوة ضوء المنارة، حين ذكر مشاهدته لضوئها من مسافة تُقارب 100 كيلومتر. وقد مرَّت المنارة بسلسلة من الزلازل القوية بين القرنين العاشر والرابع عشر، حتى أزاحها زلزال عن مسرح الوجود عام 1323م، فخلَف المكان قلعةُ قايتباي التاريخية التي بُنيت بأحجارها، لتبقى روح المنارة متجددة في دروب الزمن.
أما أقدم المنارات التي ما زالت تعمل إلى يومنا هذا، فهي "برج هرقل"، المعروفة أيضًا بمنارة هرقل. فوفقًا للأسطورة، بُنيت هذه المنارة بتوجيهٍ من الرومان في مدينة لا كورونيا في شمال غرب إسبانيا، على موقع يُعتقد أنه جزء من الأعمال الاثني عشر للبطل اليوناني هرقل ؛ إذ يُقال إن هرقل قد هزم العملاق ذا الأجسام الثلاثة "جيريون" ، ومن هنا جاء اسم المنارة. يبلغ ارتفاع "برج هرقل" نحو 55 مترًا، ويقع على صخرة ترتفع 57 مترًا فوق سطح المحيط الأطلسي، وهو ما يسمح برؤية ضوئه من مسافات بعيدة. وتُعدُّ هذه المنارة أقدم منارة رومانية قائمة في العالم؛ إذ بُنيت في القرن الأول الميلادي، ولا تزال تعمل حتى يومنا هذا. وقد أدرجتها اليونيسكو ضمن مواقع التراث العالمي، وباتت اليوم مقصدًا للسيَّاح الذين يأتون لزيارة موقعها الأثري والاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلّابة المحيطة بها.
“
تعود كلمة منارة في العربية إلى الجذر (ن و ر)؛ فهي نورٌ للهداية،يبدأ من الشمعة، ويمتد إلى فنار البحر، ويعلو في مئذنة المسجد.
أما "منارة كرياك" الواقعة على جزيرة ويسان في محافظة بريتاني الفرنسية، المبنية عام 1863م، والبالغ ارتفاعها نحو 47 مترًا، فتشتهر بامتلاكها واحدًا من أقوى الأضواء في العالم؛ إذ تصل قوة ضوئها إلى 500 مليون كانديلا. ويسطع ضوؤها القوي لمسافة تصل إلى نحو 60 كيلومترًا، وهو ما يجعلها وسيلةً حيوية لمساعدة السفن في عبور مياه خليج الباسيفيك والمحيط الأطلسي، التي غالبًا ما تشكّل تحديات خطيرة للملاحة البحرية. أما ما يميِّز هذه المنارة ويُكسبها سمعةَ الضوء الأقوى بين جميع المنارات في العالم، فهو نظامها البصري المتطور المدموج مع تكنولوجيا الإضاءة عالية القوة، بحيث تستخدم أربع عدسات مرتبة بشكل فريد على طابقين، وهو ما يعزِّز تركيز الشعاع الضوئي وانتشاره.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
ليس الضوء المنبعث من المنارات مجرد توهج ساحر، بل هو لغة خاصة محمّلة بالرسائل المشفرة، تتحدّث إلى كل ناظر إليها من حيث شدة الضوء وألوانه وأنماط وميضه المميزة.
في العصور القديمة وطوال العصور الوسطى، كانت المنارات تؤدي وظيفتها عن طريق أنظمة بسيطة، مثل النيران في المواقد الموضوعة على أبراج أو على رافعات قابلة للتحريك. ولكن بمرور الزمن، أصبحت أكثر تطورًا وباتت أضواؤها أقوى وأكثر موثوقية. فكانت المواد الجديدة القابلة للاحتراق تؤدي دورها؛ إذ تطوَّرت من الخشب والفحم إلى الزيوت النباتية والحيوانية، وصولاً إلى الغاز والكهرباء في أواخر القرن التاسع عشر. وقد أدَّت التقنيات البصرية الجديدة، مثل العواكس والعدسات الخاصة، إلى تعظيم نطاق الضوء وشدّته من خلال توجيهه في اتجاهٍ واحد. فعندما اخترع الفيزيائي الفرنسي أوغوستين-جان فرينل، عام 1822م، عدسةً مركبة قادرة على التقاط مزيد من الضوء المائل من مصدره، أتاح لشعاع المنارة أن يكون مرئيًّا لمسافات أطول. ومن ثَمَّ، وبفضل نظام الدوران الكامل بزاوية 360 درجة الخاص بالمنارات الذي وضعه المهندس السويدي جوناس نوربرغ عام 1890م، ظهر الضوء في هيئة ومضات إيقاعية رغم استمراريته وثبات مصدره.
تأتي أضواء المنارات بألوان مختلفة، فتشمل الأبيض والأحمر والأخضر، ولكل لون دلالة ملاحية محددة. فالأبيض يدل على المياه الآمنة أو مركز الممرات الملاحية، في حين يُحذِّر الأحمر من الأخطار أو المناطق الخطرة. أما الأخضر، فيُشير عادةً إلى الجانب الأيسر من الممرات باتجاه المرفأ . وإضافةً إلى الألوان، تتمتع المنارات بأنماط ضوئية مميزة؛ إذ تُومض معظم المنارات بضوئها وتطفئه وفق نمط معين يُشكِّل هويتها الخاصة، ويُعرف باسم "طابع الضوء". أما المدة الزمنية التي يتكرر فيها هذا النمط، فتسمَّى "الفترة". ويُحدَّد عدد مرات تكرار "طابع الضوء" لكل منارة وفقًا لاتفاقيات دولية تُنظّمها "الهيئة الدولية لسلطات المنائر" في باريس، التي تضم أبرز الدول البحرية. ووفقًا لهذه الاتفاقيات، قد تُومض المنارة بفواصل زمنية، مثل: 5 ثوانٍ، أو 10 ثوانٍ، أو 15 ثانية، وتصدر ومضات ضوئية منظمة في مجموعات تتألّف من ومضتين أو ثلاث ومضات أو أربع، مع فترات توهُّجٍ واختفاءٍ بين الومضات، يليها انطفاء لفترة قصيرة قبل تكرار النمط، وهو ما يُعرف باسم "مجموعة ومضات الضوء" . وهناك نمط آخر يُعرف بـ "الأضواء المستترة"؛ إذ يبثُّ الضوءُ لحظةً، ثم ينطفئ مع استتار قصير بين فترات الإضاءة. كما توجد فئة خاصة تعتمد على إضاءة الضوء وإطفائه بالتناوب وبمدد متساوية.
بهذه الومضات المتنوعة تحوَّلت بعض إشارات المنارات إلى رموز شعرية ورومانسية؛ إذ يقال إن منارة "مينوت ليدج" في ولاية ماساتشوستس الأمريكية تُومض بالتسلسل الرقمي "1-4-3"، ويرمز شعبيًّا إلى عبارة: "أنا أحبك" نظرًا لتوافقها مع عدد حروف الكلمات لهذه الجملة؛ فـ "1" تُمثّل (I) "أنا"، و "4" تمثل (love) "أحب"، و"3" تمثل (You) "أنت". وسواء أكان ذلك مقصودًا أم لا، فقد أضفى ذلك بُعدًا من الغموض والرومانسية على إشارات كانت تُعدُّ تقنيةً بحتةً، وهو ما يعكس العلاقة العميقة بين الإنسان والبحر والعزلة والأمل الذي تمثّله هذه المنارات.
تبقى الإشارة إلى أن بعض المنارات، استَخدمت إلى جانب الإشارات الضوئية، الإشارات الصوتية أيضًا، مثل: الأجراس، والمدافع، وصفارات الإنذار، للتحذير من الضباب وتعزيز فعالية الضوء، ولا سيما في ظروف الرؤية الصعبة، بحيث تُشكِّل مع الإشارات الضوئية نظامًا متكاملًا يهدف إلى ضمان سلامة البحارة والمساعدة في توجيههم بأمان.
تتجاوز كلمة "منارة" معناها المباشر، إذ تحمل معاني ودلالاتٍ غنيةً في سياقات مختلفة.
أولًا: إن وظيفتها الأصلية بوصفها منارةً بحرية تُضيء الطريق وتمنح الأمان، يجعلها تمثّل الأمل والثبات في وجه الشدائد. فكما يضيء شعاع المنارة الطريق للسفن التائهة، تُستخدم كلمة "منارة" في الوصف المجازي لتُشير إلى الأشخاص أو الأماكن التي تُعدُّ مصدرًا للإشعاع الفكري أو الروحي أو الثقافي. فيُقال عن العلماء والمفكرين إنهم "منارات العِلم أو الفكر"، وعن المدن أو المؤسسات التي تُضيء دروب الناس "منارات الحضارة والتقدُّم".
ثانيًا: تُجسّد المنارة في عزلتها وصمودها رمزًا خالدًا يُحاكي تجربة الإنسان في مواجهة تقلبات الحياة وصعابها. فهي تقف شامخة وحيدة على الشواطئ والجزر والمنحدرات، عازفةً نشيد الصمت واليقظة في وجه الأمواج العاتية والرياح العاصفة. وهذه العزلة، التي قد تبدو للوهلة الأولى وحدة قاسية، تتحوّل في رمزية المنارة إلى مساحة للتأمل والتعمق؛ إذ تنمو القوة من داخل الوحدة، وينضج الصمود زهرةً تتفتح وسط صخور القسوة. فالمنارة، بهذا المفهوم، هي صورة للروح التي تواصل التألق على الرغم من العواصف، فلا تسمح لأي رياح أن تطفئ نورها، بل تزداد توهجًا كلّما اشتدت المحن.
ثالثًا: المنارة هي رمز للهداية الداخلية، وهي الضوء الذي يساعدنا في العثور على القيم والمبادئ التي نسير بها في الحياة، سواء أكان ذلك عبر إيمان روحي أم حكمة منيرة. فهي تدعونا لأن نثق بنورنا الداخلي الذي يقودنا خلال الأيام المظلمة نحو مستقبلٍ مشرق. ففي كل منارة قصةُ أمل، وفي كل شعاع وعدٌ بأن لا ظلمة تدوم إلى الأبد، وأن الهداية موجودة لمن يسعى إليها بلا كلل.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
تتناغم لغة المنارات الضوئية مع سحرها المعماري؛ إذ إن تلك الأبراج التي لطالما وقفت على أطراف القارات والجزر قرونًا من الزمن، وهي تُشكّل خطوط السواحل وتُحدد الحدود بين البر والبحر، تحوَّلت إلى رموز للجمال والجاذبية المعمارية الفريدة.
فعلى مرِّ العصور، اتسمت هندسة المنارات باتباع أشكال معمارية كلاسيكية تتمثّل غالبًا في الأبراج الأسطوانية أو المخروطية. فقد كان هذا التصميم مثاليًّا من الناحية العملية؛ إذ يُتيح الارتفاع الكافي لمصدر الضوء تغطيةَ دائرةِ رؤيةٍ واسعة تمتد إلى أميال بعيدة. وفي الوقت نفسه، فإن هذه الأبراج تتميز بمتانتها وصلابتها، وهو ما يجعلها قادرة على تحمُّل الظروف الجوية والبحرية القاسية.
تشكّلت تصاميم المنارات وفق قيود تفرضها عليها مواقعها المعزولة أمام البحار، فاستُخدمت فيها أكثر المواد متانةً، مثل: الطوب والحجر والحديد الزهر والخرسانة المسلحة؛ لتتحدّى الرياح والعواصف والأمواج العاتية. أما ألوانها الخارجية، فلا تقتصر على الزينة فحسب، بل تخدم أغراضًا ملاحية مهمة؛ إذ تساعد أنماطُ الطلاء المميزة البحَّارةَ على تحديد منارات معينة عن بُعد. لذلك، كانت تُطلى بألوان تتباين مع محيطها، فيُعدُّ الأبيض الساطع والأحمر والأسود خيارات شائعة لضمان الرؤية على خلفية المحيط أو الساحل. كما يتميز عديد من المنارات بخطوط أو مربعات أو أنماط أخرى تُضفي عليها دلالات بصرية إضافية. فعلى سبيل المثال، تشتهر منارة "كيب هاتيراس" في ولاية نورث كارولينا الأمريكية بنمطها الحلزوني بالأبيض والأسود الذي تحوَّل إلى رمز تراثي للنشاط البحري.
وفي القرن الثامن عشر، تميَّزت هندسة المنارات بذكاء تصميمها، ولا سيما تلك التي أشرف عليها المهندس الإنجليزي جون سميتون ، الذي استوحى تصميم منارة "إديستون" في بريطانيا من شجرة البلوط، وهو ما أتاح قاعدةً واسعة تتناقص نحو القمة لموازنة الثبات مع الارتفاع. وقد استُخدما فيها تقنيات مبتكرة، مثل ترصيص الحجارة المتشابكة والجير الهيدروليكي المفعل بالماء، وهو ما عزَّز من متانة المنارة وأصبحت نموذجًا للبناء المتين الذي يتحمّل تقلبات المحيط والعواصف. ومع حلول القرن التاسع عشر، طرأ تقدُّم معماري آخر، وهو دخول التكنولوجيا البصرية الحديثة، كالعدسة المركبة "فريسنل " التي تطلبت تصميم غرف منارة زجاجية على القمة تسمح بإطلاق حزم ضوئية قوية. فكانت هذه الغرف غالبًا مزخرفةً ومدعومةً بهياكل معدنية مُزجَّجة تشبه الجواهر المتلألئة فوق المنارة، وهو ما أسهم في خلق دراما بصرية رائعة بين الأبراج المتينة والقمم الرقيقة التي تبعث الضوء.
ولكن الأمر اختلف قليلًا في العصر الحديث، بحيث اتخذت عمارة المنارات مسارًا أبسط وأكثر عصرية، مقارنةً بمنارات الماضي، فتميَّزت بخطوطها النظيفة وتصاميمها الأنيقة، واستخدامها لمواد مبتكرة تجمع بين الجمال والعملية.
والمنارات، إلى جانب طابعها المعماري، تتفاعل بتناغمٍ فريدٍ مع بيئتها؛ إذ تُشيَّد غالبًا فوق منحدرات شاهقة، أو جزر نائية، أو أراضٍ مرتفعة، لتشكِّل خلفية طبيعية درامية تواجه البحر أو السماء. كما أن أشكال المنارات تعكس أحيانًا ملامح الطبيعة المحيطة، عندما تناقض بأناقتها خشونة الصخور أو تعرجات الشواطئ، وهو ما يجعل الهيكل نفسه جزءًا حيًّا من محيطه، يحكي قصص الصمود والإرشاد.
.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
على اليمين: منارة جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وعلى اليسار: منارة جدة التي تُعد الأطول في العالم.
تُعدُّ منطقة الخليج العربي موطنًا لعدد من المنارات المميزة التي تمزج بين الأهمية التاريخية والتفرد المعماري والوظائف البحرية الحيوية. فهي ترشد السفن عبر مياه الخليج العربي والبحر الأحمر، في الوقت الذي تشكِّل فيه علامات ثقافية تعكس التراث البحري والتطورات الحديثة في المنطقة.
في المملكة العربية السعودية، إضافةً إلى منارة "جدّة" الشهيرة، المذكورة آنفًا، هناك منارات عديدة على طول ساحل البحر الأحمر، منها: منارة جزيرة سيلة قرب المويلح، ومنارة شعاب شرمو بالقرب من ينبع ، ومنارة جازان في الجزء الجنوبي من المملكة. وهذه المنارات، على الرغم من أنها ليست مرتفعة وبارزة هندسيًّا مثل منارة "جدّة "، فإنها تؤدّي أدوارًا حيوية في تحديد المياه الصالحة للملاحة، والشعاب، والضفاف، لحماية السفن من المناطق الخطرة. فعلى سبيل المثال، توجّه منارة "شعاب شرمو" السفن التي تُبحر في المياه الملأى بالشعاب المرجانية قرب ينبع ، وهي مهمة لضمان مرور آمنٍ عبر هذا الميناء التجاري الحيوي.
وفي الكويت، تُعدُّ منارة "ميناء الشويخ" من المعالم التاريخية التي تعكس الطراز المعماري المميز للمنارات في أوائل القرن العشرين. وقد شُيّدت هذه المنارة لمساندة الملاحة في ميناء الكويت الحيوي، الذي شهد تطورًا سريعًا وازدهارًا كبيرًا بفضل تجارة النفط، وهو ما يجعلها رمزًا يربط بين التراث البحري العريق والتقدُّم الصناعي الحديث في البلاد.
أما سلطنة عُمان، فتمتاز بسواحلها الوعرة التي تحتضن مجموعة من المنارات الخلابة التي تجسّد روح الحضارة البحرية العمانية العميقة عبر القرون. ومن أبرزها: منارة "رأس الحد"، الواقعة على الطرف الشرقي لشبه الجزيرة العربية، التي تحتل موقعًا إستراتيجيًّا بالقرب من محميات تعشيش السلاحف؛ حيث تمتزج بنيتها الحديدية الشبكية مع أحدث تقنيات الإضاءة لخدمة طرق الملاحة البحرية الحيوية في مضيق هرمز. وهناك منارة "ديدامار"، التي بُنيت عام 1914م على جزيرة ديدامار في المضيق نفسه، والتي تُعدُّ أول منارة في السلطنة، وتتميَّز بنظام إضاءة قوي يصدر ومضتين مضيئتين مكثفتين كل 10 ثوانٍ، وهو ما يمنحها هوية بصرية مميزة لكي تحافظ على أمان الملاحة في هذا الممر البحري المهم.

المنارة في الآداب والفنون
أبعادها الروحية في الأساطير القديمة
في الثقافات البحرية القديمة، كانت المنارات تُعدُّ، في كثير من الأحيان، هياكل مقدسة، حيث تتلاشى الحدود بين الأرضي والروحي، وكان يُنظر إلى الضوء نفسه على أنه تجسيد لقوة أعلى، أو شعلة أثيرية تربط البحَّارة بالآلهة أو العوالم الأخرى. فكانت منارة الإسكندرية الأسطورية، إحدى عجائب الدنيا السبع، أكثر من مجرد تحفة معمارية؛ إذ كان يُعتقد أنها تحوي أرواحًا تُبارك السفن وتحميها من الأخطار. وكانت الروايات تهمس بأن من يُسيطر على نورها يتحكَّم في البحر والمصير، ويكون وسيطًا بين البشر وما هو مُقدَّس.
وتُقدِّم الأساطير الأوروبية الشمالية تصوراتٍ حيةً للنور بوصفه مرشدًا إلهيًّا عبر محيطات واسعة مظلمة. فكانت النيران المشتعلة داخل المنارات القديمة تُستخدَم إشاراتٍ للبحَّارة الذين يعبرون مياهًا خطِرة زاخرة بالأعاصير. وكان يُعتقد أن هذه النيران قد أوقدتها آلهة أو أرواح تنشر البركات والحماية.
وتتميّز ثقافات أخرى بنماذج مشابهة؛ ففي الفولكلور الياباني، تُعدُّ المنارات الساحلية بوابات إلى عالم الأرواح؛ إذ يعمل ضوؤها الوهّاج قنواتِ تواصلٍ بين الأحياء والأموات، فتصبح المنارة عتبةً روحيةً تربط بين عالَمين بإيقاع منتظم، مقدِّمةً العزاء للأرواح التائهة وللأحياء على حدٍّ سواء.

لوحة "منارة ساندي هوك" للأمريكي إدوارد موران في (1876م).
قصة أخرى تأتي من "منارة تيفينيك" في بريتاني الفرنسية، الواقعة في مياه "را دو سين" الغادرة المعروفة بتياراتها القاتلة، واكتسبت سمعة سيئة بأنها "بوابة الجحيم". بدأت القصة مع حارس المنارة الأول، الذي أُصيب بالجنون بسبب أصوات تطالبه بمغادرة الجزيرة، ثمَّ لقي خليفته مصيرًا مشابهًا، وهو ما أسهم في نسج الأساطير المحلية التي أفادت بأن الجزيرة كانت مسكونة بـ "أنكو"، المخلوق الأسطوري الذي يرمز إلى الموت، ويُعتقد أنه يجمع أرواح البحَّارة الذين جرفتهم التيارات المائية العنيفة.
وإضافةً إلى ذلك، يمتد التداخل بين الأسطورة وصورة المنارة إلى ما يتجاوز الحدود البحرية ليشمل العوالم النفسية والروحية. فقد رأى المحلل النفسي المعروف، كارل يونغ، في المنارة نموذجًا نمطيًّا قويًّا للذات؛ إذ تُمثّل نورًا داخليًّا هادئًا ينير ظلمات اللاوعي. فكما تصمد المنارة في مواجهة البحر العاصف، تضيء الذات طريقها وسط فوضى المشاعر والصراعات الداخلية، معبرةً عن الأمل والوضوح والكمال. وهذا الجانب الرمزي يفسّر استمرار حضور المنارات في الأساطير؛ إذ إنها لا تجسّد الهداية الخارجية فحسب، بل ترمز أيضًا إلى رحلة التحوُّل والنمو الداخلي.

لوحة "منارة بيل روك" للإنجليزي تورنر (1819م).
في الفن التشكيلي.. رمز الثبات والنور وسط الطبيعة الغادرة والموحشة
كما يتجاوز الحضورُ الغامض للمنارة الأساطيرَ والفولكلور الشعبي، فهي تحضر أيضًا في مجالي الرسم والتصوير بأبعادٍ رمزية غنية. ففي عالم الرسم، وعلى مدى قرونٍ، كانت المنارات نقاط جذب بصرية ذات تأثير درامي قوي، بحيث تُبرِز التناقض بين صلابة هذه المنشآت وثباتها، وبين حركة البحر والسماء المتغيرة والمتقلبة التي تحيط بها.
من أشهر الأعمال الفنية التي جسّدت هذه الرمزية، لوحة "منارة بيل روك" للرسام الإنجليزي جوزيف مالورد وليم تورنر (1819م)، وتُعدُّ من أشهر لوحات المنارات على الإطلاق. فهي تُصوِّر المنارة وسط بحار عاتية، معبرةً عن أنشودةِ قوة الطبيعة وعظمة الهندسة البشرية والشجاعة. فقد استخدم "تورنر" الضوء والجو العاصف ليخلق إحساسًا هو مزيج بين الرهبة والطمأنينة. وقد واصل فنانون آخرون هذا التقليد، مثل الرسام الأمريكي إدوارد موران في لوحة "منارة ساندي هوك" (1876م)، والألماني كارل بليشن في "بحر عاصف مع منارة" (1826م)، من خلال تصوير دور المنارة وسط أجواء طبيعية درامية، مع التركيز على التباين بين الضوء والظل، والهدوء والعاصفة، والخطر والنجاة.

لوحة "بحر عاصف مع منارة" للألماني كارل بليشن ( 1826م).
وفي عالم التصوير الفوتوغرافي، تظل المنارات موضوعًا غنيًّا ومتجدّدًا يلتقط أجواءً متعددة ويتناول هوية المكان وتفاعل الضوء مع البيئة الطبيعية. وينجذب المصورون باهتمامٍ عميقٍ إلى التفاصيل المعمارية الفريدة التي تتمتع بها المنارات، وكيف يتسرَّب الضوء من داخلها ليسقط على المحيط، مولّدًا مشاهد خلاّبة تنسجم فيها المنشآت المادية مع الاتساع الطبيعي الساحلي.
وعلى عكس اللوحات التي تمنح الفنان حرية التعبير العاطفي والتفسيري، تحفظ الصور الفوتوغرافية لحظاتٍ معينةً من الزمن، تُبرز حوار المنارة المستمر مع محيطها، سواءً في ضوء الفجر الخافت الذي يُنير البرج الساحلي، أو في الظلال البارزة لمنارةٍ تُحاكي أشعة غروب درامي. ويُعدُّ المصور الفرنسي جان غيشارد، من أشهر المصورين في مجال تصوير المنارات؛ إذ يشتهر بصورة درامية التقطها عام 1989م لمنارة "لا جومونت" وسط عاصفة عنيفة، حيث جسَّدت لحظة نادرة وقوية لموجة عملاقة تضرب المنارة، وهو ما جعلها من أشهر صور المنارات في العالم. وتمكن غيشارد من التقاط هذه اللحظة النادرة من طائرة مروحية، مع تضمين أحد حراس المنارة في المشهد، ما أضفى عليها بُعدًا إنسانيًّا وقصة بقاء مدهشة. مُصوِّرُ منارات بارز آخر، هو جوشوا نوويكي، المعروف بتوثيقه لعظمة "منارات ميشيغان التاريخية" وسحرها بعيون حريصة على التقاط الضوء الطبيعي والظروف الجوية الدرامية، فتُبرز أعماله تفرُّد الهندسة المعمارية والمزاج الجوي لتلك المعالم الساحلية، وهو ما أكسبه تقديرًا واسعًا في مجتمعات السياحة والطبيعة.

من اليمين: أحمد شوقي، محمود البريكان، محمد العلي، هنري وادزورث لونغفيلو.
تنوّعت استخدامات المنارة (الفنار) في الشعر العربي المعاصر تحديدًا؛ إذ يكاد الشعر القديم يخلو من توظيف هذه المفردة المستحدثة نسبيًّا. وقد عمد الشعراء المعاصرون إلى توظيفها في قصائدهم، تارةً بمعناها المباشر المرتبط بالبحر، حيث تهدي البحّارة التائهين إلى السواحل، وتاراتٍ أخرى بمعناها الرمزي بدلالاته المتعددة، تبعًا لزاوية توظيف الشاعر لها في نصِّه.
فعلى سبيل المثال، يستعيد أحمد شوقي في منفاه بالأندلس، في قصيدته "غربة وحنين للوطن"، صورة الفنار الشامخ في حي المكس بالإسكندرية، ذلك الفنار الذي ظلّ شاهدًا على تاريخ المدينة لأكثر من 120 عامًا، فيقول:
"نفسي مرجلٌ، وقلبي شراعٌ
بهما في الضلوعِ سيري وأرسي
واجعلي وجهَكِ الفنارَ ومجراكِ
يدَ الثغرِ بين رملٍ ومَكسِ".
أما الشاعر العراقي محمود البريكان، فقد كتب قصيدته الشهيرة "حارس الفنار"، يصوّر فيها بشاعرية عالية على لسان الحارس، ترقّبه الطويل لـ "الزائر المجهول" القادم من أمواج البعيد، المُبحِر في التيه:
"أعددتُ مائدتي وهيّأتُ الكؤوس،
متى يجيء الزائر المجهول؟
أوقدتُ القناديلَ الصغار ببقية الزيت المضيء،
فهل يطول الانتظار؟".
ويقدّم البريكان حارسَ الفنار بوصفه شاهدًا على أحداث كثيرة؛ الموتى والتائهين، والقراصنة وسفنهم الغارقة بسبائك الذهب اللامعة في العيون، فيقول:
"هو التيه المجرّد في العراء..
أتذكّر الموتى ولون دموعهم في الزمهرير..
أتذكّر الأموات والسفن الغريقة والكنوز
وسبائك الذهب المصفّى والعيون اللامعات..
وتقرّ أسلحةُ القراصنة الكبار...
يا طالما أسريتُ عبر الليل أحفر في القرار".
أما الشاعر السعودي محمد العلي، فيغوص أعمق في قصيدته "فنار"؛ إذ يؤنسن هذا الكائن الشامخ على البحر، ويمنحه روحًا تتهادى فيها الأساطير القديمة على صفحات الموج، وينزف من قلبه الضوء للعابرين:
"واقفٌ يتهجّى الأساطيرَ في لغةِ الموج
يتمَلّى الزحافَ الذي لا يكاد يبين على رقصه حين تعدو الرياح
وينزف من قلبه لمحاتٍ من الضوء والشوق للقادمين".
كما يُصوِّره وهو يبكي خفيةً على غرقى البحار، وتتكحّل عيناه بفرح الماء حين يقطر من ريش النوارس التي تمر من حوله:
"تمرّ النوارس من حوله، فيكحِّل عينيه من فرح الماء يقطر من ريشها".
ثم يختم العلي نصَّه بجعل الفنار مماثلًا للشاعر في وحدته وغربته، متسائلًا بدهشةٍ عن قدرته على الوقوف صامدًا بلا أمل:
"قل لي الآن، كيف تُجيد الوقوف بلا أمل مثل نخلة؟ أيها الشاعر المتوحِّد".
وكذلك كتب الشاعر الأمريكي هنري وادزورث لونغفيلو، أحد أبرز شعراء القرن التاسع عشر، قصيدة كاملة بعنوان "المنارة" (The Lighthouse)، يصف فيها ذلك البنيان الهائل بأنه عمود من نار ليلًا، وعمود من سحاب نهارًا:
"يمتد ذلك الجرف الصخري بعيدًا في البحر،
وعلى رأسه الخارجي، على بُعد أميال، ترفع المنارة بنيانها الهائل:
عمود من نار ليلًا، ومن سحاب نهارًا".
ويُبرز "لونغفيلو" فرح السفن حين ترى نورها يشعل الأفق:
"والسفن العظام تمضي وتعود.. ودائمًا تبتهج حين ترى نورها يشتعل".
أما في عالم الروايات، فتتعدّد الدلالات وتتسع دوائر التأمّل الفلسفي في كثير من الأعمال. ولعل أحد أشهر النصوص التي جعلت المنارة محورًا رئيسًا تدور حوله الحبكة، هي رواية "إلى المنارة" للكاتبة الإنجليزية البارزة في القرن العشرين، فرجينيا وولف.
تتمحور الرواية حول عائلة "رامزي" التي تعيش على جزيرة في إسكتلندا، وتبدأ تعقيدات الحكاية، بكل حمولاتها التأملية والفلسفية، حين يُبدي أحد الأطفال رغبة في زيارة المنارة، لكن والده، "السيد رامزي"، يعترض متعذرًا بسبب سوء الأحوال الجوية. ومن خلال ثلاثة فصول تمثّل ثلاث مراحل زمنية مختلفة، نُصغي للأصوات الداخلية لأفراد العائلة وضيوفهم، بكل ما تحمله من تأملات ذاتية وتقاطعات نفسية وفكرية.
وتبرز في الرواية دلالة رمزية مهمة تتمثّل في شخصية "ليلي بريسكو"، الصديقة المقرّبة للعائلة والفنّانة التي ظلّت تكافح لإنجاز لوحتها المستعصية على الإلهام. ولم تكتمل لوحتها إلا في اللحظة نفسها التي يصل فيها أبناء "السيد رامزي" أخيرًا إلى المنارة في خاتمة الرواية (أي بعد عشر سنوات من أحداث الجزء الأول)، في توازٍ رمزي بين اكتمال الرحلة الخارجية واكتمال الرؤية الفنية.
وفي الأدب العربي، لا تخلو المنارة كذلك من الحضور في عدد من الأعمال الروائية والقصصية. فعلى سبيل المثال، رواية "حارس المنارة" التي تمتاز ببناء واقعي يحمل إسقاطات رمزية عديدة تدفع القارئ إلى التأمل. تدور أحداث الرواية حول شاب استيقظ بعد أيام من فقدان الوعي في قبو المنارة، وكل ما يعلمه، بعد أن أفاق، هو ما أخبره به والده بأن أهل القرية بحثوا عنه طويلًا حتى وجدوه مقيّدًا في القبو وجسده مغطًّى بالكدمات. ومن هنا، تبدأ رحلة السرد لكشف الملابسات التي قادته إلى تلك الحالة؛ إذ يأخذنا الكاتب إلى أعماق عالمه الداخلي، متتبعًا آثار الصدمات والظروف التي انعكست على واقعه، في عالمٍ تغيب عنه العدالة الاجتماعية التي تُشكّل محور الرواية.

في ظلمات البحار الحالِكة، وأمواجِها العالية وقسوة عواصفها العنيفة، وبردها القارس، يتطلّع البحّارة في السفن إلى ضوء المناراتِ الذي يشقّ الظلام، إيذانًا بنهاية التيه، ومعلنًا عن اقتراب الوصول، وموجّهًا نحو البر الآمن. المنارة هي الدليل، وهي الملاذ، وهي الأمل بنهاية كل عذابات البَحر؛ وبفضل هذا صارت المنارات رمزًا للأمان وكناية عن الدليل الذي يبدد الخوف وينهي التيه في المجهول.
غير أن وجهها في السينما كان مختلفًا عن هذه الرمزيات التي تحمل معاني السلام والطمأنينة بعد الخوف؛ إذ إن كثيرًا من السينمائيين اختاروا تشريح المنارة وتفكيك رمزياتها، وأعادوا تركيبها من جديد في صورة مغايرة.

مشهد من فِلم "المنارة" (2019 م).
فِلمُ الرعب الذي يقدّم أشكالًا مختلفة من الظلام النفسي، يبدأ بوصول عامِلين هما "ويك" (ويليام دافو) و"وينسلو" (روبرت باتينسون)، إلى جزيرة صغيرة مقفرة لإدارة وحراسة المنارة القديمة التي تنتصب على الشاطئ. وعلى مدار أيام وليالٍ طويلة من العزلة، يعملان، ويأكلان، ويشربان، وينبشان في حياة بعضهما، مؤسسين حالة من العداء الحاد المتولّدِ من اختلاف الطباع والملل. في الفِلم تعوي الرياح، وتتجول الكاميرا ببطء، ويزأر البحر، ويستعرض "إيغرز" قدراته السينمائية المذهلة عبر السيطرة على المَشَاهِد، واستخدام إضاءة تعبيرية، وإطار سينمائي مربع قديم الطراز يزيد من الشعور برهاب الأماكن الضيقة، ويطمس بسلاسة الخطوط الفاصلة بين الحيزين المادي والذهني.
تتحوَّل حياة الرجلين داخل المنارة إلى متاهةٍ متكاملة الأركان، يضيع فيها كلاهما، فيما النور الذي يدلّ التائهين فوقهما يصبح سرابًا لا يمكن الوصول إليه، ولن يهدي أيًّا منهما إلى الرشد أو الصواب.

مشهد من فِلم "جزيرة شاتر" (2010م).
ومع تقدّم الأحداث في الفِلم يدخل المشاهِد إلى المتاهة التي وجد البطل نفسه فيها، يغيب مفهوم الحقيقة ويتلاشى تمامًا، فكل ما يعيشه البطل من أحداثٍ قد يكون مؤامرة دبرها مديرو المصحة، أو ربما يكون قد فقد عقله بالفعل، وكل ما يراه مجرد أوهامٍ.
وكما لو كان مُبحرًا في ظلام ليلٍ حالك، تظهرُ المنارة في الفِلم ملاذًا للبطل من جحيم الجزيرة، فيتجه إليها لكشف الأسرار والخروج من المتاهة التي وجد نفسه فيها، غير أن المنارة لن تقدّم له إلا تيهًا يُضاف إلى التيه الذي تورّط فيه، فلا حقيقة تُكشف، ولا مأساة تنتهي، ولا أمان يجد.
وفي الفِلم الكلاسيكي "صخرة الرعد" (Thunder Rock) (1942م) للمخرج الإنجليزي روي بولتينغ، تأخذ المنارة شكلًا آخر، غير بعيد عن الذهن والصراعات التي تدور داخله؛ إذ تصير مساحة للتأمل الفلسفي ومواجهة الماضي وخيارات الحياة. يفرّ إليها البطل من ضجيج العالم وويلات الحرب، ناشدًا العزلة والسكينة.
المنارة، هذا البناء الذي يصوّره الفِلم واقفًا بكل شموخ على صخرة شاهقة مطلّة على البحيرة الشاسعة، يفشل في أن يوفر للحارس ما جاء في طلبه، وإنما يضعه وجهًا لوجه مع أرواح غابرة تستوطن خياله وتُجبره على مراجعة خياراته الأخلاقية.
يعتمد العالم البحري اليوم، إلى حدٍّ بعيد، على أنظمة ملاحة إلكترونية متطورة، مثل: نظام تحديد المواقع العالمي، والمساعدات الملاحية المضيئة، والعوامات، ومنارات الاستجابة الرادارية، وأنظمة التعريف الآلي والخرائط البحرية. وتوفر هذه التقنيات تحديدًا دقيقًا للمواقع، وتقدّم بيانات لحظية، وهو ما يقلل الاعتماد على العلامات الفيزيائية؛ إذ يمكن للسفن الآن رسم مسارها بدقة متناهية، بغض النظر عن حالة الطقس أو الرؤية، وهو ما يُوحي بأن المنارات قد أصبحت بلا فائدة، أي مجرد هياكل تجاوزها الزمن.
ولكن، على الرغم من ذلك، هناك أسباب قوية تجعل المنارات تحتفظ بقيمتها الوظيفية. أولًا، الأنظمة الإلكترونية ليست معصومة من الخطأ؛ إذ قد تفشل بسبب أعطال تقنية، أو تشويش على الإشارات، أو هجمات إلكترونية. وفي مثل هذه الحالات، تعمل المنارات بوصفها شبكة أمان احتياطية، فتقدّم إشارات بصرية حاسمة لتجنب الكوارث. ثانيًا، تساعد المنارات السفنَ الصغيرة، والقوارب الترفيهية، وأساطيل الصيد، التي قد تفتقر إلى معدات ملاحية إلكترونية متطورة؛ إذ ليس لدى كل البحَّارة وصولٌ إلى أحدث مبتكرات التكنولوجيا، وهو ما يُبقي إشارات الضوء التقليدية ذات صلة، ولا سيما في المناطق النائية التي تفتقر إلى البنية التحتية الرقمية.
إضافةً إلى ذلك، فإن طبيعة البيئة والمناخ تدعم استمرار فائدة المنارات؛ إذ يمكن للضباب الساحلي، والعواصف، والشذوذات المغناطيسية، أن تعطّل الملاحة الإلكترونية. وفي مثل هذه الظروف الجوية الصعبة، يكون شعاع المنارة الذي يخترق الضباب مساعدًا فعّالًا لا يمكن للتكنولوجيا استبداله بالكامل. كما أن العوامل البيئية والاقتصادية تؤثر أيضًا في بقاء المنارات قيد التشغيل. فكثير من الدول أتمتَت مناراتها، وهو ما خفّض من تكاليفها مع الحفاظ على وظيفتها الأصلية، ولا سيما أن إيقاف تشغيلها تمامًا قد يؤثر في النسيج الاجتماعي والثقافي المرتبط بهذه المعالم البحرية.
ومع ذلك، فقد حُوّلت عديد من المنارات المتوقفة عن العمل إلى متاحف، أو معارض فنية، أو دُور ضيافة، مستفيدةً من مناظرها الآسرة، وتصميماتها الداخلية المُدمجة، ومواقعها المُثيرة. ففي إسبانيا، مثلًا، أصبحت منارة "فارو كابو"، في سانتاندير، مركزًا للفن المعاصر. وفي أستراليا، تحوَّلت منارة "كيب أوتواي" إلى موقع تراثي ومساحة تعليمية. وفي النرويج، أصبحت منارة "ريفينغن" متاحة للجمهور بوصفها جزءًا من شبكة أوسع من الأصول الثقافية الساحلية.
وهناك منارات أخرى في العالم أصبحت معالم جذب سياحي لما تشتهر به من أهمية تاريخية، وهندسة معمارية فريدة، ومواقع ذات مناظر الخلابة. والأمثلة على ذلك عديدة، من بينها: منارة "تورليتيس" في اليونان التي تتميز بموقعها على جزيرة صخرية أمام ميناء أندروس؛ ومنارة "كيب بوينت" في جنوب إفريقيا التي تقع على منحدرات وعرة، وتوفر إطلالات بانورامية رائعة على المحيط؛ إضافةً إلى "منارة مقديشو" الأثرية التي هي رمزٌ تاريخي مهمّ في مدينة مقديشو عاصمة الصومال، بحيث تُعدُّ واحدة من أقدم الموانئ الإسلامية وأعظمها في شرق إفريقيا.

- كانت منارة ساوث فورلاند في مقاطعة "كنت" في إنجلترا، أول منارة في العالم تستخدم الكهرباء لإضاءة نورها، وذلك عام 1858م.
- قديمًا كان على حراس المنارات إعادة لف آليات الساعات يدويًّا كل 20 إلى 30 دقيقة لضمان استمرار وميض ضوء المنارة بثبات ودقة.
- منذ عام 1948م، بدأت قوة الضوء في المنارات تُقاس بوحدة دولية تُعرف باسم "كانديلا"(candela) ، وهي وحدة قياس رئيسة في النظام الدولي للوحدات تُستخدم لقياس شدة الإضاءة أو (الشدة الضيائية) في اتجاه معين. وفي وقتنا الحالي، تُراوح القوة الضوئية للمنارات الحديثة بين عشرات الآلاف وملايين كانديلا، وذلك بحسب الظروف الجوية السائدة ومتطلبات الرؤية لحركة الملاحة البحرية في المنطقة المعنية.
- الشكلُ الفريد لمنارة جزيرة جيجو في كوريا الجنوبية، التي صُمّمت على هيئة الحصان، جعل منها أكبر منارة على شكل حيوان في العالم.
- استخدم تمثال الحرية بوصفه أول منارة في أمريكا تعمل بالكهرباء في عام 1886م.
- بُنيت غالبية المنارات خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، وهي فترة تُعرف غالبًا بالعصر الذهبي للمنارات الحديثة. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ارتفع عدد المنارات كثيرًا، من 16 منارة فقط عام 1840م، إلى نحو 1,500 منارة بحلول عام 1940م. وشهدت أوروبا نموًّا ملحوظًا في عدد المنارات، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تحتفظ بالمركز الأول عالميًّا من حيث العدد الإجمالي للمنارات حتى يومنا هذا.