
إنه التجسيد المادي لرغبتنا في الصعود إلى ما هو أعلى، مع ما يكتنف ذلك من خطر السقوط الدائم.
وإن بدا السلّم مجرد عنصر معماري مألوف، وسلسلة بسيطة من الدرجات المصمّمة للتغلب على الجاذبية وربط مستويات متباينة، فإن وراء هذه البساطة الوظيفية يكمن أثر ثقافي عميق مندمج في التاريخ البشري والخيال لآلاف السنين. فمن زقورات بلاد ما بين النهرين القديمة إلى السلالم الحلزونية الزجاجية العائمة في ناطحات السحاب الحديثة، لم يكن السلّم يومًا مجرد وسيلة للتنقل، بل هو رمز قوي للارتقاء والطموح وجوهر الإنسان.
تبدّلت وتحوّلت تصاميمه واستخداماته ورمزيته، وامتدّت دلالاته إلى السينما والفن والأدب، حتى إن استكشاف تاريخ السلم وحضوره الثقافي هو تتبّع لتطور الطموح الإنساني نفسه.
وهنا تتناول مهى قمر الدين الحياة المتعددة الأوجه للسلّم، وتحلل كيف أصبح هذا العنصر المعماري المتواضع رمزًا ثقافيًا خالدًا، بكل أبعاده الاجتماعية والنفسية والثقافية.

سُلَّم زقورة ”أور“ طريقٌ رمزي يربط الأرض بالسماء في قلب الحضارات القديمة.
يبرز تاريخ السلالم بوصفها رحلةً تطوريّةً عميقةً انبثقت من قلب الطبيعة نفسها؛ إذ شكّلت الصخور غير المستوية وجذور الأشجار درجات طبيعية للإنسان القديم منذ نحو عشرة آلاف عام قبل الميلاد. تسلَّق سكان ما قبل التاريخ المنحدرات والتلال، وحوّلوا الحجارة وجذوع الأشجار لمحاكاة هذه المسارات، وهو ما أتاح التوسع الأفقي في المساكن. وتظهر أقدم الأدلة الأثرية من "تشاتال هويوك" في تركيا (نحو ستة آلاف عام قبل الميلاد)؛ وهي المدينة التي يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث، والتي عُرفت بتصميمها المعماري الفريد، حيث تلاصقت المنازل الطينية بلا شوارع تفصل بينها، وكان الدخول إليها والخروج منها يجري عبر فتحات في الأسطح باستخدام سلالم خشبية، مما جعل الأسطح بمنزلة طرقٍ للمشاة، وهذا ما يعكس تكيّفًا عبقريًّا مع التضاريس والمناخ.
العصور القديمة: رمز للارتقاء الروحي
بحلول الألف الثالث قبل الميلاد، ارتقى السلّم في الحضارات القديمة إلى مكانة المعالم المقدّسة. فتميّزت زقورات بلاد ما بين النهرين، كزقورة "أور" الشاهقة، بدرجاتها الحجرية الواسعة التي رمزت إلى الصعود إلى العالم الآخر، وامتزجت فيها المنفعة العملية والطقوس الدينية. وفي الأهرامات المصرية القديمة، أدّت السلالم أدوارًا عملية ورمزية عميقة، مُجسّدةً رحلة الفرعون نحو الخلود. وفي هذا الإطار، يبرز هرم "زوسر" المدرج في سقارة، وهو تحفة المعماري إمحوتب، بمصاطبه الضخمة المتراجعة ليرمز إلى طريق البعث الذي من شأنه أن "يمكّن روح الفرعون من الصعود إلى العالم الآخر والنجوم الخالدة". أمَّا معابد المايا في موقع تشيتشن إيتزا (600م) بالمكسيك، فقد عكست الهندسة المقدّسة في سلالمها المرتفعة؛ إذ جمعت في تصاميمها بين علم الكونيات والقوة والخطر، وكانت منحدراتها الحادة تمثّل استبعادًا لمن لا يستحق الصعود والانتقال إلى العالم الأعلى.
ونظرًا لرمزيتها العميقة، استُخدمت السلالم أساسًا في المباني المقدّسة والعامة، فأصبحت جزءًا لا يتجزأ من المشهد الحضري اليومي في العصور القديمة. وتميّزت مبانٍ رائعة، كمسرح دلفي اليوناني والكولوسيوم الروماني، بدرجاتها الضخمة التي لم تكن مجرد ممرات للصعود والنزول فحسب، بل مقاعد جامعة للجماهير المتجاورة. (ولا يزال هذا النوع من السلالم شائعًا حتى اليوم في ملاعب كرة القدم وقاعات الحفلات الموسيقية).
العصور الوسطى والتشديد على وظيفتها العملية
خلال العصور الوسطى، تحوّلت وظيفة السلّم من مجرد ممر عبور إلى شريان حيويٍّ للاقتصاد المنزلي والتجاري. إذ كان الغرض الأساس منه ربط الطوابق العليا بالسفلى بكفاءة، لا سيَّما في المنازل والمتاجر متعددة الطبقات، حيث خُصّصت العليّات مخازنَ للمؤن والبضائع. ومع تزايد الحاجة إلى نقل البضائع والأحمال الثقيلة صعودًا وهبوطًا، غدا السلّم ضرورة معمارية لا غنى عنها، وهو ما دفع المهندسين إلى ابتكار تصاميم أكثر ملاءمة لهذه المتطلبات الوظيفية. وفي هذا السياق، برزت السلالم الحلزونية حلًا معماريًا عبقريًا، ولاقت رواجًا استثنائيًا، ولا سيَّما في أبراج القلاع الدائرية والحصون؛ إذ إن تصميمها المدمج أسهم في توفير المساحة وعزّز الصلابة الإنشائية للبرج، وهو ما صعّب على المهاجمين اقتحامها، فكانت الخيار الأمثل للجمع بين الوظيفة اللوجستية والدفاع الإستراتيجي.

سلَّم ”السفراء“ في فرساي تعبير معماري عن القوة والترف.
عصر النهضة والعصر الباروكي: فخامة ودلالات للعظمة والإبهار
بعد ذلك، أضفى عصر النهضة طابعًا إنسانيًّا على السلالم، محوِّلًا إيَّاها من أدوات عملية إلى تحفٍ معمارية مذهلة. فتفاخرت القصور الإيطالية بسلالمها الواسعة المفتوحة التي تُبرز الفخامة والعظمة. وقد كان "الحلزون المزدوج" في قصر فارنيزي بروما، الذي صمّمه أنطونيو دا سانغالو في عام 1514م، ثمَّ أكمله مايكل أنجيلو بخدعةٍ بصرية مذهلة، وأضفى عليه انطباعًا بالارتقاء إلى السماء؛ باهرًا للعين والقلب بتوازنه المنسجم وفرط فخامته. ثم تلى ذلك الإسرافُ في العصر الباروكي، كما ظهر في "سلّم السفراء" بقصر فرساي، الذي صمَّمه المهندس المعماري لو فاو، وبُني بين عامي 1671م - 1678م، ليكون تحفةً رخامية متوازنة تجسّد ذروة الحكم المطلق "للملك الشمس" لويس الرابع عشر. فقد كان الملك يقف عند أعلى السلّم عند استقبال السفراء الواقفين عند أسفله.
العصر الحديث: التفنن والابتكار
مع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، امتد استخدام السلالم إلى آفاق واسعة بفضل تقنيات البناء الجديدة؛ إذ أتاح الحديد الزهر تصميم سلالم حلزونية جريئة ومفتوحة، كما في قصر الكريستال بلندن (1851م)، وأسهمت الهياكل الفولاذية في عصر ناطحات السحاب التي شهدناها في مبنى إمباير ستيت )1931م( في نيويورك، في اعتماد تصاميم عملية للسلالم تعكس قوة الصلب والسرعة الصناعية. وقد تناقضت الانسيابية العضوية للآرت نوفو (الفن الحديث)، كما في مبنى كازا باتليو للمهندس المعماري الشهير أنطوني غاودي في مدينة برشلونة، مع هندسة الآرت ديكو الزخرفية الحادة الظاهرة في مبنى كرايسلر الشهير في مدينة نيويورك.
أمَّا بعد الحرب العالمية الثانية، فتبنّت الحداثةُ المعمارية مبدأ البساطة والوظيفية، مستندةً إلى "نظام المودولور" الذي طوّره المهندس السويسري الفرنسي لو كوربوزييه (1887م-1965م)، وهو مقياس معياري يعتمد على الجسم البشري والنسب الدقيقة لضمان التناسق والكفاءة في التصميم. واليوم، يُهيمن ابتكار سلالم زجاجية معلقة، وتصاميم بارامترية مطبوعة ثلاثية الأبعاد باستخدام خوارزميات حاسوبية، إلى جانب سلالم صديقة للبيئة في الأبراج الخضراء التي تعتمد إعادة التدوير وتدمج الابتكار بالاستدامة.

(يمين) سلَّم ”قصر فارنيزي“ في روما يوازن بين الحركة والضوء. (يسار) يجسِّد سلّم ”كازا باتيو“ في برشلونة انسيابية عضوية وروحًا حيوية.
السلّم هندسيًا
من الناحية المعمارية البحتة، يختزن السلّم لغة هندسية دقيقة؛ إذ لم يكن تصميم السلالم يومًا أمرًا اعتباطيًا، بل خضع لقوانين هندسية تهدف إلى مواءمة البناء مع الطبيعة البيوميكانيكية للجسد البشري. فهو مصمّمٌ على أساس نظام معماري كامل قائمٍ على حسابات دقيقة لعمق النائمة (السطح الأفقي لوطء القدم)، وارتفاع القائمة (الوجه العمودي لها)، وتصاميم متنوعة تناسب احتياجات الوظيفة والمساحة. وفي هذا الفضاء المائل بين الأرض والسقف، تتداخل المصطلحات الفنية، مثل "البسطة" و"أنف الدرجة" و"الدرابزين"؛ لتصوغ تجربةَ صعودٍ ونزول آمنة ومريحة، تُشكّل حلقةً أساسية في فهم أنواع السلالم التقليدية والحديثة ومواد تنفيذها.
يُعدّ المهندس المعماري الروماني فيتروفيوس أول من صاغ هذه المبادئ التأسيسية بطريقةٍ منهجيةٍ في كتابه "دي أركيتكتورا" (القرن الأول قبل الميلاد)؛ إذ حدّد نسبًا مثالية لراحة الصعود وأمانه، مقترحًا أن يُراوح ارتفاع القائمة بين 18 و25 سنتمترًا، وعمق النائمة بين 25 و28 سنتمترًا. وقد تحوَّلت هذه المعايير، لاحقًا إلى ما يُعرف بـ"قاعدة فيتروفيوس"، ومع تطوّرها عبر العصور لا تزال تُستخدم لتلائم معايير البناء الحديثة.
سلالم المآذن: من الخارجي البسيط إلى الحلزوني الداخلي الضيق
تُعَدّ سلالمُ المآذن في المساجد عناصر وظيفية أساسية صُمّمت لتمكّن المؤذّن من الصُّعود إلى الشرفة ليرفع الأذان داعيًا المسلمين إلى الصلاة. وتطوّرت تاريخيًا، من سلّم خشبيّ خارجي في المآذن الأولى يمكن الوصول عبره إلى هياكل صغيرة على أسطح المساجد القديمة كانت تُستخدم منصةً يعتليها المؤذّن. وقد عُرفت هذه الهياكل بـ"مآذن الحراسة" أو "مآذن السلّم"، وكانت بمنزلة نسخةٍ مصغّرةٍ من المنابر الموجودة في المساجد اليوم. وأقدم مثال وصل إلينا هو في "الجامع العُمريّ الكبير" بمدينة بصرى في سوريا، حيث يؤدي سلّمٌ خارجيّ ضيّق إلى سطح المسجد. وقد أمكن تحديد هذا السلّم الخارجي من خلال نقش مجزّأ (موجود الآن في إسطنبول) يشير إلى بناء مئذنة من المحتمل أنها كانت في سوريا منذ عام 720 ميلادية.
ومن ثَمَّ، تطوّرت هذه السلالم إلى حلزونيّة حجريّة مُعقَّدة تدور حول عمود مركزيّ، كما المئذنة الملويّة الشهيرة في مسجد سامراء الكبير الذي يعود إلى (القرن التاسع الميلادي)، التي اعتمدت منحدرًا خارجيًّا ملتفًّا يشبه السلّم، من الممكن السير عبر أدراجه للوصول إلى الأعلى.
واستمر المسلمون في بناء "مآذن السلّم" على مرِّ القرون في مناطق عديدة، لا سيَّما في المناطق النائية من صعيد مصر، وشرق إفريقيا، والأناضول، وعلى طول ساحل الخليج العربي. فعلى سبيل المثال، عمل المهندس المعماري المصري حسن فتحي على تضمين مئذنةٍ في المسجد الذي صمّمه على غرار التصاميم التقليدية في قرية القرنة الجديدة بالقرب من الأقصر.
مع مرور الزمن، أصبحت هذه السلالم داخلية، واختلفت بتصاميمها باختلاف المناطق العمرانية والبيئية. فأصبحت المآذنُ العثمانيّة ذات القوام الرمحي الرفيع تحتوي على سلالم حلزونيّة ضيّقة مصنوعة من الحجر (يُراوح عرضها بين 50 و70 سنتمترًا)، مخصّصة لشخص واحد لتوفير أقصى مساحة داخلية. بينما صارت المآذن المغربية بصوامعها المربعة، كجامع القرويين بمدينة فاس، تتميّز بسلالم داخلية حلزونية أو خطية أوسع نسبيًا، ومعروفة بجدرانها السميكة.
ومع انتشار مكبرات الصوت، تلاشت الوظيفة العملية الأساسية لهذه السلالم، ولكنها بقيت شاهدةً على الصعود الروحي، وربَّما عناء مَن كان يصرُّ على ارتقاء درجاتها لمناداة الناس إلى الصلاة.

سلّم مئذنة سامراء ”الملوية“ إيقاع متناغم بين السماء والأرض.
السلالم الحضرية وسيلة للتنقل والتفاعل الاجتماعي والثقافي
قبل ظهور وسائل النقل الميكانيكية كالمصاعد الكهربائية والتلفريك، كانت السلالم حيويَّةً في ربط مختلف المستويات الطبوغرافية والهيكلية داخل المدن. ولكنها لم تكُن مجرد وسيلة لتسهيل التنقل فحسب، بل أثّرت تأثيرًا كبيرًا في التنظيم الحضري العام؛ إذ حدّدت مسارات الحركة وربطت الأحياء المتباعدة، وسمحت باستغلال المنحدرات والمرتفعات في البناء والسكن. وسواء أكانت من السلالم الفخمة للحضارات القديمة، أم تلك المتواضعة الموجودة في المراكز الحضرية الحديثة، كانت هذه الهياكل جزءًا لا يتجزأ من تطوُّر المدن، فشكّلت معالم خالدةً تُجسّد وظائفها العملية وتُعبّر في الوقت نفسه عن تاريخ المكان وهويته الثقافية.
وإلى جانب وظيفتها العملية الأساسية، تؤدي السلالم الحضرية أدوارًا أوسع وأكثر تنوعًا. فهي بمنزلة فضاءاتٍ اجتماعيةٍ، يلتقي الناس فيها ويفترقون، ويتبادلون الأحاديث العابرة، ويتأملون إيقاع الحياة الحضرية من أعلى درجاتها. كما يُمكن أن تتحوّل إلى مسارح لأنشطة ثقافية متنوعة، تستضيف معارض الحِرف اليدوية، وعروض الموسيقيين المحليين، وفناني الشوارع، وفرق الرقص.
في هذا الإطار، تُعدّ السلالم في ساحة إسبانيا بروما مثالًا بارزًا على تحوُّل السلالم الحضرية إلى فضاءات اجتماعية نابضة. وقد افتُتحت هذه السلالم عام 1725م بوصفها أوسع سلالم في أوروبا بواقع 135 درجة تمتد كمدرجات ضخمة تربط بين الساحة وبيازا تروي. ومع مرور الوقت، باتت تحتضن فعاليات ثقافية سنوية، مثل عروض الأزياء، ومهرجانات الأزهار الربيعية الملونة، كما تجذب فناني الشوارع والسيَّاح والسكان المحليين في احتفالات جماعية وثقافية متنوعة.

سلالم ساحة إسبانيا في روما يختصر حيوية المدينة وإيقاعها اليومي.
ويضم متحف متروبوليتان الشهير في مدينة نيويورك سلّمًا أيقونيًّا أدّى دورًا في عديد من الأفلام، ويُستخدم سنويًا في أكبر حدث في عالم الأزياء، وهو حفل "ميت غالا". وفي بقية أيام السنة، يُعدّ مركزًا اجتماعيًا لكثير من السكان، ومكانًا عامًا للتجمع والترفيه. أمَّا درج سيلارون في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، فهو بحد ذاته عمل فني نابض بالحياة، وقد صمّمه الفنان خورخي سيلارون، بحيث تُزيّن درجاته آلافُ القطع الخزفية المرتبة بأنماط جريئة، كما يطغى الطلاء الأحمر على عديدٍ من الدرجات. أمَّا الزخارف الرسومية، فتعكس إسهامات الزوّار من مختلف أنحاء العالم. إضافةً إلى ذلك، يُضفي الموسيقيون والراقصون وباعة الشوارع حيويَّةً على المنطقة المحيطة به، مما يعزّز أهميته الثقافية.
وهناك أيضًا درج "الجميزة"، أو درج "مار نقولا"، في قلب بيروت التاريخي، الذي يُعدّ معلمًا أثريًا يربط بين الأحياء القديمة. وقد رُمم عام 1999م، ليُعرف بـاسم "درج الفن"، مستضيفًا معارض تشكيلية، وحفلات موسيقية، ومهرجانات سينمائية.
هندسة اللامساواة
غير أن هذا الدور الاجتماعي الحيوي للسلالم بوصفها فضاءات جامعة للناس، يقف على نقيض مرير من تاريخها المظلم كأدوات دقيقة للفصل والتمييز. تاريخيًّا، كانت السلالم أدوات فصل طبقي واجتماعي دقيقة الصنع، تعكس التسلسل الهرمي الصارم للمجتمعات وتُعيد إنتاجه يوميًا. ففي القصور الأوروبية الكبرى، ولا سيَّما خلال عصري النهضة والباروك، كرّس التصميم المعماري فصلًا حادًا بين "سلالم السادة" و"سلالم الخدم"، محوّلًا السلّم إلى حاجز اجتماعي بقدر ما كان جسرًا معماريًّا. فكانت السلالم الرئيسة، الرخامية الواسعة والمزخرفة بالمنحوتات والثريات، مخصصةً حصريًا للأرستقراطيين والزوّار النبلاء؛ إذ تحوّل كل صعود إلى مسرح للاستعراض الاجتماعي وإظهار النفوذ، كما يتجلى ذلك بوضوح في "سلّم السفراء" بقصر فرساي (1678م)، الذي صُمم لإخضاع الزوّار لهيبة الملك لويس الرابع عشر قبل حتى لقائه. في المقابل، دُفعت "سلالم الخدم" إلى الخلف، مخفيةً في ممرات ضيقة ومظلمة، غالبًا ما تكون حلزونية ضيقة أو خشبية بسيطة، لضمان بقاء الطبقة العاملة "غير مرئية" في أثناء أداء واجباتها.

(يمين) سلالم الطوارئ تجسِّد كفاءةً عمليةً وانضباطًا وظيفيًا في أبسط صورها. (يسار) سلّم متحف المتروبوليتان في نيويورك يجسِّد فضاءً اجتماعيًا نابضًا بالحركة والثقافة.
وقد تطوّر هذا الرمز الطبقي ليشمل الطبقة الوسطى الصاعدة؛ ففي هولندا القرن السابع عشر، فُرضت ضريبةٌ على الدرجات الأمامية للمنازل، فبنى التجَّار الأثرياء سلالم عالية بشكل مبالغ فيه كإعلان صريح عن ثروتهم، في ظاهرة وصفها عالم الاجتماع ثورستين فيبلين لاحقًا بـ"الاستهلاك التفاخري"، وعرّفه بأنه إنفاق يهدف إلى إظهار المكانة الاجتماعية وليس إلى تحقيق منفعة مباشرة، ويتمثّل في هذه الحالة في ارتفاع السلالم وحجمها.
وعلى الصعيد الجندري، كانت السلالم فضاءً خاضعًا لقيود النوع الاجتماعي الصارمة. في العصر الفيكتوري، خضعت حركة النساء لبروتوكولات معقدة؛ إذ كان عليهن الصعود ببطء، متمسكاتٍ بالدرابزين وبخطوات صغيرة لتأكيد الأنوثة والرقة، في حين عكس صعود الرجال السريع والقوي الهيمنة والسيطرة.
وفي العمارة الإسلامية التقليدية، صُمّمت سلالم خاصة في القصور والسرايات تفصل بين "الحرملك" (قسم النساء) و"السلاملك" (قسم الرجال)، مما جعل السلّم أداةً للفصل الجندري والحفاظ على الخصوصية العائلية.
أمَّا اختيار المواد وحجم السلّم، فكانا المؤشر الأبرز على القوة الاقتصادية. ففي روما القديمة، لم يكن بمقدور غير النخبة اقتناء سلالم مُغطاة برخامٍ نادرٍ مثل "الجيالو أنتيكو" أو "البورفيري" أو حجر "بييترا سيرينا" الرملي. واستمر هذا التقليد حديثًا باستخدام الأخشاب النادرة والزجاج والفولاذ؛ إذ يُعدّ السلّم الزجاجي المعلق تحديًّا للجاذبية واستعراضًا للبراعة الهندسية والقدرة المالية.

سلّم زجاجي يعبِّر عن شفافية الحداثة، ودرج رخامي يرسِّخ ثبات الكلاسيك.
السلالم العربية
بالانتقال من صالات القصور المغلقة إلى أحضان الجبال الشاهقة، يمكننا أن نتحوّل إلى مَعلم سياحي شهير من معالم إسبانيا، ألا وهو "السلالم العربية". ففي أحضان جبال سييرا دي هوما الخلابة في مقاطعة مالقة بإسبانيا، تقع "السلالم العربية" التي تجذب المتنزهين وهواة المشي في الطبيعة بدرجاتها الحجرية الـ256 المنحوتة مباشرةً في منحدرات الحجر الجيري الشاهقة. تتشبث هذه السلالم بشقٍّ صخري طبيعي، مُشكّلةً طريقًا مختصرًا إلى مزرعة كورتيخو دي كان بيدريرو النائية، ومُغنيةً عن الالتفاف الطويل حول مرتفعات الجبل المهيب. تتميز هذه السلالم بانحدارها الشديد وموقعها المكشوف، مما يتطلب ثباتًا في القدمين وسط مناظر خلابة للوادي، تستقطب المغامرين لخوض تجربةٍ فريدة.
ولكن، من أين جاءت تسميتها بالعربية؟ يُقال إن تاريخ بناء هذه السلالم يعود إلى القرن الخامس عشر إبّان الحكم الإسلامي في الأندلس. ولكن لا يوجد دليل أثري يدعم كونها بناءً عربيًّا، إلا أن التراث الموري الغني لمدينة مالقة، الذي يتجلّى في قلعة القصبة القريبة وأسوار المدينة، يعزّز أساطير رومانسية عن طرق التجارة والرعي في العصور الوسطى التي بناها المستعربون تحت الحكم الإسلامي. ومع ذلك، يُرجع المؤرخون المحليون بناء هذه السلالم إلى جهود إعادة التشجير في أوائل القرن العشرين؛ حيث أُنشِئت على الأرجح فوق مسارٍ أقدم من قِبل عمال كانوا يصلون إلى المنحدرات النائية لزراعة أشجار الصنوبر. وقد ظهر مصطلح "عربي" في مطلع القرن العشرين من وحي الخيال الشعبي، مُضفيًا طابعًا رومانسيًّا على ماضي الأندلس العريق، وحاملًا معه صدى التأثير الثقافي العربي والحنين إلى ماضٍ غاب ولكنه بقي حاضرًا في الذاكرة.

سلّم العُلا المُعلَّق يتحدَّى الجاذبية بين الصخر والفراغ.
سلالم المملكة.. عراقة المنحوت وجرأة المعلق
إذا ما عدنا بأنظارنا إلى المملكة العربية السعودية، يبرز أمامنا نموذجان مميزان من السلالم، يختلفان جوهريًا في طبيعتهما: أحدهما منحوت في الصخر ومندمج عضويًا بقلب الطبيعة نفسها، والآخر معلّقٌ ومركّب على جبال شاهقة، يتحدى الجاذبية بجرأة.
النموذج الأول هو عقبةٌ حميدة في قلب منطقة الباحة، وهو ممرٌّ عريق منحوت في قلب جبال السروات بمحافظة بلجرشي. تُعدّ هذه العقبة أقدم ممرّ جبليّ في المنطقة؛ إذ شُيّدت قبل نحو 500 عام (في القرن السادس عشر الميلادي تقريبًا) لتربط مرتفعات السراة، التي يبلغ ارتفاعها 2000 متر، بسهول تهامة المنخفضة. وهي تتكوّن من درجات حجرية وطرق مرصوفة بصخور الجرانيت والبازلت البركاني الصلب، رُصفت ببراعة هندسية متقنة لتتحمّل أثقال قوافل الإبل. ويمتد مسار هذه العقبة من شفا قرية "المدان" نزولًا إلى قرية "حميدة"، ومن هنا استمدّت تسميتها. وقد أُطلق عليها "العقبة" وليس "السلّم"؛ لأن الكلمة في اللغة العربية تعني "الطريق الوعر في المرتفع"، أو "القمة الشاهقة" التي يُصعَد إليها بجهد، كما ورد في قوله تعالى: "فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ" (البلد: 11)؛ أي لم يتحمّل مشقّة الصعود والتغلّب على الصعوبة.
واليوم، غدت هذه العقبة وجهةً مفضلة لعشّاق المشي الجبلي (الهايكنغ) والطبيعة؛ إذ تجتذب الزوّار بمساراتها الصخرية الخلابة ومناظر الجبال والوديان، لتقدّم تجربةً مغامرة فريدة تجمع بين التحدي البدني والاكتشاف التاريخي.
أمَّا النموذج الثاني، فهو سلّم العُلا المعلق، الذي يُعدّ تحفةً هندسية عصرية تتحدّى الجاذبية في قلب مدينة العُلا الأثرية. يتكوّن هذا السلّم من هيكل سلكي فولاذي معلّق بطول 45 مترًا، صُمّم خصوصًا لتمكين الزوّار من ارتقاء الواجهات الصخرية المذهلة التي تشتهر بها المنطقة؛ ليصبح بذلك أول منشأة من نوعها في الشرق الأوسط. ولا يقتصر دور السلّم على كونه ممرًا للصعود فحسب، بل هو تجربة مغامرة بحد ذاتها؛ إذ يجتذب السيَّاح وهواة التسلّق لاجتياز درجاته الشفافة التي تطلُّ مباشرة على الهاوية، وصولًا إلى القمة. حيث تنتظرهم مناظر بانورامية آسرة لوادي العُلا بصخوره العتيقة.

لوحة ”الفيلسوف المتأمّل“ لرامبرانت (1632م).
في الفن: بين الصعود والتنوير والهبوط إلى الهاوية
رسم الفنانون عبر العصور السلالم بوصفها جسورًا بين المادي والميتافيزيقي، صاعدةً نحو المطلق أو هابطةً إلى أعماق اللاوعي، مؤكدين أنها ليست مجرد مجموعة من الدرجات، بل خريطة بصرية للمصير الإنساني. ففي لوحة "الفيلسوف المتأمل" (1632م) للفنان الهولندي رامبرانت، يظهر رجلٌ مسن جالسًا في زاوية غارقة في الظلال، مغمورًا في تأمل عميق. وقد أبدع رامبرانت تكوينًا يرمز فيه شعاع الشمس النافذ إلى الغرفة إلى لحظة الوعي المفاجئة، في حين يقف السلّم الحلزوني الخشبي في الخلفية رمزًا للمسار الشاق الذي يجب أن يسلكه الفيلسوف لبلوغ التنوير.
وعلى مسافة قريبة من هذه الرمزية، حقّق الفنان الألماني كاسبار ديفيد فريدريش بأسلوبه الرومانسي، لوحة "كارولين على السلّم" (1825م)، التي صوّر فيها زوجته وهي تصعد درجات السلّم باتجاه النور، وما يمكن أن يمثله ذلك من رحلة للارتقاء الروحي نحو الضوء والسمو.
بالانتقال إلى السوريالية وغاياتها الرمزية، تبرز لوحة "عالم واحد" (1927م) للفنانة الإسبانية أنخيليس سانتوس، التي أنجزتها في الثامنة عشرة من عمرها. ففي هذا العمل الضخم، الذي أرادت فيه احتواء الكون بأسره ضمن إطار واحد، تتحوّل السلالم إلى محور ديناميكي تسلكه أرواح تجري في تتابعٍ لولبيٍّ، لتتصاعد تدريجيًّا، وتتحوّل في مصيرها النهائي إلى نجوم تملأ القبة السماوية.
وعلى غرار هذا الأسلوب السوريالي، تبرز أعمال الفنان الهولندي م. س. إيشر، الذي وظّف الواقع والتراكيب الرياضية والألعاب البصرية لخلق عوالم خيالية مشحونة بالغموض الوجودي. ويتجلّى ذلك بامتياز في عمله "بيت السلالم" (1951م)؛ إذ تتحرك شخصيات متعددة في فضاء لا نهائي ومُربك، تبدو فيه حدود الصعود والهبوط ضبابيةً ومتداخلةً، حتى تغدو السلالم نفسها رمزًا للحيرة الإنسانية أمام منطق الكون المتعارض. وجدير ذكره أن لوحات إيشر قد استُلهمت، على نطاق واسع، في المسلسلات التلفزيونية والأفلام، بفضل قدرتها الفائقة على تجسيد الوهم البصري وتحويل السلالم إلى متاهةٍ بصريةٍ تتحدّى إدراكنا للواقع.
وأخيرًا، بالانتقال إلى سبعينيات القرن العشرين، نذكر لوحة "صورة رجل ينزل سلالم" (1972م) للرسّام الأيرلندي فرانسيس بيكون، حيث يتشابك فضاء غامض المعالم مع حركة ديناميكية مشوّهة للجسد البشري، على نحو ما دأب الفنان في أعماله. غير أن العنصر الدلالي الأبرز هنا هو السلّم نفسه، الذي يهبط عليه الرجل في حركة لولبية مضطربة، مترجمًا، بروح "بيكون" التعبيرية الجامحة، هبوطًا نحو أعماق اللاوعي وهاوية الانهيار الوجودي.

(يمين) لوحة ”بورتريه رجل ينزل الدرج“ لفرانسيس بيكون (1972م). (يسار) لوحة ”بيت السلالم“ لإيشر (1953م).
السلّم رمز رقمي رائج
ارتقى مفهوم السلّم في عصرنا إلى رمز رقمي رائج، يجسّد في الميمات والرموز التعبيرية جوهر الطموح والقلق والعبثية في الحياة المعاصرة.
ولعلَّ أبرز هذه التجليات هو الرمز التعبيري للصعود (🪜📈)، حيث اقترن إيموجي السلّم (🪜) بالرسم البياني الصاعد (📈)، ليجسّد عقلية العمل الشاق التي تمجّد الصعود المستمر من دون راحة. يستخدمه جيل "زد" بسخرية للتهكّم على الضغوط المستمرة لتحقيق مزيد من الإنتاج على مدار الساعة، في حين يتبناه المؤثرون بجديَّةٍ للترويج لدورات النجاح السريع. وفي تناقض كوميدي، تأتي صور السقوط من السلّم في صيغ التبادل البيانية (GIFs) التي تظهر أشخاصًا يتعثرون أو ينزلقون بشكل كارثي؛ فهذه المقاطع ليست مجرد صور بصرية، بل استعارة مؤلمة للانهيار المفاجئ للخطط وللفشل المدوي.
ثقافيًّا، أُعيد إنتاج أغنية "سلّم إلى السماء" لفرقة الروك البريطانية "لد زبلين" في سيل من الميمات التي تسخر من "المادية الروحية"، وتحوّل السعي للشراء المتواصل إلى نكتةٍ عن عبثية الاعتقاد بأن الثروة يمكنها شراء السعادة والمكانة الاجتماعية. وعلى صعيد المخاطرة الرقمية، يبرز تحدي السلّم (#StaircaseChallenge) على "تيك توك"؛ إذ تنتهي المحاولات الجريئة غالبًا بفشل ذريع، كاشفةً عن الجاذبية القاتلة للشهرة الإلكترونية والاستعداد للمخاطرة بالجسد مقابل ثوانٍ من الانتباه.
نفسيًّا، يجسّد مخطط "السلّم العاطفي" كيف يمكن لمحفّزٍ تافهٍ أن يشعل تصاعدًا سريعًا من "الانزعاج" إلى "الأزمة الوجودية"، مما يجعله أيقونة لنقاشات الصحة النفسية على الإنترنت. وأخيرًا، تسخر صور السلمّ الوظيفي المكسور أو المقلوب من أسطورة الجدارة، كاشفةً عن إدراك جماعي بأن المسار التقليدي للنجاح قد يكون مشوَّهًا أو مزوَّرًا، ولا سيَّما للفئات المهمشة.

مشهد من فِلم ”المدمرة بوتمكين” (1925م).
السلالم في السينما وتأثيراتها الدرامية
ظهرت السلالم بشكل متكرر في تاريخ السينما، وغالبًا في مشاهد حاسمة ذات تأثير درامي عميق، بوصفها عنصرًا معماريًّا معقّدًا ورمزًا متعدد الطبقات، يجسّد الصعود نحو الارتقاء أو الهبوط إلى الهلاك، والتفاوت بين الفضاءات العلوية والسفلية. فقد وفّرت السلالم لصنّاع الأفلام إمكانات تعبيرية غنية، تعزّز الإيقاع البصري والعاطفي، وتولّد توترًا نفسيًا مشحونًا بالتوقُّع، يجعل المشاهد يترقّب المصير المجهول الذي ينتظر الشخصيات على تلك الدرجات.
فمنذ حقبة الأفلام الصامتة، يبرز مشهد الطفل في العربة المتدحرجة على السلالم الشهيرة في مدينة أوديسا الأوكرانية وسط المعارك الدامية في فِلم "المدمرة بوتمكين" (1925م) لسيرغي أيزنشتاين؛ ليعكس فوضى الثورة وصراعاتها الشرسة. ويُعاد تكرار التأثير الدرامي نفسه تقريبًا، في مشهد إطلاق النار على سلّم محطة القطار في فِلم "المنبوذون" (1987م) لبراين دي بالما، محولًا السلالم إلى رمزٍ للعنف الجماعي والانهيار الاجتماعي.
وفي الأفلام الموسيقية، عادةً ما تتحوّل السلالم إلى منصات استعراضية ساحرة، كما نراها في تصاميم المخرج الأمريكي بسبي بيركلي الراقصة، أو في قاعة الرقص المهيبة في الفِلم الدرامي "تيتانيك" (1997م) لجيمس كاميرون؛ إذ يصعد جاك، الفتى الفقير، السلّم الكبير ليواجه عالم الطبقة العليا، وهو ما يبرز الصراع الطبقي بتدرّجٍ بصريٍّ مذهلٍ يعمّق الرومانسية والمأساة.

مشهد من فِلم ”جوكر“ (2019م).
وفي أفلام الميلودراما وأفلام الرعب، تُستخدم السلالم لتعزيز التوتر النفسي: رجال العصابات يتدحرجون لملاقاة حتفهم، وأبطال الإثارة يترددون قبل صعود الدرجات المظلمة، وبطلات الدراما ينزلن بزهوٍّ مثيرٍ على سلالم منحنية. وقد يكون من أبرز الأفلام التي جسّدت التحول النفسي بين الارتقاء الهشّ والانهيار المدويّ، فِلم "الجوكر" (2019م)؛ إذ يتحوّل سلّم البرونكس، الذي أصبح مقصدًا للسيّاح إثر الشهرة الواسعة التي لاقاها الفِلم، من مجرّد ممرّ معماري إلى استعارة مركزيّة نابضة. فهو يرمز إلى مسيرة البطل آرثر فليك الصعبة صعودًا، التي تعكس صراعه المرير مع التهميش الاجتماعي والانهيار النفسي. أمّا بعد تنكّره بزي الجوكر، فيصبح النزول نفسه مشهدًا لانتصاره وتحرّره الفوضويّ، حيث يرقص رقصته الشهيرة على إيقاع الموسيقى المتسارعة.
من جهة أخرى، واستغلالًا لطبيعتها الخطِرة، صُوِّر عديدٌ من المشاهد الكوميدية ومشاهد الحركة على السلالم. ففي فِلم الحركة "هارد بويلد" (1992م) للمخرج جون وو، ينزلق البطل على ظهره على درابزين سلّم طويل، مُطلقًا النار من مسدسه، ليقضي على جميع الأشرار قبل أن يصل إلى أسفل السلّم. وفي فِلم "ماري بوبينز" (1964م) من إنتاج ديزني، تجلس المربية السحرية على الدرابزين وتنزلق بطريقة غير متوقعة لتحية الأطفال.
جاذبية السلالم الخاصة للمخرج الأيقوني ألفريد هيتشكوك
ولكن بالنسبة إلى المخرج الأيقوني ألفريد هيتشكوك، كانت السلالم من أبرز العناصر البصرية المميزة في معظم أفلامه. ففي إحدى مقابلاته عندما سُئل عن لجوئه المستمر إلى هذا العنصر المعماري الخاص، أجاب بأن "السلالم جذابة للغاية في عالم التصوير"؛ إذ تتيح تحريك الشخصيات عموديًا بدلًا من أفقيًا، مما يولّد عمقًا بصريًا ديناميكيًا، ويخلق مسرحًا مثاليًا للمعارك والتوترات النفسية.
في اللقطة الافتتاحية لفِلم "حديقة المتعة" (1925م) لألفريد هيتشكوك الأول، تهبط صفوف من النساء على سلّم حلزوني يقع خلف كواليس مسرح. وفي المشهد الختامي من فِلمه الأخير "مؤامرة عائلية" (1976م)، تجلس الممثلة باربرا هاريس على درجات السلّم، وهي تحدّق مباشرةً في عدسة الكاميرا وتغمز بعينها بخبثٍ. وعلى مدى خمسة عقود تخللها أكثر من خمسين فِلمًا بين هذين العملين، جعل هيتشكوك السلّم عنصرًا بصريًا وسرديًّا متكررًا في أسلوبه المعقّد لبناء التشويق: أداة تُشحن بها الطاقة الكامنة، مجازيًا وحرفيًا، في صلب السرد، محوّلًا إيَّاه إلى منطقة عبور هشّة ومتوترة بين عالمين، تكون دائمًا على شفا التحوّل إلى مسرحٍ للعنف المفاجئ.

مشهد من فِلم ”فيرتيغو“ (الدوار 1958م).
السلالم في الأدب: دلالات السلالم عند الروائي إدوار الخرّاط
إذا كان ألفريد هيتشكوك أبرز مَن وظّف السلالم في عالم السينما العالمية، فإن الروائي المصري إدوار الخرّاط هو أبرز من استحضرها في الأدب العربي الحديث. فهي في رواياته رمزٌ مركزي يتكرّر بوصفه جسرًا نفسيًّا يربط بين الواقع والكوابيس، وبين الصعود والانهيار، وبين الذكريات المتشظية ووحدة الوجود.
تبرز السلالم بأقصى وضوحٍ في مجموعته القصصية "حيطان عالية" (1959م)، ولا سيَّما في قصة "الشيخ عيسى"؛ إذ تصعد الفتاة "نادية" درجات سلّم داخل البيت، لتطلَّ منه على الشارع، فتغرق في حالة من التيه والتشتت العقلي؛ إذ تتوهم وهي واقفة على الدرجات، أنها تبصر حبيبها المفقود، فيما لا يكون ذلك سوى وهمٍ زائفٍ وخداعٍ إدراكي محض. وكذلك في قصة "في ظهر يوم حارّ" من المجموعة نفسها، يصف الكاتب صعود طفل لدرجات سلّم داخل بيته العائلي المهجور بتفاصيل حسية مؤثرة تجسّد وحدة المكان وثقل الذاكرة. أمَّا في قصة "أمام البحر" من المجموعة نفسها أيضًا، يصف الخرّاط السلّم بأنه "صادم مظلم ضيق"، في حين تصعد الشخصية المحورية درجاته ببطءٍ، و"تسمع مواقد الجاز تفحّ من خلف الأبواب، وأصوات الأمهات المجهدات يدعون على الأولاد الذين لا يهدؤون أبدًا، ويقرّعن ويشتمن ويلعنَّ الأيام السود". يصبح السلّم هنا وسيلةً للكشف لا للإخفاء؛ فمع كل خطوة في الصعود تتفتح عوالم مغلقة وتنكشف أسرارها بشكل غير مباشر، في حين تندفع في الوقت نفسه سيول من الذكريات والأحلام، حاملةً معها ما كان خافيًا إلى سطح الوعي.

عتبات نفسية وتحولات وجودية في الأدب العالمي
أمَّا في عوالم الأدب العالمي، فتتبوأ السلالم مكانةً رمزية عميقة، مجسّدةً الانتقال والخطر والتحول الوجودي. فهي تعمل بوصفها محاور سرديّة مركزيّة تدفع الشخصيات، والقرَّاء معها، عبر عتبات نفسيّة وروحيّة فاصلة، وتعكس الدافع الفطري للإنسان للصعود نحو التنوير أو السقوط في الهاوية.
نفسيًّا، تستحضر السلالم رحلة الروح الشاقة نحو الخلاص. ففي "الكوميديا الإلهية" لدانتي أليغييري (1320م)، يصعد الحاج جبل المطهر عبر مدرجات شديدة الانحدار، تُطهّر كل خطوة فيها ذنبًا معينًا في صعود حيوي من أعماق الجحيم إلى الفردوس السماوي. وتتردد أصداء حديثة لهذا الرمز في رواية "جين إير" لشارلوت برونتي (1847م)؛ حيث يشكّل مشهد السلّم الشهير، الذي تشهد فيه جين هبوط البطلة بيرثا ماسون الناري إلى حتفها، في لحظة تمزقٍ أخلاقي وولادة جديدة؛ إذ يحطم السقوط واجهة الأمان الزائف، كاشفًا عن الحقائق المكبوتة في أعماق القصر.
سرديًّا، تعزّز السلالم حدّة التوتر وتنبّئ بالقدر المحتوم. ففي قصّة "سقوط بيت آشر" (1839م) لإدغار آلان بو، لا ينهار السلّم الحلزونيّ وحدَه، بل يرمز إلى انهيار البيت برمّته بسلالمه وغرفه، وإلى الفوضى والزوال العائليّ الوشيك. أمَّا في حكاية سندريلا، فيستحضر السلّمُ لحظة الخطر الداهم عند منتصف الليل؛ إذ تُبدّد أي خطوة متعثّرة الوهم الهشّ، محوّلةً السلّم إلى فاصل زمنيّ بين السحر والواقع القاسي.
في القصص المعاصرة، لا تزال السلالم تحتفظ بقوتها الرمزية، كما يتجلى بوضوحٍ في سلسلة "هاري بوتر" للكاتبة ج. ك. رولينج. فقلعة هوغورتس، وهي المدرسة التي تُعلّم السحر والشعوذة، تضم 142 سلّمًا مسحورًا موزعةً على أبراج القلعة المحصّنة، تتحرك بدرجاتها بشكلٍ غير متوقع، مُشكّلةً تحديًّا ديناميكيًّا للطلاب من أمثال هاري ورون وهيرميون، وتعكس صعودهم المضطرب نحو النضج ومواجهتهم لقوى الظلام. وعلى نقيض هذا السحر، يستخدم إف. سكوت فيتزجيرالد في روايته "غاتسبي العظيم" (1925م) سلالم قصر غاتسبي للدلالة على الحراك الاجتماعي الوهمي؛ إذ يصعد الضيوف درجاتها نحو وهم العظمة، في حين تكشف في الواقع عن طموحٍ أجوف وحواجز طبقية مستعصية في أمريكا عشرينيات القرن العشرين، مُبرزةً السعي العبثي للبطل وراء مكانةٍ زائفة وحبٍ ضاع إلى الأبد.

"السُّلَّم" لغويًّا: رحلة دلالية آسرة
تُعدّ كلمة "السُّلَّم" من أبرز الأمثلة على مرونة اللغة العربية وقدرتها على الاستعارة الإبداعية؛ إذ انطلقت من معناها الأساس كـمرقاةٍ أو درجٍ؛ أي ذلك الوسيط الذي يرتقي به الإنسان من مستوى إلى ما هو أعلى منه؛ لتتفرع إلى مجالات متنوعة تعكس فكرة الارتقاء التدريجي والترتيب المنتظم. في معجم "لسان العرب" لابن منظور، يُعرَّف "السلّم" أساسًا بأنه "المرقاة والدرجة"، وهو مشتق من جذر (س ل م) الذي يحمل دلالة السلامة والخلاص، لكنه امتد استعاريًّا إلى أي ترتيب يُسهّل الانتقال السلس من دون انقطاع أو خطر.
وهناك الاستعارة القرآنية في قوله تعالى "أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فيهِ" (الطور: 38)؛ إذ رُمز إلى السلّم بوصفه وسيلةً أو سببًا للوصول إلى المعرفة السماوية أو الغيب، مما يجعله مرقاةً للارتقاء الروحي. وهناك من يتحدث عن السلّم الاجتماعي أو الوظيفي، مثل "السلّم الوظيفي" أو "هبوط سلم الفقر"، للدلالة على التدرج في الرتب الاجتماعية أو الاقتصادية أو العملية نحو الارتقاء أو الهبوط.
السلّم الموسيقي: درجات الصوت المنتظمة
تتجلى أقدم وأشهر استعارة للسلّم في علم الموسيقى، حيث تُشبّه درجات النغمات (دو، ري، مي...) بخطوات السلّم الذي يرتقي به الصوت تدريجيًّا من النغم المنخفض إلى النغم المرتفع، كما يصعد الإنسان درجًا خطوة بخطوة، وهو ما يُطلَق عليه "السلّم الموسيقي". تعود هذه الاستعارة إلى التراث الغربي في العصور الوسطى، حيث استُخدم مصطلح "scala" اللاتيني (بمعنى سلّم أو درج) لوصف تسلسل النغمات داخل الأوكتاف، وانتقلت إلى الإنجليزية لتصبح "scale". أما في التراث العربي، فقد طوَّر علماء مثل الكندي والفارابي وابن سينا نظرية المقامات بجعل النغمات في ترتيب هرمي منتظم يمنع "الفوضى الصوتية"، فعُرفت المقامات مثل "مقام الراست" و"المقام البيات" وغيرها. واليوم بتنا نتحدث عن السلَّم الموسيقي العربي الذي يعتمد على هذه المقامات، والذي يتكون من سبعة أصوات تبدأ منخفضة ثم تعلو تدريجيًّا من الصوت الأول الى الصوت السابع.
بيع السَّلَم: الارتقاء الاقتصادي المؤجل
وفي المعاملات التجارية، يشير "بيع السَّلَم" (أو عقد السَّلَم) إلى بيع سلعةٍ مستقبليةٍ مقابل ثمن مقطوع فورًا، مع تسليمها لاحقًا بمقدار محدّد. هنا، يُستعار "السَّلم" للدلالة على الانتقال التدريجي من الثمن الحاضر إلى السلعة المستقبلية، كمن يصعد سُلَّمًا زمنيًّا يضمن الاستقرار الاقتصادي. كان هذا النوع من البيع شائعًا في الزراعة الإسلامية لضمان السيولة لتمويل المحاصيل قبل الحصاد، وهو ما يعكس الارتقاء من الفقر إلى الوفرة. أمَّا اليوم، فهو يُطبق في التمويل الصناعي والتجاري بشرط التعيين الكامل للكمية، والجودة، وموعد التسليم. كما يُستخدم في المصارف الإسلامية بديلًا عن الفوائد الربوية.

حقائق مثيرة حول السلالم
بينما نربط السلالم عادةً بالجديّة والوظيفيّة، فهي تُخفي خلف تصاميمها حقائق طريفة ومذهلة تثير الدهشة.
1- في القلاع والأبراج في العصور الوسطى، كانت السلالم الحلزونية غالبًا ما تُبنى باتجاه عقارب الساعة، في تصميم إستراتيجي عبقري. فقد كانت هذه السلالم الضيقة المتعرجة تعوقُ المهاجمين المبارزين باليد اليمنى؛ إذ تجبرهم على دعم أنفسهم بيدهم اليمنى القوية أثناء الصعود، تاركةً اليسرى الأضعف لاستخدام السلاح. هكذا، يحصل المدافعون على ميزة واضحة. بل ذهب بعض المهندسين إلى جعل الدرجات غير مستوية عمدًا، لتعرقل الأعداء وتُسقطهم من ارتفاعات شاهقة، مما يُنهي القتال قبل أن يبدأ!
2 - صُمّم السلّم الحلزوني في مبنى بلدية لندن لتقليل الصدى الصوتي داخل القاعة. ويتميز هذا المبنى بكفاءته العالية في استخدام الطاقة، بفضل شكل القاعة المُحسَّن ومساحتها المُقلَّصة نسبيًا، مما يرفع كفاءة استهلاك الطاقة بفعالية وفي داخله، يمتد السلّم على طول 500 متر، مُحاكيًا انحناء المبنى ليحدَّ من التلوث الضوضائي والصدى الصوتي.
3- أطول سلّم في العالم هو سلّم الخدمة الجانبي لسكة الحديد المعلقة التي تصعد إلى جبل نيزن، المعروف بـ"الهرم السويسري"، في أعالي مدينة برن السويسرية؛ إذ يبلغ عدد درجاته 11674 درجة، وسُجّل في موسوعة غينيس للأرقام القياسية بوصفه أطول سلّم في العالم. ولكنه لا يُفتح أمام الجمهور إلا مرَّة واحدة فقط في العام، بمناسبة سباق "نيزنلاوف" الذي يشارك فيه رياضيون من مختلف أنحاء العالم لاختبار طاقاتهم وصمودهم أمام سلّم يبلغ طوله 3.5 كيلومتر. جدير ذكره أن القطار الجبلي المجاور يبقى متاحًا للنزول السهل، مما يجعل التجربة ممكنةً دون إرهاق مفرط.
4- سلالم بوتيمكين في مدينة أوديسا بأوكرانيا، تخدع العين بوهم اللامحدودية. تتشكّل هذه السلالم من 192 درجة، وهو رقم عادي. ولكنها تتميّز بكونها ذات تصميم بصري ذكي يُخفي المنصات الجانبية خلف حواجز مائلة، مما يجعلها تبدو كشريط لا نهائي من الأسفل. ويثير هذا الوهمُ البصريُّ الدوار والإعجاب في آنٍ واحدٍ. وأغرب من ذلك، أن هذه السلالم شُيّدت في أربعينيات القرن التاسع عشر بوصفها هدية عشاء من الأمير الروسي فورنتسوف لزوجته.
5- يتطلب صعود السلم الحلزوني السياحي في وادي جبال تايهانغ بمنطقة لانتشو الصينية، توقيع إقرار صحي مسبق، مقتصرًا على مَن هم دون سن الستين، ولا يعانون أمراض القلب أو الرئة المزمنة. يبلغ ارتفاعه نحو 88 - 91 مترًا، مُكوّنًا من 331 درجة فولاذية ملتفة حول واجهة صخرية، وهو ما يفرض تحديًّا بدنيًّا كبيرًا يشتد بفعل الرياح القوية في المنطقة الجبلية. لذا، كانت هذه الضوابط الطبيّة ضرورية لتقليل الأخطار الصحيّة الناجمة عن الإرهاق والارتفاع، مع تصميم هندسي يوازن بين الجرأة والسلامة ليوفر إطلالات بانورامية استثنائية.
6- في ساحة وولين بمدينة هانغتشو بالصين، تقع سلالم البيانو الموسيقية الفريدة. إذ تُطلق هذه السلالم التفاعلية أصواتًا موسيقية عند الخطو عليها، مما يتيح للزوّار عزف ألحانهم المفضلة وسماعها أثناء الصعود، محولةً التنقل إلى تجربةٍ فنيّةٍ ساحرة وممتعة.
مهى قمر الدين: كاتبة لبنانية.