Hero image

عزيز ضياء في ذاكرة القافلة

يناير 22, 2026

شارك

بمناسبة ذكرى ميلاد الأديب السعودي عزيز ضياء الذي يوافق 22 يناير، تعيد مجلة القافلة نشر المواد الآتية من أرشيفها، وهي تضم مقالًا حوله بقلم الدكتور مصطفى ابراهيم حسين، وحوارًا أجراه معه الشاعر الراحل علي الدميني، ومجموعة من قصصه القصيرة.

---

عزيز ضياء.. رائد حركة الترجمة والدراما الإذاعية
بقلم: د.مصطفى ابراهيم حسين
نُشرت في مجلة القافلة عدد ذو القعدة 1406هـ (يوليو - أغسطس 1986م)


هـُو عزيز ضياء بن زاهد. ولد في زقاق القفل من محلة الساحة بالمدينة المنورة عام ١٣٣٢هـ / ١٩١٤م. تلقى تعليمه في بعض مدارس المدينة المنورة، التي كانت متاحة آنذاك، ومنها: كتّاب «الشيخ محمد بن سالم»، ثم بالمدرسة الراقية الهاشمية.

واثناء دراسة عزيز ضياء، ارتبط ببعض الاساتذة، الذين يدين لهم بالفضل، ومنهم: السيد حسين طه، والسيد محمد صقر، والسيد احمد صقر، والسيد ماجد عشقي . وفي عام ١٣٤٥هـ التحق ضياء بمدرسة الصحة، التي ظنها -في بادىء الامر- مدرسة للطب، ولكنه حين تبين له. أنها مدرسة للتمريض، تركها بعد أن أمضى بها عامًا كاملًا.

وتقلب عزيز ضياء في وظائف ادارية مختلفة ، منها : (مقيد للأوراق) في مديرية الصحة العامة، الى (مقيد أوراق) في مكتب مدير الأمن العام، الى «كاتب ضبط» في شرطة «المدينة المنورة»، الى «مفوض ثالث» في «مكة المكرمة»، وذلك بعد ان اجتاز دورة عسكرية قصيرة، فرئيس عام للمنطقة الثالثة بمكة، فمفوض ثان.

ثم استقال عزيز ضياء من وظيفته في الشرطة، ليسافر الى القاهرة على أمل الحصول على شهادة البكالوريا في سنة واحدة، بدلا من اربع سنوات. وحين لم يحالفه الحظ في تحقيق ذلك، اضطر الى السفر الى لبنان، حيث التحق بالكلية الامريكية في بيروت.
وقد كان من زملاء ضياء في الكلية الامريكية - آنذاك- عبدالله عمر بلخير، وفريد بصراوي، وأحمد عبدالجبار، وهم -آنذاك- من الشباب السعودي المثقف، والذي أسهم في الحركة الثقافية بالمملكة، وكان يملؤه الطموح في متابعة دراسة نظامية، تصقل مواهبه وتتوج طموحه.

غير إن نشوب الحرب الكبرى الثانية، حالت بين عزيز غير ضياء، واستكماله لدراسته بالجامعة الامريكية،
فعاد الى وطنه، ليعود الى سلك الشرطة مرة أخرى.

غير ان فكرة متابعة الدراسة النظامية ما تلبث أن تستهوي (عزيز ضياء) ، فيلتحق بمعهد التحقيق الجنائي، التابع لكلية الحقوق في جامعة القاهرة، غير أن ظروفًا اجتماعية قاسية، قد اضطرته، مرة أخرى، إلى ترك الدراسة، وهو بالسنة النهائية، فعاد الى وطنه، ليعين بالشرطة رئيسًا لقسم التنفيذ، فمساعدًا للسكرتير الأول بوزارة الدفاع، التي تأسست لأول مرة بالمملكة العربية السعودية، في وزارة الامير منصور بن عبدالعزيز، رحمه اللّه.

ومن وزارة الدفاع، يعين عزيز ضياء مديرًا عاماً للخطوط العربية السعودية، ثم يسافر الى الهند، ليلتحق بوظيفة «مذيع مترجم»، في إذاعات الهند في دلهي لمدة عامين اثنين. غير أن حكومة المملكة العربية السعودية تستدعيه ليشغل وظيفة «مدير لكتب مراقبة الأجانب» في مكة المكرمة، كما كلفته الدولة بوضع نظام للإقامة، فانجز ما طلب منه وتم اقراره.

وقبل مضي سنتين - على عمله ذاك - صدر الامر بتعيينه وكيلًا للأمن العام للمباحث والجوازات والجنسية .

 

عزيز ضياء في منزله بمكة المكرمة في بداية الخمسينات الميلادية.

نشاطه الإعلامي

بدأ عزيز ضياء علاقته بالصحافة، منذ كان يعمل بوظيفة «مقيد للاوراق» بمديرية الصحة العامة، فكتب في صحيفة «صوت الحجاز». ثم انقطع بعد فترة للكتابة والتأليف والترجمة، وللكتابة الاذاعية، معلقا سياسيًا طوالَ فترة تزيد عن خمسة عشر عامًا. كما اتسع في الكتابة للتلفزيون، فقدم العديد من البرامج، وكتب بعض المسلسلات التلفزيونية. واسهم -في الوقت نفسه- في الكتابة للصحف.

وقد مارس عزيز ضياء العمل الصحفي في مجالات أخرى، فرأس تحرير جريدة «المدينة المنورة»، واستطاع أن يجعلها جريدة تصدر كل يوم دون عطلة أسبوعية الى أن تمت تنحيته عنها بعد فترة ثلاثة شهور، ثم اصدر جريدة «عكاظ» أسبوعية، وصاحِبُ امتيازِها الأستاذ أحمد عبد الغفور عطَّار ثم رأس تحريرها فترة ثم نحي عن رئاسة التحرير . كذلك اسهم عزيز ضياء بتقديم مشروع للنهوض بإذاعة المملكة العربية السعودية في عام ١٣٩١ه/١٩٧١م، بناء على طلب معالي الشيخ إبراهيم العنقري، وكان -آنذاك- وزيرًا للإعلام. ويقع المشروع في تسعة بنود، من بينها: تقديم برامج سياسية عن إسرائيل والمخططات الصهيونية ضد العالم الاسلامي، بهدف نشر الوعي الإسلامي والسياسي، وكذلك العناية بالبرامج الترفيهية، ونشر الثقافة الإسلامية، والدعوة الى التضامن الاسلامي، وإبراز عنصر المساندة الدائمة للشعوب الاسلامية في حقوقها.

 

عزيز ضياء في مكتبته الشخصية في السبعينات الميلادية.

ضِياء محَاضِرًا

أسهم الأديب «عزيز ضياء» في إلقاء العديد من المحاضرات، في الأدب والسياسة والتعليم، والإعلام. ومن ذلك على سبيل المثال :
تاريخنا لم يكتب بعد.
معنى الانتماء ومسؤولياته.
محاضرة عن التعليم في المملكة العربية السعودية ومناهجه.
حمزة شحاته.
وقد كانت محاضرته عن الأديب السعودي الراحل «حمزة شحاته» قد شارك بها في المؤتمر الأول للأدباء السعوديين، ولكن لم يقدر لها ان تُلقى نظرًا لضيق الوقت، وقد نشرها له الاستاذ «عبدالعزيز الرفاعي» في، سلسلة «المكتبة الصغيرة»، تحت رقم ٢١، بعنوان (حمزة شحاته : قمة عُرفت ولم تكتشف).

ضيَاء كاتبًا

أسهم عزيز ضياء في الكتابة للصحافة والإذاعة والتلفزيون، كما سبق القول، وفيما يلي ثبت بأهم ما كتبه، وألفه :
جسور الى القمة: دراسات للإعلام في الأدب والفن، وقد جمعها في كتاب، نعرض له بعد قليل.
ماما زبيدة، وقصص أخرى: قصص قصيرة من واقع الحياة في المجتمع السعودي.
أطلال، مسلسل من ثلاثين حلقة، أعده للإذاعة ثم للتلفزيون .
الحصاد، وهي أيضًا تمثيلية مسلسلة، كتبها في تسع وعشرين حلقة.
سر الفانوس، تمثيلية اذاعية، من سبع حلقات أيضًا.
الضائعة، تمثيلية سباعية للإذاعة.
الكنز ، تمثيلية إذاعية كوميدية في ثلاثين حلقة .
كانت أيام، تمثيلية إذاعية في ثلاثين حلقة، ولكنها لم تذع.
هذا هو الحب، تمثيلية أعدها للإذاعة في ثلاثين حلقة .
حمزة شحاته، قمة عُرفت ولم تكتشف. وقد مضى ذكرها.
مع الأحداث، مقالات عن الأحداث السياسية في العالم العربي. ينوي الكاتب إصدارها مجموعة في كتاب .
مع الفكر، مقالات اجتماعية في شؤون المجتمع العربي السعودي، وينوي الكاتب إصدارها مجموعة في كتاب.
تصفية، نقد لبعض الاعمال الأدبية، وهو فصول في النقد التطبيقي، نشر الأديب بعضها في الصحف، وينوي اصدارها في كتاب.
 

ضيَاء وحمزة شحاته

ونحاول هنا أن نتناول دراسة ضياء عن صديقه حمزة شحاته، رحمه اللّه، والتي، كما أسلفنا، صدرت في كتيب صغير من سلسلة «المكتبة الصغيرة»، بعنوان «حمزة شحاته، قمة عرفت، ولم تكتشف».
ولهذه الدراسة أهميتها، من حيث أن صاحبها كان صديقُا للأديب الراحل، رحمه اللّه. ومن حيث أن شحاته قد ظل -طوال حياته- أحرص أقرانه ورصفائه على الزهد في نشر روائعه من الشعر، وأسماط لآلئه في النثر، وشوارده من الحكم، التي تدخل ساحة ما يسمى (آفورزم) أو (الأقوال المأثورة) من أوسع الأبواب، ليس في الأدب الحديث فحسب وإنما، ودون مبالغة أو انجراف عاطفي، في الأدب العالمي على أوسع نطاق.

شيء آخر من هذا البحث، وهو ما انتهت إليه مقدمة كتابه من دعوة الشباب الجامعي المؤهل الى تحضير رسالة ماجستير أو دكتوراه عن حمزة شحاته وجهوده الأدبية. وتحسب أن دعوة الأديب عزيز ضياء، قد لقيت استجابة من الشباب الباحثين الجامعيين، ففى قسم اللغة العربية بكلية الآداب، في جامعة الملك سعود، رسالة للماجستير عن الأديب السعودي الراحل، حمزة شحاته، رحمه اللّه.

وقد رسم عزيز ضياء، من بحثه، صورة قلمية لملامح حمزة شحاته الخارجية، فهو رحمه اللّه «فارع القامة وثيق البنيان، عالي الجبهة، أسمر اللون. وعلى رأسه تلك الكوفية، التي كان شباب (جدة ) يتأنقون، ليس فقط في طريقة وضعها مائلة او مستقيمة، ومنحدرة إلى الوراء، أو متوثبة إلى الأمام، وإنما في معالجتها بالنشا والكي والتكوين الخاص. ولا بد أن أذكر -في هذه اللحظات- إعجابي البالغ بالمثال، الذي بدا لي رائعًا للأناقة في هندام حمزة وملابسه...».
كما يعرض لجوانب من ثقافة حمزة شحاته، ومقدرته في التحدث وشد الأسماع، فيقرر من فصل بعنوان : «فارس الحوار والرسائل»، بأنّ شحاته كان موسوعي الثقافة، ذا قدرة على شد الأسماع إليه، حتى من غير المتخصصين.
ولعل من الجوانب الثقافية، التي اثارت الإعجاب بحمزة شحاته «إحاطته الواسعة بسيرة وحياة برنارد شو، وبعلاقته بالجمعية الفابية»، وسعة اطلاعه على آثار شو الأدبية والفكرية.

ولا شك في أن بحث ضياء عن حمزة شحاته، بحث طريف مفيد، غير أن المؤلف لم يكن قد كتبه ليكون كتابًا ذائعًا متداولًا في أيدي الناس، بل كتبه ليكون محاضرة تلقى عن حمزة شحاته.
وما زال حمزة شحاته، بعد هذه الإضاءة، حرِيًّا بكتاب موسع يكتبه واحد أو أكثر من أصدقاء حمزة شحاته ورفقائه، يسجلون للرجل تاريخًا، ويجمعون له ما تفرق من آثارة النثرية والشعرية، التي بات جمعها مطلبًا أساسيًا لأديبِ عُرِف عنه زهادته في النشر، وإعراضه عن الشهرة.

 

عزيز ضياء مع زوج والدته الدكتور ضياء و أخته كوزيدة و أخيه شاكر.

قَمَم عَزيز ضيَاء

حوى كتاب «جسور الى القمة»، الذي سبق ذكره، تراجم لستة وسبعين من العلماء والأدباء والفنانين، في الشرق والغرب ومنهم -على سبيل المثال- أحمد بن حنبل، والخليل بن أحمد، واسحاق نيوتن، ونوبل صاحب الجائزة العالمية الشهيرة، وابن سينا، والفارابي، وجان جاك روسو، وديكارت، وأحمد شوقي، وعبد الرحمن شكري، وعمر أبو ريشة، وجون كيتس، والجاحظ، وأبو حيان التوحيدي، وابن رشيق القيرواني ، والشيخ عبدالعزيز البشري، واميل زولا، وشوبان، وتشايكوفسكي، وجحا، وأشعب بن جبير.
وتعكس ترجمات هذه القمم، سعة ثقافة ضياء، وتنوعها بين العلم والفن والادب والفلسفة والفكاهة، واختلاف منازعها بين القديم والجديد، وبين الشرق والغرب.
والكتاب، وإن لم يسهب في التراجم، بل توخى الوجازة والتركيز، الا أنه جولة شاملة واسعة لآفاق متنوعة متعددة الموارد والمصادر ، حري بشبابنا أن يطلعوا عليها، ولعل هذا ما قصد الكاتب اليه.

ضيَاء مترجمًا

تشكل الترجمة عن اللغات الاجنبية عنصرا أساسيًا في نشاط ضياء الأدبي. وقد مارس الترجمة عن الإنجليزية التي اتقنها، فقدم للقارىء العربي ثمارًا من الآداب العالمية في ميدانين هامين، هما: القصة والمسرح. وفيما يلي ثبت بما ترجمه عزيز ضياء من الاعمال الادبية:
عهد الصبا في البادية، لاسحاق الدقس.
النجم الفريد، وهي مجموعة من القصص القصيرة ، لكُتَّاب مختلفين. وعدد هذه الأقاصيص عشر، أولها أقصوصة «النجم الفريد»، ولم يذكر المترجم أسماء كتّاب هذه الأقاصيص، كما لم يقدم لتلك المجموعة بمقدمة تفيد قارئها في جوانب شتى.
قصص من سومرست موم، ويضم الكتاب ثلاثًا من القصص القصيرة المختارة من أعمال «موم»، وقدم المترجم لها بمقدمة عرَّف فيها بالكاتب الشهير، واشار -في إيجاز - الى أهم أعماله الأدبية، وأشار الى كتاب «موم»: (The Summering Up) وهو السيرة الذاتية للكتاب، وقد دعا المترجم الى ترجمة هذا النص الأدبي التاريخي المهم .
قصص من تاغور، ويضم الكتاب ترجمة لتسع من أقاصيص الأديب البنغالي «رابندرانات تاغور»، وأولها أقصوصة «عودة الطفل». وقد ترجم ضياء تلك الأقاصيص البنغالية عن الإنجليزية، وقدم لها بمقدمة عَرَّف فيها بتاغور، وبمكانته العالمية، التي أهلته للحصول على جائزة نوبل في عام ١٩١٣م، وإحرازه لقب (فارس)، من الحكومة البريطانية في العام نفسه، تقديرا لجهده وإبداعه.
وما زال أمام الأديب عزيز ضياء أعمال أخرى في حقل الترجمة تنتظر النشر. ومن هذه الاعمال:
العالم في عالم ١٩٨٤م، لجورج اورويل، صدر في عام ١٩٨٤م، شركة تهامة .
عشر قصص للأطفال، في عشرة اجزاء، نشر -مؤسسة تهامة .
السيد والرجل، رواية للكاتب الإنساني العالمي »تولوستوي«.
حديقة الأسرار، رواية للأطفال.
مروحة الليدي ووندرمير، مسرحية لأوسكار وايلد .
سالومي، مسرحية لأوسكار وايلد.
الاسم الذي تحب، لأوسكار وايلد .
أعياد مدينة هندل .
جون جلين .
الأغلال، لألكسندر أوستروفيسكي .
والثلاث الاخيرة من مسرحيات الفصل الواحد.
ليس الفقر جريمة، مسرحية لألكسندر أوستروفيسكي .
مظلوم أكثر منه ظالمًا ، مسرحية لألكسندر أوستروفيسكي .
حتى الحكماء يخطئون، مسرحية لألكسندر أوستروفيسكي .
العاصفة، مسرحية لألكسندر أوستروفيسكي .
الخادمتان، مسرحية للكاتبة الفرنسية جان جينيت، من كتاب مسرح العبث .
الكراسي، وهي مسرحية يوجين أونيسكو الشهيرة، من مسرح العبث أيضًا .
الكركدن، ليوجين أونيسكو، من مسرح العبث.
الزعيم، للكاتب يوجين أونيسكو، من مسرح العبث .
مدرسة الزوجات، وهي من مسرحيات موليير، وقد ترجمها ضياء عن الإنجليزية .
اختراع فالس، وهي من مسرحيات الكاتب الروسي «نوبوكوف» صاحب قصة «لوليتا».
بلاد الجليد، رواية للكاتب الياباني ياسوناري كاواباتا، الذي نال جائزة نوبل ثم انتحر .
الكراكي الألف، رواية للكاتب نفسه .
ومن هذه القائمة للاعمال الادبية، التي ترجمها عزيز ضياء، سواء ما نشر منها، او لا يزال منها قيد الطبع، يمكن ان نسجل ما يلي:
أن المترجم -كما اسلفنا القول- قد أولى الأدب القصصي والمسرحي كل عنايته. ولم يقف عند أدب لغة معينة، بل قدم أعمالا انجليزية وفرنسية، ويابانية، وأمريكية وبنغالية. ويشهد هذا المزيج المنوع من الأعمال المترجمة بسعة اطلاع عزيز ضياء، باللغة الانجليزية التي اتقنها، بجهده الذاتي، وبعمله في إذاعة الهند، والتحاقه بالجامعة الأمريكية في بيروت، وإن لم يكمل بها دراسته، هذا الى ما أسند إليه من وظائف مختلفة، جعلت إتقانه للانجليزية على هذا المستوى.
أن عزيز ضياء بهذا الرصيد الهائل من الأعمال الأدبية المترجمة يعد بحق من أكبر أدباء العربية المشتغلين بالترجمة على صعيد الوطن العربي، لا على المستوى الإقليمي المحلي .
إن هذه الميزة قد انفرد بها عزيز ضياء بين سائر رفقاء جيله من الأدباء السعوديين. بل يمكن القول بأن (الترجمة والثقافة الأجنبية)، هي الطابع الغالب على نشاط عزيز ضياء وجهده الأدبي.
أن هذه المكتبة الزاخرة من الأدب العالمي، التي قدمها عزيز ضياء لقراء العربية، ينبغي أن تنال حظها من العناية والرعاية، فتجد، ما نشر منها وما لم ينشر، حظها من النشر في سلسلة تحمل اسم المؤلف والمترجم تحت عنوان دال عليها، مثل «من الأدب العالمي» أو «من المكتبة العالمية في القصة والمسرح» على أن يكون هذا مشروعًا أدبيا تتضافر على نشره وإخراجه مؤسسات ثقافية، مثل الأندية الأدبية، وأمانة جائزة الدولة التقديرية بالمملكة العربية السعودية، ودور النشر المختلفة، وأن تصدر هذه السلسلة -تباعًا- مصدرة بأقلام أدباء ونقاد متخصصين في الآداب العالمية، من بين الأدباء السعوديين وغيرهم .

إن عزيز ضياء طاقة ثقافية يعتز المثقفون العرب قاطبة بعطائها، وقد آن الأوان لأن نترجم هذا الاعتزاز بشكل عملي.

أما أعماله الدرامية، الإذاعية والتلفزيونية، فينبغي أن يوليها القائمون على أمر الإذاعة والتلفزيون -خاصة مراقبة التمثيليات- أهمية خاصة وكذلك الفنانون من ممثلين ومخرجين، أقول: ينبغي أيضًا أن يطلعوا على هذه الأعمال، وأن ينظروا في أمر تقديم ما لم يقدم منها، وإعادة تقديم ما سبق تقديمه في ثوب جديد، ورؤية جديدة.
 

جلالة الملك فيصل و على يمينه عزيز ضياء و على يساره حمد الجاسر أثناء قمة الإسكندرية عام 1963م.

---

 

لقاء مع الأستاذ عزيز ضياء أجراه الشاعر علي الدميني.
نُشر في قافلة الزيت عدد صفر 1403هـ (نوفمبر - ديسمبر 1982م)

 

هناك من تجلس إليه في الزيارة الأولى فيحدثك عن حياته وفكره ورؤاه، فتخرج أنت وحدك بالتصور الذاتي الخاص لهذه الحياة وخطواتها المتعرجة، والأستاذ عزيز ضياء أحد أدباء رعيلنا الأول... تستأنس بآرائه والحوار معه ولكنه يتميز بشيء آخر. إنه يستدرجك إلى الحديث ويبدأ الحوار معك متسائلًا عن خلفيات الحدث الفلاني والظاهرة الفلانية ويصغي إليك كأجمل ما يكون الإصغاء، يجادلك بإيناس تتحسَّسه في ملامحه وارتياح تلمسه في نبرات صوته. إنه يرصد وعي الآخرين ويبحث عن خطوط تقاطع الآراء المشتركة، وهو بذلك يتمم مسيرته الأدبية المتواصلة والمرتبطة بالحياة والتغير رغم تعب السنين ومشاغل الحياة وأعباء حمل الكلمة التي يتمنى أن يؤدي واجبها كاملًا. رحلة قصيرة مع الأستاذ عزيز ضياء في هذا الحوار الذي كتبتُ أسئلته وتركتها له ليجيب عنها حين يختلس جزءًا من وقته المزدحم بالكثير من المشاغل والارتباطات.

 

لنتحدث أولا عن تجربتكم الحياتية والثقافية...


تجربتي الحياتية، أكتبها في قصة يمكن أن أقدمها للنشر قريبًا. ولذلك أفضل أن لا أشغل وقتكم أو وقتي بالحديث عنها. ولكن يمكن أن ألخصها لكم في أنها كانت حافلة بمحاولة تجاوز الواقع الى الحلم، وهو ما اصطلحنا على أن نسميه (الطموح). والحلم -أي حلم مستقبلى- ليس بالضرورة هو الأفضل دائمًا، إذ ما أكثر ما يتكشف عن الأردأ، أو حتى الأرذل. ومع ذلك فإن صدمة الاكتشاف عندي، لم تثبط الاصرار على الاستمرار في المحاولة. وأعتقد أن لا تستكثر على أن أقول اليوم، وقد تجاوزت الستين، إني لم أنقطع عن المحاولة، بل لا يبدو أني سأنقطع عنها، ما دمت أَدبُّ على سطح الأرض. أما تجربتي الثقافية، فأحسن ما أصفها به، أنها كانت، ولا تزال، إحساسًا صادقًا وعميقًا بالجهل الذي لم أفقد قط الرغبة في التخلص منه والخروج من ظلماته... كثيرًا ما قلت إني مجرد طالب علم... ولكني أشعر اليوم -أكثر من أي وقت مضى- أني أعطيت نفسي صفة لا أستحقها، لأني أتمتع، في الحقيقة، بالقدرة على تكريس وقتي وحياتي لطلب العلم. شُغلتُ -ولا أزال- بمطالب العيش التي لم تَسطُ فقط على رغبتي في التخلص من الجهل، وإنما أيضًا، وبأكبر قدر من توحش السطو والاغتيال على عناصر القضايا الفكرية التي رأيتها وأحسست إلحاحها على ذهني ولكني عجزت عن معالجتها بعمل فكري... فإذا صارحتك بأني حزين... أتمزق حسرة أحيانًا، على أني لم أكتب بعد، معالجة لأي قضية من هذه القضايا، فإني أزيح الستار عن حقيقة المأساة في نفسي وربما نفوس أمثالي ممن مشوا الدرب الطويل نفسه.

 

 

 

عزيز ضياء مع علي الدميني أثناء الحوار.

أنتم أحد الأصدقاء الحميمين الذين رافقوا مسيرة الأديب الكبير المرحوم حمزة شحاتة، ومن هذا المنطلق نود أن نتحدث عنه وعن حياته وفكره من خلال المحاور التالية: كيف نَبَغ حمزة شحاتة فكرًا وفنًّا في بيئة متخلفة لم نجد فيها أحدًا من أقرانه يقاربه قدرةً شعرية وصياغة أدبية وفلسفية خاصة؟

 أظن أن النبوغ ظاهرة يصعب تفسيرها... يصعب أن نتساءل كيف نبغ فلان، ليس فقط في بيئة متخلفة، وإنما في كل بيئة على الإطلاق... لا نستطيع مثلًا أن نفسر كيف نبغ أديسون في اختراع المصباح الكهربائي والفونوغراف.. أو كيف نبغ أينيشتاين في اكتشاف النظرية النسبية أو غيرها من قوانينه الرياضية، كما لا نستطيع أن نقول: لماذا لم ينبغ المئات والألوف ممن كانوا يعيشون البيئة نفسها، والظروف نفسها، التي كان يعيشها أدیسون وأینیشتاین.
ومع ذلك يمكن القول إن حمزة شحاتة رحمه الله كان فريدًا في قدرته على هضم ما يقرأ وكان يحسن اختيار ما يقرأ، ثم القدرة على الاستنباط والتخريج والقياس من عناصر الموضوع أو القضية الفكرية التي يقرأ عنها، وهذا إلى جانب شغفه العجيب والفريد أيضًا بمناقشة وحوار الفكرة التي تُعرض له أو تُطرح عليه... لا أستبعد أنه قد تأثر بأسلوب وأفلاطون في الحوار... ولا تستغرب أن يستوعب حمزة أو غيره أسلوب أفلاطون أو غيره من فلاسفة الإغريق، وهو لا يعرف لغةً أجنبية؛ إذ كانت مجلة "المقتطف" في أوائل الثلاثينيات تنشر بحوثًا قيِّمة بأقلام كبار العلماء عن الفلسفة اليونانية ومنها فلسفة افلاطون في جمهوريته أو فيما يُعرف باسم "المائدة" (Dinner party). ولست أدري لِمَ، أو كيف حكمت على بيئة حمزة، أو بيئة رصفائه بالتخلف؟ قد يكون لكلمة "تخلف" عندك مفهوم معين أكاد لا أراه... إذ الواقع أن حمزة لم يكُن المثقف الوحيد، أو الشاعر الوحيد في تلك الأيام. حسبك أن تذكر، أو أن تعلم، أن رعيلًا من المثقفين قد سبق حمزة إلى الظهور كأدباء وشعراء ورجال فكر، منهم الأستاذ محمد حسن عوّاد رحمه الله، وقبله المرحوم الشيخ محمد سرور الصبَّان، والأستاذ عبدالوهاب آشي، والأستاذ محمد سعيد عامودي، والأستاذ عمر عرب... حمزة ظهر بعد هؤلاء وكان شاعرًا دون شك، ولكن محمد حسن عوّاد كان شاعرًا كبيرًا ورجل فكر أيضًا والذين ذكرتهم، ومعهم آخرون في جدة ومكة كانوا يمثلون الحركة الفكرية أصدق تمثيل، فالبيئة التي ظهر فيها حمزة لم تكُن متخلفة عنه. ولم يكُن هو متقدمًا أو متفوقًا عليها. يمكن أن تقول إن عطاءه الفني كان متميزًا، وإن قدراته كانت متعددة في مجال الشعر، والنثر، وفي الحديث والحوار، وكانت له تأملاته الفلسفية الخاصة، ولكن هذا لا ينفي وجود الآخرين من رصفائه وممن سبقوه في الظهور.


ما سر انطفاء الشعلة الملتهبة في دمه وقلبه وتحولها الى اجترار حزين وألم يائس وانتهائها باعتزال الحياة الثقافية والعزوف عن النشر؟

لا أعرف أن شعلة الفن والفكر قد انطفأت في حمزة، ولا أعرف أنها قد تحولت الى اجترار حزين وألم يائس... ربما قيل هذا عنه لأنه اعتزل الناس فترة طويلة من يعني انطفاء الزمن، ولكن اعتزال الناس لا يعني انطفاء الشعلة وانحسار التوهُّج الفكري في ذهنه. ثم اعتزال الناس لا يعني اعتزال الحياة الثقافية، هذا لم يحدث قط. أذكر مثلًا أنه قد استخدم من يقرأ له ساعات من النهار ما يختاره من الكتب، وقد ظل على ذلك فترة طويلة ربما امتدت الى آخر أيامه رحمه الله.
إذا كان المقصود بما تقول أنه لم ينشر، فحمزة عُرف بزهده في النشر، كما عُرف عنه صعوبة رضائه عمّا يكتب من الشعر أو النثر، فكثيرًا ما مزق ما كتب. وأما اعتزال الناس، فكان نتيجة طبيعية لضعف بصره، وهو شديد الحساسية، يزعجه كثيرًا أن يظهر متوكِّئًا على من يقوده من مكان إلى آخر.


هل صحيح أنه طلَّق الشعر في سنواته العشر الأخيرة، حيث كنا قد قرأنا حوارًا معه قال إنني لم أسعد في حياتي قط كعادتي بتطليق الشعر؟

ولكني لا أعرف أنه طلق الشعر في أيامه الأخيرة، لا أدري إن كان قد كتب شعرًا في تلك الأيام.


هل کُرِّم شحاته كما يجب؟ وهل لقي الاحتفاء الذي يليق به؟

لم يُكرَّم حمزة، كما لم يُكرَّم محمد حسن عواد، وحكاية التكريم هذه غير واردة في حياتنا للأسف. ولكن هذا لا يعني أن المثقفين لم يشعروا بقيمة الشاعرَين الكبيرين ومكانتهما، ولعلك تذكر كيف امتلأت الصحف في المملكة بمقالات الرثاء، طافحةً بالثناء والتكريم بعد وفاة حمزة، ثم بعد وفاة العواد. ومع ذلك، فإن ما كُتب عن حمزة حتى اليوم يظل هامشيًّا -إذا لم أقل تافهًا- وعلى الأخص بعد أن نشرت مؤسسة تهامة محاضرته التي أعتبرها واحدةً من أعظم الأعمال الفكرية في مسيرتنا الثقافية. لم يُعنَ أي كاتب بالتنويه عنها فضلًا عن دراستها. إنها وحدها قبل شعره جديرة بأن يفرغ لها الدارسون، إذ فيها ما يستحق الدراسة والتحليل، وكذلك ما يكشف عن منابع فكره من جهة، وعن اتجاهه الفكري وفهمه لقضايا مجتمعه من جهة أخرى. لا تقل لي لِم لا أفرغ لها أنا مثلًا، فإني أعيش أزمة وقت وزحمة أعمال أدبية وفكرية لا أدري كيف أفرغ لها، وكيف أستطيع إنهائها... على كل حال، لا تنسَ أن في الساحة اليوم من الأدباء والعلماء والأكاديميين الكبار من هو أقدر على أن يفرغ لأي دراسة من أي نوع... المهم أن توجد الالتفاته، وأعتقد أنها ستوجد في يوم غير بعيد.

 

لك مشاركات في حياتنا الثقافية بشكل عام، فنقرأ لك تحليلات سياسية قد لا تصل الى مستوى قيمتك الثقافية، ولكننا نقرأ لك ترجمات جيدة ومحاولات روائية أيضًا وانطباعات نقدية، فأين تجد نفسك: بمعنى أي هذه الأشكال التعبيرية يستطيع حمل مشاعرك وما تود البوح به للآخرين؟
أين أجد نفسي من الأشكال التعبيرية التي ذكرتها؟ سؤال يمس ما يشبه الجرح الدامي في نفسي، إذ الواقع أني لم أستطِع اليوم أن أعطي أو أن أبوح بما يعبر عن حقيقة مشاعري وفكري، وما يمكن أن يُسمى بناءً فنيًّا لهذه المشاعر والأفكار. سوف يظل كل ذلك أحلامًا لا أدري إن كان قد بقي في العمر وفي الظروف ما يسمح أن يتيح لي تحقيقها.


يُقال عادةً إن المجتمعات الساكنة لا تخلق بيئة ثقافية صالحة لكاتب الرواية وإن المجتمعات المحافظة لا تتقبل القصة القصيرة المباشرة، ولا الكلمة الشاعرة الواضحة، فكيف يخرج الروائي والقاص والشاعر عندنا من براثن هذه المعيقات الموضوعية حتى يبدع فنًّا يصل خلاله إلى قلوب الآخرين ويتحاور مع من أفكارهم؟

اعذرني، فإني لا أفهم ما تعنيه بالمجتمعات الساكنة. إنك تعني على الأرجح المجتمعات المحافظة. فإذا كان هذا ما تقصد، فقد أوافقك على أن القاص والروائي أو الشاعر في هذه المجتمعات لا بد أن يخضع لقوانين وعادات وتقاليد هذه المجتمعات، لا بد أن يطوِّع فكره لهذه القوانين والعادات والتقاليد. ولذلك لا سبيل إلى أن يعطيك حقيقة فكره وفته إلا إذا استطاع أن يمارس نوعًا من اللعب على الحبال، في محاولة، كثيرًا ما تفشل، لتغطية ما يؤاخَذ عليه من المجتمع. ومع ذلك، فإن المحاولة قائمة وماضية في طريقها، ولن تتوقف، ولا أستبعد وجود من يجرؤ على تجاهل قيود وتقاليد المجتمع، فيعطينا العمل الفني الأصيل، ولكن لا بد أن يدفع ثمن هذه الجرأة. وكثيراً ما يكون الثمن باهظاً لا يطاق.


ما هو تقويمكم لحركة الأدب الجديد التي يرفع لواءها جيل الشباب وبعض أساتذة الجامعة من نفس الجيل، وما توقعاتكم لهذه الحركة خلال العشر سنوات القادمة؟

إذا كنت تعني بالأدب الجديد، هذا الذي نقرأه لجيل الشباب من شِعر وقصة ومقال إلخ... فإن الطبيعي أن يأخذ حظه من الانتشار، وأن يجد قُرَّاءه والعاكفين على دراسته واستيعابه ما دام قادرًا على أن (يقول شيئًا)، وبعبارة أخرى ما دام قادرًا على توصيل فكره إلى القارئ (المثقف)، بغض النظر عن أسلوب ولغة التوصيل... قد يختلف الأسلوب وقد تختلف لغة هذا الأسلوب عن المألوف من معاني ألفاظ معينة، ولكن ما دامت قادرة على توصيل فكر الكاتب، فليس ما يمنع أن تجد سبيلها الى المدارك والأفهام.
أما عن توقعاتي لها خلال العشر سنوات القادمة، فإني أقول إن السوق هي التي تحكم... ومعذرة للتشبيه، إذا قلت إن العطاء الفكري يظل سلعة تُعرض إلى جانب أمثالها. فالجيد منها لا بد أن يجد من الطلب ما يفرضه على الساحة بكل ما فيها من المثقفين...
والجيد في تقديري هو الذي يستطيع أن (يقول شيئًا)... يستطيع أن يوصل فكرة الكاتب أو معانيه وصوره إلى القارئ، بغض النظر عن الأسلوب واللغة. ليس ضروريًّا أن يكون الشعر عموديًّا وموزونًا مقفى، وليس ضروريًّا أن يكون حريصًا على قواعد البلاغة والبيان من تشابيه واستعارات بمختلف أنواعها، ولكن لا غنى له عن أن يكون المعنى أو المعاني والصور فيه مضيئةً تجد طريقها إلى المدارك والأحاسيس والمشاعر، وما أكثر الأعمال النثرية التي تخرج لسانها بالألوف من قصائد الشعراء القدماء والمحدثين على السواء.

 

---

نشر عزيز ضياء عددًا من القصص القصيرة في مجلة القافلة منها (قصة الطفل) و (قصة السيَّارة).

 

 

قصة قصيرة 

الطفل
بقلم الأستاذ عبدالعزيز ضياء
نشرت في قافلة الزيت عدد جمادى الأولى 1390هـ (يوليو - أغسطس 1970م)


لا يذكر شيئًا عن أبيه، إلا ما تحدثه به أمه، كلما رأى أمثاله من الأطفال يمشون صحبة آبائهم إلى المدرسة أو إلى الأسواق في الصباح. ولم يستطِع أن يتخيل وجه هذا الأب قط، وإن كانت والدته تؤكد أنه يشبه أباه في كل قسمة من قسماته، بل حتى في حركة يديه حين يتكلم، وفي مشيته حين يمشي، وفي ارتفاع جبهته واشراقها على الأخص.
ومع أن أمه كثيرًا ما كانت تَضيق بأسئلته المتلاحقة الملحة، فقد ظل يتلهف على سماع أي حديث عن أبيه، فيبتكر الوسائل ويحتال الحيل لإغرائها بالتحدث عنه، خصوصًا حين يتناول عشاءه معها بعد الغروب، أو حين تأخذ في تهيئة فراشه للنوم.

وكان مما سمعه واستقر في أغوار نفسه، أن أباه كان يحفظ القرآن الكريم، ويصلي في رمضان صلاة التراويح إمامًا، يقرأ فيها أجزاءً كثيرة من المصحف. فإذا انتهى من الصلاة احتفل به المصلون، ومنهم من يقدم له الهدايا يعود بها إلى منزله قبل مدفع السحور.
وبقدر ما كان معجبًا بهذه الصورة عن أبيه، كان تشوّقه لرؤياه. ولم يحدث أن قالت له أمه إنه مات كما يموت كثير من الناس.. كانت تؤكد له أنه قد سافر منذ زمن طويل. فاذا سألها: متى يعود؟ تكتفي بأن تقول له إنه سيعود عندما يفرغ من عمله في المكان البعيد.

ولم تقل له أين هذا المكان، فإذا اشتد في إلحاحه عليها بالسؤال، تكتفي بأن تشير بيدها إشارة لا يفهم منها إلا أنه مكانٌ بعيد جدًّا، لا سبيل إلى أن يعرف عنه شيئًا على الإطلاق.
وفي ذات صباح باكر، سمع باب البيت يُطرق، وكانت أمه ما تزال نائمة، فركض لاهثًا، وفي قلبه الصغير أمل محموم بأن الذي يطرق الباب في هذا الصباح هو أبوه... سيراه حين يفتح الباب، وسيقذف نفسه بين ذراعيه وسيحمله أبوه على كتفه كما يفعل جميع الآباء مع أبنائهم حين يطيلون الغياب في مكة أو في الطائف، أو غيرها من هذه المدن التي يسمع أن الآباء يسافرون إليها بين الحين والحين.
وفتح الباب لاهثًا ليجد أمامه رجلًا يحمل حقيبة معلقة على كتفه وفي يده ظرف، يسأله عن بيت أحد الجيران. وابتلع إبراهيم أمله الضائع، وتطوع فمشي مع ساعي البريد إلى بيت الجيران، ونادى أحد الصبية من لِداته (1)، ورأى بعينين ذاهلتين، كيف استلم الصبي البرقية وكيف طار بها إلى داخل المنزل، وهو يهتف: ماما... يا ماما.. برقية من أبي...

وعاد إبراهيم إلى بيته، وفي ذهنه أن الآباء يرسلون هذه التي يسمونها برقية تخبر أبناءهم بما يريدون، وقفز إلى ذهنه سؤال: ترى لِم لا يرسل أبوه برقية، كما يفعل الآباء..؟ وعاد بذاكرته إلى السنين التي مضت من عمره، ليجد أنه لم يسمع قط أن أباه قد أرسل برقية، أو أن أمه حدثته عن شيء من هذا النوع.. منذ وعى الحياة حتى اليوم.
ولا يدري لم تهيب أن يوقظ أمه في هذا الصباح وأن يسألها السؤال الوحيد الذي لم يسبق له أن فكر في توجيهه إليها قط. وارتمى في فراشه بجانبها، ولم يستطِع أن يمسك دموعًا ظلَّت تتلاحق على وجنتيه الشاحبتين في صمت.
وعلى مر الأيام أخذ إبراهيم يدرك من حقائق الحياة ما لم يكُن يدركه من قبل، وكان أهم ما أصبح يعيه ولا يستطيع له تفسيرًا، هو أن أمه تعمل، وأن الزائرات الكثيرات اللائي يغشين البيت، يأتين بالأقمشة تخيطها لهن ثم تأخذ على كل فستان أجرًا. ومن هذه الأجور التي تبعثه لمطالبتهن بدفعها مرات ومرات، تؤمِّن ما تنفق به على نفسها وعليه، وأنها كثيرًا ما تورطت في نزاع مع اللائي لا تعجبهن حياكتها، ويبلغ النزاع حدَّ الشجار، فيقذفن في وجهها الأقمشة، ويسمعنها كلامًا قاسيًا.

فإذا ذهبن عن البيت استسلمت للبكاء في صمت، وردَّدت في تأوه عميقٍ حزينٍ كلمةً واحدة لم يسمع سواها قط وهي: "يا رب... يا رب.. يا رب" فلا يملك إلا أن يرتمي على ذراعيها باكيًا إلى أن يهدأ جأشها وتنهض لتبدأ عملها الرتيب.
ومن الحقائق التي أدركها أيضًا، أن حكاية عودة أبيه حكاية خيالية، تخترعها أمه اختراعًا كالكثير من هذه الحكايات التي يسمعها من السيدات العجائز اللائي يزرن أمه بين الحين والحين. وأخذ يدور بذهنه في متاهات لا حصر لها أَلِفَ أن يضيع في حواشيها، واستطاع أن يخرس كل محاولة للخروج منها حين رأى كيف تترقرق الدموع في عينيِّ أمه كلما دار الحديث بينه وبينها عن الغائب الذي لا يريد أن يعود.
وفي ذات يوم، قالت له أمه: بعد غد السبت سأذهب بك إلى المدرسة. وسنذهب اليوم إلى السوق، لأشتري لك حقيبة وأقلامًا ودفاتر وأشياء كثيرة أخرى.

وحين وقفت به أمه أمام مدير المدرسة، وقالت إنها زوجة "عبد الرحمن توفيق"، وأن هذا ابنه إبراهيم، رأى في وجه المدير اهتمامًا وحفاوة وترحيبًا. وحين ذهبت أمه، وتركته في غرفة المدير، سمع هذا يقول لكاتب بجانبه: "كان أبوه رجلًا فاضلًا، سافر من البلد، وهذا الولد في بطن أمه، والعجيب أن أحدًا لا يعلم أين هو، منذ غادر البلد حتى اليوم.. لم يبعث حتى برقية الوصول. يُقال إنه في الهند، ولكن الهند كبيرة كما تعرف، والله يعلم أين يعيش إن كان ما يزال حيًّا". ثم التفت إلى إبراهيم وسأله: "ألم تصلكم أخبار من أبيك يا إبراهيم؟".... وطأطأ رأسه لا يحير جوابًا. وشُغل المدير بما أمامه من العمل، ثم قام الكاتب وأخذه معه إلى أحد الفصول.

وطوى إبراهيم أربع سنوات من المرحلة الابتدائية بنجاح. وحين استطاع أن يقرأ ويكتب تفتح ذهنه على كثير من حقائق الحياة، وكان أهمها أنه يعيش على شقاء أمه وسهرها الليالي الطويلة وراء آلة الخياطة، ولا بد له أن يفعل شيئًا ليخفف من عنائها إن لم يستطِع أن يريحها من العمل تمامًا. وشرع يتتبع إعلانات الوظائف الشاغرة في الصحف، ويقرأ هذه الشروط التي تُنشر إلى جانب كل وظيفة. وعجز أن يجد بينها وظيفة واحدة يمكنه أن يلتحق بها دون أن يحمل الشهادة الابتدائية. وكان بينه وبين السنة النهائية سنتان بكاملهما.. كان في أول السنة الخامسة، ولا سبيل إلى الشهادة إلا بعد سنتين. وفهم من زملائه أنه يستطيع أن يتقدم للشهادة من المنزل، فينال الشهادة بعد عام. وصمم على أن يخطو هذه الخطوة حين كان في الحصة الأخيرة من يومه الدراسي، وما كاد يخرج من باب المدرسة، حتى أسرع خطاه إلى البيت.

طرق الباب في استعجال لاهث. وما كاد يرى أمه حتى هتف: "سأنال الشهادة في نهاية العام.. سأختصر سنة بطولها"، وقبل أن تتماسك من دهشتها، قال: "وبمجرد أن أحمل الشهادة سأتوظف.. أتوظف يا أمي وتستريحين أنتِ من هذا التعب"، وقفز يأخذ وجهها بين يديه ويغمره بالقبلات... ورأى كيف يحتقن وجهها، وتمشي في قسماته سحابة من حيرة وارتباك.. انتظر أن تقول له أي كلمة، فلم يسمع منها شيئًا وقبلته قبلات أحس أنها أقل حرارة من تلك التي عهدها منها كلما جاءها بشهادة من شهادات النجاح، أو بأخبار الثناء الذي كان يجده من المدرسين.

ودخل الغرفة التي تستقبل فيها زائراتها فرأى سيدة لم يسبق له أن رآها من قبل. وقالت أمه: "هذا ولدي إبراهيم"، ثم التفتت إليه تقول: "هيا اذهب واخلع ملابسك، واغسل وجهك، وسألحق بك".. وخرج من الغرفة متباطئًا، وما كاد يمشي خطوتين حتى سمع السيدة الزائرة تقول: "سيحبه كما يحب ابنه، بل هو يحبه منذ زمن طويل.. كثيرًا ما حدثني عن ذكائه وجده واجتهاده".

ومشى وهو يتساءل: ترى من هو هذا الذي تتحدث عنه السيدة الزائرة. وقبل أن يضع حقيبته في ركن الغرفة، كان يرى صورة رجلٍ... مجهول.. هو الذي جاءت السيدة من أجله، وكانت ما تزال تتحدث عنه. وتساءل "ماذا يعني هذا؟"... واستطاع أن يطرد عن ذهنه فكرة العودة إلى الممر ليسمع المزيد، وليعرف ماذا هناك.
ولم يطل به الانتظار، فقد سمع أمه تودع السيدة وهي تردد: "يختار الله ما فيه الخير..."، وسمع السيدة تقول: "كل شيء قسمة ونصيب". وحين دخلت أمه الغرفة التي قبع في ركنٍ منها، رأى في عينيها أنها قلقة حائرة.. تريد أن تقول شيئًا.. أشياء كثيرة ولكنها لا تستطيع..

وعادت إلى ذهنه صورة الرجل المجهول الذي سيحبه، كما يحب ابنه، وامتلأت نفسه بهذه الصورة، ووراءها مشاعر غامضة.. غاص لها قلبه الصغير.. وظل هو أيضًا يريد أن يقول شيئًا فلا يستطيع...
وأخيرًا استطاع أن يهمس: "ماما.. من هو الذي تتحدث عنه السيدة التي كانت هنا؟". وكأنما قد ألقى إليها بما ينتشلها من الغرق، فقالت: "إنه.. إنه مدیر مدرستك يا إبراهيم، وهذه أمه".. ولكنها لم تستطِع أن تقول شيئًا.. فقد التزمت الصمت، وانصرفت تُعد له غداءه.. وفي نفسها أنه قد فهم كل شيء.

ولم يعُد إبراهيم إلى الحديث عن الشهادة التي سيتقدم إليها من المنزل، وضاعت أحلامه الكبيرة في النجاح الذي قرَّر أن يعمل له ليتوظف، وليريح والدته من العناء الطويل.
وحين خرج من البيت إلى المدرسة في صباح اليوم التالي، كان يعلم أن مديرها قد خطب أمه لنفسه، وأنه هو الرجل الذي سيحبه كما يحب ابنه.
ولمح المدير وهو يدخل فناء المدرسة، فأغضى وأطرق، ومشى بين لِداته، وكأن بحرًا لا قرار له يلتهم كيانه الصغير ويلفه في أحشائه، فلا يستطيع أن يستسلم لمصير غامض بعيد.
وخلال حصة الفقه التي كان يلقيها المدرس كان ذهن إبراهيم مشغولًا بأمه التي لم يعُد يشك في أنها ستتزوج المدير.. ثم بأبيه الذي قالت له مئات المرات، إنه يشبهه هو في كل قسمة من قسماته، بل حتى في حركة يديه حين يتكلم، وفي مشيته حين يمشي، وفي ارتفاع جبهته على الأخص. واستطاع أن يجمع شتات ذهنه وأن يقول لنفسه إن المدير لا يشبهه في شيء أبدًا، فهو لا يشبه أباه إطلاقًا. وردَّد كلمات السيدة والدة المدير وهي تقول: "إنه سيحبه كما يحب ابنه".. وغاص قلبه مرة أخرى ومرات، فقد كان يعتقد أن الوحيد الذي يحبه في هذا العالم هو هذه الأم التي لم يرَ في حياتها سواه، ولم يشعر قط بمن يعطف عليه سواها. وأوغل في التفكير إلى أن وجد نفسه يتساءل: ترى أين سينام حين تتزوج أمه المدير؟.. لن ينام إلى جانبها، ولن يسمع حكاياها الحلوة، ولن تجيبه على أسئلته الكثيرة أمه عن أبيه الذي سافر ولم يعُد، وعن حفظه للقرآن، وصلاته إمامًا في رمضان. 

وانتبه على صيحة من مدرس الفقه وهو يوجّه إليه سؤالًا لم يكُن قد سمعه، ولم يكن في ذهنه ما يجيب به عليه. وكانت هذه أول مرة يسمع فيها مثل هذه الصيحة، ووراءها كلمة تأنيب كثيرًا ما حرص على أن لا يسمعها من المدرسين.
وقبل نهاية الشهر، كان كل شيء قد تم.. وحين عاد من المدرسة بعد ظهر يوم الخميس، كان يعلم أن أمه -وهو معها- سيغادران بيتهما إلى بيت المدير. وظل السؤال الذي لم يستطِع أن يوجهه إلى أمه هو: أين ينام حين يذهب معها كان يعلم إلى البيت الجديد؟..
ورأى وجه أمه وهو يدخل عليها بعد الظهر ذابلًا شاحبًا، ورأى في عينيها بقية من دموع. وبكي.. بكى كما لم يبكِ في حياته قط، وبكت هي أيضًا وهي تضمه إلى صدرها النحيل وتغمر وجهه بما لا حصر له من قُبَلٍ فيها كل ما تستطيع لإرضائه فيما بدا لها أنه كارثة بالنسبة للطفل الصغير.
ومع ذلك، لم يستطِع أن يسألها أين ينام في بيت المدير..

ومضى وقت الظهيرة بطيئًا ثقيلًا.. كانت مضى أمه خلاله تجمع أمتعتها في الحقيبة الكبيرة، وقد رأى بينهما أردية جديدة ذات ألوان وزجاجات عطر وزخارف مما يتحلى به النساء.. ورأى أمتعته هو ملقاة هناك على طرف الوسادة وبينها الحذاء الجديد الذي اشترته له في عيد رمضان.. ترى هل تفكر أمه في أن تتركه وحده في هذا البيت وأن تذهب وحدها إلى بيت المدير؟! قال لنفسه: "ليتها تفعل.. وردَّد أمنيته وهو ما يزال يغص بدموعه، وهي ما تزال دامعة العينين، تجهش بالبكاء كلما ألقت عليه نظرة، ورأت أنه ما يزال يجتاز طريقه الوعرة إلى المصير المجهول.

وفي لحظات الغروب، أخذ الباب يطرق بين الفينة والفينة، وتدخل منه سيدة من الجارات والمعارف اللائي سيذهبن مع أمه إلى بيت العريس، فلا تكاد الواحدة منهن تراها باكية شاحبة حتى تشهق هي أيضًا وتأخذ في البكاء، مع كلمات المواساة والعطف والتشجيع.
وقالت إحداهن: ستأتي السيارة بعد صلاة العشاء.. قال أبو محمد إنه سيصلي العشاء ويجيء ليأخذنا.
وقالت أخرى: وأبو حامد أيضًا سيأتي بسيارته ومعه الرجال، وإبراهيم...
وأدرك إبراهيم أنه لن يبقى في هذا البيت منذ اليوم.. سيذهب مع أمه إلى بيت المدير. ومرة أخرى وجد نفسه يقول: "كلا إن المدير لا يشبه أبي إطلاقًا، ولن يحبني كما يحب ابنه.. وحتى أمي.. وابتلع أفكاره عن أمه، فقد كان لا يطيق أن يتصور أن يُحرم منها هي أيضًا..

وارتفع بوق سيارة قالت كل سيدة إنها ليست سيارة إحداهن.. وعقَّبت أخرى: "لعلها مُرسَلة من العريس".. وهتفت ثالثة تقول: "قم يا إبراهيم وانظر من هناك".
ونهض إبراهيم متثاقلًا، وهو يسمع من يناديه هو بالذات.. كلا لم يكُن صوت طفل من الأطفال، ولم يكُن صوت المدير، ولا صوت أحد من الجيران.. وقبل أن ينتهي من الممر، رأى أمه تركض خلفه، وتهتف: "أبوك.. أبوك يا إبراهيم".

وارتفعت ضجة النساء، وكلٌّ منهن تهتف: "أبوك.. أبوك.. أبوك عبد الرحمن، يا إبراهيم"...
وأحس إبراهيم بأن كل شيء حوله يدور... وتلاشت الضجة التي ملأت الممر، وساد الصمت.. ولم يعُد إبراهيم يعي شيئًا مما حوله، وحين فتح عينيه رأى وجهًا حانيًا عليه... كان هو.. الرجل الذي يشبهه في كل قسمة من قسماته، وفي ارتفاع جبهته وإشراقها على الأخص...

وأدار عينيه في المكان، فرأى رجالًا كثيرين، ورأى المدير، ومدرس الفقه، وسمع صوت أبيه لأول مرة، وهو يقول: "الحمد لله.. أنه بخير" وسمع رجلًا عرف أنه الطبيب، وهو يقول: "فعلًا إنه بخير" وسمع النساء خارج المكان يتهامسن: "لقد صحا.. صحا، اطمئني يا أم إبراهيم إنه بخير..." وحمله أبوه على صدره، ونهض به وهو يقول: "طريق.. طريق يا جماعة"، وانطلق في الممر إلى الغرفة التي ينام فيها إبراهيم.. كان فراشه هناك، وكانت أمه في ركن الغرفة مع بقية النساء.
ونام إبراهيم ليلته، وحين استيقظ في الصباح، رأى نفسه لأول مرة يجلس لتناول إفطاره مع
أمه وأبيه.


هامش: 
(1) لِدَة الرجل: قرينه الذي يماثله عمرًا.

 

 

---

قصة قصيرة 
السيَّارة
بقلم الأستاذ عبدالعزيز ضياء
نشرت في قافلة الزيت عدد ذو القعدة 1391هـ ديسمبر 1971/ يناير 1972م




مَايزال هزاع يذكر كيف كان يقف على رصيف الشارع حيث تمر به هذه السيارات التي لم يكن قد ركب واحدة منها قط، حتى ولا على سبيل المجاملة من صديق سائق، أو على سبيل التجربة المختلسة، حين يقف بها أصحابها ويتركونها أمام المعارض الكبرى في الشارع العام.
ومع ما كان يعانيه من شظف العيش، وتعاقب أيام التعطل عن العمل، فقد كان لا يتمنى شيئا، كما ظل يتمنّى أن يركب – ولو لدقائق - سيارة من هذه السيارات الفارهة التي تتزاحم على المرور ، وتتفنّن في أصوات الأبواق ، ورشاقة الحركة في الوقوف والانطلاق، ثم فيما تشع من أضواء كاشفة في مقدماتها وأضواء حمراء كقطع من الياقوت في مؤخراتها وهو يرى بعينيه الزائغتين الذابلتين ما يتلامع وراء زجاج النوافذ من وثارة المقاعد بألوانها الزاهية، والجالسين فيها كأنهم، في تقديره، مخلوقات من عالم آخر، لا صلة له بأمثاله من البشر على الرصيف.
وكان يردد في حرقة ولهفة: كيف؟ كيف أستطيع أن أجلس في مقعد من هذه المقاعد الوثيرة ... حتى ولو في الحلم ...
وحين يسمع من أعماق نفسه من يقول له:

ألم تجيء على السيارة، يوم جئت من القرية الى المدينة؟ كان ينتفض كالملسوع ليقول: لم تكن تلك سيارة.. كانت أي شيء الا ما يسمى سيارة كما يراها ويرى المئات منها تتلاحق أمام عينيه وهو في مكانه من الرصيف. لقد انتقل من قريته على سيارة ناقلة للمياه، ولم يجد له السائق مكانا بجانبه فأركبه على خزّان الماء نفسه، وهو ما يزال يذكر كيف رأى الموت وجها لوجه في كل مرة كانت السيارة فيها تتعرض لمطب يتعرض هو معه لخطر السقوط والدهس لولا ما ظل يبذله من جهد المستميت للبقاء في مكانه فوق الخزّان.

وقد تنفس الصعداء حين وقفت ناقلة المياه أخيرا عند مشارف المدينة وصاح به السائق أن (يتوكّل على اللّه..) فهبط وهو يحمد اللّه على السلامة، ودفع للسائق الريالات العشرة، وقد كانت كل ما معه من المال، وهي كل ما استطاعت أن تمنحه اياه والدته من ثمن البيض الذي كان يبيعه على المارين بقريته من ركاب السيارات.

وليس يدري لم ظلت نفسه لا تتمنى شيئا كما نتمنى أن يركب سيارة من هذه السيارات، منذ اللحظة التي أخذ يمشي فيها الى المدينة ويبحث عن عمل من الأعمال التي قيل له في القرية انه سيجدها كما وجدها الكثيرون من أبناء قريته الذين سبق أن تركوا قريتهم طلبا للعمل والرزق الشريف.. لم يفكر قط في أن يغشى مطعما أو أن يسكن بيتا من البيوت ذات الأدوار العديدة، أو أن ينعم بالنوم على فراش وثير.. كان لا يجد بأسا في أن يتناول وجباته على قارعة الطريق، وأن ينام مع من عرف من أبناء قريته في ممر احدى العمارات الكبرى على نفس الوسادة المحشوة بالأعشاب الجافة، وعلى نفس الخلق البالية التي اصطحبها من القرية، وحرص على ألا يفقدها وهو يتدحرج ويكاد يسقط من مركبه على خزّان المياه.. ولكنه كان نائما يشهق بأمنيته الغالية التي ظلت تلح عليه، وهي أن يركب أي سيارة من هذه السيارات الفارهة التي لا يمل النظر اليها، ويتتبع مروقها واحدة بعد الأخرى، ويتأمل هذه الألوان الخاطفة، وعلى الأخص حين يهبط الليل وتأخذ هذه المئات من الأضواء الحمراء والخضراء والزرقاء تتراقص على المعارض الكبيرة التي تتقابل وتتلاحق على امتداد الجانبين من الشارع الكبير..
وقال له أحد رفاقه ذات ليلة أنه سيترك عمله في نقل (البلك) لأنه وجد عملا في ورشة لتصليح السيارات، وان صاحب الورشة يبحث عن آخر، وعرض عليه أن يصطحبه اليه حين يكون الغد إذا شاء.
ولم يتردد هزاع، وان كان الأجر أقل من عمله في نقل (البلك)، وهتف في نفسه: لقد حانت فعلا الفرصة لأن يلمس بيده سيارة من هذه السيارات، وربما استطاع أن يدخل فيها، وان يجلس على المقعد الوثير، ومن يدري فلعل" الحظ يسعده بأن ينطلق به سائق احداها في الشارع الكبير، لأي سبب من الأسباب.

ومنذ اللحظة التي دخل فيها الورشة واتفق مع صاحبها على العمل والأجر، قرر هزّاع ألا يغادرها بأي ثمن. فقد وجد فيها كل ما كان يحلم به.. وجدها مزدحمة بالسيارات الفارهة التي أخذ بمرور الأيام يستطيع النطق بأسمائها الغريبة، ويعرف ما تمتاز به الواحدة منها عن الأخرى، وقد بدأت مهمته بأن يناول هؤلاء الذين يسمونهم((المهندسين))، ما يطلبونه منه حين يعالجون اصلاح ما في السيارة من خراب.. وكانت مشاكله معهم في بادئ الأمر، أن يقول أحدهم (هات واحد ونص) و (البوكس) و (أبو جلمبو) ، فلم يجد بأسا في أن يتقبّل صرخاتهم وأوامرهم القاسية ، فقد أكد له رفيقه ان هذا هو الطريق الوحيد ليتعلّم هو أيضا ، وليصبح في يوم ما مهندسا من المهندسين ويصبح آمرا : هات كذا ، وكذا ..

وانقضى عام، ترك رفيقه خلاله الورشة بحثا عن عمل آخر، وبقي هو على قراره الذي لم يغيّره قط، وهو ألا يغادر ورشة اصلاح السيارات أبدا، قانعا بالراتب الذي يتقاضاه في آخر الشهر، أحيانا، وفي آخر كل شهرين وبعد ثلاثة أشهر أحيانا أخرى.. سعيدا في الوقت نفسه بأنه مقيم على مقربة من هذه السيارات الفارهة التي لم يكن يسره شيء كما يسره أن يأمروه بتنظيف احداها واعدادها لتسليمها للعميل، فينتهزها فرصة ليحلم وهو ينظف مقاعدها، ويجلو قطع النيكل فيها، بأنه يقودها وهي تنهب به الأرض وتنطلق في شوارع المدينة ثم تخرج منها ثم لا يكاد يمتد أمامه الطريق حتى يطير بها الى القرية ... الى أمّه، في عشتها وحولها الدجاج والمعزة ، وأمامها (البرمة) التي تطهو عليها وجبة العشاء ... ترى هل تسعها العشة حين تراه في سيارة الأحلام ؟

وبمرور الايام انتهت مشاكله مع المهندسين، فقد أصبح الوحيد بين العمّال الذي لا يكاد يرى المهندس يمسك بقطعة في السيارة حتى يسرع فيجيئه بالمفتاح الذي يريده قبل أن يطلبه، فيسمع منهم صيحات الثناء والاعجاب.. ومع انه ظل يتمنّي أن يمارس ادارة هذه المفاتيح بيده وفتح هذه الأجزاء المعقدة كما رآهم يفتحونها ويعالجونها فقد حرص على ألا يفعل الا ما يطلب منه، لأنه فهم من روحِ العمل في الورشة ان الصبر وحده هو الطريق لكل ما يريد.
ولم يطل انتظاره فقد وضعوا بين يديه ذات يوم محرّكا قديما صدئًا أخرجوه من سيارة هالكة وطلب منه أحدهم أن يعالج فتحه.. ولم يلبث أن تطوّر عمله وأخذ يشعر انه أكثر من مجرد انسان يؤمر فيطيع، وجد نفسه هو أيضا يصيح ويطلب من شاب يقف بجانبه أن يجيئه بهذا المفتاح أو ذاك من المفاتيح التي يتطلبها فتح المحركات أو قطع منها كلّما دخلت سيارة للتصليح.

وتفتحت عيناه على أسرار العمل، عرف مهمة هذه الأجهزة الدقيقة التي كانت تبدو له وكأنها أعجوبة الأعاجيب وعرف كيف يصلحون هذا الخراب أو ذاك من السيارات ((الأوتوماتيك)) ، على الأخص فقد كان صاحب الورشة معروفا بأنه مختص بإصلاح هذا النوع من السيارات التي تطلب مهارة خاصة لا تتوفر في الكثيرين . وتنبه ذات يوم، الى ان الكثيرين من المهندسين (والمعاونين) الذين كانوا في الورشة لم يبق منهم أحد، لقد تركوا العمل وجاء غيرهم، مرات ومرات، وبقي هو الى جانب صاحب الورشة، وقد أصبح له المركز الثاني فيها بحيث لم يكن أحد من العملاء يشك في أن هزاع يستطيع أن ينوب عن صاحب العمل، فيسلمونه سياراتهم ، بعد أن يشرحوا له ما يعانونه من مشاكلها ، فاذا حدّد لهم موعدا للتسليم ، يذهبون ، ليعودوا في الموعد والسيارات جاهزة على أحسن ما يرام .

ولم ينكّر هزّاع في أن يضايق صاحب الورشة بمطالبه، كان قانعا بالنوم في غرفة بالورشة استطاع أن يصنع لها مروحة تخفف عنه شدة الحر حين ينام في الليل، وبالراتب الضئيل الذي كان يزداد عاما بعد عام، حتى أصبح خمسمائة ريال كاملة. كان يبعث بثلاث مائة وخمسين ريالا منها الى أمه. ويكتفي هو بمائة وخمسين.
وكان الرفاق الذين يقدمون من القرية يبشرونه ان أمه على خير حال، وقد استطاعت أن تبي بيتا وعندها أكثر من خمسين دجاجة، وقطيع من الماشية وخير كثير.. ولكنّها تتساءل لم لا يزورها كما يزورون هم عوائلهم في أيام العطل والأعياد..

ويخفي هزّاع عن رفاقه أمنيته التي ظلّت تلح عليه طوال السنوات.. وهي أن يذهب الى أمه بسيّارته الخاصة وأن يرى كيف ستفرح به وهي تراه وراء عجلة القيادة، حين يدعوها للركوب معه، والانطلاق معها لأداء فريضة الحج ثم الزيارة المدينة المنورة. فاذا ألحو عليه بالأسئلة، يقول لهم "سأزورها في العيد القادم ان شاء اللّه".

واستيقظ ذات صباح على صراخ طفل عند باب الورشة يناديه.. وما كاد يفتح الباب حتى رأى أصغر أبناء صاحب الورشة يقول له ان والده محتاج الى طبيب..
ولم يضع لحظة واحدة، ارتفق السيارة الجيب التي وجدها أمامه، وأحضر طبيبا تعرفه الأسرة، وحين انتهى الطبيب من الفحص، همس في أذن هزاع ان الرجل في حالة خطرة، فاذا نجا من الموت، فقد لا يستطيع أن يعمل لشهور طويلة أو حتى لمدة أعوام.

ومضت شهور وصاحب الورشة طريح الفراش، وهزاع يدير الورشة، ويعنى بصحة المريض التي أخذت تزداد سوءا يوما بعد يوم.. وأطفال الرجل وأسرته يتعلّقون به ويرون فيه الانسان الوحيد الذي يحنو عليهم بعد اللّه.
وأقبل شهر رمضان المبارك. وتكاثر عمل الورشة، وتضاعف دخلها، أضعافا، وكان من عادته أن يحمل الى صاحب الورشة كل ما يدفعه العملاء يوما بيوم. فاذا انتهى الشهر، وقدم غلة اليوم الأخير، أخذ من صاحب الورشة راتبه المقرر وهو يؤكد له أنه يستطيع أن يؤجل الدفع إذا كانت به حاجة الى المال.

وفي اليوم الخامس والعشرين من رمضان، كان حصيلة الورشة من العملاء الذين استلموا سياراتهم خمسة آلاف ريال استلمها هزاع وحملها الى صاحب الورشة وهو على فراش مرضه، وأخذ يعدها له كما هي عادته، مائة مائة، الى أن تبلغ ألفا، ثم مائة مائة الى الألف الثانية..

وظل هزاع يعد النقود، وصاحب الورشة لا ينبس ببنت شفة، فلما فرغ، وأخذ يتهيأ للخروج، قال له صاحب الورشة: «اصبر يا هزاع.. خذ هذه النقود معك ولك عندي ثلاثة أمثالها..
ولم يفهم هزاع شيئا في بادئ الأمر، وخطر له ان الرجل يهذي، ولكن قبل أن يفتح فمه بكلمة قال صاحب الورشة المريض! "مضى على مرضي وقت طويل، أكثر من عشرة شهور، وقبل المرض، كنت أنت الوحيد الذي أعتمد عليه بعد اللّه، وتقديراً لإخلاصك وامانتك، قررت منذ سنتين تخصيص مكافأة لك، وهذا الدفتر، انظر، أنك لا تقرأ. لقد ظللت أرصد لك مكافأة، في كل شهر، منذ شهر صفر من عام، كنت أعطيك راتبك، خصما من مكافآتك وقد بلغ ما تستحقه عشرين ألف ريال".

ولأول مرة امتلأت عينا هزّاع بالدموع.. ولم يدر ماذا يفعل أو ماذا يقول.. ووجد نفسه ينهض دون أن يتناول ريالا واحد من هذا المبلغ الكبير، ولكن قبل أن يخرج من باب الغرفة، كان أكبر أولاد المريض يدخل الغرفة وفي يده رزم النقود. وكان المريض يهتف به، "خذ مالك يا هزّاع.. فاني لا أدري هل أعيش أم أموت. ولا أحب أن يبقى بذمتي حق لإنسان".
وحين خرج من البيت، وفي يده عشرون ألف ريال، وافق أن يضعها في البنك، كنصيحة صحبه، وقف على رصيف الشارع الكبير، ...
نفس الرصيف الذي كان يقف فيه، ليرى السيارات تمر به وهو يتلهّف على أن يجلس في مقعدها الوثير حتى ولو في الحلم.

وفي ليلة العيد، كان هزاع في سيارته الجديدة، أمام بيته في القرية، وأمه تتهيأ، لتركب معه، بعد أن أوكلت بالدجاج والقطيع جارتها أم جابر، لتقضي العيد في المدينة المنورة، والى جانبها حقيبة من الجلد، فيها الثياب الجديدة التي قال هزاع انه اشتراها لنفسه ولها، من أحد المعارض في الشارع الكبير.

 

 

 

شرح الصورة أعلى الصفحة: عزيز ضياء أثناء عمله في إذاعة عموم الهند في الأربعينات الميلادية.

مصدر الصورة من أرشيف الأستاذ عاصم صالح.