Hero image

افتح يا سمسم

سبتمبر 28, 2026

شارك

خلال التحضيرات النهائية لإنتاج المسلسل التعليمي التربوي "افتح يا سمسم"، زار فريق من مجلة القافلة موقع التصوير ووثق تصوير المشاهد ومراحل الإعداد والإنتاج، وكُتبت المقدمة التالية للمقالة التي نُشرت في عدد ذو القعدة 1399هـ - سبتمبر/أكتوبر 1979م:
قبل أن ينتهي العام الدولي للطفل سيشاهد الأطفال في مختلف أقطار العالم العربي مسلسلًا تلفزيونيًّا تربويًّا حديثًا. وإنْ يكُن هذا البرنامج الأول من نوعه في العالم العربي، فإنه يؤمل أن يكون بداية للعديد من البرامج التربوية الثقافية المتطورة. 
واختتمت المقدمة بسؤال: هل يفتح أبواب المعرفة لأطفال الوطن العربي؟!

بقلم إبراهيم أحمد الشنطي / هيئة التحرير. تصوير: برنت مودي

تقول الدراسات إن عدد الأطفال في الوطن العربي الذين تتراوح أعمارهم بين الثالثة والسادسة يبلغ حوالي 26 مليون طفل. وإنه لا يذهب منهم إلى رياض الأطفال غير نصف مليون طفل. أي بمعدل طفلٍ واحد فقط من كل خمسين طفلًا. أما التسعة والأربعون الباقون، فيقيمون أو يلعبون في البيوت وساحاتها، أو في الشقق وشرفاتها، أو في الطرق والشوارع الضيقة والواسعة، لا يعرفون أي نوع من التعليم أو التوجيه الثقافي، حتى يأتي دورهم لدخول المدارس الابتدائية وقد يمتد بهم العمر إلى ما بعد السابعة أو الثامنة أو أكثر.

شارع السمسم وافتح يا سمسم

لا شك أن الكثيرين من الآباء والأمهات والأطفال، الصغار والكبار، قد شاهدوا البرنامج الأجنبي الناطق بالإنجليزية المسمى: "شارع السمسم" (Sesame Street)، أو لا بدَّ أنهم سمعوا عنه خلال الأحاديث واللقاءات العابرة بينهم. ولا عجب في ذلك، فهذا المسلسل يُعتبر أهم التجارب المرئيّة المُوجّهة لأطفال ما قبل المدرسة، كما قال عنه السيد إدجار فور، رئيس اللجنة التي شكّلتها منظمة اليونسكو، لاستطلاع هذا المسلسل التلفزيوني وتقرير مدى فائدته في تربية الأطفال قبل التحاقهم بالمدارس الابتدائية.

وقد سارع عددٌ من البلدان لتطوير هذا البرنامج وإخراجه بلغات مختلفة بلغت نحو 13 لغة، وصار يُبثُّ في أكثر من أربعين قُطرًا في مختلف أرجاء المعمورة. وهذا الإقبال في الواقع دليلٌ على تقدير المسؤولين عن شؤون التربية في تلك البلدان لأهمية هذا البرنامج في تثقيف الجيل الجديد وتنشئته نشأةً بعيدةً عن الجوِّ التلفزيوني السائد في الوقت الحاضر، المليء بأفلام الرعب والعنف وغير ذلك مما أثار الجدل لدى المربين والآباء على حدٍّ سواء، حول صلاحية تلك البرامج للأطفال.

ملسون دمية يدوية يقوم بتحريكها والتحدث عنها الممثل السوري توفيق العشا.

الممثل الكويتي عبد اللّه الحبيل، الذي يقوم بدور نعمان، يشاهد تمثيله في التلفزيون أثناء فترة استراحة.

نعمان يحاول غسل وجهه.

بدأ عرض "شارع السمسم"، للمرة الأولى، في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عام 1969م، فلاقى إقبالًا كبيرًا. وقد عُرض المسلسل باللغة الإنجليزية في عددٍ من محطات التلفزيون في منطقة الخليج. ولاقى أيضًا تجاوبًا من المسؤولين عن شؤون التربية. الأمر الذي دعاهم إلى التفكير في إخراجه باللغة العربية، لكيلا تظلَّ اللغة الأجنبية حاجزًا يَحُول دون تعلُّم الأطفال العرب لما ينطوي عليه من أفكارٍ قيِّمة. كما أنه يمكن تلافي ما لا يتناسب مع تقاليد المجتمع العربي وعاداته، وإضافة ما يلائمه من مختلف أوجه الثقافة والمعرفة في سائر الوطن العربي.

وقد بدأت فكرة إنتاج النسخة العربية لهذا البرنامج تدخل حيّز الوجود عندما عَهِد المؤتمرُ الرابع لمحطات تلفزيون الخليج العربي، لمؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج، ومقرها الكويت، بمهمة الإشراف على إنتاج المسلسل وتنفيذه. وقد رُصد لهذا المشروع مليونا دينارٍ كويتي، أي حوالي سبعة ملايين دولار أمريكي، ساهمت بها الدول المشتركة في المؤسسة وهي: المملكة العربية السعودية، والكويت، والعراق، والبحرين، وقطر، والإمارات العربية المتحدة.

“

أول برنامج تلفزيوني في الوطن العربي، موجّه إلى أطفال ما قبل المدرسة وفق أسسٍ تربوية. وأول إنتاج لمؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج.

في المكياج يضع بعض الأصبغة على وجه الممثل الكويتي أحمد الصالح الذي يقوم بدور عبداللّه، بائع اللُّعَب العجوز وصديق الأطفال الودود.

الببغاء ملسون في بيته وهو يتحدّث إلى نعمان.

الممثل الكويتي عبد المجيد قاسم يعمل في دكان المرطبات حيث يأتي الأطفال بعد المدرسة.

يُعتبر هذا البرنامج الأول من نوعه بالنسبة إلى الطفل العربي في مرحلة ما قبل المدرسة الابتدائية.

يقول الأستاذ رضا الفيلي، مدير البرامج في تلفزيون الكويت، "إن الموجود في الوطن العربي حاليًّا لا يمكن تسميته برامج أطفال، وإنما هو اجتهادات فرعية مقتبسة من القصص القديم". ولذا فقد أجريت عدة دراسات وبحوث تمهيدية لكي يخرج البرنامج متكاملًا وافيًا بالغرض. ولم يكُن هذا بالعمل السهل، خاصةً وأن البرنامج سيكون للطفل العربي من الخليج إلى المحيط، وليس لأطفال المشرق العربي فقط. وكذلك رُؤيَ استخدام اللغة العربية الفصحى المُبسَّطة السهلة الفهم والنطق. وقد جاء هذا بعد إجراء اختباراتٍ لغوية على العديد من الأطفال في أربع مدنٍ عربية هي: الكويت عن منطقة الخليج، والقاهرة وهي أكبر العواصم العربية، وعَمَّان عن بلاد الشام، وتونس عن المغرب العربي. وقد قام بالاختبار عدد من المدرّسين والأساتذة والمختصين في شؤون التربية. وكان الهدف الأول من ذلك هو تحديد مستوى اللغة الفصحى التي تتناسب وسن الأطفال، دون أن يكون هناك تخصيص لبعض اللهجات المحلية أو الدارجة في بيئة ما، بحيث يصعب على الأطفال في البيئات الأخرى فهمها وإدراكها. فغاية البرنامج منفعة أطفال الوطن العربي عامة في مشرقه ومغربه، واستخدام لهجاتٍ محلية قد يَحول دون بلوغ الهدف بين قُطرٍ وآخر. يقول الدكتور عبد اللّه الدنّان الأستاذ بجامعة الكويت والمشرف على اختبارات البرنامج: "كان من بين أهداف تلك الاختبارات هو التعرف على مدى قدرة الأطفال في فهم بعض المفردات، كأدوات السؤال أو النفي مثل: لماذا، أين، ليس..." فهذه الكلمات غير مُستعملة في اللهجات العامية ويستعملون بدلًا منها : ليش، ليه، وين، فين، مو، ماكو، مش.. إلخ.

في إحدى البروفات أمام دكان خليل للمرطبات، جلس حمد إلى اليمين، ومعه عبد اللّه الحبيل.

“

يتكوّن من 130 حلقة تلفزيونية ملوّنة، كلٌّ منها مستقلة عن الأخرى ويستغرق عرض الواحدة نصف ساعة.

وقد رُؤي تعليم بعض هذه الكلمات بطريقةٍ سهلة مُبسَّطة توفِّر للأطفال المتعة بالاضافة للتعلُّم. فمما يهدف إليه البرنامج توفير فرصٍ تعليمية غير رسمية لأطفال ما قبل المرحلة الابتدائية، تُعينهم على فهم مادة الدراسة الأولية، وكذلك تعليمهم بعض المهارات والأفكار لتنمية قدراتهم الذهنية في تلك المرحلة من العمر، وهم لا يزالون في بيوتهم، وبطريقة ممتعة وبدون إرهاق ولا ملل.

وحتى بعد أن بُدئ بالإنتاج، وتم إنجاز الحلقتين الأوليين رُؤي أن تُجرى دراسة تقييم نهائية، يتقرَّر بعدها الاستمرار في الإنتاج، أو تعديل خطِّ السير بما يتناسب مع ما يقرّره الدارسون من المختصين في شؤون التربية والاجتماع والثقافة والتعليم، الذين حضروا إلى الكويت من مختلف أرجاء العالم العربي لتقييم ذلك العمل. فالحلقتان الأولى والثانية، هما بداية لمائة وثلاثين حلقة يستغرق عرض كلٍّ منها نحو 30 دقيقة. وعلى هذا، كان لا بدَّ أن يكون الأساس قويمًا خاليًا من العيوب المنظورة والمستورة. فهذا برنامجٌ رائدٌ في مجال تعليم الأطفال في العالم العربي، وتكاليفه كبيرة، ولا بدَّ أن يكون على المستوى المطلوب. قال الأستاذ إبراهيم اليوسف مدير عام مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك: "ونحن نعتقد أنه سيجتذب إليه نسبةً كبيرةً من الكبار أيضًا حيث أن الأمية في بعض أجزاء وطننا العربي تصل إلى حوالي 80 في المائة“.

عدد من الأطفال الذين اشتركوا في المسلسل في لقطات متنوعة داخل الاستديو، والجدير بالذكر أن هذه الوجوه المتعددة تمثل مختلف الأقطار العربية من الخليج إلى المحيط، وعائلاتهم تقيم في دولة الكويت حيث يعمل ذووهم.

لقد استغرق إنتاج الحلقتين النموذجيتين ما يقارب السنة، وكان إنجازهما يُشكِّل المرحلة الأولى في هذا البرنامج الكبير، في حين أنّ المرحلة النهائية، التي سيتم خلالها إنتاج 128 حلقة، تستغرق حوالي 18 شهرًا. وطول المدة في المرحلة الأولى شمل بطبيعة الحال الكثير من الأسس والترتيبات والمقدّمات التي ارتكزت عليها باقي الحلقات، أو في واقع الأمر، البرنامج بأجمعه.

وجدير بالذكر أن الحلقة الرائدة من برنامج "افتح يا سمسم" العربي قد فازت بالدرجة الأولى في المؤتمر العالمي للبرامج المُكيَّفة عن "شارع السمسم" الأمريكي، المنعقد في مدينة أمستردام في مايو "أيار" 1978م، على الدول المشتركة التي كيفت البرنامج وهي: ألمانيا الاتحادية، وفرنسا، والسويد، والمملكة المتحدة، والمكسيك، وإسبانيا، وبورتوريكو، واليابان، وهولندا، وكندا. ولقد كان انسجام مقدّمي البرنامج (الممثلون) في عملهم كاملًا ومثيرًا للدهشة، حتى أن أحد الصحفيين الأجانب ممن جاؤوا للكتابة عن المسلسل، طلب التحدّث عقب تصوير إحدى اللقطات إلى مقدمة الحلقة، ولما خاطبها بالإنجليزية أجابته بأنها لا تُتقنها. فقال مندهشًا، وقد ضرب جبهته بيده: ماذا تقولين؟! لقد فهمتِ كل حركة وكل إشارة ورَدَت أثناء الأداء!

ولم يقتصر المسلسل على تصوير المناظر في الاستوديو التي تمت في تلفزيون الكويت، وبلغت 650 مشهدًا، ولا على أفلام الرسوم المتحركة التعليمية والترفيهية، بل تعدّاها إلى تشكيل فِرَق تصويرية قامت بالتقاط مناظر ولقطات تتراوح مدة الواحدة منها بين دقيقة وثلاث دقائق من مختلف الأقطار العربية، لتُعرض في حلقات البرنامج، فتعطي الصغار انطباعًا عن ذلك القُطر وتعرّفهم به. وقد غطّت الأفلام الحيّة التي صُوّرت خصوصًأ للبرنامج الكثير من معالم الحياة الجغرافية والاقتصادية والبشرية في مختلف أنحاء الوطن العربي، كالمساجد، والمتاحف، والأسواق، والحرف اليدوية، والصناعات، والحياة الفنية والشعبية وما إليها.

عبداللّه، بائع اللُّعَب، يساعد بعض الأطفال في تعلُّم أحرف الهجاء.

“

تحتوي كل حلقة على 25 مشهدًا، تتراوح مدّة الواحد بين 9 ثوانٍ و4 دقائق.

لا شك أن نجاح المسلسل الأجنبي، على اختلاف اللغات التي يُعرض فيها، كان نتيجةً مباشرةً لمشاركة فريدة بين المُنتِج التلفزيوني والباحث التربوي. وسينعكس هذا أيضًا في المسلسل العربي "افتح يا سمسم" نظرًا لوجود المشاركة الفعلية من قِبل جميع أعضاء اللجنة الاستشارية التي يشارك فيها عددٌ من الأكاديميين العرب البارزين.

ومن الجدير بالذكر أن أهداف البرنامج تشمل عشرة مجالات هي: المجال العُرفي، والاجتماعي، والصحي، والفكري، والاقتصادي، والتكنولوجي، والجمالي، والقومي، والروحي، والإنساني. إنه برنامجٌ تعليمي متكامل وُضع له 170 هدفًا. ومن أجل تحقيق ذلك ساهم أكثر من 23 كاتبًا من مختلف الأقطار العربية في كتابة حلقات المسلسل، كما كُتبت للبرنامج أكثر من 120 أغنية وأنشودة، منها ما يتكرر في الحلقات، كأغاني الأرقام والحروف والتصنيف. ومن أهداف البرنامج أيضًا تعليم الحروف العربية في مواقعها المختلفة من الكلمة بأسلوبٍ شيّقٍ ممتع وباستعمال كلمات مألوفة. كما يعلِّم قراءة ثلاث عشرة كلمة تكثر رؤيتها في الحياة اليومية مثل: قف، خطر، مدرسة، شرطة، هدوء، اسحب، ادفع، اعبر، مدخل، مخرج، ممنوع، مفتوح، مغلق.

ويتم ذلك، في البداية، باستعمال كلماتٍ من حرفين، فتُنقل الأحرف ويُطلب قراءتها أو لفظها ثم تُزاد الأحرف لتشكِّل كلماتٍ من ثلاثة أو أربعة أحرف. وما من شكٍّ في أن تعليم الأحرف العربية سيسهِّل كثيرًا من مهمة المدرِّس في رياض الأطفال أو المدارس الابتدائية، لأن الطفل في هذه الحالة يكون قد ألمّ بالحروف وأشكالها.

نعمان مع بعض الكشافة يتدرب على معرفة اليمين من الشمال.

“

يُعرض بمعدل خمسة أيام في الأسبوع لمدة 26 أسبوعًا ثم يُكرّر بعد ذلك.

والبرنامج إجمالًا مُنوَّع تحتوي حلقاته مشاهدَ طريفة، وأفلامًا حيّة تصوِّر ما يدور حول الطفل في الطبيعة، ورسومًا مُتحرّكة تهدف إلى تعليم الطفل وتدريبه، وفي الوقت نفسه، تسليته. والمشاهد مُوزَّعة بطريقة مدروسة، وفي فقرات قصيرة تتراوح مدتها بين 15 ثانية وثلاث دقائق. ويقوم بتقديم البرنامج أو التمثيل فيه شخصيات آدميةٍ ودُمًى مُتعدِّدة، منها ما يحركه الممثل بنفسه.

وأشهر الدمى في البرنامج هما: نعمان، وهو كائن ضخم في شكل دمية، يكسو الصوف جسمه، ودودٌ، متعاون، سريع التأثُّر، له خَطَرات ذهنية غير متوقعة. وملسون، وهو دمية في شكل ببغاء ذكي، كثير الكلام، ويجيد الغناء. أما أشهر الأشخاص الآدميين، فأسماؤهم في البرنامج هي: فاطمة، حمد، عبداللّه، هشام، ليلى، خليل، سعيد. وهي كما ترى أسماء عربية شائعة. 

وقد خُصّص لتعليم الأرقام وقتٌ كافٍ، بحيث يتعلم الطفلُ العدَّ من 1 إلى 20. في المرحلة الأولى يتعلم العد من 1 إلى 10 تصاعديًّا وتنازليًّا، أي من 1 إلى 10، ومن 10 إلى 1. كما يتعلَّم العد من أي رقمٍ يُعطى له إلى 10، و 10 أو ما دونها: من 3 إلى 8 مثلًا، أو 2 إلى 9، وهكذا. وكذلك يتعلّم الجمع والطرح في حدود الرقم 10. واستُعمل في تعليم الأرقام الشكلان: العربي الحديث الذي يستخدمه أهل المشرق العربي، والقديم الذي يستخدمه أهل المغرب، أي كما تُكت بالإنجليزية. وكذلك يتعلّم الطفل بعض الأشكال الهندسية، كالدائرة والمثلث والمربع والمستطيل، وتطبيق هذه الأشكال على مثيلاتها في صورٍ ورسوماتٍ أخرى تُعرض له، مما ينمّي مواهبه ويوسع مداركه.

فني الصوت يمد السماعة للممثلين في لقطة تصويرية أمام ورشة هشام.

“

برنامجٌ عائلي يشاهده الصغار والكبار ويوفر فرصةً للمحاورة والحديث بينهم.

برنامجٍ تعليمي مُنظَّم

إن المسلسل العربي يعتمد في جميع حلقاته على برنامجٍ تعليمي مُنظَّم وضعه عددٌ من المربّين واللغويين والإذاعيين والأطباء النفسانيين من مختلف أنحاء العالم العربي. وقد عُهد إلى عددٍ من الممثلين والمخرجين ورجال الفن العرب لتقديم البرنامج. ولذا يمكن اعتباره إنتاجًا عربيًّا شاملًا في مجال الفن والفكر والتربية. وقد تحدث خبير أمريكي بالمناهج التربوية عن البرنامج فقال "إنه ليس مجرد نسخة من شارع السمسم، فمع أنه يتميّز بالأصالة والمماثلة للنسخة الأمريكية من حيث المهارات التلفزيونية، إلا أنه من حيث الأهداف التعليمية والمحتوى الثقافي عربيٌ تمامًا“.

اعتمد المسؤولون أربع قواعد في إخراج كل حلقة بحيث تشتمل على حوالي عشر دقائق من الرسوم المتحركة (كرتون)، وعلى تصوير خارجي، وتصوير داخل الاستديو، وشيءٍ من الألعاب والتسلية. وقد نُفِّذت الرسومُ المتحركة من قِبَل أشهر المؤسسات المتخصصة في هذا الفنِّ في نيويورك ولندن وهامبورغ وزغرب والقاهرة.

تدرس المؤسسة حاليًّا إمكانية إنتاج نحو 14 فِلمًا وثائقيًّا عن التراث الشعبي في منطقة الخليج، وعن الفنون، والصناعة، وعدة أفلام تاريخية، كما تُخطط لإنتاج مسلسلٍ للآباء والأمهات يدور حول العناية بالأطفال وتربيتهم، وهناك فكرة لإنتاج موسوعة مرئية إسلامية عربية.

وهذه المشاريع سوف تستفيد من الأبحاث والخبرات التي اكتُسبت أثناء تخطيط وإنتاج برنامج "افتح يا سمسم". وهذا بدوره سوف يساعد المؤلفين والأساتذة في الجامعات في كتابة برامج تعليمية تثقيفية وترويحية في الوقت ذاته، تناسب أذواق المشاهدين الأميين، والأمهات، والقاطنين في الأرياف والمناطق الزراعية. وقد أثبت برنامج "افتح يا سمسم" إمكانية قيام تعاون وثيق بين مختلف أقطار الخليج، وهذا ما يؤمل أن تحقّقه المؤسسة.

أعلى من اليمين: الدكتور عدنان عقل، مدير عام مؤسسة الكويت للتقدم العلمي. بعض أعضاء الوفود الذين حضروا الاجتماع وهم من اليمين: الدكتور محمد جواد، مدير الأبحاث في المؤسسة، ومن اليسار، المستر دونكان كنويرثي، مستشار البرنامج المقيم في الكويت. وفي الوسط (بالغترة) السيد سعود هلوى، المدير العام المساعد لتلفزيون الخليج في الرياض. السيد إبراهيم اليوسف، مدير عام مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي. عددٌ من الخبراء العرب والأجانب يعقدون اجتماعًا لتقويم المسلسل.

الأطفال يرقصون فرحين ويبدو عليهم التعاون كأفراد أسرة واحدة.

ولم تفُت الأصواتُ القائمين على هذا البرنامج، فالطفل يستمع لصوتٍ ما، ثم يشاهد صورة حيوانٍ أو آلةٍ معروفة لديه ويربط بينهما. ولا شك أن الصغار سيستمتعون بطريقة البرنامج في تعلّم بعض الكلمات الظرفيّة مثل: فوق، تحت، جنب، بعيد، قريب، وكذلك قبل وبعد، وغيرها كثير.

وخُصّص لجسم الإنسان نصيبٌ جيدٌ في البرنامج، فيتعلّم الطفل أسماء بعض أعضائه، والوظيفة التي يقوم بها كلٌّ منها. فالتخطيط والتفكير في الرأس، والرؤية بالعينين، والسمع بالأذنين، وهكذا. كما يوضح للطفل، بطريقةٍ سهلةٍ مُبسَّطة، ضرورة المحافظة على نظافة يديه وثيابه وأسنانه وشعره وجسده إجمالًا.. ويُعرّف بأهمية التمارين الرياضية والراحة والطعام للجسد، وكذلك بضرورة الابتعاد به عن مواطن الأذى والخطر كالحشرات والسموم. كما ينبّه إلى مضارِّ الضجيج أثناء النوم، والنورِ الضعيف أثناء القراءة.

وخُصّص نصيبٌ من البرنامج للسلوك الاجتماعي والتعاون، وكيف يمكن بواسطتهما تحقيق الأهداف المطلوبة. وسيلاحظ الطفل، لاشعوريًّا، كيف أن مساهمة الأفراد في تخطيط أو تنفيذ عملٍ ما تُسرِّع في إنجازه وتحقيقه.

ووُضِع للنقود وأهميتها بندٌ خاص في البرنامج.. كيف يحصل الناس عليها، والطريقة الصحيحة في إنفاقها، وعلافتها بحاجات الناس وتحقيق رغباتهم وسعادتهم. 

وخُصّص جزءٌ للطبيعة والبيئة من حول الطفل، كالمياه والأشجار والسماء والنجوم والبحار والأنهار والينابيع والواحات والجبال والصحارى والغابات، والمعادن كالذهب والفضة والحديد، والمدن والأراضي الزراعية والمعدّات الآلية والميكانيكية والزيت والوقود والزراعة، وبعض التغيّرات الكيميائية والطبيعية، كالضوء والحرارة وتأثير هذا وذاك على الناس ومعيشتهم. وكذلك خُصّص نصيبٌ للتعريف بالعالم العربي من الناحية الوطنية، كاللغة والأعلام والمساجد والعادات وأهمية الثروات الطبيعية الموجودة فيه. وكذلك يتعلم الطفل بأن لكل شيء خالقًا، وأن خالق الناس هو اللّه سبحانه وتعالى، وأن علينا عبادته وطاعته والسعي إلى مرضاته.

المهندس حمد يُري نعمان مجموعةً من الصور الخاصة به أثناء جلوسهما أمام دكان المرطبات.

“

ثمرة ثلاث سنوات من التخطيط والبحث والإنتاج العربي المشترك.

يعتمد وقت عرض أي لقطةٍ وأسلوبٍ على أولوية الهدف ومضمونه. وبما أن المسلسل مُوجَّه للأطفال أساسًا، فإن طريقة إبراز المضمون بشكلٍ موثر وممتع تصبح حساسةً جدًّا، نظرًا لطبيعة مرحلة العمر من 3 - 6 سنوات من الناحية النفسية والاجتماعية والتعليمية. يقول مُساعد المنتج، السيد فاروق قيسي في هذا الصدد: "يجب ألا يكون هناك أي خلطٍ في حركة أو حوار، وعلى المخرج أن يحقّق الهدف من المضمون في لقطات قليلة ومُبسَّطة. وذلك في حد ذاته فن“.

ومن المعروف أن تسمية البرنامج الأمريكي الشهير "شارع السمسم" (Sesame Street) جاءت من "افتح يا سمسم"، العبارة التي وردت في قصة "علي بابا والأربعين حرامي" في " ألف ليلة وليلة". وإذًا فتسمية البرنامج العربي "افتح يا سمسم" ليس رجوعًا إلى الأصل فحسب، بل هو إيحاءُ بجوٍّ عامرٍ بالخيال والترقُّب والمتعة. إنه، بمعنًى آخر، الرغبةُ في أن يَفتح هذا البرنامج أمام أطفال العالم العربي كهفًا من كنوز المعرفة والإثارة. 

ولما كان مسلسل "افتح يا سمسم" هو باكورة مشاريع مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج، فقد كُرّست له العديد من الأيدي الفنية المتخصصة ليأتي متكاملًا، وليسير الإنتاج بعد ذلك على منواله. وفي هذا يقول السيد دونكان كنويرثي المنتج الاستشاري المقيم لورشة التلفزيون للأطفال في نيويورك: "إنه، ولا شك، مسلسلٌ ناجح بكل معنى الكلمة، وحتى قبل أن يبدأ بثه على الهواء. إن انتقال العمل التقني هو سر العمل الفني الناجح، فالمؤسسة تستخدم أسلوب ورشة التلفزيون للأطفال في عرض مسلسلات تلفزيونية تثقيفية وترفيهية. وقد تمكَّن العاملون في المشروع من إنجاز الكثير خلال العامين الماضيين، الأمر الذي سينعكس صداه على الأعمال الفنية الأخرى في الأعوام القادمة ".

كبير المنتجين يبحث أحد الأدوار، وقد ظهر توفيق العشا خلف الببغاء وعبد اللّه الحبيل إلى اليسار.

ويعلق السيد فيصل الياسري، كبير المخرجين، على مشروع برنامج "افتح يا سمسم" بقوله: "لقد أثبتت المؤسسة أن في إمكان الفنيين العرب والكُتّاب والمخرجين والمنتجين والممثلين القيام بأعمال مرموقة إذا ما وقفوا على قاعدة صلبة ذات أُسسٍ قويمة، وفي برنامج "افتح يا سمسم" اتّبعنا خطى وتجارب أناسٍ عملوا ونجحوا، وهو أول مشروعٍ تلفزيوني عربي بهذا الحجم، يجري التخطيط له مُقدمًا وبالكامل، ثم يبدأ إنتاجه حسب خُطةٍ منتظمة ومدروسة، فنحن نعرف مُقدّمًا ما نريد عرضه قبل أن نطلب من المؤلفين والكُتّاب تحريره وتنقيحه، ولقد أمضينا أكثر من 64 أسبوعًا في عملية الإنتاج، وكنا نقف على كل خطوة من خطواتنا، ونعمل متعاونين كفريقٍ واحد في سبيل تحقيق أهداف البرنامج ”.

هذا، ويخطط المسؤولون عن البرنامج لدراسة نتائج بثه وإذاعته لمعرفة مدى تأثيره على الناشئة ممن تراوح أعمارهم بين الثالثة والسادسة ومقدار استفادتهم منه، وكذلك معرفة آراء الآباء والمعلمين والمذيعين والمسؤولين في شؤون التربية والأعلام. وسيقوم عددٌ من الباحثين بزيارة عمّان وتونس والقاهرة بالإضافة إلى الكويت، مركز المعهد، لإجراء بعض الاختبارات على بعض الأطفال الذين شاهدوا "افتح يا سمسم" ومقارنة نتيجتها بنتيجة اختباراتٍ سيجرونها على أطفال لم تسنح لهم فرصة مشاهدة المسلسل. وهذه المعلومات ضرورية ليس فقط لدى مراجعة بعض حلقات البرنامج، وإنما أيضًا للتخطيط للبرامج التربوية في المستقبل.

نعمان وملسون.

طفلتان من اللواتي يظهرن في المسلسل.

طفلةٌ من المشتركين في المسلسل.

مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي - الكويت

تأست عام 1976م وهي تتألف من: الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والسعودية، والعراق، وقطر، والكويت.

أهم أهداف المؤسسة :

  • إحياء التاريخ العربي الإسلامي، وإبراز المُثُل العُليا لدين الإسلام الحنيف، والتعريف بأمجاد الإسلام، وسِيَر قادته وأبطاله.
  • إحياء التراث الخليجي، وبخاصة الفنون الشعبية وتسجيلها تسجيلًا وثائقيًّا على أفلام سينمائية، والتعريف بمناطق الخليج العربي من جوانبها كافة.
  • الارتفاع بمستوى الإنتاج الفني للبرامج، وإلقاء الضوء على الكفايات الفنية والأدبية وتدريب الموهوبين، وتشجيعهم على الإبداع.

وبعد، لقد نجحَت مؤسسة الإنتاج البرامجي المشرتك بطاقاتها البشرية العاملة من إداريين وممثلين وفنيين في إخراج هذا المسلسل التربوي الكبير. كما أن الأشخاص الذين ظهروا في البرنامج بصورةٍ دائمة هم ممثلون عرب وممثلات عربيات من دول الخليج وغيرها من الأقطار العربية. هذا بالاضافة إلى أن الأطفال الذين اشتركوا في المسلسل يمثلون أطفال العالم العربي، وقد تم اختيارهم من عائلات عربية تقيم في الكويت، أي أن الإنتاج كان لقاءً عربيًّا كبيرًا.

والآن وقد اقترب وقت عرض هذا البرنامج فإن أنظار الصغار وأهليهم ومدرسيهم تتجه نحو هذا العمل الذي نأمل أن يكون فاتحة خير لبرامج أخرى مدروسة، تُعلّم وترشد بأسلوب ممتع جذّاب.