
جزيرة تاروت 1966م
مارس 26, 2026
نُشرت في قافلة الزيت عدد (ديسمبر - يناير 1966م) بقلم عبد الحافظ كمال.
تصوير: سعود أبو حليّم.
اشتقاق اسمها
كانت جزيرة تاروت مقدسة في فجر التاريخ، ولعل ذلك لسبب أهمية مركزها التجاري العظيم في غابر الزمان، فتاروت، حسب رأي بعض المؤرخين، ما هو الا المقطع الأخير من الاسم الكامل "عشتاروت". وهي ربة الحب والخصب عند جميع الساميين. ولا تزال القرية التي في وسط هذه الجزيرة تحمل اسم تاروت إلى الآن، ولعلها كانت مركز هيكل كبير تجري فيه طقوسها الدينية.
موقعها
هذه الجزيرة الصغيرة الجميلة التي تشير إليها المصادر العربية القديمة، باسم جزيرة دارين، أو دارين، تبعد عن الشاطيء مقابل "القطيف" و"عنك" مسافة ميل ونصف الميل، وتصبح هذه المسافة عند الجزر مخاضة يمكن قطعها سيرًا على الأقدام. وتبلغ مساحة هذه الجزيرة حوالي ستة أميال مربعة. وأقصى طول لها من الشمال إلى الجنوب أربعة أميال تقريبًا وأقصى عرض لها ثلاثة أميال ونصف الميل.

منظر عام لمدينة تاروت بسوقها وبيوتها ونخيلها.
يزخر الخليج العربي بجزر عديدة، ومن أهمها دارين، تركت أسماؤها أصداءً قوية وتلاطمت على شواطئها موجات التاريخ أحقابًا متواصلة، كما تزخر شواطيء الخليج وجزائره بمدن كثيرة امتلأت أزمانًا طويلة بالبضائع والسلع من جميع أرجاء العالم، وتزاحمت في أسواقها الأمم من كل جنس ولون. وشاهدَتْ أول المُترَبِين وأصحاب الملايين، كما رأت أول المغامرين والبحارة المكتشفين. فقد كان البحارة العرب من أهل الخليج أول من عرف الطرق البحرية إلى الهند والملايو والصين حتى كوريا وإفريقيا الشرقي ومدغشقر. وهناك بعض الإشارات إلى أنهم عبروا رأس الرجاء الصالح إلى إفريقيا الغربية، كما كانوا المرشدين للمكتشفين وتجار العالم الأجانب الذين أتوا إلى المياه العربية والهندية منذ أقدم العصور. وأقدم من عرفنا منهم "سيلاكس القرباندي" الذي أناط به داريوس الكبير (٤٨٥ - ٥٢١ ق.م) مهمة اكتشاف مجرى نهر السند، فقام بذلك إلى أن وصل البحر، ثم قطع البحر العربي حتى البحر الأحمر ثم "نياركاس" الكريتي أمير البحر عند الإسكندر الكبير (٣٢٣ - ٣٣٦ ق.م) الذي طلب منه أن يتبع خط الملاحة من مصب نهر السند حتى الخليج العربي، وأن يتعرف على هذا الخليج، ثم "فاسكو داجاما" البرتغالي، الذي فتح الباب لأوروبا الغربية لتتصل بالهند رأسًا بعد أن كان الخليج العربي منذ فجر التاريخ، وحتى مجيء البرتغاليين، مركز التجارة العالمية ومحور المواصلات بين الشرق والغرب، إذ كانت تمر فيه معظم التجارة البحرية في العالم وتتقاطع حواليه أهم الطرق البرية.

منظر بعيد لجزيرة تاروت وقد بان في وسط الصورة الطريق الجديد وفي مقدمتها بيت من بيوت القطيف الحديثة.
فمن جزيرة دارين كان أهل البادية ونجد يشترون حاجاتهم، وجاء ذكر ذلك في قول الشاعر:
يمرون بالدهنا خفافًا عبابهم
ويرجعن من دارين بجر الحقائب
وكانت الجزر في الخليج، والمدن المختلفة على شواطئه، تأخذ كل واحد منها مركز الصدارة على التوالي لسبب أو لآخر، فجزيرة البحرين وجزيرة دارين وجزيرة قيس وجزيرة هرمز تعاقبت الأهمية الأولى في تجارة الخليج، وكذلك المدن أمثال الابلة وسيراف وصحار ومسقط والبصرة. ويظهر أن مركز جزيرة تاروت كان حسنًا منذ القدم. فقد كانت مفتاح واحات القطيف والأحساء التي، بالإضافة إلى منتوجاتها القيمة من التمور الممتازة، كانت تنتج كميات وافرة من الأرز والقطن والمنسوجات الظهرانية والحساوية.
كما كانت مركزًا لتلاقي طُرق التجارة البرية من اليمن إلى وادي نجران الخصيب، ومنه تسير بمحاذاة جبال طويق من الجهة الغربية ثم تقطعها في وادي الدواسر مارّةً "بتمرة" و "السليل"، ثم تسير بمحاذاة جبال طويق من الجهة الشرقية إلى الأفلاج ومنها إلى اليمامة وهكذا إلى الأحساء التي كانت عاصمتها تُسمى هجر، وإلى القطيف حيث تلتقي من جهة البر بالقوافل المثقلة بالبضائع والقادمة من بلاد ما بين النهرين، والبلاد الأخرى.

منظر لقلعة عبدالوهاب في دارين، وتقع على الساحل جنوب غرب تاروت.
ويتضح لدارسي تاريخ الخليج في أقدم الأزمنة أن معظم جزر الخليج كانت مقدسة. ولعل هذا يدعم الرأي القائل بأن الملاحة البشرية قد وُلدت وتطوَّرت في الخليج العربي. فالجزر في غاية الأهمية للملاحة والملاحين، وعلى الأخص عندما كانت هذه الملاحة بدائية شاطئية، ولذلك أطلق الساميُّون القدامى على هذه الجزر أسماء آلهتهم، سواء أكانت كواكب أم غير ذلك. فجزيرة البحرين مثلًا كان اسمها "ديلمون" أو "تيلوس" ولا نعرف معنى أيٍّ من هذين الاسمين.
ولكنها فيما بعد، عندما قدمت إليها قبيلتا بكر وتغلب في طريقهما إلى بلاد ما بين النهرين، أصبحت تُسمى "أوال"، وهو الاسم الذي عرفها به العرب حتى عهد قريب. و"أوال" اسم إله بكر وتغلب في جاهليتهم كما تخبرنا به جميع المصادر العربية.
ويظهر أن جزيرة تاروت كانت معروفة في العالم القديم، فقد أطلق عليها بطليموس، الجغرافي الإسكندري، الذي عاش في القرن الثاني الميلادي، لفظة "تارو". ولا يشك العلماء في أنه يعني بذلك جزيرة تاروت الحالية، وهذا يدل على أنها كانت معروفة في العالم الغربي لأهمية ذكرها التجاري، الذي حافظت عليه طوال العصور القديمة والمتوسطة.
لقد حرص المسلمون على حفظ مكانة تاروت التجارية. وقد يحمل صدى الغنى الهائل لهذه المنطقة في زمن الخلفاء الراشدين وصدر الإسلام ما ذكره البلاذري، إذ قال: "وفد أبو هريرة -رضي اللّه عنه- من البحرين على عمر -رضي الله عنه- فسأله عن الناس، ثم قال له: ما جئت به؟ قال جئت بخسمائة ألف (أي درهم)، قال: هل تدري ما تقول؟ قال: مائة ألف ومائة ألف وعد خمسًا، فقام عمر في صبيحة اليوم التالي يخطب في الناس ويقول: إنه قدم علينا مال كثير، فإن شئتم أن نعدَّه لكم عدًّا وإن شئتم أن نكيله لكم كيلًا!"

مشهد لأطلال قصر تاروت الأثري، ويقع على مقربة من السوق العام.
هذا، وقد لمع نجم دارين في مطلع تاريخ المملكة العربية السعودية في نهاية القرن الثالث عشر الهجري، أو أوائل القرن العشرين الميلادي، ففيها التقى جلالة المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل آل سعود بممثل بريطانيا المستر "برسي كوكس"، المقيم السياسي في الخليج العربي آنئذٍ، وذلك في ديسمبر عام ١٩١٥، فوقَّعا في دارين على معاهدة أُطلق عليها اسم "معاهدة دارين" اعترفت بريطانيا بموجبها بالملك الراحل عبدالعزيز سلطانًا مستقلًّا على نجد والأحساء.
ومنذ بضع سنوات شرعت الحكومة العربية السعودية في رصف طريق مُعبَّد مرتفع عن الماء بصل بين القطيف وتاروت، فيجعل التنقُّل منها وإليها في غاية اليسر والسهولة. وقد تم العمل في أواخر 1962م.