
لا أتذكر ما دفعني مؤخّرًا لتفقّد ملاحظاتي المُدوَّنة على ورقة بحثية بحاسوبي. ما أتذكره هو تفاجئي بانضمام "أدوبي أكروبات" لجحافل البرامج التي اعتمدت الذكاء الاصطناعي ضمن أدواتها. وما إن فتحت الملف حتى انبثق أمامي تنبيه يعرض المساعدة في تلخيص أوراقها الثلاثين. تبادر إلى ذهني حينها السؤال الملحُّ دائمًا حول تكريس المعرفة في عصرنا بصفتها محض سلعة، التكريس الذي يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا رئيسًا فيه.
لإحقاق الحق، ليس الاختزال المطَّرد للمعارف وليد اليوم. كل أشكال المعرفة خضعت في العقود الأخيرة لإعادة قولبةٍ تُيسّر استهلاكها؛ صارت المقالات الإخبارية تعدد النقاط الأهم قبل عرض الخبر، وباتت ملخصاتُ نتائج الأبحاث العلمية أساسَ النقاشات حولها، واستحالت المقاطع القصيرة و"الريلز" وجباتٍ خفيفة تُغني عن التهام الأطباق الرئيسة.
ما ميَّز مختلَف نماذج اللغة الكبيرة هو إتاحتها تسليع المعرفة واستهلاكها بِيَد كل فردٍ قادر على ولوج العالم الرقمي. لم يعُد مُستغربًا استحضار (Grok) لتلخيص المنشورات ومساءلتها، وتكاثر النقاشات التي تستعين بـ (ChatGPT) في بناء الطرح أو الرد عليه، بحيث تصبح الغلبة في صف القادر على احتياز المعرفة الجاهزة بسرعةٍ وكمٍّ أكبر. هل يختلف هذا التصور عن الهايبرماركت الذي تصطفُّ على أرففه منتجات أكثر استجدادًا وعددًا؟
في ظل كل ذلك، يطلُّ الأدب دومًا بوجهه العصيِّ على النمط الاستهلاكي واستلابه. ورغم محاولات اختزال الأدب عبر العقود في مدخلات موسوعية قصيرة، أو كتيّبات إرشادية، أو كتب مدرسية وجامعية، ثمة ما يستوجب على القارئ المرور بتجربة القراءة ذاتها في سبيل تحصيله. ذلك أن معارف الأدب تتولَّد في فضاءٍ تتمازج فيه لغوية النص بسياقات يلعب القارئ دورًا رئيسًا في تشييد معانيها، الأمر الذي يقتضي استحالة اختزالها في بضع سطور تلفظها نماذج اللغة الكبيرة. لا مكان في الأدب لمنطق الاستهلاك القائم على أولوية الاحتياز والاستبدال السريعين، المنطق الذي يربط قيمة الشيء بقابلية استهلاكه ويُيسِّرها.
يمكن إعادة صياغة الفكرة من منظور مبدأ استخراج القيمة: في ظل هذا المنطق، تبدو المعرفة كما لو أنها قيمة كامنة في الشيء، بحيث يصبح استخراجها هدفًا رئيسًا وممكنًا. وارتباط هذا التخيل بنفعية الرأسمالية الاستخراجية واضح. ولكن ما ليس واضحًا هو تصوُّر أن المعرفة ليست مستقلة عن "شكلها". فوفق التصور الاستهلاكي للمعرفة، فالشكل ليس سوى حاملٍ خارجي لها، أو وعاءٍ توضع فيه حين تقديمها. وهذا ما يتيح، نظريًّا، إعادة قولبتها دون المساس بجوهرها؛ لا فرق بين كتاب من مئات الصفحات ومقطع من بضع دقائق سوى اختلاف الشكل القابل للاستهلاك.
ما تُطمس في معمعة كل ذلك هي عملية صناعة المعرفة. حين نتصوّر المعرفة جاهزةً دون إلمام بكيفية صناعتها، نصبح حبيسي منطق استهلاكي يفصل معنى المنتج عن عمليات إنتاجه. كأن المعرفة بالفعل منتج على رف هايبرماركت. والحقيقة عكس ذلك: لا معنى للمعرفة خارج الارتباط العضوي بين الشكل والمضمون في عملية توليدها. بعبارة أخرى، ليست ثمة معرفة مستقلة عن قالبها وأساليب توظيفاتها؛ فاختلاف الوسيط يقتضي اختلاف مفهوم المعرفة وغائياتها، وهذا ما يتيح صياغة قيمة للمعرفة على ضوء استعمالاتها البشرية بمعزل عن أي قيمة متعالية عن الواقع.
هذا التلازم بين الشكل والمعنى هو موطن ثورية الأدب، إذ يستحيل تناول ما يقوله النص دون التطرُّق لكيفية قوله. فخلافًا للمنطق الاستهلاكي، الذي يُمكّن تحول المنتج من شكلٍ لآخر دون الإخلال بجوانبه (ما يعني ضرورةً أن المنتج مسطَّح وقَطعيٌّ بما لا يحتمل تسرّبات المعنى)، ينطوي الأدب من حيث تكوينه على درجة من الغموض واللاتنبؤية، بحيث يتاح للقارئ تقصّي أفق شاسع لمعانٍ محتملةٍ. ذلك أن معنى العمل الأدبي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بشكله، والمتحقِّق بدوره في ذهن القارئ بكل ما يستحضره من سياقات. فليست بُنية الرواية، مثلًا، ولغتها وإيقاعها ومنظورها محض إضافات تكميلية على فكرة أو مضمون تريد الرواية إيصالهما، بل لا يقوم معنى العمل إلا بواسطتها وبتفاعلها مع قارئ قادر على الإتيان بتوليفات مختلفة بينها. المعنى لا يسبق الشكل، بل يتكاملان سوية. وإذا ما نظرنا لثالوث (الشكل، والمضمون، والمعنى) بعين القارئ، فلا عجب أن تقترن تجربة القراءة بأي معرفة تتوَّلد عنها.
ومن هنا تكتسب تجريبية الأدب مقاومتها للمنطق الاستهلاكي. تتلاشى الوجبات السريعة والسلع المتراكمة والمعلومات المُجترَّة، حيث يجبر الأدبُ قارئَه على التباطؤ والتصبُّر في معرض بناء المعنى. وفي حين تعتاش الاستهلاكية على الطرق المختصرة وسرعة التبادل، يقف الأدب سدًّا منيعًا عبر تأجيل عملية الإدراك وتعويم طيف المعاني المتاحة. وهذا موطن فشل الذكاء الاصطناعي المستمر: اختزال النص الأدبي في تلخيص مضمونه، هو إساءةٌ لفهم نطاق المعاني التي تستوجب الاستنطاق المتأني.
وفي ظل ثقافة تحكمها المعارف القابلة للاستهلاك، فحتى لو ازدادت محاولات الذكاء الاصطناعي للإتيان بملخَّصات أكثر دقة أو قراءات أكثر إلمامًا بما هو سائد، فلا شك أن الطلب على التجارب الثرية، شكلًا ومعنى، سيزداد بدوره. وإصرار الأدب على تكامل الشكل والمضمون في توليد المعنى، يقدم للقارئ ما أخفقت ثقافة الاستهلاك في تقديمه: قراءة تُفرِد التجربة الإنسانية بحد ذاتها.