Hero image

في سرد العائلة

طامي السميري

يناير 25, 2026

شارك

من بين الشخصيات الروائية، يحضر الآباء والأمهات والأبناء في نماذج اكتسبت شهرتها إمَّا بفرادتها، وإمَّا بانتمائها إلى بنية عائلية متماسكة. وقد تناولت الدراسات النقدية هذه النماذج على نحوٍ واسع. غير أن جانبًا آخر لم يحظَ بما يستحقه من العناية، وهو حضور الإخوة والأشقاء: كيف يتجلّون في الرواية؟ وكيف تُنسَج العلاقات ما بينهم داخل العمل الروائي؟ 
ولفهم هذا الحضور واستجلاء ملامحه، لا بدَّ من العودة إلى الروايات العائلية التي تُتيح لتلك الشخصيات أن تتكوَّن وتنمو داخل إطارٍ سردي يحتضنها؛ إذ يشكِّل هذا الفضاءُ المجالَ الأقدر على إظهار طبيعة الروابط بين الإخوة، وكيف تتطوَّر وتتحوَّل ضمن سياق الحكاية.

عند تأمّل مفهوم "الرواية العائلية"، نصطدم بقدرٍ من الالتباس؛ فثمَّة ميلٌ إلى تعريفها اعتمادًا على كثرة عدد الشخصيات، أو على امتداد الحكاية عبر أجيال متعاقبة، كما ظهر في روايات شهيرة قدَّمت سردًا ملحميًّا لحياة عائلة عبر أجيال متعددة، مثل: "مائة عام من العزلة" لغابرييل غارسيا ماركيز، و"الحرافيش" لنجيب محفوظ، و"آل بودنبروك" لتوماس مان، و"الحرب والسلام" لليو تولستوي، ويغيب هذا النوع أو يكاد عن الرواية السعودية.
لكن، يظلُّ هذا التعريف قاصرًا؛ لأنه يستبعد رواياتٍ صَنعت عمقها العائلي من خلال عددٍ محدودٍ من أفراد الأسرة (أب وأم وابن مثلًا)، وهي مع ذلك حافظت على جوهر البنية العائلية. لذا، فالرواية العائلية لا تُعرَّف بحجم الأسرة ولا بتعدّد أجيالها، بل بوجود أيّ شكل من أشكال حضور الأسرة. فكل رواية تحقِّق هذا الشرط تُعَدُّ رواية عائلية، حتى وإن انحصر حضورها في أسرة صغيرة بأبسط تكويناتها.

 
 

ما يميّز الرواية العائلية

للرواية العائلية امتيازات سردية من حيث تعدّد الشخصيات، أو تشكّل العلاقات الداخلية، أو البناء الدرامي. ولهذا، نجد أن السارد الأكثر شيوعًا في هذا النوع من الروايات هو الراوي العليم؛ فهو يتيح للسارد أن يسرد نيابةً عن الجميع، ويلمّ بكل تفاصيل الحكايات. وإن كانت هناك حالات مختلفة، مثل تناوب أفراد الأسرة على السرد، أو أن تتكفّل إحدى شخصيات العائلة بالسرد نيابةً عنه وعن عائلته، مثلما حدث في رواية "الأفلام" للكاتب التشيلي هيرنان ريبيرا لتيلير؛ فهي على صِغر حجمها، تمثّل نموذج الرواية العائلية. كذلك هناك حالة نادرة، وهي أن تكون الرواية مسرودة بصوتين، مثل رواية "الدفتر الكبير" لآغوتا كريستوف. 

 

 

الرواية العائلية السعودية

في الرواية السعودية نلحظ تجسّد الحضور العائلي في مجموعة من الروايات، مثل: "ابن طراق" لبدر ومحمد السماري، و"الحمام لا يطير في بريدة" ليوسف المحيميد، و"أغنية التمر والتين" لعبدالله الحواس؛ عدا روايات تناولت حِقبًا زمنية أكثر امتدادًا، مثل رواية "اليوم الأخير لبائع الحمام" لعبدالعزيز الصقعبي. والمُلاحظ أن الروايات النسائية السعودية هي الأكثر اهتمامًا باختيار الشكل العائلي، مثل روايات أميمة الخميس: "البحريات" و"الوارفة" و"زيارة سجى"؛ وروايات بدرية البشر: "هند والعسكر" و"غراميات شارع الأعشى"؛ وأمل الفاران في: "كائنات من طرب" و"غوّاصو الأحقاف". غير أنّ هذا الحضور العائلي في الرواية السعودية له ملامح فنية خاصة ليس هذا المقال مجالها.

 

 

ثلاثة إخوة.. الرقم المفضّل

إن التأمّل في فنيّات كتابة الرواية العائلية مجالٌ واسع وخصب، فحين نتتبّعها تتبدّى أمامنا نماذج متعدّدة؛ لعل أبرزها نموذج "الإخوة كارامازوف" لدى دوستويفسكي (دميتري - إيفان - أليوشا)، وهو النموذج الذي رسّخ رقم ثلاثة رقمًا مفضّلًا لدى كثير من الروائيين. ويتكرّر هذا البناء الثلاثي في روايات نجيب محفوظ: في الثلاثية (ياسين - فهمي - كمال)، و"بداية ونهاية" (حسين - حسن - حسنين)، كما نجده في رواية "العرّاب" (سانتينو - فريدو - مايكل). ويستعيد جيم هاريسون هذا التكوين نفسه في رواية "أساطير الخريف" (آلفريد لودلو - تريستان لودلو - صموئيل)، وكذلك جون ستاينبك في "عناقيد الغضب" (نوح - توم - آل).

ويبدو أن حضور ثلاثة إخوة يمنح الروائي مرونةً، ويُتيح له توزيع ملامح الشخصيات بين الخير والشر؛ فيجعل أحدهم شريرًا، والآخر طيبًا أو ساذجًا، والثالث يحمل الصفات الجيدة. بهذا التوزيع تتولّد الديناميات الدرامية، ويتّسع مجال الصراع الداخلي والخارجي في الرواية.

غير أن الملاحظة اللافتة هي أن هذا البناء الثلاثي كثيرًا ما يجاوره حضور أختٍ وحيدة، ولكنها تبدو على هامش السرد في الحكاية، كما في "العرّاب" و"عناقيد الغضب" و"بداية ونهاية". 

 
 

 

 

 عدالة سردية أم كاريزما الشخصيات؟

يبدو من الصعب أن يكون هناك توازن سردي بين شخصيات الأشقّاء في الرواية؛ فلا بدَّ من شخصية محورية تظفر بالوهج السردي في الحكاية. وأحيانًا يُؤجَّل هذا الوهج في ظلّ سطوة حضور الأب أو شخصية الأم. ففي ثلاثية نجيب محفوظ، كان الأب "السيد عبدالجواد" هو المهيمن في جزئي "قصر الشوق" و"بين القصرين"، لكنه تدرَّج في الخفوت مع تقدّم الزمن. وفي المقابل، تصاعد دور "كمال عبدالجواد" حتى غدا الشخصية المحورية، وزاحمه "ياسين" في هذا الحضور، ولكن بنحوٍ أقل. هذا التدرّج في تغييب شخصية الأب حدث أيضًا في رواية "العرّاب"؛ إذ بدأ يتراجع حضور "الدون" حتى لحظات مقتله، ليبدأ دور "مايكل" في الاستحواذ على تفاصيل الحكاية. أما في رواية "أساطير الخريف"، فنجد الأب العقيد "ويليام لودلو" ذا دورٍ مُقنَّن منذ البداية؛ إذ يظهر بصورة الجنرال المتقاعد الذي يتأمّل ويرقب مآلات أولاده. ولهذا، نجد الابن الأوسط "تريستان" يصبح الشخصية المحورية.

ونجد دور الأم القائدة أيضًا في رواية "بداية ونهاية" في ظلّ وفاة الأب منذ المشهد الأوّل في الرواية، لكن هذه الرواية تميّزت بأن أدوار الأشقّاء كانت متوازنة إلى حدٍّ بعيد. أما الأب في "الإخوة كارامازوف"، فعلى الرغم من حضوره السردي ومقاسمته الأبناء مساحةً في السرد، قُدِّم في صورة الأب الهزلي غير المؤثّر. في حين نجد في رواية "ابن طراق" لبدر ومحمد السماري، أن الأب يُتوفّى منذ المشهد الأول، لكنه يظلّ مؤثرًا في الرواية طوال السرد، بل إن ابنه "جبل" حاول أن يحاكي شخصية والده "ابن طراق" ولكنه يفشل. وفي هذه الرواية نجد نموذج الإخوة غير الأشقاء (جبل - طرقي - طارق)، وهم الإخوة الكبار في الرواية، فيما جاء ذكر بقية الإخوة والأخوات بالأرقام من دون حيزٍ لحضور شخصياتهم. وكانت العلاقة بين الإخوة خالية من الصراع، لكنها تعكس انحياز كلٍّ منهم لمسار والدته.

ويتكرّر نموذج الإخوة غير الأشقاء في رواية "البحريات"، لكن الساردة تُغيِّب حضور الأب إلى حدٍّ بعيد، وتكتفي بأن يكون التركيز على الزوجة "بهيجة" لتقديم سيرة النساء البحريات في الرواية، من دون أن تلفت إلى الشخصيات الأخرى بعنايةٍ تماثل عنايتها بالزوجات البحريات اللواتي تجذّرن في الصحراء.

أما مؤلفة رواية "نساء صغيرات"، فلم تكُن تحتاج إلى الأب داخل الأحداث، لكنها مُلزَمة بوجوده لإضفاء الروح العائلية المثالية على بطلات روايتها. ولهذا، أبعدته عن مجرى الحكاية بأن جعلته في الحرب، ثم أمرضته فترة طويلة، وعندما عاد إلى المنزل كان حضوره محدودًا للغاية، في حين بقيت الأم هي الشخصية المؤثّرة والمحورية.
 

 

الموت والاستثمار السردي

في محور الأشقاء، غالبًا ما نجد أن أحد الإخوة يموت أو يُغيَّب أو يمرض؛ فلا تُمنح السعادة لكل الأشقاء في الروايات. وهذا ما نرصده في ثلاثية نجيب محفوظ، حيث تُوفّي الابن الأوسط "فهمي"، وتخلق وفاته مساحة سردية تتيح لشقيقه الأصغر "كمال" التقدّم في السرد.

وفي رواية "العرّاب"، يُغيّب الموت الأخ الأكبر "سوني"، وكان لموته دورٌ في تعزيز صعود "مايكل" ليصبح "الدون" خَلفًا لوالده. وقد تخلّص "مايكل" من شقيقه الأوسط المولع بالحياة الليلية "فريدو"؛ إذ شعر "مايكل" بأن حماقات أخيه قد تطيح بمجد العائلة. أما الموت في رواية "أساطير الخريف"، فقد كان من نصيب الابن الأصغر "صموئيل" الذي قُتل في المعركة، وترتّبت على وفاته إشكاليات عائلية يدركها من قرأ الرواية.

والموت ليس دائمًا الحل السردي لتغييب أحد الأشقّاء من الحكاية؛ إذ قد يكون الهرب أو التخلي عن العائلة أسلوبًا لخلق فراغ سردي يستثمره الروائي. وهذا ما تحقَّق في رواية "عناقيد الغضب"، عندما تخلّى الأخ الأكبر "توم" عن مرافقة العائلة في رحلتها، وفضَّل أن يجاور النهر، حيث وجد في رفقة الماء سكينة توهّم أنها تسكنه. وأيضًا في رواية "نساء صغيرات" غيّب الموت "كاثرين"، تلك الشخصية اللطيفة التي سيحزن القارئ عليها؛ إذ تدرّج السرد في وصف مرضها حتى وفاتها، لكن تلك الوفاة لم تخلق فراغًا سرديًّا يُستثمر، وإنما خلقت حزنًا وأسًى على غياب تلك الشخصية اللطيفة.

 
 

الشقيقات في الروايات

يحضر نموذج الشقيقات في الروايات حضورًا مهمًّا، وإن كان لحضور الأشقاء الذكور شيوعٌ وتفضيلٌ أكثر لدى عدد كبير من الروائيين. ومن أبرز النماذج، رواية "نساء صغيرات"، حيث الأخوات الأربع اللواتي يجمعن الطيبة والشقاوة والجاذبية الأنثوية. لم تُفضِّل مؤلّفة الرواية إحداهنَّ على الأخرى، وقدَّمت عائلة تتحرَّك بكل تفاصيلها المنزلية والعاطفية، وهو ما جعل الرواية أحد أعمق الأعمال التي تناولت علاقة الشقيقات في الأدب.

وفي رواية "اللون الأرجواني" لمؤلفتها أليس ووكر، نرى "سيلي" وشقيقتها، نموذجًا إنسانيًّا أنهكه التعب والشقاء، وكانت الرسائل المتبادلة بينهما مرآةً لوجدان الأختين وأوجاعهما. وسنجد صدىً لهذه الثيمة أيضًا في رواية "مدن العشب" لعبده خال، حيث تتباعد الشقيقتان في المكان؛ فإحداهما تعيش في قرية جنوبية، والأخرى تستقر في جدة، فيما تتولّى الرسائل مهمة الحفاظ على رابطة الأخوّة. ولا ننسى نموذج الشقيقتين "خديجة" و"عائشة" في ثلاثية نجيب محفوظ، حيث كان لهما مسارٌ تشاركيٌّ مع أشقائهما وأخيهما غير الشقيق "ياسين"، إلا أن محفوظ أوجد لهما مسارًا سرديًّا مستقلًّا يتبادلان فيه الأسرار والمشاكسات، بل أحيانًا شيئًا من الغيرة. 

أما كونديرا، وعلى الرغم من عدم ميله إلى النموذج العائلي، فقد قدّم في رواية الخلود نموذجين لافتين من الشقيقات: "أنييس" و"لورا". غير أنه لا يتوغّل فيهما عبر البُعد الأسري، بل عبر أفكارهما وقناعاتهما التي صنعت لكل واحدة منهما عالمًا خاصًّا تعيش تحت مظلته.

ويكثر نموذج الشقيقات في الروايات الكلاسيكية التي كتبتها الروائيات الإنجليزيات، مثل رواية "كبرياء وتحامل" لمؤلفتها جين أوستن، وغيرها من أعمال أوستن التي منحت علاقة الأخوات دورًا محوريًّا في بناء الشخصيات ومسار الدراما.

تكشف هذه النماذج المختلفة لمسار الأشقاء في الروايات أن للروائيين خياراتهم السردية في رسم اختلاف الشخصيات من حيث السمات النفسية والفكرية، وكيف يسهم هذا التنوُّع في دفع الحكاية وتشكيل مسارها الدرامي.

 

 

 

 

 

استطاعت الرواية السعودية أن تبرز بوصفها أداة قوية للتعبير عن البيئة والهوية

طامي السميري: كاتب وصحفي سعودي.